تعزيز حالة الإفلات من العقاب

مسئولية الحكومة السودانية عن الجرائم الدولية في دارفور

I.خلاصة

أودت الهجمات العنيفة التي شنتها الميليشيات شرق تشاد بحياة أكثر من 300 شخص عام 2006. وحصل معظم هذه الهجمات في المناطق الريفية الجنوبية الشرقية على امتداد الحدود التشادية السودانية. حيث قتل الأطفال بالرصاص، واغتصبت النساء، ونُهبت القرى ثم أحرقت، وشرّد أكثر من 17,000 مدنياً في شهر نوفمبر/تشرين الثاني وحده. وقد نفذت الهجمات ميليشياتٌ عرقية، وكان معظم الضحايا من جماعاتٍ عرقية غير عربية رغم وجود استثناءاتٍ مهمة. وكانت جماعات الميليشيا وحركات التمرد السودانية التي تقيم قواعد لها في المنطقة مسئولةً عن تجنيد الأطفال واستخدامهم في القتال. وتمثل هذه الإساءات خروقات جسيمة للقانون الإنساني الدولي.

وتتضافر ثلاثة نماذج من العنف، متداخلة أحياناً، لتضع منطقة شرق تشاد على شفير كارثةٍ إنسانية: نزاع داخلي مسلح بين الحكومة التشادية وجماعات المتمردين؛ وهجمات ميليشيا تستهدف المدنيين عبر الحدود؛ وأعمال عنف بين المجتمعات المحلية.

رصدت حكومة تشاد موارد مالية وعسكرية هامة لسحق حركات التمرد المعادية لها، لكن ذلك جاء بمعظمه على حساب حماية المدنيين، وخاصةً في المناطق الريفية شرق البلاد حيث تشيع هجمات الميليشيا وحوادث العنف بين المجتمعات المحلية. كما فشلت قوات الأمن التشادية في منع هجمات ما يسمى بميليشيا "الجانجاويد" التي تنطلق من السودان مستهدفة قرى شرق تشاد؛ كما كانت غير مستعدةٍ أو غير قادرة على التصدي لإساءات الجماعات المسلحة داخل حدودها. ولم يجر التحقيق في حوادث القتل أو الاغتصاب أو غيرها من أشكال الإساءة، فمرتكبو تلك الجرائم الخطيرة يتمتعون بالإفلات الكامل من العقاب.

ونتيجةً لامتناع الحكومة عن المحاسبة وفرض النظام، اضطر المدنيون في المنطقة الحدودية غير المستقرة إلى حماية أنفسهم بأنفسهم من خلال تنظيم قوات الدفاع الذاتي وعقد تحالفات أمنية مع الميليشيات المجاورة لهم. وعادةً ما تجري هذه التحالفات وفقاً للانتماءات العرقية. وفي بعض الحالات جرى تدريب هذه الميليشيات المحلية وتنظيمها وإمدادها من قبل الجماعات السودانية المتمردة الناشطة شرق تشاد، بدعمٍ ومساندةٍ من الحكومة التشادية.

وقد تلقت هيومن رايتس ووتش تقارير موثوقة تفيد بأن المسئولين الأمنيين في مناطق أخرى من تشاد يستغلون الخلافات العرقية لإطلاق شرارة العنف بين الجماعات المحلية ضمن محاولةٍ لتحقيق مكاسب استراتيجية قصيرة المدى في مجال مكافحة التمرد، وذلك من خلال توزيع الأسلحة على الخصوم التقليديين لبعض الجماعات العرقية ذات الصلة بحركات التمرد التشادية. ويساور القلق هيومن رايتس ووتش من إمكانية استخدام مسئولي الأمن التشاديين أساليب مشابهة في شرق تشاد كمحاولةٍ لإضعاف حركات التمرد التشادية التي يتكون معظمها من اتحاد ميليشيات ذات أساس عرقي.

وتشهد الجماعات العرقية شرق تشاد استقطاباً بفعل الطبيعة الفئوية لحوادث العنف الأخيرة. إذ تنزع غارات الميليشيا إلى استهداف القرى العربية حتى في المناطق الحدودية المتضررة بشدة والتي هجرها الشطر الأكبر من سكانها بفعل انعدام الأمن. ومع تدفق الأسلحة والذخائر إلى المنطقة وتزايد حالة العسكرة في المجتمعات المحلية، يقف شرق تشاد على شفير عنفٍ واسع النطاق بين الجماعات المحلية.

ورغم الصعوبة الواضحة التي تكتنف بيئة العمليات في المنطقة، فإن ثمة حاجة ملحة إلى زيادة الوجود الدولي في تشاد للحيلولة دون مزيدٍ من تدهور الأوضاع وحصول نتائج كارثية لا تقتصر على المدنيين في تشاد بل تطال المدنيين في المنطقة كلها، بما فيها دارفور والمناطق الشمالية الشرقية من جمهورية أفريقيا الوسطى. ويجب أن يشمل الوجود الدولي المقترح في تشاد تواجداً عسكرياً إضافةً إلى تواجد مسئولين من مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة من أجل المراقبة والتحقيق والإبلاغ العلني عن الانعكاسات التي تطال حقوق الإنسان والتي تنجم عن الوجهين التوأمين للأزمة التشادية: الصراع السياسي الداخلي، وامتداد النزاع في دارفور إلى حياة المجتمعات المحلية في شرق تشاد.

ويجب أن يصدر مجلس الأمن في الأمم المتحدة تفويضاً بتواجدٍ دولي لقواتٍ عسكرية ومراقبي حقوق إنسان على امتداد الحدود التشادية السودانية لدرء وقوع هجمات جديدة ضد المدنيين، وكذلك لمراقبة الآليات السياسية والاجتماعية المعقدة التي تغذي العنف بين الجماعات المحلية، ولتقديم معلوماتٍ أساسية بشأن قضايا حقوق الإنسان التي يجري تجاهلها حالياً، ولتعزيز الجهود الرامية إلى حماية المدنيين، ولجعل الوجود الدولي ووجود الأمم المتحدة في المستقبل واسع الاطلاع على الأزمة في شرق تشاد. كما يمكن لهذا الوجود الدولي أن يساهم في مراقبة حظر الأسلحة المفروض على دارفور ومراقبة حركة الجماعات المسلحة في المنطقة الحدودية.

وعلى مجلس الأمن أيضاً دعوة الحكومة السودانية إلى الكف عن دعم الجماعات المسلحة المسئولة عن الإساءة إلى المدنيين، ودعوة حكومة تشاد إلى الكف عن دعم الفصائل المتمردة في دارفور والجماعات المسلحة المسئولة عن مهاجمة المدنيين وتجنيد الأطفال واستخدامهم في الحرب وغير ذلك من ضروب الإساءة إلى حقوق الإنسان. وعلى حكومة تشاد اتخاذ تدابير عاجلة لاستعادة القانون والنظام، بما في ذلك إجراء تحقيقات حيادية واتخاذ ما يلزم من إجراءات أخرى لتقديم منتهكي حقوق الإنسان إلى العدالة.

II. توصيات

إلى مجلس الأمن في الأمم المتحدة

اتخاذ جميع التدابير اللازمة بما فيها الإصدار العاجل لكل ما يلزم من قرارات تضمن نشر وجود دولي قوي مؤلف من قواتٍ عسكرية ومراقبي حقوق الإنسان على امتداد الحدود بين تشاد والسودان، وتزويدها بما يكفي من الصلاحيات والموارد (بالحد الأدنى) لحماية المدنيين ومنع وقوع هجمات جديدة ضدهم كما ورد في الخيار (ب) من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى الصادر في 22 ديسمبر/كانون الأول 2006، وكذلك لمراقبة حظر الأسلحة بموجب قراري مجلس الأمن رقم 1556 و1591 بالتعاون مع هيئة الخبراء التابعين للأمم المتحدة، وللإبلاغ عن تحركات الجماعات المسلحة المتمردة عبر الحدود، والتحقيق في الهجمات العابرة للحدود التي تستهدف المدنيين وغير ذلك من حوادث المنطقة الحدودية والإبلاغ العلني عنها؛

دعوة حكومة تشاد إلى الكف الفوري عن دعم الجماعات المسلحة المسئولة عن مهاجمة المدنيين، بما فيها الفصائل الدارفورية المتمردة المسئولة عن التجنيد القسري للاجئين وعن استخدام الأطفال جنوداً؛ وكذلك مطالبتها باتخاذ تدابير عاجلة لاستعادة القانون والنظام، بما في ذلك الكف عن تسليح الميليشيات العرقية المسيئة؛

الدعوة إلى إقامة مكتب للمفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في تشاد على وجه السرعة بحيث يكون مكلفاً بمراقبة انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف أنحاء البلاد والإبلاغ عنها علناً، بما في ذلك ما يقع منها ضمن سياق النزاع الجاري؛

دعوة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى دعم نشاطات مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في تشاد وعلى امتداد الحدود مع السودان من خلال توفير التمويل الكافي وغيره من أشكال المساندة؛

دعوة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى توفير الدعم الكافي للنشاطات الإنسانية الموجهة لخدمة اللاجئين السودانيين والمشردين داخلياً في تشاد.

إلى حكومة تشاد

التوقف فوراً عن دعم الجماعات الدارفورية المتمردة المسيئة وغيرها من الجماعات المسلحة المسيئة، والعمل على مساندة نشر قوة دولية معززة في دارفور وعلى امتداد الحدود مع تشاد بغية ردع الهجمات ضد المدنيين. وكذلك مراقبة حظر الأسلحة الحالي الذي تفرضه الأمم المتحدة، والمساعدة في تنفيذ اتفاقية طرابلس الغرب التي وقعها كلٌّ من السودان وتشاد في فبراير/شباط 2006؛

نشر عدد كاف من قوات الجيش والشرطة، وكذلك تخصيص موارد كافية في مناطق النزاع شرق تشاد وهي تشمل أجزاء من منطقتي أواداي وسلامات ومديريتي دارتاما ودارسيلا، وغيرها من المناطق إذا دعت الحاجة؛ وذلك بحيث تكون هذه القوات مكلفةً بضمان حماية المدنيين من أية هجماتٍ جديدة؛

التحري عن جميع الأشخاص المتورطين في مهاجمة المدنيين وتقديمهم إلى العدالة؛

اتخاذ التدابير الكفيلة لضمان تسريح جميع الأطفال الجنود ووضع حد لتجنيد الأطفال دون عمر 18 عاماً من قبل الجماعات المسلحة العاملة في الأراضي التشادية. وكذلك اتخاذ خطوات لمحاسبة من قاموا بتجنيد الأطفال واستخدامهم.

إلى حكومة السودان

التوقف عن دعم الجماعات المسلحة المسئولة عن مهاجمة المدنيين في تشاد، وذلك بما يشمل دعمها بالأسلحة أو غيرها من أنواع المساندة؛

دعم النشر الفوري لقوة دولية معززة تضم عناصر من الأمم المتحدة في دارفور وعلى امتداد الحدود مع تشاد من أجل منع وقوع هجمات جديدة ضد المدنيين ومراقبة حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة حالياً والمساعدة على تنفيذ اتفاقية طرابلس الموقعة بين تشاد والسودان في فبراير شباط 2006.

إلى حركات التمرد السودانية

اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان التزام المقاتلين التابعين لكم بالقانون الإنساني الدولي، ولمحاسبة من يمتنعون عن ذلك؛

الكف عن دعم الميليشيات المسيئة وجماعات الدفاع الذاتي التشادية وكل الجماعات الأخرى المسئولة عن مهاجمة المدنيين؛

الكف فوراً عن تجنيد الأطفال واستخدامهم في القتال، وتسريح ما لديكم من أطفالٍ جنود.

إلى حركات التمرد التشادية

اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان التزام المقاتلين التابعين لكم بالقانون الإنساني الدولي، ولمحاسبة من يمتنعون عن ذلك.

III. خلفية عامة

عندما بدأت المشاكل مع المتمردين في دارفور كان أمامنا في الحكومة السودانية عددٌ من الخيارات. لقد أخذنا بالخيار الخاطئ، واخترنا أسوأ الخيارات على الإطلاق.
- والي شمال دارفور السابق الفريق إبراهيم سليمان[1].

تطور التوتر المتزايد في منطقة دارفور بغرب السودان إلى نزاعٍ مسلح أوائل عام 2003. وفي أبريل/نيسان 2003، أطلقت الحكومة السودانية إستراتيجية متعددة الأبعاد رداً على حركة العصيان التي تزعمها فصيلا التمرد جيش/حركة تحرير السودان وحركة العدالة والمساواة. واعتمد رد الحكومة الأساليبَ التي استخدمت في الحروب الأهلية بجنوب السودان وجبال النوبة: القصف الجوي، وتجنيد الميليشيات الإثنية كقواتٍ بريةٍ تعمل بالوكالة، والتشريد القسري على أسسٍ إثنية (وذلك للمدنيين القرويين وعلى نطاقٍ واسع)، وكذلك اضطهاد المعارضة السياسية الحقيقية أو المفترضة.

وأدى تجنيد الحكومة السودانية قوات الميليشيا واستخدامها، وكذلك إستراتيجيتها القائمة على استهداف المدنيين المنتمين إلى جماعاتٍ إثنيةٍ بعينها لمحاربة عصيان المتمردين، إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. ويعرّف القانون الدولي الجرائم ضد الإنسانية بأنها الأفعال الجنائية المرتكبة كجزءٍ من هجومٍ واسعٍ أو منهجي ضد السكان المدنيين، سواءٌ جرى وقت السلم أو وقت الحرب. وجرائم الحرب انتهاكاتٌ خطيرة للقانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب) تستتبع مسئوليةًُ جنائيةً فردية. ويلزم القانون الدولي جميع الدول بمحاكمة المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وكان من بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الجيش السوداني وقوات الميليشيا حالات القتل الموجه، والإعدامات دون محاكمة، والاعتداء والاغتصاب بحق آلاف المدنيين، وتدمير مئات القرى، وسرقة ملايين رؤوس الماشية، وكذلك التشريد القسري لأكثر من مليوني إنسان.[2] واستهدفت هذه الجرائم بشكلٍ خاص الجماعات المحلية التي تنحدر منها جماعتا التمرد الرئيسيتان أو التي تعيش على مقربةٍ من مواقعهما.[3] وكانت هذه الجماعات الإثنية تشمل في البداية كلاً من المساليت والفور والزغاوة، لكن القائمة اتسعت فيما بعد لتضم الداجو والتنجر والميدوب والجبل والبرتي، وسائر القبائل غير العربية.

وفي حالاتٍ كثيرٍ وثقتها هيومن رايتس ووتش، لم يكن هناك أي وجود مسلح للمتمردين (أو كان وجودهم محدودٌ جداً) في القرى وقت تعرضها للهجمات التي استهدفت السكان المدنيين على نحوٍ واضحٍ تماماً. وحتى في الحالات التي شهدت وجود المتمردين، اتسمت هجمات الحكومة السودانية بغياب أية محاولةٍ للتمييز بين المقاتلين والمدنيين، أو بالتسبب في إنزال أضرار غير متناسبة بالمدنيين تفوق أي مكسب عسكري متوقع؛ وهذا خرقٌ للقانون الإنساني الدولي.

وتتحمل الجماعات المتمردة في دارفور أيضاً مسئوليةً عن انتهاكات جسيمةٍ تضمنت قتل المدنيين واختطافهم واغتصابهم، ومهاجمة القوافل الإنسانية، وسرقة الماشية، وكلها جرائم حرب.[4]

وفي أبريل/نيسان 2004، وقعت الحكومة السودانية والحركات المتمردة اتفاقية وقف إطلاق نار إنساني توسطت فيها حكومة تشاد وساندها الاتحاد الأفريقي. وبغية مراقبة تنفيذ هذه الاتفاقية، وافق الجانبان على إيفاد بعثة مراقبة تابعة للاتحاد الأفريقي. وفي يوليو/تموز 2004، أقامت هذه البعثة وجوداً عسكرياً لها من أجل المراقبة تضمن 3000 جندياً لحماية المراقبين. وحتى أكتوبر/تشرين الأول 2005، زادت بعثة الاتحاد الأفريقي عدد قواتها لتقارب 7000 شخصاً من بينهم 686 مراقباً عسكرياً و4890 جندياً و1176 شرطياً مدنياً. وجرى توسيع مهمة البعثة بما يتجاوز مراقبة وقف إطلاق النار بحيث صارت تشمل المساهمة "في ضمان بيئة آمنة لإيصال الإغاثة الإنسانية، وكذلك إعادة اللاجئين والأشخاص المشردين داخلياً إلى بيوتهم"، إضافةً إلى حماية المدنيين المعرضين "لخطرٍ داهم".[5]

لكن اتفاق وقف إطلاق النار تعرض إلى خرقٍ متكرر من جميع الأطراف، إذ واصلت الحكومة السودانية وقوات الجانجاويد عملياتها العسكرية ضد القوات المتمردة، بما في ذلك مهاجمة السكان المدنيين. أما القوات المتمردة فواصلت مهاجمة المرافق الحكومية ونهبها، بما فيها قواعد الجيش والشرطة.

