Two 13-year-old boys dig for gold ore at a small-scale mine in Mbeya Region, Tanzania.

(دار السلام) ـ قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن الأطفال الذين لا تتجاوز أعمار بعضهم ثماني سنوات يعملون في مناجم ذهب صغيرة، مع وجود مخاطر جسيمة على صحتهم بل وعلى أرواحهم. ويجب على حكومة تنزانيا الحد من عمل الأطفال في التنقيب عن الذهب في المناجم الصغيرة، بما في ذلك المناجم غير الرسمية وغير المرخصة. وينبغي على البنك الدولي والبلدان المانحة دعم هذه الجهود.

التقرير الصادر في 96 صفحة بعنوان "الكدح المسموم: عمالة الأطفال والتعرض للتسمم بالزئبق في مناجم الذهب الصغيرة في تنزانيا"، يوضح كيفية عمل آلاف الأطفال في مناجم الذهب الصغيرة المرخصة وغير المرخصة في تنزانيا، رابع أكبر دولة منتجة للذهب في أفريقيا. يقومون بالحفر والتنقيب في الأعماق، في حفر غير مستقرة، والعمل تحت الأرض لنوبات عمل تصل إلى 24 ساعة، وينقلون ويكسرون أكياس الذهب الخام الثقيلة. يواجه الأطفال خطر الإصابة من انهيارات الحفر والحوادث الناجمة عن الأدوات المستخدمة في الحفر، فضلا عن الأضرار الصحية على المدى الطويل من التعرض للزئبق، واستنشاق الغبار، وحمل الأحمال الثقيلة. قال صبي عمره 17 عاما الذي نجا من حادث حفر لـ هيومن راتيس ووتش: "ظننت أنني مت وكنت خائفا جدا".

وقالت جانين مورنا، باحثة حقوق الأطفال في هيومن رايتس ووتش: "ينجذب الصبية والفتيات التنزانيين للعمل في مناجم الذهب أملا في حياة أفضل، لكنهم يجدون أنفسهم عالقين في دائرة قاتلة من الخطر واليأس. تنزانيا والجهات المانحة بحاجة إلى إخراج هؤلاء الأطفال من المناجم للمدارس أو التدريب المهني".

كثير من الأطفال الذين يعملون في التعدين من الأيتام أو أطفال مستضعفين وفي وضع هشّ، يفتقرون إلى الضروريات الأساسية والدعم. وجدت هيومن رايتس ووتش أيضا أن فتيات يعملن في مواقع التعدين وحولها يواجهن التحرش الجنسي، بما في ذلك الضغط عليهن للانخراط في العمل في الجنس. بعض الفتيات أصبحن ضحايا الاستغلال الجنسي لأغراض تجارية ويواجهن خطر العدوى بفيروس نقص المناعة (الإيدز) وغيره من الأمراض المعدية عن طريق الجنس.

زارت هيومن رايتس ووتش 11 موقعا للتعدين في غيتا، وشينيانغا، ومبيا، والتقت أكثر من 200 شخص، بينهم 61 أطفال يعملون في مناجم صغيرة. تشغيل الأطفال في أعمال التعدين الخطرة هي أحد أسوأ أشكال عمل الأطفال بموجب الاتفاقيات الدولية، التي تعتبر تنزانيا طرفا فيها.

وقالت جانين مورنا: "من الناحية النظرية، لدى تنزانيا قوانين قوية تحظر عمل الأطفال في المناجم، لكن الحكومة لم تبذل إلا جهداً ضئيلاً لإنفاذها". وأضافت: "مفتشو العمل بحاجة لزيارة المناجم سواء المرخصة أم غير المرخصة بانتظام، وضمان أن أصحاب العمل سيواجهون عقوبات في حال استخدام عمال أطفال".

يواجه العمال الأطفال، وكذا الأطفال الذين يعيشون بالقرب من مواقع التعدين، خطرا شديدا من التسمم بالزئبق. يهاجم الزئبق الجهاز العصبي المركزي ومن الممكن أن يسبب العجز مدى الحياة للأطفال، الذين يتأثرون بسهولة أكبر بالمعادن الثقيلة بأجسامهم التي لا تزال في مرحلة النمو. مع قيام عمال المناجم، وبينهم الأطفال، بمزج الزئبق بخام الذهب المستخرج من الأرض، ينتج عنه قطع من الذهب والزئبق لاستخلاص الذهب منها، تعرضهم لاستنشاق الزئبق السام. حتى الأطفال الصغار الذين لا يعملون في المناجم خلال عملية الصهر، يصابون بالتسمم، ويحدث في أحيان كثيرة أن يكون استخراج الذهب داخل المنازل.