وشهد النموذج السائد من الهجمات المنسقة بين الحكومة والميليشيا ضد القرى تراجعاً في عام 2005 بالمقارنة مع السنوات السابقة؛ لكن ذلك يعود في المقام الأول إلى أن معظم السكان المستهدفين قد جرى تشريدهم فعلاً من أخصب المناطق الريفية وأفضلها. ويعيش مليونا مدنيٍّ مشرد في مناخٍ من الخوف والترويع والعنف؛ وهم غير قادرين على العودة إلى ديارهم، كما أنهم مقيدون ضمن مخيمات المشردين بفعل تواصل القتل والاعتقالات والهجمات والاغتصابات العشوائية بحقهم عندما يغادرون هذه المخيمات التي تتمتع بأمنٍ نسبي. ويحتاج أكثر من مليون مدني غيرهم من المتأثرين بالنزاع إلى الغذاء وغيره من أشكال المساعدة من اجل بقائهم. ويعني تواصل العنف وتفشي مناخ الخوف في صفوف الجماعات المشردة انعدام الأمن الضروري من أجل العودة الطوعية الآمنة للأشخاص المشردين (وهذا شرطٌ هام من شروط الرجوع عن التطهير العرقي).

تصاعد العنف في دارفور اعتباراً من أغسطس/آب 2005 وصولاً إلى الجولة السابعة من محادثات السلام التي جرت في أبوجا بنيجيريا بوساطة الاتحاد الأفريقي في ديسمبر/كانون الأول 2005. ويشمل هذا العنف أربعة أنماطٍ مختلفة على الأقل: 1) العمليات العسكرية التي تقوم بها الحكومة والجماعات المتمردة؛ 2) الصدامات الإثنية ذات الصلة بالتوترات التقليدية التي تنشأ حول الموارد كالأرض والمياه؛ 3) نشاطات قطاع الطرق والنشاطات الإجرامية التي تستفيد من هذا المناخ؛ 4) التوترات عبر الحدود، وهي ذات صلة بالسياسات الداخلية في تشاد. وتكون أطراف النزاع متورطةً في جميع أشكال العنف هذه أحياناً. كما يشير تزايد الهجمات ضد عمال الإغاثة الدوليين والسودانيين وضد أفراد قوة الاتحاد الأفريقي إلى أن الأطراف المتقاتلة صارت تنظر إلى هذه الجهات، وعلى نحوٍ متزايد، بوصفها أهدافاً مشروعة؛ وهو وضعٌ يهدد بالخطر عملية إيصال المساعدات الإنسانية الأساسية إلى أكثر من ثلاثة ملايين إنسان، يعادلون نصف سكان دارفور.

إن امتناع الحكومة السودانية عن حماية المدنيين في دارفور، وعدم استعدادها لنزع سلاح الميليشيا التي خلقتها وساندتها، وكذلك سياستها المتمثلة في السماح لقادة الميليشيا وضباط الجيش ومسئولي الحكومة بالتمتع بالإفلات من الملاحقة القضائية، يمثل عقبةً أساسية تعترض أي تحسنٍ للوضع في دارفور. وعلى وجه الخصوص، ترسل سياسة ضمان الإفلات من الملاحقة القضائية رسالةً واضحة مفادها: طالما بقي هؤلاء الأشخاص في مواقع السلطة، فإن سكان دارفور باقون في خطرٍ عظيم؛ ولن تلبّى الشروط اللازمة للرجوع عن التطهير العرقي (أي الأمن والمحاسبة ووضع حدٍّ للقسر والترويع).

القوات البرية في حملة "التطهير العرقي"[6]: ميليشيا "الجانجاويد"

توجد [في دارفور] قبائل متناثرة تتقاتل من أجل الموارد الشحيحة. ولا يوجد أي تنظيم إلا لدى المتمردين... وليس لدى [الميليشيات] تسلسل هرمي. يمكن وقوع خلافات على زعامة القبيلة، كما يتصرف الناس من تلقاء أنفسهم أحياناً ومن غير علم القبيلة.

-د. عبد المنعم عثمان محمد طه، رئيس المجلس الاستشاري السوداني لحقوق الإنسان.[7]

على الرغم من إصرار الحكومة السودانية على وصف النزاع في دارفور بأنه "نزاعٌ قبلي"، وعلى الرغم من الإنكار المتكرر لدور الحكومة في تنسيق الأعمال العدائية التي تمارسها الميليشيات، فإن ثمة أدلةً لا تدحض على وجود سياسة منهجية لدى الحكومة السودانية تقوم على توفير المساندة والتنسيق والإفلات من العقاب لميليشيا الجانجاويد؛ وهي سياسةٌ مستمرةٌ إلى يومنا هذا.

والمنطق الكامن خلف هذه السياسة واضحٌ تماماً. فقد عمدت الحكومة السودانية التي لا تثق بقواتها المسلحة (التي ينحدر كثيرٌ من أفرادها من دارفور) إلى تجنيد ميليشيا الجانجاويد كقوات برية رئيسية لخدمة حملة مكافحة التمرد التي تقوم بها الحكومة في دارفور.[8]

ومع أن الحكومة دعت إلى التعبئة العامة، فقد جرى التجنيد على نحو انتقائي استناداً إلى الانتماءات الإثنية. وصار عماد قوات الميليشيا الحكومية مكوناً من جماعاتٍ إثنية لها نزاعاتٌ تاريخية مع الجماعات الإثنية التي تنشط الحركات المتمردة في صفوفها أو لها مصلحة واضحة في التوصل إلى السيطرة على الأراضي وغيرها من الموارد.[9]

وبغية تحقيق النجاح في تجنيد هذه الجماعات، وفرت الحكومة السودانية حوافز على شكل مبالغ مالية ووعود بنيل حصة من الأرض والسلطات الإدارية. كما عيّن المسئولون السودانيون بعض كبار القادة القبليين من قبيلة الرزيقات الشمالية للقيام بوظيفة التنسيق والتجنيد: أصبح الشيخ موسى هلال، وهو زعيم عشيرة أم جلول من قبيلة المحاميد، مسئولاً عن التجنيد لصالح الميليشيات في شمال دارفور. ومنذ يونيو/حزيران 2003 صار هذا الرجل رمزاً لدور قوات الميليشيات في مهاجمة المدنيين وللحصانة التي تسبغها الحكومة السودانية عليها.

موسى هلال: قطب الرحى في تجنيد الميليشيات

ترتكب أبشع الفظائع على يد عشيرة أم جلول بزعامة موسى هلال بسبب وجود توتراتٍ تاريخية بينهم وبين الزغاوة والفور. وهم جميعاً من رعاة الجمال، وليسوا من رعاة الغنم؛ ولا يحترمون الفلاحين. إن لديهم عقدة التعالي على الآخرين، وهم لا يستغنون عن جمالهم. وعندما بدأت الحرب، طلبت الحكومة من موسى هلال أن يتولى قيادة الجانجاويد.

- زعيم قبلي عربي محايد من غرب دارفور.[10]

صار اسم الشيخ موسى هلال مرادفاً على المستوى الدولي لميليشيا الجانجاويد، وهي الميليشيا التي تساندها الحكومة والتي اكتسبت أسوأ سمعةٍ بفعل ما ارتكبته من هجماتٍ وحشيةٍ في دارفور خلال السنوات القليلة الماضية.[11] إن دور هذا الرجل في الجرائم المرتكبة في دارفور، وكذلك ما يتمتع به من حريةٍ داخل السودان الآن (إنه يطير بطائرات الجيش السوداني متنقلاً بين منازله وزوجاته في الخرطوم وبين قاعدته في المسترية بشمال دارفور) يبين اتساع دور الميليشيات وما تحظى به من حصانةٍ في مختلف أنحاء دارفور.

وتكرر الحكومة السودانية القول بأنها لا تستطيع ملاحقة الأشخاص المسئولين عن الجرائم في دارفور إذا لم يكن الضحايا والشهود قادرين على تحديد أسمائهم أو مستعدين لذلك. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2004، قال لنا د. عبد المنعم عثمان طه، رئيس المجلس الاستشاري السوداني لحقوق الإنسان (وهو شقيق نائب الرئيس السوداني علي عثمان طه)، أن "برونك نفسه [يان برونك، رئيس بعثة الأمم المتحدة في السودان] يقول لنا أن من المهم محاكمة القادة. ونحن قادرون على ذلك إذا ذكر المتهمون أو الشهود أسماء هؤلاء القادة. لكن أحداً منهم لم يذكر أي اسمٍ حتى الآن".[12] ويأتي هذا التصريح بعد ستة أشهر من تحديد وزارة الخارجية الأمريكية في يوليو/تموز 2004 أسماء ستة أشخاص يزعم أنهم من قادة الميليشيا، ومن بينهم موسى هلال.[13] وقد ذكر عشرات ضحايا الهجمات وشهودها، بل حتى عدد من أفراد القوات المسلحة السودانية، اسم موسى هلال بصفته القائد الأعلى للجانجاويد في شمال دارفور وفي مناطق أخرى منها. كما لعب أفراد عشيرته "أم جلول" دوراً بارزاً بين منفذي الهجمات المسئولين عن كثيرٍ من الفظائع في مختلف أرجاء دارفور.[14] وحتى ديسمبر/كانون الأول 2005 كان موسى هلال ما يزال حراً طليقاً، ولم يخضع لأي تحقيق أو ملاحقة قضائية بسبب دوره في الهجمات الكثيرة التي شهدتها دارفور.

ومنذ 2003، يعمل هلال بموجب توجيهات الجيش السوداني انطلاقاً من قاعدته في المسترية الواقعة إلى الجنوب الشرقي منبلدة قبقابية بشمال دارفور. ورئيسه المباشر ضابطٌ سوداني هو العميد عبد الواحد سعيد علي سعيد. وتمثل المسترية الآن إحدى أكبر قواعد تدريب الميليشيات في المنطقة رغم أنها لم تكن أول الأمر إلا مستوطنة تابعة لعشيرة أم جلول البدوية. ويعمل العميد عبد الواحد كإحدى حلقات الوصل الرئيسية بين ميليشيا الجانجاويد التي يجري تجنيدها وتدريبها في المسترية وبين الجيش السوداني.[15] ويقال أنه قائد الميليشيا المعروفة باسم "وحدة أمن الحدود" في المسترية، ويليه موسى هلال في تسلسل القيادة العسكرية.[16] وتعرف بعض القوات الموجودة في المسترية بأسماء من قبيل "المتحرك الخفيف" و"السارية" و"الموريا"، أو القوات المتحركة الخفيفة السريعة المخيفة.[17] ويقول مستشارٌ قانونيٌّ سابق في وحدة أمن الحدود أن أوامر العميد عبد الواحد للوحدة تأتي مباشرةً من مركز قيادة الجيش السوداني في الفاشر.[18]

وفي مقابلةٍ أجريناها معه، نفى موسى هلال قيادته لأي "جماعة عسكرية". وقال أن رجاله خاضعون لأمرة الجيش على الدوام، وأنه ليس إلا "منسِّقاً". وقال لنا: "إن التدريب والملابس العسكرية والأسلحة من مسئولية الحكومة". كما قال أنه يشارك مع رجاله فيما دعاه "دوريات مشتركة" في المنطقة الممتدة من زالنجي إلى أباتا وكوتوم (وهي منطقة تمتد من الجنوب الغربي لجبل مرّة إلى شمال جبل مرّة وما حوله، وتشمل القسم الأعظم من وسط منطقة شمال دارفور)؛ وقال إن الجيش السوداني زوّدهم بالأسلحة من أجل هذه الدوريات.[19] ويؤكد ضباط الجيش المسئولون عن المنطقة أن جميع عمليات هلال تجري تحت إشراف الجيش.[20]

وقال عددٌ كبير من قادة المجتمعات المحلية الذين قابلناهم على نحوٍ مستقل في أنحاء مختلفة من دارفور أن موسى هلال يتولى دوراً قيادياً في "التجمع العربي" (أو التحالف) منذ التسعينات. وله علاقاتٌ وثيقة مع الفريق عبد الله صافي النور، وهو من عرب العريقات بدارفور وطيارٌ سابق في الجيش السوداني، وكان والي شمال دارفور منذ عام 2000 حتى يناير/كانون الثاني 2002، ثم صار وزيراً اتحادياً في الخرطوم في الفترة 2003 2004.[21] وأثناء ولاية صافي النور على شمال دارفور، شهدت التوترات القبلية تصاعداً شديداً بسبب انتشار فكرة مفادها أن الحكومة السودانية تتحالف مع الميليشيات العربية وتقوم بتسليحها.[22] وقالت لنا مجموعةٌ من زعماء الفور والتنجر بشمال دارفور أن "الوالي صافي النور، وهو ضابطٌ في الجيش، هو من سمح للعرب بتدمير المزارع".[23]

وأما الوالي الذي خلف صافي النور على ولاية شمال دارفور عام 2002، وهو الفريق إبراهيم سليمان حسن الذي ينحدر من إثنية البرتي وينتمي إلى الحزب الحاكم، فقد انتابه القلق بسبب تزايد التوتر في دارفور. وعندما كان هذا الوالي رئيساً للجنة الأمن القومي بشمال دارفور، احتجز هلال وأرسله إلى سجنٍ في بور سودان.[24] وفي ذلك الوقت أورد زعماء الجماعات المحلية اسم هلال في كثيرٍ من الشكاوى المتعلقة بالصدامات وحالات إثارة التوتر، كما قيل أنه كان يجبي غراماتٍ مبالغاً فيها ويفرض عقوباتٍ جسدية على أفراد قبيلته نفسها. وبسبب شكاوى أبناء قبيلته ضده، عزله إبراهيم سليمان من مرتبة الناظر (أو زعيم العشيرة) وعين شخصاً آخر محله.[25] وأثناء فترة حبس هلال، تراجعت حدة الهجمات التي تشنها الميليشيات العربية ضد الجماعات الإثنية الأخرى. وقال لنا أحد زعماء الزغاوة: "خفّ نشاط الجانجاويد عندما كان موسى هلال بعيداً عن دارفور. لقد استمرت هجماتهم، لكن ليس بالقدر السابق. وعندما عاد بدأ إحراق المنازل والقرى".[26]

أخلي سبيل هلال من سجنه بعد هجوم جيش تحرير السودان على الفاشر في 24 أبريل/نيسان 2003. وبعد أيامٍ قليلة من هذا الهجوم عزل الرئيس البشير الوالي إبراهيم سليمان من منصبه. وبعد عودة هلال إلى دارفور في يونيو/حزيران 2003 استقر في منطقة قبقابية وعقد اجتماعاً لزعماء جميع العشائر العربية المحلية، ومنها أولاد راشد والعريقات وأم جلول.[27]

وطبقاً لما قاله شخصٌ حضر اجتماع قبقابية، أمر موسى هلال القبائل بمهاجمة وإحراق القرى غير العربية والاستيلاء على مواشيها. ويُحكى أنه قال: "الحكومة في صفنا، فليس لنا أن نخاف من اتهامنا بأي شيء".[28] لكن بعض القبائل رفضت ذلك؛ والظاهر أن بعض أفراد عشيرة أم جلول نفسها رفضوا أن يطيعوا هذه الأوامر أيضاً. ويقول زعيمٌ قبلي من قبقابية كان يعرف هلال في سنواتٍ سابقة: "أجبر موسى هلال كل أفراد القبائل العربية على المشاركة، حتى الرافضين منهم. إنه يتصرف كملكٍ على العرب، وكزعيمٍ للجميع. كيف أجبرهم على القتال؟ إنه يضرب من يرفضون الأوامر ويستولي على حيواناتهم ويقتل بعضاً منهم".[29]

كانت اجتماعات قبقابية نقطة تحولٍ في علاقة الحكومة بموسى هلال، وبميليشيات الجانجاويد أيضاً. ويقول زعيمٌ قبلي محلي: "لقد تدفقت الأسلحة عليهم بعد ذلك".[30]

دور موسى هلال في الهجمات التي وقعت بشمال دارفور

بحلول يوليو/تموز 2003، كانت ميليشيا موسى هلال في المسترية قد أنشئت. لم تكن المسترية قاعدةً للجيش، فتلك موجودةٌ في قبقابية. ومع بدء تجنيد قوات الجانجاويد، شنت الحكومة السودانية هجوماً برياً كبيراً بشمال دارفور في أواسط عام 2003. ويشير جنديٌّ سابقٌ ممن شاركوا في هذه الهجمات إلى التنسيق الوثيق بين موسى هلال وغيره من قادة الميليشيات القبلية وبين الجيش قبيل تلك الهجمات وأثنائها:

كان الجانجاويد موجودين في معسكر الجيش السوداني في قبقابية. وكانوا في الواقع جماعةً صغيرة مؤلفة من 13 زعيماً تحت قيادة "أبو العشرين".[31] كانت قوات الجانجاويد تستقر عادةً في المسترية القريبة من قبقابية. والمسترية هي معسكر تدريب الجانجاويد. جاء موسى هلال إلى معسكرنا في قبقابية أكثر من عشرين مرة عندما كنت هناك. لقد رأيته بنفسي، بعيني هاتين، أكثر من 10 مرات. كان يأتي في سيارتين دائماً: واحدة له وأخرى لحرسه. وكان يعقد اجتماعاتٍ مع الضباط. وكان يشن هجوماً على أحد الأماكن بعد ثلاثة أو أربعة أيام من كل زيارة. لا أعرف كيف كانوا ينظمون القوات وينسقون بينها (بالهاتف أو بغيره)، لكن مئات من الجانجاويد كانوا يأتون إلى معسكرنا في قبقابية على جيادهم وجمالهم يوم وقوع الهجوم. وكانت تصدر الأوامر إلينا بالاستعداد أيضاً، بل بركوب عرباتنا في لحظاتٍ معينة. لم يقولوا لنا أبداً أننا على وشك مهاجمة قريةٍ من القرى. بل كانوا يقولون دائماً أن ثمة جماعات من ميليشيا الزغاوة أو الفور تنشط في المكان الذي نحن بسبيلنا إليه، وأن علينا "أن ننهيهم". هذا هو التعبير الذي كان مستخدماً.[32]

وكانت القرى الواقعة حول قبقابية من بين أوائل القرى التي تعرضت لهجمات رجال موسى هلال وجيش الحكومة في أول حملة كبرى تشنها الحكومة في يوليو/تموز 2003. وشارك في هذه الهجمات الجندي آنف الذكر. وهو يقول:

طُلب منا إخلاء الطريق والمنطقة كلها [منطقة عيد النبك إلى الشرق من قبقابية] حتى تتمكن ميليشيا الجانجاويد من مهاجمة القرى وإحراقها ونهبها. كان ذلك في 5 يوليو/تموز 2003. وفي ذلك اليوم أيضاً جاءت قاذفات الأنتونوف أثناء الهجوم وألقت ثلاث قنابل على الجبال الواقعة قرب القرية. بدأ الناس يهربون. ورأيت مقتل سبعة قرويين. ورأيت الجانجاويد يقبضون على ثلاثة أشخاص ويسلمونهم إلى آمر وحدتنا. وجرى نقلهم لاحقاً إلى قبقابية حيث وضعوا في السجن. وقام بعض الجنود بإحراق المباني والأكواخ في القرية بمشاركة الجانجاويد. شارك في ذلك الهجوم 350 جندياً. لكن خمسةً منا فقط رفضوا إطلاق النار أو قاموا بإطلاق النار في الهواء. وقد جرى فيما بعد اعتقال ثلاثة من هؤلاء الخمسة وتقديمهم إلى محكمةٍ عسكرية والحكم عليهم بالحبس ثلاث سنوات. لم يكن لجيش تحرير السودان وجودٌ في عيد النبك ذلك اليوم؛ لم يكن فيها غير المدنيين.[33]

وبعد تدمير القرى حول قبقابية وتشريد سكانها، توجهت القوات شمالاً صوب مناطق الزغاوة، وهي مستقر جيش تحرير السودان. وفي يوليو/تموز وأغسطس/آب 2003، هوجمت مناطق واسعة بشمال دارفور كان من بينها قرى في منطقة أبو جمرة بين قبقابية وكارنوي، وكذلك منطقة بيري إلى الشمال من كوتوم. وجرى إحراق تلك القرى مؤذناً ببداية حملة التطهير العرقي التي شنها الجيش السوداني وميليشيا الجانجاويد واستمرت عامين كاملين. وليس من الواضح إن كان موسى هلال هو من قاد القوات بنفسه في هجمات أبو قمرة؛ لكن عدداً من الزعماء المحليين الذين جرت مقابلتهم كلٌ على حدة (وبعضهم يعرف موسى هلال شخصياً) ذكروا اسمه كواحدٍ من القادة العامين لقوات الميليشيا في المنطقة. ومن المعروف أنه كان ناشطاً في تلك المنطقة أثناء هجماتٍ وقعت في وقتٍ لاحق. هاجمت القوات السودانية بلدة أبو جمرة وخمس عشرة قرية محيطة بها عدة مرات في عامي 2003 و2004. وقد وثقنا أربع هجمات كبيرة في المنطقة، إضافةً إلى عددٍ من الهجمات الأصغر حجماً. وقد وقعت الهجمات الكبيرة في يوليو/تموز ـ أغسطس/آب 2003، وديسمبر/كانون الأول 2003 ويناير/كانون الثاني 2004، وفبراير/شباط ـ مارس/آذار 2004، ويوليو/تموز ـ أغسطس/آب 2004. وقتل في الهجمات التي وقعت بين مايو/أيار 2003 وأغسطس/آب 2004 أكثر من 300 شخصاً.[34] ويشير الشهود إلى أن طائرات الأنتونوف والحوامات كانت ترافق كل هجمةٍ كبيرة يشنها الجانجاويد على جيادهم وجمالهم، كما كانت ترافقهم العربات العسكرية السودانية.

تعلم بعض المدنيين القاطنين في دار زغاوة توقع الغارات الجوية والالتجاء إلى الكهوف أو إلى مخابئ محفورة في الأرض قبل وصول الطائرات. وهم يصغون إلى الاتصالات اللاسلكية بين الطيارين بواسطة أجهزة الراديو البسيطة العاملة على موجهة إف إم التي تلتقط الترددات التي تستخدمها الطائرات:

سمعنا أسماء طياري [الجيش] والمكالمات الدائرة بينهم... وهكذا صرنا نعرف أسماء بعض الطيارين. كان أحدهم مصرياً، فهو يتحدث بلهجةٍ مصريةٍ واضحة. وأحد الطيارين اسمه جدال، لأننا سمعناه يدير الهجوم عبر اللاسلكي. وهم يدعونه جنابو جادال أو الضابط جادال. وهناك أيضاً عفاف سيغال، وهي طيارٌة سودانية. وقد قالت أشياء من قبيل: "سأذهب لتقديم الفطور إلى أهل كارنوي"، وذلك قبيل قصف بلدة كارنوي. ومن الطيارين أيضاً الكابتن خالد. وهم يدعوننا في مكالماتهم اللاسلكية بأسماء مثل "النوبة، أو العبيد" وأشياء من هذا النوع؛ ويقولون مثلاً: "سألقن هؤلاء العبيد درساً لن ينسوه أبداً".[35]

وفي 9 فبراير/شباط 2004، بعد هجومٍ حكوميٍّ ضخم أرغم قرابة مليون شخص على ترك مناطقهم ودفع بمئة ألف مواطن سوداني إلى تشاد المجاورة، أعلن الرئيس عمر البشير أن الحكومة انتصرت في الحرب.[36] وفي اليوم التالي وافقت الحكومة السودانية نظرياً على السماح بدخول المنظمات الدولية منطقة دارفور.[37] وحتى يدحض جيش تحرير السودان ما أعلنته الحكومة من هزيمته قام بنقل قواته إلى غرب دارفور وجنوبها لفتح جبهةٍ جديدة. وتحركت الحكومة وميليشيا الجانجاويد إلى مناطق شمال دارفور التي أخلاها جيش تحرير السودان جزئياً. وطبقاً لمذكرةٍ حكومية حصلت عليها هيومن رايتس ووتش يبدو أن الأمر بهذا التحرك صدر إلى قوات الحكومة والجانجاويد من أجل احتلال المنطقة ومنع عودة جيش تحرير السودان إليها.[38] وثمة وثيقةٌ حكوميةٌ أخرى تعود لنفس الفترة تذكر اسم موسى هلال تحديداً وتأمر جميع الوحدات الأمنية "بالسماح باستمرار نشاطات الجانجاويد والمتطوعين تحت قيادة الشيخ موسى هلال...".[39] وجرت إقامة معسكرات جديدة للجانجاويد بشمال دارفور لمنع عودة الحركات المتمردة والمدنيين الذين طردوا من ديارهم بفعل هجمات الحكومة والجانجاويد.

شوهد موسى هلال في عددٍ من الهجمات التي وقعت بشمال دارفور في فبراير/شباط ومارس/آذار 2004. والواضح أنه كان مسئولاً مع قواته عن قسمٍ كبير من منطقة شمال دارفور. وكثيراً ما كان يتنقل باستخدام حوامات الجيش السوداني. كما حدده عدة شهود بوصفه آمراً للقوات التي هاجمت الطويلة في 27 فبراير/شباط 2004، وقالوا أنه جيء به إلى هناك في حوامة. وقال رجلٌ من قبقابية سمع مكالمةً لموسى هلال قبل هجوم الطويلة: "سمعتهم يتحدثون عبر الثريا [هاتف محمول] مع شخصٍ في الخرطوم لتحديد النقطة التي يجب أن تهبط فيها الطائرة لإحضار الذخيرة اللازمة".[40]

وقال شهد آخر أن موسى هلال كان موجوداً في مسرح الجرائم التي وقعت بمنطقة أبو ليها في مارس/آذار 2004.[41] كما ذكرت إحدى اللاجئات من القرى الواقعة قرب فوراوية بأقصى شمال دارفور اسم هلال بوصفه قائداً للقوات التي هاجمت قريتها عمدة دابو في أوائل عام 2004.[42] وقال لنا رجلٌ من الزغاوة يبلغ 42 عاماً كان أفرادٌ من الجانجاويد اعتقلوه وعذبوه بعد هجومٍ مشترك شنه الجيش والجانجاويد على أبو ليها في مارس/آذار 2004:

علقوني بخطافاتٍ مغروسةٍ في صدري. وأحرقوني أيضاً. اعتقلت مع ثلاثين رجلاً غيري. لقد أوثقونا معاً واستجوبونا حول الحيوانات. قلنا أننا لا نعرف شيئاً فقالوا أننا نكذب، ثم أطلقوا النار علينا وذبحوا بعض [الرجال] أمام عينيّ... كان الزعيم الكبير للجانجاويد هو موسى هلال. لقد رأيته قبل تلك الأحداث، لكنني رأيته أيضاً أثناء تعذيبي. جاء بالحوامة مع بعض الجنود. وكان يعطي الأوامر للجنود والجانجاويد معاً.[43]

وعندما قابلنا موسى هلال في سبتمبر/أيلول 2004 ألقى بمسئولية الهجمات على عاتق القوات السودانية منكراً أن تكون له أية رتبة أو مسئولية عسكرية تتجاوز "تعبئة" أو تجنيد الميليشيات. وقال: "لم أقم بقيادة مجموعات عسكرية. ولم أفعل إلا أن طلبت من جماعتنا الانضمام. لست إلا منسقاً لقوات الدفاع الشعبية، أما التدريب والملابس العسكرية والأسلحة فهي من مسئولية الجيش".[44]

التنسيق بين الحكومة والميليشيا

تحول نموذج الهجمات المشتركة بين الجيش والميليشيا مع تأمين الدعم عبر القصف الجوي المكثف في شمال دارفور إلى قاعدة عامة مع توسع النزاع إلى مناطق أخرى من دارفور. وفي حالاتٍ كثيرة كان يجري في البداية قصفٌ شديدٌ على القرى، ثم تهاجمها قوات الجيش والجانجاويد مصحوبةً بدعمٍ جوي لضمان "التنظيف التام" لأي وجودٍ للمدنيين.

وعلى النقيض من وصف الحكومة السودانية لنشاطات الميليشيا في دارفور بأنها نشاطاتٌ غير منظمة تفتقر إلى التسلسل الهرمي، كان كثيرٌ من الميليشيات القبلية المستخدمة في الحملة الحكومية شديد التنظيم. وكان عددٌ كبير من المقاتلين البدو يتبعون "العقيد" أو القائد الحربي. وكان هؤلاء العقداء والزعماء القبليون على اتصال منتظم بالمسئولين العسكريين أو بقادة الإدارات المحلية المدنيين على المستوى المحلي، سواءٌ كانوا من معتمدي المحليات أو ولاة الأقاليم. وفي جنوب دارفور مثلاً، يقال أن المحافظ كان يلتقي مع الزعماء القبليين والعقداء يومياً أو أسبوعياً. وقال لنا شهودٌ ومراقبون ينتمون إلى جماعاتٍ إثنيةٍ مختلفة أن "العقيد" يلعب تقليدياً دوراً هاماً في تعبئة وقيادة المقاتلين في المعركة، وغالباً ما يحمل بيرقاً أحمر اللون.[45] وكان العقداء والزعماء القبليون يستخدمون أيضاً من أجل توزيع الأسلحة وتأمين الارتباط بين الحكومة ومقاتلي الميليشيات. وقال لنا مراقبٌ حسن الاطلاع ينتمي إلى القبائل العربية المحايدة:

لكل قبيلة عربيةٍ عقيد. اتصلت الحكومة بالعقداء وغيرهم من الزعماء... وهم يتلقون الرواتب والذخيرة من مكتب قوات الدفاع الشعبي قرب السوق. والعقيد هو الذي يستطيع تعبئة العرب حقاً. إن الحكما [نساءٌ منشدات] من الأدوات الخطيرة... لكن الكلمة تعود للعقيد دائماً. فهو الذي يستطيع تعبئة الرجال.[46]

ويقول مراقبٌ من الاتحاد الأفريقي حقق في عددٍ كبير من الهجمات في دارفور وتحدث مع قادة الميليشيا إن الهجمات الأولى كانت شديدة التنظيم، وكانت "أنساقٌ" من رجال الميليشيا تهجم في موجات. وغالباً ما كان يتقدم الهجوم أفراد الميليشيا على خيولهم، وذلك بسبب سرعتهم ولأنهم يمثلون أهدافاً صغيرة الحجم. أما أفراد الميليشيا من راكبي الجمال فكانوا يتبعونهم في نسقٍ ثانٍ.[47]

كانت الهجمات المشتركة بين الحكومة والميليشيا حسنة التنسيق. وفي شمال دارفور على سبيل المثال، اجتمع موسى هلال وغيره من قادة الميليشيا حيث ناقشوا الهجمات وخططوا لها مع الجيش السوداني قبل تنفيذها. وفي هجوم "فتح الطريق" بجنوب دارفور في ديسمبر/كانون الأول 2004 (انظر القسم رقم 6 أدناه)، لم يقتصر التنسيق بين القوات المسلحة السودانية والميليشيا على تنفيذ الهجمات، بل تناول أيضاً التطويق المنهجي للقرى وما تلا ذلك من نهبٍ وتدميرٍ منظمين.