معظم عمال المناجم الكبار والصغار لا يدركون هذه المخاطر الصحية. يفتقر العاملون بالمجال الصحي إلى التدريب والإمكانيات وغير مؤهلين لتشخيص أو علاج حالات التسمم بالزئبق. فشلت القوانين والمبادرات القائمة الخاصة بالزئبق إلى حد كبير في الحد من استخدامه.

ساعدت تنزانيا في صياغة اتفاقية عالمية للحد من التعرض للزئبق في جميع أنحاء العالم، حيث وافقت عليها 140 حكومة في يناير/كانون الثاني 2013. سيتم اعتماد اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، التي جاء اسمها من موقع ميناماتا باليابان الذي شهد كارثة التسمم الزئبقي منذ منتصف القرن العشرين، في أكتوبر/تشرين الأول بالقرب من ميناماتا.

وقالت جانين مورنا: "ساعدت تنزانيا على التوصل لاتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق". وأضافت "الآن، لحماية مستقبل شعبها وصناعة التعدين المتنامية، فإن تنزانيا بحاجة لأخذ زمام المبادرة لحماية الأطفال ـ من خلال الرقابة عليهم واختبارهم صحيا وعلاجهم من الإصابة بالزئبق ومنعهم من العمل في المناجم".

العمل في المناجم يتعارض مع تعليم الأطفال. العاملون في المناجم من الأطفال أحيانا يهربون من الفصول أو يتسربون من المدارس نهائيا. وقال معلمون لـ هيومن رايتس ووتش إن الحضور في المدارس والآداء تدهور حين فتحت مناجم الذهب قريبا منا. بالإضافة لذلك، فالعديد من المراهقين يبحثون عن عمل بدوام كامل، بما في ذلك في مجال التعدين، لقصورهم في بلوغ المدرسة الثانوية أو التدريب المهني.

أوجز صبي يبلغ 15 عاما في منطقة غيتا تأثير التعدين على حياته: "من الصعب الجمع بين التعليم والمدرسة. ليس لدى وقت للذهاب إلى الدروس الخصوصية (في عطلة نهاية الأسبوع). أفكر في المنجم، إنه يشتتني.. ذات يوم... مرضت (بعد العمل في التعدين وترك الدراسة). كنت أشعر بألم في جميع أنحاء جسدي".

قالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب على الحكومة التنزانية توسيع نطاق الوصول للتعليم الثانوي والتدريب المهني وتحسين حماية الأطفال. يجب عليها وعلى الجهات المانحة تقديم الدعم المالي والسياسي لخطة العمل الجديدة للأطفال الأكثر استضعافاً وأن تشمل الأيتام في مناطق المناجم، في إطار برنامج تمويل العمل الاجتماعي التنزاني للمنح وأن تربط التحويلات النقدية بالفئات السكانية المستضعفة.

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب على البنك الدولي والجهات المانحة الأخرى كذلك دعم خطوات إنهاء عمل الأطفال في التعدين والتقليل من تعرض الأطفال والكبار للزئبق. على سبيل المثال، لابد أن يساعدوا الأطفال على الانتقال من العمل في المناجم غير المرخصة إلى التعليم، وضمان أن المناجم المرخصة حديثا لا تستخدم عمالة الأطفال. لم يعالج مشروع البنك الدولي الجاري لدعم قطاع التعدين بـ 55 مليون دولار بشكل مباشر مسألة عمالة الأطفال.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن صناعة الذهب عليها مسئولية التأكد من أنها لا تستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر من عمالة الأطفال غير المشروعة. إلى الآن معظم تجار الذهب الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش في تنزانيا ليس لديهم إجراءات لإبقاء الذهب الذي يستخرجه الأطفال بعيداً عن سلاسل التوريد.

صغار التجار عادة يشترون الذهب مباشرة من المناجم أو في مدن تشهد نشاط التعدين ثم يبيعونه لكبار التجار في تنزانيا. أحيانا يمر الذهب عبر عدة وسطاء قبل أن يصل إلى التجار الذين يصدرونه. وفقا للحكومة التنزانية، فالمناجم الصغيرة أنتجت نحو 1.6 طن من الذهب في عام 2012 ـ تبلغ قيمتها نحو 85 مليون دولار.

الوجهة الأولى للذهب المستخرج من المناجم الصغيرة بتنزانيا هي الإمارات العربية المتحدة. كما يتم تصدير الذهب إلى سويسرا، و جنوب أفريقيا، والصين، وبريطانيا.

وقالت جانين مورنا: "سواء كانت صغيرة أم كبيرة، تنزانية أو عالمية، ينبغي على المؤسسات التجارية تجنب التورط في عمالة الأطفال غير المشروعة في سلسلة التوريد الخاصة بهم". وأضافت: "أما تجار الذهب وبصفتهم أصحاب القوة الشرائية، فإن بمقدورهم الضغط على الموردين. يجب عليهم استخدام الضغط لحماية الأطفال وحماية المستهلكين من شراء ذهب ملوث بعمالة الأطفال".