لم تكن أعمال النهب عشوائيةً، فمن الواضح أنها منظمة ومخطط لها مسبقاً. ويبدو في كثيرٍ من الحالات أن النهب كان منظماً من قبل القادة العسكريين وأنه نفذ على نحوٍ منهجي. وقد قيل للجنود وعناصر الجانجاويد الذين استخدموا في الهجمات التي وقعت حول كوتوم وإلى الجنوب منها أن بوسعهم الاحتفاظ بما ينهبونه إذا "قاتلوا جيداً".[48] وقبيل الهجوم على بلدة أنكا إلى الشمال الشرقي من كوتوم، أمر القائد العسكري رجال الميليشيا بدخول القرية أولاً وحرق كل شيء فيها بعد أن يأخذوا "ما يريدون". وبعدهم جاء الجيش و"جمع الكراسي والأسرّة". وتحدث شهودٌ في شمال دارفور وولاياتٍ أخرى عن رؤيتهم الجنود ورجال الجانجاويد يجمعون الماشية والأثاث وغير ذلك من المتاع ويضعونها في شاحناتٍ وعلى ظهور الجمال.[49]

كما وصف لنا جنديٌّ سابق يبلغ 25 عاماً سياسة النهب المتبعة: "ما تأخذه يصبح لك. وهذا ينطبق على الضباط أيضاً. لكن ثمة استثناءً واحداً وهو الماشية. فالماشية تُعطى لبدو الجانجاويد الذين يأخذونها ويبيعونها".[50] وبعد أن ينفذ الجنود وعناصر الجانجاويد عمليات القتال ثم النهب، تقوم شاحناتٌ عسكريةٌ ضخمة بنقل الماشية المنهوبة إلى معسكر الجانجاويد، كما يقول هذا الجندي السابق الذي كان يخدم في كوتوم بشمال دارفور. وقال لنا أيضاً أن القائد العسكري الحكومي، وبعد تدمير القرى الواقعة حول إنكيرو بشمال دارفور في يونيو/حزيران 2003، وجه أمره للميليشيا بأخذ المواشي والأبقار المنهوبة إلى "دمرة الشيخ عبد الباقي"، وهو معسكرٌ للجانجاويد يبعد أقل من 20 كم إلى الشمال الشرقي من كوتوم. وفي المعسكر جرى توزيع بعض الماشية إلى مناطق أخرى باستخدام الشاحنات. وقال لنا أحد من قابلناهم: "وصلت شاحناتٌ ضخمة من أم درمان... حمّلوها بالأغنام من القاعدة وذهبوا بها. جاءت هذه الشاحنات ثلاث مرات... ونقلت جمالاً وأبقاراً أيضاً".[51]

وأشار كثيرٌ من شهود الهجمات ممن كانوا يختبئون في الجوار أن الجيش كان في بعض الأحيان يغادر المنطقة فور انتهاء القتال الأولي بين المهاجمين وجيش تحرير السودان أو بين الجيش ومجموعات الدفاع الذاتي. وكان رجال الميليشيا يبقون لكي ينهبوا القرية ويعيثوا فيها فساداً ثم يدمرونها. وفي واحدةٍ من هذه الهجمات التي جرت بجنوب دارفور وحصلنا على وصفٍ لها، كان قادة الميليشيا "يضعون عصابةً حمراء على الكتف الأيسر، ولم يكونوا يحملون البيارق. وفيما بعد رفعوا علماً أبيض فتوقف القتال... وبعد رفع العلم الأبيض ومغادرة عربات الجيش، بدأ الجانجاويد النهب".[52]

IV. تنسيق ارتكاب الجرائم: دور المسئولين المحليين

لا يوجد خرقٌ لحقوق الإنسان أو اغتصاب. إن دارفور مسلمة مئة بالمئة.

-الحاج عطا المنان إدريس، والي جنوب دارفور[53]

إن لمسئولي الحكومة المحليين صلاحيات أمنية واسعة في مناطقهم. ويشمل ذلك توفير الدعم اللوجستي وغيره، كالأسلحة والتدريب والطعام والسكن، وذلك لعناصر الميليشيا والشرطة ومختلف القوات الأمنية في منطقتهم. وخلال العامين الماضيين تورط كثيرٌ من المسئولين المحليين في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب إما من خلال المشاركة المباشرة في الانتهاكات أو بحكم مسئولية القائد عن القوات الخاضعة لسلطته. وكما يجري البحث تفصيلاً فيما بعد (القسم 9)، لم يجر التحقيق مع أيٍّ من هؤلاء الأشخاص، ولم تتخذ بحقهم تدابير تأديبية أو قضائية بسبب دورهم في الجرائم الدولية المرتكبة في دارفور.

ممثلو الخرطوم: المسئولون المدنيون

إن الولاة (حكام الولايات) والمعتمدين (مسئولي المحليات) هم أعلى ممثلين مدنيين للحكومة السودانية في ولايات دارفور ومناطقها. وهم ليسوا منتخبين، بل تعينهم الحكومة الوطنية. وعادةً ما يكون الوالي من أعضاء حزب المؤتمر الوطني الحاكم (كان يدعى باسم الجبهة الوطنية الإسلامية).[54] وليس من الضروري أن يكون الوالي أو المعتمد من نفس المنطقة أو أن يمتلك مهاراتٍ إدارية.

وكما هي الحال في معظم المؤسسات السودانية، وحتى عند وجود تنظيم هرمي واضح، غالباً ما تكمن السلطة في أيدي أفرادٍ موثوقين مقربين من القيادة السياسية للحزب الحاكم. وتشكل دارفور مثالاً على ذلك. فحتى مايو/أيار 2003، كانت مجموعةٌ مختارة من الأشخاص في الجيش والإدارة المدنية مسئولة عن تنفيذ سياسات الحكومة السودانية في دارفور. وينحدر معظم هؤلاء الأشخاص من قبائل بدوية دارفورية متحالفة مع الحزب الحاكم، أو من أعضاء الحزب ممن لهم خبرة سابقة في المنطقة. وقد تسلم هؤلاء أعلى المناصب في الإقليم من أجل تنسيق السياسات العسكرية والسياسية بغية دحر الجماعات المتمردة، وذلك في اللجان الأمنية والجيش. وهم من عهد إليهم بلعب دور حلقة الوصل مع الميليشيات القبلية.

ويلعب الوالي والمعتمد دوراً أساسياً في تنسيق وتنفيذ التحركات الأمنية في دارفور. ويكون الوالي عضواً في اللجنة الأمنية للدولة مع ممثلين عن الأمن والمخابرات العسكرية والشرطة وأجهزة أخرى. وتتخذ هذه اللجنة القرار حول كيفية إنفاذ قوانين الطوارئ وأنظمتها. وعادةً ما تكون مسئولةً عن اعتقال الأشخاص رفيعي المستوى المتهمين بالتعاون مع المتمردين، وكذلك عن غيرهم من المحتجزين السياسيين.

وعادةً ما كان الموظفون المعينون في هذه المناصب من أبناء النظام الموثوقين ممن لهم سجلٌ في الحزب الحاكم أو يتمتعون بخلفية عسكرية، وكذلك ممن لهم خبرة في دارفور أو صلات معها. وكثيرٌ من هؤلاء الموظفين المدنيين هم من ضباط الجيش السابقين الذين عينتهم الحكومة الاتحادية في الخرطوم تعييناً مباشراً، ولديهم صلات قوية بالمخابرات العسكرية والأجهزة الأمنية.

وغالباً ما كان وضع ضباط الجيش السابقين الموثوقين في المناصب المدنية العليا على مستوى الدولة سياسةً تتبعها الحكومة السودانية الحالية.[55] وعلى سبيل المثال، وعندما اندلع النزاع في دارفور عام 2003، كان ولاة الولايات الثلاث التي يتكون منها الإقليم ضباطاً متقاعدين أتوا من القوات المسلحة بتعيينٍ مباشر من الرئيس البشير. والمعروف أن الولاة مسئولون أمام الرئيس مباشرةً.

وتتجلى بعض تفاصيل الدور الحاسم الذي تلعبه "الهرمية المدنية" (الولاة والمعتمدون والمسئولون المحليون)، وكذلك صلاتهم بوزارة الداخلية، من خلال أربع مذكرات حكومية خلال فترة 2003 2004 حصلت عليها هيومن رايتس ووتش.[56] وتشير هذه المذكرات إلى أن هؤلاء المسئولين لم يكونوا مجرد متفرجين على الأحداث، بل كانوا أشخاصاً محوريين في تسلسل الأوامر والمسئولية التي تبدأ من أعلى القادة السودانيين موقعاً في الخرطوم لتصل إلى مستوى المحليات والمناطق الصغيرة داخل كل ولاية مروراً بهؤلاء الموظفين المدنيين. وثمة مؤشرات تدل على أن لهؤلاء المسئولين المدنيين (في بعض الحالات على الأقل) سلطةً على آمري الوحدات العسكرية أثناء العمليات القتالية.

وإضافةً إلى دورهم في قيادة اللجان الأمنية، يقوم الولاة والمعتمدون بدورٍ هام في تنسيق عمل الزعماء القبليين المحليين في تجنيد عناصر الميليشيات وتوفير ما يلزم لنشاطاتها. وتحمل رسالةٌ مؤرخة في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2003 بعث بها والي جنوب دارفور آدم حامد موسى إلى معتمد نيالا سعيد آدم جمعة وإلى أحمد نجابو أحمد الذي كان معتمد كاس آنذاك عنوان "زيارة قردود"؛ وهي إشارةٌ إلى معسكر الميليشيا المعروف ومركز التدريب التابع لها الواقع في قردود إلى الشمال الشرقي من بلدة كاس. وتتحدث الرسالة عن الزيارة التي قام بها إلى قردود كلٌّ من وزير الداخلية أحمد هارون والوالي آدم موسى؛ كما تتحدث عن ما يلزم من متابعة لموضوع القيام بمشاريع تنموية من أجل سكان المنطقة. وفي الرسالة ثناءٌ على المعتمدين بسبب "جهودهما الاستثنائية في مواجهة الخارجين على القانون"، ومطالبةٌ لهما "بالإعداد لتجنيد 300 فارس لصالح الخرطوم".[57] وتلقي ثلاث مذكرات أخرى حصلنا عليها ضوءاً على دور هؤلاء المسئولين المدنيين وعلى الطريقة التي تعمل بها سياسات الحكومة السودانية في دارفور. وتعود اثنتان من هذه المذكرات إلى منطقة كوتوم، وهي واحدة من محليات ولاية شمال دارفور الخمس.[58] وتحمل مذكرةٌ عبارة "سري للغاية"، وهي موجهة إلى "المسئولين عن فرع التعبئة والتوجيه في 'محليات' المنطقة"، وتشير إلى ما أعلنه الرئيس البشير قبل ثلاثة أيام (9 فبراير/شباط 2004) من أن الجيش السوداني انتصر في الحرب. وكان البشير أعلن أن "العمليات العسكرية في دارفور انتهت"، وأنه سيُسمح لعمال الإغاثة الإنسانية "بدخولٍ غير مقيد إلى دارفور".[59] وتتحدث إحدى المذكرات عن سلسلة من الخطوات التي ينبغي على مسئولي المحليات القيام بها لضمان عدم عودة "القوات الخارجة على القانون" إلى احتلال المناطق التي انسحبت منها. ومن هذه الخطوات "زيادة العمليات الحدودية، ودعم القبائل الحليفة وتزويدها بمعدات عسكرية تكفي لتأمين المنطقة". وثمة خطوة غيرها هي "وضع خطة لعمليات إعادة توطين البدو في المناطق التي انسحب منها الخارجون على القانون، وذلك اعتماداً على جولات ميدانية وعمليات تقييم".

أما المذكرة الثانية التي تحمل تاريخ 13 فبراير/شباط 2004 فهي صادرة عن مدير محلية الواحة (محلية خاصة أقيمت من أجل البدو).[60]والظاهر أنها ردٌّ على مذكرة مكتب معتمد كوتوم الصادرة في 12 فبراير/شباط.[61] والمذكرة موجهةٌ إلى "جميع الوحدات الأمنية في المحلية"، وهي تشير إلى "تعليمات الوالي ومعتمد المحلية بشأن التعامل مع آثار التمرد ومحاربة عناصره بين المدنيين". وهي تأمر الوحدات الأمنية تحديداً بأن "تسمح باستمرار نشاطات المجاهدين والمتطوعين تحت قيادة الشيخ موسى هلال في محليات أم سيالا والمسيرية والواحة".

والمذكرة الثالثة (وهي صادرة عن مكتب أحمد حامد موسى والي جنوب دارفور آنذاك إلى معتمد نيالا، وتحمل تاريخ 2 مارس/آذار 2004) تأمر بإقامة لجنة أمنية جديدة "هدفها زيادة مستوى التعبئة لضمان عدم وصول نشاطات الخارجين عن القانون إلى الولاية وضمان الأمن والاستقرار". وفي النهاية، تضيف هذه المذكرة: "نوصيكم بتوفير الأسلحة والذخائر للمعسكرات الجديدة على وجه السرعة من أجل تأمين القسم الجنوبي الغربي من الولاية".

وبالنظر إلى هذه المذكرات معاً نجد أنها تكشف عن تورطٍ عميق لكبار مسئولي الحكومة في تنظيم وحدات الميليشيا ونشاطها. فمن ناحيةٍ أولى، ثمة دورٌ رئيسي للمسئولين المدنيين الذين تعينهم الخرطوم في صنع القرار الأمني. وأما من ناحيةٍ ثانية فثمة جهاز حكومي مستخدم لنقل القرارات الخاصة بالسياسات من المستوى المركزي في الخرطوم إلى أدنى مستوى من المسئولين في المحليات. وتبين المذكرات من ناحيةٍ ثالثة أسلوب قيام حكام الولايات والمعتمدين في المناطق بتحقيق الارتباط مع الميليشيات وتسليحها وتجنيدها. وليس من الممكن أن تتم هذه النشاطات دون تعاونٍ من جانب القوات المسلحة السودانية.

لقد استمرت سياسة الحكومة في تسليح الميليشيات لفترةٍ طويلة بعد توفر أدلة واضحة تشير إلى مسئوليتها عن الانتهاكات الواسعة بحق المدنيين. إن المسئولين المحليين في دارفور، كالولاة والمعتمدين، كانوا على علمٍ كامل بالفظائع الجارية. ففي جنوب دارفور مثلاً، قام كبار المسئولين الإداريين المحليين بزيارة مواقع الهجمات، ثم لم يتخذوا أي إجراء لمنع وقوع مزيدٍ من الإساءات أو لمعاقبة من ارتكبوا الجرائم.[62] وقام كلٌ من الوالي السابق آدم حامد موسى، ومعتمد نيالا الحالي سعيد آدم جمعة، بزيارة مواقع القرى التي هاجمتها الميليشيات؛ ووعد آدم حامد موسى زعماء هذه القرى بتوفير الحماية العسكرية في المنطقة (وهو ما لم يحدث أبداً).[63]

وادي صالح: مرتكبو إعدامات مارس/آذار 2004

كان من بين أسوأ الفظائع التي جرى توثيقها بغرب دارفور الإعدام الجماعي لعدة مئات من الرجال في وادي صالح خلال أيامٍ معدودة من أوائل شهر مارس/آذار 2004. وكان مسئولون حكوميون كبار موجودين في وادي صالح في ذلك الوقت ومن بينهم معتمدا مكجار وجارسيلا، وهما العاصمتان الإداريتان لمنطقتي مكجار ووادي صالح بغرب دارفور. وهذان الرجلان هما الطيب عبد الله طرشاني الذي كان معتمد مكجار آنذاك، وجعفر عبد الحق معتمد جارسيلا في ذلك الوقت. وتقع مسئولية السياسات والقرارات الأمنية في يد كلٍّ من الوالي ومعتمدي وادي صالح على نحوٍ مباشر، وقد تعاونوا ضمن شبكةٍ ثلاثية تجمعهم مع الجيش والجانجاويد.

وقد وصف كثيرٌ من شهود العيان الذين عرفوا علي كشيب قبل أن يصبح واحداً من قادة الميليشيا (وهو من قاد تلك الهجمات) بأنه المنسق الأول لميليشيا الجانجاويد بمنطقة وادي صالح. ومن الواضح أن "علي كشيب" هو الاسم الحركي لعلي محمد علي الجندي السابق في الجيش والذي ينشط في جارسيلا حيث يرتبط مع كلٍّ من المعتمد جعفر عبد الحق ومع عناصر الجيش والشرطة لتنفيذ عمليات "التطهير العرقي" المشتركة بين الحكومة والميليشيا وللقيام بالإعدامات الجماعية في مارس/آذار 2004. وقد منحت الحكومة علي كشيب سيارةً وهاتفاً محمولاً يعمل على شبكة الثريا حتى يتمكن من قيادة الحملة التي جرت في أنحاء مختلفة من منطقة وادي صالح منذ أغسطس/آب 2003 حتى نهاية مارس/آذار 2004.[64]

ويقال أن علي كشيب (بدعمٍ من الوالي عبر قائد قوات الدفاع الشعبي في جارسيلا، حسب الله [ولعله اسم مستعار]، وتواطؤ من جانب المسئولين المحليين) هو المسئول عن إعدام عشرات الرجال حول مكجار وجارسيلا وديليج في فبراير/شباط ومارس/آذار 2004. وكان معظم الضحايا ممن احتجزوا أولاً لدى الشرطة أو الجيش ثم نقلهم الجنود وعناصر الميليشيا بشاحنات الجيش وسياراته إلى خارج تلك البلدات.[65] ويقول عددٌ من الناجين أن الجنود وعناصر الميليشيا صفوا هؤلاء الرجال صفوفاً، ثم أطلقوا النار عليهم على نحوٍ منظم، ثم دفنوهم في قبورٍ جماعية بتلك المنطقة. وقد جرى تحديد مواقع بعض هذه القبور الجماعية عام 2005.

وتفيد المعلومات أن العقيد عبد الله حمدان كان قائد وحدات الجيش في مكجار وقت حدوث هجمات وإعدامات فبراير/شباط ـ مارس/آذار 2004، وهو ضابطٌ من المسيرية من جنوب كردفان.[66] وكان الجيش يقدم دعماً كاملاً لعمليات الميليشيا، كما كان يفعل كبار المسئولين الحكوميين في المنطقة. ويقول شخصٌ مطلعٌ على الوثائق أن ثمة مذكرات صادرة عن الجيش توثق عمليات نقل الأسلحة وغيرها من الإمدادات من الجيش إلى الميليشيات في وادي صالح.[67]

الجرائم في وادي صالح

في أواسط عام 2003، أقام جيش تحرير السودان وجوداً له في تلال سيندو على الحافة الشرقية لمنطقة وادي صالح، أي بجوار جنوب دارفور وإلى الجنوب من جبل مرة.[68] وكان لجيش تحرير السودان وجودٌ أيضاً في قرى صغيرة إلى الغرب من جارسيلا.[69] وفي أغسطس/آب 2003، وبعد هجماتٍ شنها هذا الجيش ضد مخافر شرطة في مكجار وبنديسي، قام مسئولون كبار من الخرطوم بزيارة منطقة وادي صالح. ويقول السكان أن المسئولين عقدوا اجتماعات مع المعتمدين وغيرهم من المسئولين المحليين والقادة العسكريين في كلٍّ من مكجار وجارسيلا.[70] ويعتقد أن تجنيد عناصر الميليشيات بدأ في ذلك الوقت.

بدأ أول هجوم منهجي قامت به الحكومة والميليشيات في منطقة وادي صالح بهجماتٍ استهدفت القرى حول مكجار وبنديسي في أغسطس/آب 2003. ودعا وزير الداخلية في الخرطوم أحمد هارون في خطابٍ له الجانجاويد والجيش إلى "قتل الفور"، وذلك كما قال أحد المقيمين في مكجار ممن استمعوا إلى هذا الخطاب وقال هذا الشخص لنا أن الوزير هارون "جاء إلى مكجار بالطائرة يوم 20 أغسطس/آب 2003 لكي يجري بعض المناقشات ويلقي خطاباً أمام الجيش والجانجاويد. وقد طلب منهم قتل الفور لأنهم انضموا إلى العصيان. وبالتالي كان على الجانجاويد والجيش أن يقتلوا الفور وينهبوا ممتلكاتهم. وقد ألقى هذا الخطاب عبر مكبرات الصوت أمام جمعٍ كبير، وهكذا تمكنا كلنا من الاستماع إليه".[71]

تصاعد الهجوم العسكري الحكومي بدارفور في يناير/كانون الثاني 2004 في أعقاب إعلان الرئيس البشير عن استئناف العمل على "إنهاء" المتمردين. ويقول مقيمون محليون في جارسيلا أن وزير الدفاع السوداني بكري حسن صالح زار البلدة في 1 يناير/كانون الثاني 2004. ووصف أشخاصٌ من جارسيلا لأحد الصحفيين كيف عقد الوزير اجتماعاً في الثكنات مع الميليشيات العربية جرى خلاله توزيع الأسلحة والمواد اللازمة لإحراق القرى الأفريقية.[72]

وفي شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2004، شنت قوات الجيش والميليشيا هجماتٍ عاصفة على المدنيين في غرب دارفور بالتزامن مع مهاجمة المناطق التي أخلاها جيش تحرير السودان بولاية شمال دارفور. وتعرضت بعض المناطق إلى الهجوم عدة مرات، ومن تلك المناطق قرى المساليت حول مدينة جنينة. وفي فبراير/شباط، قامت قوات مشتركة من الحكومة والميليشيا بمهاجمة جيش تحرير السودان في تلال سيندو؛ وقامت في طريقها بمهاجمة وإحراق عشرات من قرى الفور الواقعة حول مكجار وإلى الشرق والغرب من جارسيلا.

وفي هجومٍ متزامن في الشطر الغربي من الولاية جرى في 6 فبراير/شباط 2004، بدأت قوات الجيش والميليشيات بمهاجمة القرى حول بلدة مورني (ومنها قرى سيلدي ونوري وتنفوكا وديريسا). ويصف أحد سكان مورني في ذلك الوقت الذبح المنهجي للضحايا المدنيين، فيقول:

في 6 فبراير/شباط، بدأ القصف حول مورني. وبدأ الحرق مع وصول الجانجاويد. وفي 12 فبراير/شباط وصل عدد المشردين إلى 45 ألفاً. أما في 25 فبراير/شباط فبلغ 60 ألفاً [في مورني]. ووصل إلى مورني مئة جريح على الأقل أصيب معظمهم بالرصاص وكان جلهم من النساء والأطفال من مختلف الأعمار... وخلال فترةٍ امتدت عشرة أيام كان القصف يحدث كل ليلة. وكان بوسعنا رؤية أعمدة الدخان تتصاعد خارج مورني. وكانت في مورني قوات خاصة من الشرطة والجيش جاءت من الخرطوم. وكانوا يخرجون في مهام يومية ثم يعودون. كما كانت الحوامات تأتي لإجلاء جرحى الجانجاويد عن مورني.[73]

وكان كثيرٌ من المدنيين الذين عثر عليهم أثناء الهجمات التي وقعت في منطقتي مورني ووادي صالح قد تعرضوا للتعذيب، كما قتل البعض منهم. وقال لنا تاجرٌ في الخامسة والسبعين من العمر ويقطن في أروالا أنه ظل في قريته بعد أن هجرها الجميع. ويقول هذا الرجل: "من العار أن أهرب. أنا مسلم، وقد حججت إلى مكة". ويضيف أن عناصر ميليشيا الجانجاويد كانوا يصيحون عندما وصلوا: "استسلموا أيها النوبة". وقد ألحقوا به جروحاً بليغة وتركوه بعد أن ظنوه ميتاً.

جاء الجانجاويد إلى منزلي وسألوني عن سبب عدم رحيلي كما فعل الآخرون. قلت لهم أنني حججت إلى مكة وأنني لا أستطيع الفرار في وجه أي شخص. عند ذلك أطلقوا النار على ظهري فسقطت. ثم قطعوا أذني وشقوا فروة رأسي. ثم أمسكوني وألقوا بي في النار. لقد نهبوا كل شيء؛ السوق وكل شيء. كان عددهم كبيراً جداً، كانوا كثيرين كالنمل.[74]

حاول الأشخاص المشردون من القرى المدمرة في محيط سيندو الهرب من الهجمات والالتجاء إلى البلدات آملين أن يظفروا بملجأ في المناطق الحضرية التي يمكن للأعداد الكبيرة الموجودة فيها، إضافةً إلى الخدمات، أن توفر الأمان لهم. لكن كثيراً من المشردين الفارين من هجمات فبراير/شباط منعوا من دخول جارسيلا ولم يتمكنوا من الوصول إلى بلداتٍ أخرى بفعل وجود جماعات الجانجاويد على الطرق.[75] وكانت جماعات عناصر الميليشيا المسلحين المتمركزة حول جارسيلا تهدد من يحاولون دخول البلدة وتجبرهم على التحرك في اتجاهاتٍ أخرى.[76] والظاهر أن كثيراً من الأشخاص المشردين نقلوا إلى ديليج تحديداً حيث ألقي القبض على الرجال وأعدموا فيما بعد.[77]

وتحدثت امرأةٌ في الواحدة والثلاثين من زاري عن الأسلوب المنظم الذي هوجمت به القرى وفُصل به الرجال عن النساء تمهيداً لإعدام الرجال. وقال عناصر الميليشيا للنساء أنهم سيأخذون الرجال إلى ديليج. وعندما وصلت النساء إلى ديليج لم يجدن فيها إلا جثثاً.

انقسم الجانجاويد والجنود إلى مجموعاتٍ ثلاث كانت لكلٍّ منها مهمةٌ مختلفة. تولت المجموعة الأولى القبض على جميع الرجال بين 18 و40 عاماً، وتحميلهم في شاحنات. أما المجموعة الثانية فتولت نهب الأكواخ. وقامت المجموعة الثالثة بأخذ الماشية. وقد تمكنت النساء من الهرب. وقال الجانجاويد لهن أنهم سيأخذون الرجال إلى ديليج. وعندما وصلت النساء إليها [بعد 12 يوماً] كانت الجثث تنتشر على الأرض وفي الشوارع. كما أخذ بعض الرجال إلى الجبال وقُتلوا جماعاتٍ فيها. واختفى عددٌ آخر.[78]

وبعد أن تم إخلاء القرى من سكانها، حاول المعتمدون المحليون ضبط حركة المدنيين المشردين عبر نشر جماعات من عناصر الميليشيا على الطرقات. وعندما كان جعفر عبد الحق معتمداً في جارسيلا، رفض السماح للأشخاص المشردين بالتماس الملجأ في بعض البلدات؛ ومن الواضح أن ذلك كان جزءاً من محاولةٍ لتركيز وجود هؤلاء الأشخاص في مواقع مختارة تحت شروطٍ محددة. فعندما فرّ الأشخاص المشردون من جارسيلا وديليج بعد إعدامات مارس/آذار، ثم حاولوا التوجه إلى نيالا بالشاحنات، جرى منعهم من دخولها. ومن الواضح أن ذلك كان بأوامر من جعفر عبد الحق. وقد أعيد معظم هؤلاء الأشخاص المشردون إلى زالنجي.[79] ولعل منطق ما جرى كامنٌ في كون السلطات غير راغبة بوجود شهود على الفظائع في نيالا وجوارها، ففيها قدرٌ أكبر من الحضور الدولي وعددٌ أكبر من المراقبين والصحفيين وعمال الإغاثة الأجانب الذين يمكن أن تصل إليهم أنباء تلك الانتهاكات.

وقد جرى اتباع سياسة إجبار الأشخاص المشردين على البقاء في أماكن محددة في جنوب دارفور في نفس الفترة أيضاً. فالأنباء تفيد أن معتمد كاس آنذاك، أحمد أنجابو أحمد، أصدر أمراً بإلزام الأشخاص المشردين في كايلك بالبقاء في المنطقة وعدم السماح لهم بالسفر إلى نيالا. كما ظلّ عدة أسابيع يرفض السماح لمنظمات الإغاثة بدخول كايلك رغم تفاقم الأزمة الإنسانية فيها.[80] ويقضي القانون الإنساني الدولي بأن على الدول، في حالات التشريد، أن تتخذ جميع التدابير الممكنة لضمان تزويد الأشخاص المشردين بخدمات المأوى والنظافة والصحة والأمان والتغذية بالقدر الكافي، وضمان عدم الفصل بين أفراد الأسرة الواحدة.[81] وعلى أطراف أي نزاع أن يسمحوا ويسهلوا مرور الإغاثة الإنسانية غير المنحازة إلى المدنيين الذين يحتاجونها.[82]

وقد تعرّف على علي كشيب بوصفه الشخص الذي أشرف على نقل هؤلاء الرجال المحتجزين إلى جارسيلا رجلٌ من الفور في السابعة والعشرين كان من بين عشرات الرجال المشردين الذين اعتقلوا في الأيام الأولى من مارس/آذار 2004:

كان في السجن كثيرٌ من الناس. ورأيت كثيراً من الأشخاص يؤخذون خارجاً، وكنا متأكدين أنهم ذاهبون إلى الإعدام. وقد قُتل عمي. وذات يوم جمعة أخذوا جميع السجناء في ديليج إلى منطقة تقع شرقي السوق. وأجبرونا على الانبطاح أرضاً وراحوا يسيرون على أجسادنا... أخذوني إلى جارسيلا.... وكان علي كشيب معنا في هذه الرحلة. وكانوا يضربوننا ويهينوننا قائلين: "أيها العبيد، هذه ليست بلادكم".[83]

وقال شاهدٌ آخر تعرف على علي كشيب أثناء الهجوم على بنديسي يوم 15 أغسطس/آب 2003: "كان يصيح أثناء الهجوم: 'أيها النوبة، أيها النوبة، أنتم معارضة، وأنتم عبيدٌ كلكم'".[84] كما تعرف شاهدٌ آخر كان في أروالا على علي كشيب بوصفه قائداً للهجوم: "كان علي كشيب موجوداً هناك. وقد رأيته. إن له مواشٍ في جارسيلا؛ وأنا أعرفه سابقاً... كان راكباً في سيارةٍ، وكان يعطي الأوامر".[85] وقال شهودٌ من قرية تناكو الكبيرة إلى الغرب من ديليج أن علي كشيب كان حاضراً أثناء الهجوم الذي وقع على قريتهم في مارس/آذار 2004.[86]

وفي مكجار، جرت أحداثٌ تشبه ما شهدته ديليج. ويقول شاهدٌ من المشردين كان يقيم في مكجار في شهر فبراير/شباط 2004: "ظلّ الجانجاويد وجنود الحكومة يهاجمون [سيندو] ثلاثة أيام". ويضيف: "ثم عادوا وبدأ الجحيم عندنا".[87] ويقول رجلٌ من الفور في الثامنة والثلاثين من العمر أن 154 شخصاً اعتقلوا في مكجار وحدها أثناء الأيام الأخيرة من شهر فبراير/شباط. وكانت الشرطة هي من قبض على كثيرٍ منهم، وقالت لهم أنها تأخذهم إلى جارسيلا كما قال شهودٌ كثيرون. وُضع عشرات الرجال في شاحنات نقلتهم عدة كيلومترات خارج مكجار حيث جرى إعدامهم. "أجبروهم على الانبطاح وأطلقوا النار عليهم. أعرف أنه [علي كشيب] هو الذي قتل جميع هؤلاء الرجال تقريباً، فقد رأيت خمسة ضحايا ممن وصلوا جرحى إلى مكجار ومات ثلاثةٌ منهم بعد يومين".[88]

كان علي كشيب لا يزال متمركزاً في جارسيلا حتى أوائل 2005. لكن مكانه غير معروف حالياً (كما لا يعرف مكان "حسب الله").

كان جعفر عبد الحق معتمداً على جارسيلا من 2003 حتى نهاية 2004. وهو بالتالي المسئول الأول عن جارسيلا (وعن منطقة وادي صالح) بصفته أعلى مسئول محلي خلال فترة الإعدامات الجماعية في ديليج وجارسيلا في مارس/آذار 2004. والظاهر أنه قام بدورٍ مباشر في تخطيط العمليات وتنسيقها؛ وقد عُلم أنه شارك في واحدةٍ من الهجمات على الأقل. وتحدث مدنيٌّ من الفور في السادسة والثلاثين من العمر من قرية تناكو عن دور عبد الحق في تسليح الميليشيات (تعرضت تناكو التي يعتقد أنها كانت من مناطق وجود جيش تحرير السودان إلى هجماتٍ متكررة كان من بينها الهجوم الذي وقع في أوائل مارس/آذار 2004). ويقول هذا الرجل أن عبد الحق ألقى كلمةً في جارسيلا نعت فيها الزغاوة والفور والمساليت بأنهم "متمردين" وهدد بإعدام كل من ينضم إلى التمرد. وقال لنا هذا الشاهد:

عبد الحق هو من وزّع الأسلحة. وقد ألقى خطاباً طويلاً في جارسيلا ونظّم فيها اجتماعاً في سبتمبر/أيلول 2003. قال عبد الحق: "صار الزغاوة والفور والمساليت من المتمردين. سنحرق كل شيء ولن نترك إلا الأشجار. بوسعهم تدمير دارفور كلها؛ لكن إذا بقي جنديٌّ واحدٌ فقط فسوف يحارب أمريكا. إنه الجهاد الآن". وقد دعا من مكبرات الصوت كل إنسان إلى التجمع للاستماع إلى خطابه. ومنذ ذلك اليوم شهد الوضع تغيراً تاماً. قال عبد الحق: "إذا انضممتم إلى التمرد فسوف نعدمكم". وقد سلم أسلحةً لأربعة آلاف رجل في ذلك اليوم. وعندها بدأ النهب وقطع الطرق. وكانت جرائم القتل تقع حتى داخل المدن. جاءت الأسلحة بالطائرات إلى نيالا، ثم صارت تأتي بسيارات الجيش: بنادق الكلاشنكوف [AK-47]... ورشاشات تركّب على السيارات وبنادق المنغستو [M-14]، وبنادق G-3، وغيرها.[89]

ولعل المعتمد عبد الحق شارك على نحوٍ مباشرٍ أيضاً في بعض الهجمات على القرى حول جارسيلا. فقد قال لنا أحد سكان أروالا: "كان الشخص المسئول في أروالا هو جعفر عبد الحق. وأنا أعرف ذلك لأنه قال أمام الجميع إن علينا [الفور] أن نرحل في تلك السنة. وقال أن ذلك لأننا ضد الحكومة. إنه من الفور لكنه مع الحكومة. رأيته أثناء الهجوم على أروالا، وكان على رأس القوة المهاجمة. وكان حمدي وعلي كشيب يعطونه الأوامر".[90]

وفي أواخر مارس/آذار 2004، نُقل عبد الحق إلى جنينة حيث عُيّن وزيراً للصحة بولاية غرب دارفور. ثم جرت ترقيته في أكتوبر/تشرين الأول 2005 فصار والياً لغرب دارفور.

أما الطيب عبد الله طرشاني، وكان معتمداً في مكجار آنذاك، فهو ضابطٌ سابقٌ في الجيش. ويعتقد أنه أيضاً ممن لعبوا دوراً محورياً في الإشراف على تنفيذ سياسات الحكومة وتنسيقها في المجال الأمني، وخاصةً فيما يتعلق بتجنيد الميليشيات وتسليحها واستخدامها. ولعله لعب دوراً أكثر مباشرةً أيضاً: قال لنا رجلٌ كان محتجزاً في مكجار ثم تمكن من الفرار من المنطقة في آخر المطاف أنه التقى طرشاني في السجن حيث هدده شخصياً.[91]

ومن المؤكد أن طرشاني كان يعرف بالإعدامات ولم يفعل شيئاً لمنع وقوع تلك الجرائم أو لمعاقبة مرتكبيها. وقال لنا شقيقٌ لرجلٍ أعدم مع 28 رجلاً على أطراف مكجار في مارس/آذار أنه، وعندما علم بأن جثة أخيه ترقد قرب مهبطٍ للطائرات، ذهب إلى المعتمد وإلى قائد الشرطة في مكجار طالباً الإذن بالذهاب لرفع الجثة. وهو يقول: "كان معتمد مكجار حاضراً، لكنه لم يقل شيئاً. أما قائد الشرطة فقال.... أنهم سيجيبونني، لكني لم أتلق شيئاً منهم إلى الآن. لا يوجد خيارٌ أمامنا غير الشرطة؛ لا توجد محاكم. والمعتمد نفسه يقف في صفهم [أي في صف من أعدموا شقيقه]".[92]

ويقول أهالي مكجار أن الطيب عبد الله طرشاني غادر البلدة إلى الخرطوم في يناير/كانون الثاني 2005 بعد صدور تقرير بعثة التحقيق الدولية. ولعل ذلك بسبب الخشية من ورود اسمه في القائمة المختومة التي ضمنت أسماء 51 شخصاً حملتهم البعثة مسئولية الجرائم. والظاهر أنه عاد إلى مكجار في مارس/آذار 2005، وظل معتمداً فيها حتى أكتوبر/تشرين الأول 2005 عندما جرى تبديل إدارة مكجار بأكملها.

V. الجيش السوداني: تنفيذ سياسات مهاجمة المدنيين

بالتعاون مع الميليشيات والمسئولين المدنيين المحليين، يشكل الجيش السوداني الضلع الثالث من أضلاع مثلث الجهات المسئولة عن تخطيط وتنسيق وتنفيذ حملة الجرائم الدولية الضخمة في دارفور. ويبين سجل الجيش السوداني في دارفور أن الجرائم ضد المدنيين جزءٌ من سياسةٍ لا يمكن إلا أن تكون من صنع القيادة السياسية والعسكرية في الخرطوم.

إن للهيكلية العسكرية السودانية في دارفور تسلسلاً هرمياً واضحاً. فالقيادة العسكرية الغربية مسئولة عن عمليات الجيش في دارفور وقائدها العام مسئولٌ أمام رئيس أركان القوات المسلحة عباس عرابي. وعرابي مسئولٌ بدوره أمام وزير الدفاع الفريق بكري حسن صالح المسئول أمام الرئيس البشير الذي يحمل رتبة فريق أول وهو القائد العام للقوات المسلحة السودانية.

ويقع مقر القيادة الغربية للجيش والقوات المسلحة في مدينة الفاشر بشمال دارفور حيث تتمركز فرقة المشاة الأولى. وقال لنا اللواء محمد فازي، قائد الفرقة السادسة المتمركزة في الفاشر منذ يناير/كانون الثاني 2004 أن الفاشر هي مركز قيادة جميع عمليات الجيش في ولايات دارفور الثلاث.[93] أما نيالا في جنوب دارفور فهي مقر فرقة المشاة رقم 16 العاملة بجنوب دارفور. لكن قائد القوة في نيالا مسئولٌ كما يبدو أمام مقر قيادة الجيش في الفاشر، وهو يتلقى أوامره منه.[94] وتستقر ألوية للجيش في البلدات الكبرى في كل ولاية؛ ومنها تنتشر كتائب تتمركز في البلدات الصغيرة (لا يتطابق توزع القوات مع حدود الولايات بالضرورة). فعلى سبيل المثال، وفي المنطقة الشمالية الغربية من ولاية شمال دارفور، تتبع ثلاث كتائب للواء المتمركز في تاين: واحدة تتمركز في تاين نفسها، وتتمركز اثنتان في جرجيرا وكارنوي. أما في الجزء الجنوبي من ولاية شمال دارفور، فيتمركز لواء المشاة السابع في قبقابية وتشمل منطقة عملياته منطقة قبقابية وجنوبها وصولاً إلى السفوح الشمالية لجبل مرة. ويتمركز لواء المشاة رقم 96 في زالنجي ويغطي بقية مناطق السفوح الجنوبية لجبل مرة (وهذه منطقةٌ تابعةٌ لغرب دارفور من الناحية الإدارية) التي تتصل بمنطقة عمل الألوية المتمركزة في نيرتيت ومواقع أخرى.

ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش حتى اليوم من تحديد هويات جميع كبار ضباط الجيش السوداني الذين قادوا الهجمات في دارفور أو شاركوا فيها؛ لكن من المعتقد أن معظم جنود وضباط الجيش العاملين في شمال دارفور هم من فرقتي المشاة الأولى والسادسة التابعتين لأمرة مقر قيادة الجيش في الفاشر. أما في جنوب دارفور، ففرقة المشاة السادسة عشرة مسئولةٌ عن معظم عمليات الجيش حول نيالا (انظر أدناه).

وأما القوات الجوية فالظاهر أنها تدار من مركز قيادة موجود في الخرطوم. وينتقل طواقم الحوامات من ولايةٍ لأخرى.[95] ويجري تنسيق الدعم الجوي وطلعات الطيران تنسيقاً وثيقاً مع القوات العسكرية البرية أثناء الهجمات. ويقول اللواء فازي إن شخصين فقط، هو والقائد الأعلى لعملية دارفور بأكملها، يمكن لهما إصدار الأوامر فيما يتعلق بحركة الحوامات.[96]

وقد يكون كثيرٌ من آمري الفصائل والكتائب والألوية والفرق العاملة في دارفور مسئولين عن جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية. وتركز الدراسة الواردة أدناه على هجومٍ كبيرٍ واحد وقع في جنوب دارفور أواخر 2004. وهي تبين السوية العالية من التخطيط والتنسيق للجرائم من قبل الجيش السوداني. لكن دور الجيش السوداني في هذا الهجوم ليس بالحالة الفريدة من نوعها أبداً. ومع أننا لم تمكن من تحديد جميع عناصر الميليشيا الرئيسيين المشاركين في العمليات العسكرية في مختلف أنحاء دارفور، فإننا نذكر أدناه أسماء عددٍ منهم (وفي الملحق رقم 1 أيضاً). وأخيراً نقول إن مسئولية الجرائم التي ارتكبها الجيش السوداني تقع على كاهل الرئيس عمر البشير بصفته القائد الأعلى للجيش، وعلى رئيس الأركان العامة عباس عرابي، وكذلك على وزير الدفاع الفريق بكري حسن صالح وغيرهم من كبار القادة العسكريين.

جنوب دارفور، ديسمبر/كانون الأول 2004: تحليلٌ لهجوم الحكومة على المدنيين

كانت الحوامات المقاتلة في كل مكان. وهي حاضرةٌ في كل هجوم. وبطبيعة الحال كانت طائرات الأنتونوف تقوم بمهمة [التعرف] وتوجه النيران.

- مراقبٌ عسكري سابق من بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان.[97]

إشراك الميليشيات

صار من الواضح بحلول أواخر فبراير/شباط 2004 أن جيش تحرير السودان يعد العدة لفتح جبهةٍ جديدة بجنوب دارفور.[98] وتضم ولاية جنوب دارفور أكبر كميةٍ من السكان البدو العرب الذين يستقر معظمهم في جنوب شرق الولاية وفي جنوبها الغربي إضافةً إلى مدينة نيالا عاصمة الولاية.[99] وكان جيش تحرير السودان أثبت وجوده في المنطقة منذ أوائل 2004 من خلال مهاجمة مخافر الشرطة وغيرها من الأهداف الحكومية مما حدا بالحكومة إلى سحب الشرطة وقوات الدفاع الشعبي من القرى. ولعلها خشيت انقسام هذه القوات الأمنية وانضمامها إلى جيش تحرير السودان، وهذا ما حدث فعلاً في بعض الحالات.[100] وفي أواخر أبريل/نيسان 2004، سيطر جيش تحرير السودان على مناطق واسعة من ريف ولاية جنوب دارفور، ومنها معظم مناطق ريف محلية شاريا إلى الشمال الشرقي من نيالا.

جاء رد الحكومة على تزايد وجود جيش تحرير السودان سريعاً. ففي 3 مارس/آذار 2004 صدر عن والي جنوب دارفور آدم حامد موسى أمرٌ موجهٌ إلى المعتمد سعيد آدم جمعة باتخاذ تدابير محددة للدفاع عن الولاية.

وكان من هذه التدابير إنشاء لجنة أمنية جديدة جرى تحديد أسماء أعضائها الثمانية: جادين جود الله دقاش (وزير الثقافة والشئون الاجتماعية بجنوب دارفور)، ومحمد يعقوب العمدة، ومصطفى أبو نوبة، ومحمود آدم سالكيو، وحسين كبير عبد الله، ومحمد عبد الرسول حسين، ومهدي مارجي، وإبراهيم محمد عبد الله.[101] ولم يكن اختيار هؤلاء الرجال من المصادفة في شيء، فمعظمهم زعماء لقبائل عربية صغيرة هاجرت من تشاد إلى دارفور خلال العقود القليلة الماضية؛ وقد وقعت بينها وبين الفور والجماعات الأخرى صداماتٌ محلية من أجل الأرض.[102]

وحددت المذكرة الحكومية الخاصة بإنشاء اللجنة وظيفة هذه الهيئة الأمنية الجديدة في جنوب دارفور بأنها زيادة "مستوى التعبئة لضمان عدم امتداد نشاطات الخارجين على القانون إلى الولاية، ولتأمين الاستقرار والأمن". وبكلماتٍ أخرى، كلّفت اللجنة بتجنيد قوات ميليشيا جديدة؛ وعادةً ما تشير الحكومة السودانية إلى هذا الأمر بكلمة "تعبئة". ومحمد يعقوب العمدة هو زعيم قبيلة الترجام؛ أما محمد آدم سالكيو وحسين كبير عبد الله فهما من السادة. وقال لنا عددٌ من الزعماء المحليين إن يعقوب العمدة ومحمد سالكيو هما الشخصان الرئيسيان المسئولان عن تجنيد الميليشيا وتدريبها، وإن مصطفى أبو نوبة هو زعيم قبيلة الرزيقات التي شنت هجماتٍ على القرى الواقعة حول نيالا عام 2004. وقد عبّأ هؤلاء الزعماء قبائلهم للانضمام إلى الحملة الحكومية.

وتأمر المذكرة معتمد نيالا سعيد آدم جمعة "بتوفير المؤن والذخيرة على وجه السرعة من أجل المعسكرات الجديدة لتأمين الجزء الجنوبي الغربي من الولاية". وهذا ما يبين الدور المركزي في تجنيد الميليشيات وتزويدها بالأسلحة لا للوالي فقط بل لمعتمد نيالا أيضاً. والظاهر أن هذا الرجل كان يملك صلاحية توزيع هذه الإمدادات. لكن ليس من الواضح ما إذا كانت الإمدادات تأتي من الجيش مباشرةً أو من خلال قادة قوات الدفاع الشعبي. وأما ما أعقب ذلك فهو تكرارٌ وحشي للأحداث التي شهدتها ولايتا شمال وغرب دارفور.

ليست هجمات الجيش ضد مواقع المتمردين في القرى خرقاً القانون الإنساني الدولي حتى وإن كان القرويون موجودين في قراهم. لكن على القوات المسلحة أثناء العمليات العسكرية أن تتخذ الحيطة دائماً لحقن دماء المدنيين وعدم الإضرار بالأهداف المدنية. ويجب اتخاذ جميع الاحتياطات المعقولة لتفادي وقوع خسائر في أرواح المدنيين أو إصابتهم، وحصرها في أضيق نطاق.[103] وعلى المهاجمين أن يميزوا بين المحاربين والمدنيين وأن يقتصروا على مهاجمة الأهداف العسكرية، وألا يقوموا بهجماتٍ لا تميز بين المحاربين والمدنيين أو تحدث بالمدنيين أضراراً لا تناسب مع المكاسب العسكرية المنتظرة.[104]

الهجوم في جنوب دارفور بصفته مثالاً على العلاقة بين الجيش والميليشيا

كانت مظاهر سوء البنية التحتية بجنوب دارفور أمراً محورياً في الرد العسكري الحكومي على تواجد المتمردين في الولاية: الطرق الرئيسية الخارجة من نيالا باتجاه الشمال والغرب والجنوب إلى كلٍّ من الفاشر وكاس وبورام، والسكة الحديدية من نيالا إلى الداين والتي تذهب شمالاً إلى العبيّد ثم إلى الخرطوم. وكانت الطرق والسكة الحديدية خطوط إمدادٍ لوجستية هامة من أجل دارفور. ورغم توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان 2004، شنت الحكومة السودانية هجوماً كبيراً متدرجاً على المدنيين المقيمين على مقربةٍ من الطرق والسكة الحديدية في النصف الثاني من عام 2004. ويكمن الفارق الوحيد بين هذا الهجوم والهجمات الحكومية السابقة في مناطق أخرى من دارفور في أن بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان كانت موجودةً في هذه المرة، وكانت تراقب وقف إطلاق النار الذي سرعان ما تبين أنه وهميٌّ تماماً في جنوب دارفور.

وفيما بعد بررت الحكومة السودانية هذا الهجوم بأنه ضروريٌّ حتى تتمكن من الوفاء بالتزامها في تعزيز الأمن طبقاً "لخطة العمل" الموقعة بين الحكومة السودانية والأمم المتحدة في أوائل أغسطس/آب 2004، والتي أسيء تفسيرها.[105]

وتكوّن الجزء الأول من الهجوم من تشريدٍ قسري للمدنيين من القرى الواقعة إلى الجنوب من السكة الحديدية، وجرى ذلك أول الأمر باستخدام الميليشيا التي تساندها الحكومة. وكانت الجماعات المحلية الموجودة إلى الجنوب من خط نيالا ـ الداين من أول المعانين من الهجمات. كان جيش تحرير السودان قد هاجم مخافر الشرطة وعدداً من المقرات الحكومية من بينها مكتب الزكاة في ياسين[106] إلى الجنوب من السكة الحديدية في يناير/كانون الثاني 2004، واستولى بطريقته المعهودة على الأسلحة والأموال وغير ذلك من الإمدادات.[107] ويقول بعض المقيمين في ياسين إنه، وبعد هجوم جيش تحرير السودان، "سحبت الحكومة الجيش والشرطة وتركت المواطنين من غير حماية".[108] وقال سكان ياسين أنهم توقعوا أن ترسل الحكومة تعزيزات؛ وعندما لم تأتِ التعزيزات ذهب وفدٌ من زعماء القرى إلى نيالا لمطالبة الحكومة بإرسال قوات. وقال لنا شخصٌ مشرد من ياسين: "قالت الحكومة أن المنطقة آمنة وأننا لسنا بحاجةٍ إلى قواتٍ تحمينا".[109]

وفي شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب 2004، هوجمت عشرات القرى في معاليا وساني أفندو وياسين من قبل الميليشيات التي تدعمها الحكومة والتي ينتمي كثيرٌ من أفرادها إلى قبيلة الشطية من الرزيقات الجنوبية، وهي تقيم حول الداين. وأدى هذا الهجوم، الذي قتل فيه مدنيون وجرى فيه نهبٌ وتدميرٌ منهجيين للممتلكات، إلى تشريد آلاف القرويين شمالاً وجعلهم يعبرون السكة الحديدية باتجاه المناطق الواقعة تحت سيطرة جيش تحرير السودان، وكذلك غرباً إلى مخيم كالما وإلى محيط مدينة نيالا.

وبعد إخلاء المنطقة من السكان المدنيين، أقام الجيش السوداني معسكراتٍ جديدة (في خرقٍ لاتفاق أبريل/نيسان 2004 لوقف إطلاق النار)، وذلك في مواقع استراتيجية قرب السكة الحديدية وعلى الطرق الرئيسية؛ وهو ما جرى في شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2004.[110]

من عدوة إلى حمادة

بمجرد إقامة القواعد العسكرية إلى الجنوب من السكة الحديدية وعلى الطرق الرئيسية انتقل تركيز هجمات الميليشيات إلى الشمال، أي إلى جانبي طريق نيالا-الفاشر حيث يسيطر جيش تحرير السودان على معظم المناطق الواقعة إلى الغرب وإلى الشرق من الطريق. ومع أن الحكومة السودانية أطلقت على هذا الهجوم اسم "فتح الطريق"، فالواقع أن هذه التسمية لم تكن إلا ستاراً واهياً لا يكاد يحجب استراتيجية إبعاد السكان المدنيين من المنطقة إلى جانب إبعاد وجود جيش تحرير السودان أيضاً. وثمة عوامل كثيرة كانت حاضرةً في هذا الهجوم على الدوام، حتى مع اختلاف الأشخاص الذين يقودون الميليشيات والقوات الحكومية:

الدعم الجوي عبر الحوامات المقاتلة (وطائرات الأنتونوف عادةً)، بالترافق مع شن هذه الحوامات هجماتها على المدنيين؛

نشر ما لا يقل عن لواء أو كتيبة من قوات فرقة المشاة رقم 16 إما في موقع الهجوم أو في محيطه (وذلك على امتداد الطريق مثلاً لضرب المدنيين وعناصر جيش تحرير السودان الهاربين)؛

الإعدام من غير محاكمة، وغير ذلك من أشكال قتل المدنيين أو اغتصاب نسائهم والإساءات المختلفة بحقهم؛

شيوع نهب المواشي ومحتويات المنازل من قبل الميليشيات وجنود الحكومة.

كان تطور الهجوم منهجياً ومخططاً إلى أبعد الحدود. ففي البداية هوجمت بلدة عدوة الواقعة تحت سيطرة جيش تحرير السودان (وهي واحدة من أكبر قواعد جيش تحرير السودان على الجانب الغربي من طريق نيالا-الفاشر). وبعد ذلك هاجمت القوات الحكومية مارلا، وهي بلدةٌ تقع جنوب السكة الحديدية ويسيطر عليها جيش تحرير السودان. وأخيراً انتقل الهجوم إلى ممر إشما ـ لابادو ـ المهاجرية في قلب المنطقة الواقعة تحت سيطرة جيش تحرير السودان. ويبين الأسلوب المنهجي الذي اعتمد في مهاجمة هذه المواقع الاستراتيجية الدور التنسيقي العام الذي قامت به الحكومة السودانية. ومن الواضح أن إدارة الهجوم كانت تأتي من الخرطوم.[111]

عدوة: 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2004

في سياق استعدادها لمهاجمة عدوة، أرسلت الحكومة السودانية عدة قوافل من الجنود إلى دوما خلال الأيام التي سبقت الهجوم. وبدأ الهجوم نحو الساعة السادسة من صباح 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2004. حوصرت القرية وهوجمت من جميع الجهات في مفاجئةٍ لكلٍّ من سكان القرية وعناصر جيش تحرير السودان الموجودين فيها. وتكونت القوات المهاجمة من قوات ميليشيا على ظهور الجمال والخيول ومن قوات محمولة من الجيش السوداني. ويقول كثيرٌ من الشهود أن الهجوم تضمن ما لا يقل عن 15 سيارة لاند كروزر مزودة بالرشاشات وقاذفات الآر بي جي وغيرها من الأسلحة. وشاركت في الهجوم حوامتان مقاتلتان، إضافةً إلى طائرة أنتونوف للتوجيه. ويقول أحد الشهود أن إحدى الحوامات حطّت على الأرض بين الساعة السادسة والساعة السابعة صباحاً لإمداد المهاجمين بصندوقين من الذخيرة.[112]

وتحدث أهالي عدوة عن إعدام المدنيين (ومعظمهم من الرجال) من غير محاكمة، وعن اغتصاب كثير من النساء من قبل الجنود وعناصر الميليشيا.[113] ولا نعرف عدد من قتلوا في الهجوم على عدوة، لكن من المرجح أنهم بالعشرات. وعندما دخل فريق بعثة الاتحاد الأفريقي قرية عدوة بين 30 نوفمبر/تشرين الثاني و2 ديسمبر/كانون الأول، كانت النساء والفتيات اللواتي لم يتمكن من الهرب محتجزاتٍ في القرية، وقد تعرضن إلى الاغتصاب مراتٍ عديدة. كما احتجز القرويون الجرحى في البلدة من غير رعايةٍ طبية.

وقام الرائد عبد الرحمن محمد إبراهيم وفصيلته بإيقاف فريق بعثة الاتحاد الأفريقي الذي أرسل للتحقيق يوم 30 نوفمبر/تشرين الثاني، وذلك على الطريق الفرعية المؤدية إلى عدوة. وقال الرائد عبد الرحمن للفريق أنه لا يستطيع المتابعة إلى عدوة بسبب وجود "قتال قبلي" فيها. وقال لهم أيضاً أن وجود قواته على الطريق "لم يكن بسبب الهجوم على عدوة" بل "لتأمين الطريق".[114] حاول الفريق سلوك طريق آخر إلى عدوة، لكن حاجزاً للجيش السوداني أوقفه من جديد. وقد لاحظ أفراد الفريق أن الجنود كانوا منتشرين في مواقع عبر الطريق (وصوروهم)، وكانوا يحتلون هذه المواقع كتعزيزٍ للقوات الموجودة في عدوة أو بغية اعتراض عناصر جيش تحرير السودان أو القرويين الفارين إلى جروف (وهي أقرب قاعدة لجيش تحرير السودان) الواقعة إلى الشرق من عدوة بعد الطريق الرئيسية.[115] وفي اليوم التالي، طار فريق الاتحاد الأفريقي فوق عدوة وصوّر الأعداد الكبيرة من العربات العسكرية وقوات الميليشيا فيها.

وعندما تمكن الفريق أخيراً من دخول عدوة، كان نهب ميليشيا الجانجاويد والقوات الحكومية متواصلاً. وتشهد الصور الملتقطة في عدوة ذلك اليوم على ما جرى من نهبٍ وقتل.

وقابل الفريق أحد قادة ميليشيا الرزيقات المشاركة في الهجوم، وهو محمد حمدان الذي كان ما يزال موجوداً في القرية. وقال حمدان إنه "عقيد" ميليشيا الرزيقات. وأكد أن التخطيط للهجوم جرى منذ عدة أشهر وأن طائرة أنتونوف وحوامتين ساهمت فيه.[116] وقدم الفريق المساعدة في إجلاء كثير من النساء والأطفال والقرويين الجرحى.

مارلا وإشما وأم زيفة: 8 10 ديسمبر/كانون الأول 2004

كانت إشما وأم زيفة (إلى الشمال من السكة الحديدية)، وكذلك مارلا (إلى الجنوب من السكة)، وكلها من القرى الواقعة تحت سيطرة جيش تحرير السودان شرقي نيالا، من بين أكبر القرى التي تعرضت للهجوم في مرحلته الثانية؛ واستمرت هذه المرحلة عدة أيام حيث ساهمت فيها جماعاتٌ مهاجمةٌ كثيرة تعمل بالتنسيق فيما بينها.

بدأ الهجوم الأول في 8 ديسمبر/كانون الأول في قرية مارلا. دخلت القرية فرقة المشاة رقم 16 وطردت قوات المتمردين منها. ومن الواضح أن جزءاً من القرية احترق في هذا الهجوم، لكن من غير المعروف ما إذا كان الهجوم قد أوقع إصاباتٍ بين المدنيين. وتواصل القتال في المنطقة عدة أيام إذ تعرضت مارلا لهجومٍ ثانٍ في 16 ديسمبر/كانون الأول.

واستهدف الهجوم التالي منطقة أم زيفة الواقعة تحت سيطرة جيش تحرير السودان. وكان جيش تحرير السودان يسيطر منذ أوائل 2004 على هذه المنطقة التي تضم عدداً من القرى الكبيرة (إضافةً إلى أم زيفة) مثل إشما ولابادو والمهاجرية، وعدداً من القرى الصغيرة. وكانت بعض القرى الكبيرة مثل لابادو تضم قواتٍ بسيطة من مقاتلي جيش تحرير السودان لا تتجاوز 30 مقاتلاً يتمركزون في مجمعاتٍ داخل القرى. أما قواعد جيش تحرير السودان الكبيرة فكانت خارج القرى.[117]

بدأت قوات الحكومة والميليشيات بالهجوم على إشما وأم زيفة في 10 ديسمبر/كانون الأول؛ وسرعان ما أرغمت السكان على هجر القريتين. وقال عامل إغاثة قام بمعالجة بعض الأشخاص المشردين: "كانت لدى كل شخص مشرد قصة مرعبة".[118] وحاولت بعثة الاتحاد الأفريقي التحقيق في الهجمات يوم 11 ديسمبر/كانون الأول، والتقت بالقائد العسكري السوداني في إشما وهو العميد أحمد الهاجر محمد. وقال العميد محمد (الذي كان قد انتقل إلى قاعدةٍ جديدة للجيش في إشما) لفريق بعثة الاتحاد الأفريقي الذي يحقق في الهجوم على إشما وأم زيفة أن الهجوم كان "عملاً روتينياً لتأمين الطريق من نيالا إلى الخرطوم"، وأن "الأمر بهذه العملية جاء مباشرةً من أعلى السلطات في الخرطوم".[119] وأقر العميد أيضاً بأن قواته "دخلت مارلا وانسحبت منها يوم 8 ديسمبر/كانون الأول. وأنها هاجمت مارلا أيضاً بغية فتح الطريق وسكة الحديد الذاهبتين إلى الداين".[120]

وفي الأيام التالية، قام مراقبو بعثة الاتحاد الأفريقي بدورياتٍ جوية على طول ممر إشما ـ أم زيفة ـ لابادو، وصوروا تجمعاً كبيراً للميليشيات والمواد التي نهبتها بالقرب من كونكونو. وقد تعرضت كونكونو للهجوم أيضاً وصارت نقطة تجمع لعناصر الميليشيا الذين نهبوها في حضور قوات الجيش.[121] وشاهد مراقبو الاتحاد الأفريقي أيضاً عناصر الجانجاويد "ينهبون المنازل ويضرمون النار فيها" في أم زيفة. كان التدمير يجري على نحوٍ منهجي؛ فخلال ثلاثة أيام، صورت دوريات الاتحاد الأفريقي تطور أعمال التدمير في أم زيفة. وسرعان ما قامت قوات الجيش بحفر الخنادق حول قواعدها في أم زيفة وأقامت معسكراتٍ في المناطق الجديدة التي سيطرت عليها.[122]

مارلا: 15 16 ديسمبر/كانون الأول 2004

تعرضت مارلا إلى هجوم ثانٍ صبيحة 15 ديسمبر/كانون الأول. ويقول سكانها أن الهجوم بدأ بتحليق طائرة أنتونوف وحوامتين مقاتلتين فوق البلدة، ولعلها كانت تحاول معرفة ما إذا كان لجيش تحرير السودان وجود فيها. ثم وصل الجنود في عدة شاحناتٍ قادمةٍ من اتجاهاتٍ مختلفة وراحوا يطلقون النار عشوائياً ويحرقون المنازل.[123] وأقامت القوات قاعدةً لها في الناحية الغربية من البلدة، ثم بدأت بنهب وإحراق المتاجر في السوق. كما منعت أهالي مارلا من التزود بالمياه من البئر الرئيسية في القرية.

ورغم كون غالبية المهاجمين من جنود الحكومة، فقد شارك فيه بعض عناصر الميليشيات، وشاركوا في النهب الذي أعقبه. وكان النهب ما يزال متواصلاً عندما تمكن مراقبو الاتحاد الأفريقي أخيراً من دخول مارلا وتصوير أعمال النهب في 17 ديسمبر/كانون الأول.

وقالت لنا امرأةٌ عجوز من الزغاوة تقيم في مارلا أن معظم عناصر الجانجاويد المهاجمين كانوا ملثمين أثناء الهجوم وخلال أعمال النهب:

حاول البعض منا جمع بعض المتاع ووضع الأطفال على ظهور الحمير، لكنهم منعوهم. لقد ضربهم الجانجاويد وأخذوا حميرهم. قُتل أناسٌ وأطفالٌ كثيرون خلال الهجوم. لقد قتلوا أمامنا، لكننا اضطررنا لترك جثثهم دون دفنٍ والهرب بعيداً.[124]

ولم نتوصل إلى معرفة عدد المدنيين الذين قتلوا هناك سواءٌ قتلوا على نحوٍ مقصود أو بسبب إطلاق النار العشوائي. وطبقاً لأحد المصادر، أعدم الجنود شخصاً واحداً من غير محاكمة، كما قتل شخصٌ آخر بسبب إطلاق النار العشوائي. وقيل إن بعض النساء جرحن بفعل صواريخ الحوامات.[125]

لابادو: 17 ديسمبر/كانون الأول 2004

قامت قوات الحكومة والميليشيا بمهاجمة ما لا يقل عن خمسة قرى شمال لابادو في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني.[126] وفي أواسط ديسمبر/كانون الأول 2004، فرّ آلاف الأشخاص المشردين من هذه المناطق إلى لابادو فجعلوا منها أحد أكبر مواقع تجمع المشردين في المناطق الواقع تحت سيطرة جيش تحرير السودان في محافظة شاريا بجنوب دارفور. ومعظم سكان لابادو وكثير من قراها هم من البرجيد، رغم وجود مهاجرين من الزغاوة وفدوا خلال العقود الماضية. ومعتمد بلدة شاريا صادق علي نبي[127] ينتمي إلى البرجيد، وهو من لابادو. ومن الواضح أن كثيراً من أهل لابادو اعتقدوا أن موقعه الحكومي يحميهم من هجمات الجيش. وكانت النتيجة أن كثيراً من سكان البلدة ظلوا فيها ولم يهربوا رغم مهاجمة القوات الحكومية القرى المحيطة بها.[128]

وتثبت أحداث 17 ديسمبر/كانون الأول أن صلة المعتمد صادق بلابادو لم تجدِ في حماية البلدة.

وبحلول 16 ديسمبر/كانون الأول، تقدم اللواء التابع لفرقة المشاة رقم 16 بقيادة العميد أحمد الهاجر محمد (وهو الضابط الذي قاد الهجمات على مارلا وإشما في الأسبوع الذي سبق ذلك) حتى مسافة 8 كيلومتر من لابادو.[129] وتقول مصادر موثوقة أن هجوم السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول بدأ عند الفجر في قريةٍ تقع إلى الغرب من لابادو. وعند الظهيرة حلقت طائرة أنتونوف فوق لابادو وقصفت الناحية الجنوبية منها، ثم ألقت أربع قنابل على شرقها ثم على شمالها. وأدى قصف أنحاء متفرقة من المدينة إلى إشاعة الارتباك بين السكان الذين لم يعودوا عالمين إلى أين يفرون. وبعد ذلك، قصفت الطائرة السوق الواقعة في مركز البلدة. وتفيد الأنباء أن الحكومة استخدمت الحوامات المقاتلة أيضاً.[130] ويقول مراقبٌ دولي قابل عدداً من سكان لابادو المشردين أن مجموعة صغيرة من جنود جيش تحرير السودان كانت تقيم في البلدة ضمن مجمع سكني واحد، لكن هؤلاء الجنود فروا من البلدة فور بدء الهجوم.[131]

وقال المشردون من لابادو أن مئات من عناصر الجانجاويد هاجموا بالبلدة بعد ذلك وقتلوا وأحرقوا ونهبوا على هواهم. وبعدهم جاءت قوات الحكومة وراحت تقتل المدنيين أيضاً ودمرت قسماً من البلدة. ويقال أن أبواب بعض الأكواخ أغلقت على ساكنيها ثم أضرمت النار فيها فماتوا احتراقاً. وتجمع عددٌ كبيرٌ من الناس في المدرسة، والظاهر أنهم أعدموا فيها. وتفيد الأنباء أن 60 مدنياً على الأقل قتلوا في الهجوم.[132] وبعد الهجوم بأيام كتب عامل إغاثة عالج عدداً من الأشخاص المشردين من لابادو: "مازال كثيرٌ من الأطفال مفقودين، وقد شوهد عددٌ من كبار السن في العيادات المتنقلة مصابين بجروح ناجمة عن الحراب؛ وأصيب كثيراً من الناس بجروح ناجمة عن شظايا القنابل. ويرتسم الرعب على وجوه الناس جميعاً".[133]

وسرعان ما أقامت قوات الجيش مواقع جديدة للواء المهاجم خارج البلدة. وما أن تم تأمين البلدة، حتى بدأت وحدات الجيش وميليشيا الجانجاويد عملية نهبٍ منظمة لها، ثم أحرقتها. وخلال اليومين التاليين، كان 80% من البلدة قد دُمر تماماً أو أصيب بأضرار، بما في ذلك السوق والمتاجر والمستشفى.

منع العميد محمد مراقبي الاتحاد الأفريقي العسكريين من دخول لابادو يوم 17 ديسمبر/كانون الأول. ولاحظ المراقبون وجود زهاء 500 "بدوي عربي مسلّح (ميليشيا الجانجاويد) على خيولهم وجمالهم... وكانوا يحتلون المنطقة الدفاعية الشمالية ضمن قوات الحكومة". وعند السؤال عن هذه القوات، قدم العميد إجابةً كاذبة إذ قال أنها "أشخاصٌ مشردون داخلياً يفرون... من اجل الحماية".[134] وفي زيارةٍ قام بها المراقبون في وقتٍ لاحق، وصل الأمر بقادة الميليشيا في لابادو حد تهديد فريق الاتحاد الأفريقي إذا وجد عند عودته إلى نيالا ثقبين أحدثهما الرصاص في حوامته من طراز مي ـ 8.[135]

حمادة: 13 14 يناير/كانون الثاني 2005

يبدو أن أسلوب الهجوم على حمادة كان شديد الشبه بالهجمات السابقة. وجرى التعرف على قوات الجانجاويد من نيتيجا ومالام بين المحاربين الذين نفذوا الهجوم ضمن تنسيقٍ مع قوات الجيش السوداني. واحتجز سكان حمادة داخل قريتهم طيلة يومين دون السماح لهم بالهرب. وجرى فصل الرجال والنساء إلى مجموعتين: أعدم عددٌ من الرجال والفتيان؛ وترك البعض أحياء لحراسة ماشيتهم التي استولى عليها الجانجاويد. وقتل عددٌ من النساء والأطفال كان البعض منهم يحاول الفرار من المدرسة. وتعرضت بعض النساء والفتيات إلى الاغتصاب، وهو ما تكرر أحياناً.[136] كما جرى إعدام الجرحى.

ويقول بعض الناجين الذي فروا من المنطقة أن المهاجمين أعلنوا مراراً عن اعتزامهم "تنظيف المنطقة بأكملها".[137] وكان أحد الشهود أكثر دقةً وتحديداً عندما أشار إلى أنهم كانوا "ينظفون المنطقة من شاريا حتى الفاشر مروراً بشانغيل توبايا وثابت".[138]

وفي قمةٍ عقدت في نجامينا في فبراير/شباط 2005، تعهد الرئيس البشير بالكف عن استخدام طائرات الأنتونوف والحوامات المقاتلة في "الطلعات الجوية فوق المناطق المعادية". لكن ذلك التعهد جاء متأخراً إلى حدٍّ ما. ففي ذلك الوقت كانت الحكومة السودانية قد حققت كثيراً من أهداف هجومها بجنوب دارفور.

معرفة الجيش بالهجمات وتواطؤه في تدبيرها

قيل في البداية لعناصر الجيش من ذوي الرتب المنخفضة الذين أرسلوا إلى دارفور أنهم ذاهبون للتعامل مع لصوص المنطقة المشهورين ومع "قطاع الطرق" الذين يسلبون المسافرين على الطرقات. ولم يكن هذا بالأمر غير المتوقع؛ فقد قال لنا جنديٌّ سابق من زالنجي: "كانوا يستخدموننا أساساً قبل الحرب من أجل تعقب لصوص المواشي الذين ينشطون في الجبال". لكن القيادة السودانية استمرت في إخبار الجنود والجمهور، حتى بعد تصاعد النزاع، أنهم يقاتلون "اللصوص"، وكانت تصر على أن قوات المتمردين ليست إلا "قطاع طرق".

وبعد بدء الهجوم الحكومي عام 2003، صار من الواضح للجنود المشاركين، وبشكلٍ متزايد، أن المدنيين هم الهدف الرئيسي، وليس المتمردون أو حتى اللصوص. أما داخل القوات المسلحة السودانية، بما فيها القوات الجوية، فكان يوجد عناصر من دارفور. وقد احتج بعض هؤلاء الأشخاص أمام قادتهم، لكنهم أمروهم بمواصلة العمليات. ويقول جنديٌّ سابق من إحدى قرى الفور في جبل مرة:

شاركت في خمس هجمات. وفي كل مرة كان الجنود يتحدثون مع الجانجاويد ويطلبون منهم ألا يفعلوا ذلك، أي ألا يقتلوا المدنيين؛ فهذا يخلق توتراً. وحاول الضباط منع هؤلاء الجنود من التحدث مع الجانجاويد. وقالوا لهم أن عليهم أن يصمتوا وينفذوا الأوامر. وكانوا يقولون: 'هذا ليس من شأنكم. أنتم تقاتلون جيش تحرير السودان؛ وهؤلاء الناس من ذلك الجيش'. كان بعض الضباط من الخرطوم، وكان بعضهم من نيالا. وأتذكر خاصةً ضابطاً من قبيلة البرقو [غير العربية] من نيالا؛ وكان برتبة نقيب. كان الرجل يتحدث على نحوٍ أكثر وضوحاً إذ يقول: 'عليكم مهاجمة المدنيين'.[139]

وكان القادة العسكريون يأمرون بشن الهجمات وينسقون سيرها عالمين كل العلم أنهم يهاجمون المدنيين. وتفيد الأنباء أن قوات الجيش المتمركزة في كوتوم كانت بقيادة ضابط سوداني يدعى جدال فضل الله، وهو برتبة رائد. ويقول رجالٌ خدموا تحت أمرته أثناء عدة هجماتٍ على قرى منطقة كوتوم أنه كان يعطيهم أوامر واضحة بمهاجمة المدنيين. وعلى سبيل المثال، قال لهم قبل مهاجمة إنكيرو (وكان جيش تحرير السودان يتمركز فيها عام 2002 وأوائل 2003): "عليكم أن تحرقوا كل منزلٍ وكل قريةٍ في طريقكم حرقاً تاماً. ولا أريد رؤية شيءٍ باقٍ منها بعد المعركة". وأضاف: "يجب قتل جميع من ترونهم من الرجال، حتى المدنيين".[140]

ويشدد طيارٌ كان يؤمن الدعم الجوي لعمليات الجيش في دارفور على التنسيق الوثيق بين الجيش والجانجاويد خلال هذه العمليات، وكذلك على وضوح حقيقة أن المدنيين كانوا هدفاً لكثيرٍ من الهجمات:

صدر لنا أمرٌ بتغطية عمليات الجيش، لكنه كان يهاجم المدنيين أحياناً. وكان الجانجاويد يرتدون ملابس عسكرية ويعملون تحت قيادة ضابط من الجيش. وكانوا بحاجةٍ إلى دعمٍ جوي عندما ينفذون مهامهم. وكان دوري تقديم هذا الدعم: نقل الذخيرة، وإخلاء الجرحى، وأخذ الضباط القادة لرؤية المنطقة. لقد رفضت تقديم الدعم للعمليات التي تهاجم المدنيين... رأيت الجانجاويد ووحدات الجيش يهاجمون المدنيين. أخبرت قائدي بما رأيت، وقلت له أنني رأيت قريةً تتعرض للتدمير (أعطيته اسم القرية)، وأن الجيش والجانجاويد كانوا يقتلون أسرةً بأكملها. وقلت لهم أنني لا أستطيع القيام بهذا العمل.[141]

أضحت المعرفة بما يرتكب من انتهاكاتٍ أمراً واسع الانتشار بعد الهجمات الأولى لأن الطيارين كانوا يحملون صورةً واضحة عن هوية من يتعرضون للهجوم. وراح كثيرٌ من الطيارين يتجنبون الطيران فوق دارفور عن طريق طلب نقلهم بعد أن تحققوا من أن المدنيين هم هدف الهجوم. وقال لنا واحدٌ منهم: "لم أكن أعرف ما يحدث بالضبط في البداية. لقد أمرونا بتقديم 'دعم مباشر' وقالوا أن العدو موجودٌ داخل القرية. لكنني لم أجد العدو هناك، فلم يكن في القرى إلا أفراد القبائل. ولو كان العدو موجوداً هناك لعرفت. ونحن نستطيع رؤية سيارات المتمردين، فهم لا يتنقلون سيراً على الأقدام".[142]

وأشار طيارٌ آخر يعمل في دارفور إلى أنه أبلغ قادته بما رآه بدقةٍ. وقد طار فوق مدينة طويلة أثناء هجوم فبراير/شباط 2004 أو بعده، وشاهد القرى تحترق. ثم وجد سبيلاً للانتقال إلى خارج دارفور بعد أن شاهد الدمار في الطويلة وحولها. وتحدث هذا الطيار، الذي اعتقل لفترةٍ وجيزةٍ بعد ذلك، عما شاهده إلى رئيس الأركان عباس عرابي عبد الله وإلى وزير الداخلية الفريق أحمد محمد هارون، وذلك في مقر القيادة العسكرية بالفاشر. وقد قال لنا: "تحدثت عن ذلك. وقلت أنني لا أريد العمل هنا لأنني من هذه المنطقة. لقد تعرضت أسرتي وقريتي للتدمير". واعتقل هذا الطيار عدة أسابيع بعد رفضه الطيران فوق دارفور.[143]

VI. دور الرئيس عمر البشير ومسئولي الحكومة في السياسات الخاصة بدارفور

كان لسياسة "التطهير العرقي" التي اتبعتها الحكومة السودانية طابع استراتيجي وخطط لها على نحوٍ جيد. ومنذ أوائل 2003، اعتمدت قيادة الخرطوم على الإدارة المدنية والجيش وميليشيا الجانجاويد لتنفيذ سياسات مقاومة التمرد التي عمدت إلى استهداف المدنيين على نحوٍ منهجي ومتعمد وعلى نحوٍ ينتهك القانون الدولي. وتقع المسئولية النهائية عن وضع هذه السياسات وتنسيق تنفيذها على من هم في الخرطوم، أي على أعلى مستويات القيادة السودانية بما فيها الرئيس عمر البشير ونائب الرئيس علي عثمان طه وأهم الوزراء الاتحاديين وقادة الأجهزة الأمنية.

وتتمتع الحكومة السودانية بتراتبيةٍ هرميةٍ شديدة متعددة النواحي، وهي تعمل من خلال شبكة محكمة من أفراد الحزب الحاكم.[144] ورغم ضرورة إجراء مزيد من التحريات لمعرفة تفاصيل مشاركة كبار المسئولين الاتحاديين، فإن دور كبار المسئولين السودانيين في تنسيق حملة "التطهير العرقي" أمرٌ واضحٌ عند دراسة الهجوم الرئيسي. والأكثر وضوحاً هو الدور المركزي للرئيس عمر البشير ذاته إذ كانت تصريحاته العلنية مؤشراتٍ إلى الدعوة إلى حمل السلاح وإلى ذروات العنف، وما من شك في أنها تحمل صدى الأوامر الخاصة المعطاة إلى الإدارة المدنية والجيش والأجهزة الأمنية.

ففي 30 ديسمبر/كانون الأول 2003 على سبيل المثال، أعلن الرئيس البشير أن "إنهاء التمرد أولويةٌ بالنسبة لنا، وكذلك تحطيم جميع الخارجين على القانون ممن يحملون السلاح".[145] وجاءت كلمات الرئيس البشير هذه قبل أيامٍ فقط من هجوم يناير/كانون الثاني 2004 الذي استخدم القوة على نحوٍ منهجي وفي خرقٍ للقانون الإنساني الدولي من أجل دفع مئات ألوف الناس خارج مناطقهم الريفية. وقد شهدت الحملة العسكرية التي شنتها الحكومة السودانية تصاعداً شديداً في الأيام الأولى من عام 2004: عانت مئات القرى في دارفور من الهجمات مرةً أو أكثر، وكان بعضها فائق الوحشية. ويزعم الشهود أن القرى لم تتعرض إلى القصف بالقنابل فقط بل أسقطت عليها مواد حارقة في بعض الهجمات؛ لكننا لم نتمكن من التحقق من صدق هذه المزاعم.[146] كما أن الاستخدام المنهجي للدعم الجوي من أجل استهداف المدنيين أثناء الحملة العسكرية رغم احتجاجات الطيارين يعكس أيضاً تورط كبار المسئولين في الخرطوم.

وقد عرف كبار المسئولين السودانيين، أو كان حرياً بهم أن يعرفوا، أن تجنيد الميليشيات على أساسٍ إثني يمكن أن يحمل عواقب مدمرة. وكانت الصدامات الإثنية حول الأرض وغيرها من الموارد تحدث لسنواتٍ طويلة في المنطقة، لكن على مستوى أدنى بكثير. وساهم أشخاصٌ مثل موسى هلال في توتير العلاقات بين الإثنيات في بعض المناطق كنتيجةٍ للهجمات التي يشنها؛ كما احتجزه حاكم ولاية شمال دارفور إبراهيم سليمان نتيجةً لهذه الحقيقة. وقد إبراهيم سليمان، وهو من الحزب الحاكم لكنه من دارفور أيضاً، لصحيفة نيويورك تايمز: "عندما بدأت المشاكل مع المتمردين في دارفور كان لدينا في الحكومة السودانية عددٌ من الخيارات. لكننا اعتمدنا خياراً خاطئاً. لقد اعتمدنا أسوأ الخيارات على الإطلاق".[147] لكن، وعلى الرغم من سجل هلال في إثارة التوترات الإثنية (على الأقل)، فقد أطلق سراحه من السجن بأمر من نائب الرئيس علي عثمان طه كما قيل، ومُنح صلاحياتٍ واسعة النطاق في تجنيد قوات الميليشيا وقيادتها.

وقد تلقى كبار المسئولين، ومنهم الرئيس البشير، مناشداتٍ لوقف الهجمات جاءت من أشخاصٍ متنوعين يتدرجون من أعضاء في الجمعية الوطنية إلى محامين يمثلون ضحايا دارفور. وحتى قبل المرحلة الأشد من هذا النزاع، قدم 18 عضواً في الجمعية الوطنية من أبناء دارفور في مايو/أيار 2002 مذكرةً إلى الرئيس البشير تتحدث عن الهجمات التي وقعت بين يوليو/تموز 2000 ومايو/أيار 2002، وتطالب بتحركٍ حكومي.[148] وقال لنا محامون من دارفور قاموا بتوثيق عشرات الهجمات وحاولوا من غير طائلٍ ملاحقتها من خلال النظام القضائي أنهم كتبوا إلى المدعي العام يطالبونه بالتحقيق والملاحقة القضائية لمرتكبي الجرائم، لكنهم لم يتلقوا جواباً، فعمدوا آخر الأمر إلى إرسال مذكرة إلى الرئيس البشير يدعون فيها إلى حلٍّ سياسي للنزاع المتصاعد. ويقول المحامون أن الرئيس السوداني أوفد مستشاره قطبي المهدي للقائهم في أبريل/نيسان 2003، لكن التوصيات التي قدموها إلى الرئيس لم تشهد أي متابعةٍ بعد ذلك.[149]

وكما أشرنا أعلاه (القسم 6 ـ ت)، احتج عددٌ من أفراد القوات المسلحة من ذوي الرتب العالية لدى قادتهم على مهاجمة المدنيين في أوائل 2004. وبدلاً من اتخاذ تدابير لمنع الانتهاكات أو معاقبة مرتكبيها، واصلت الحكومة تنفيذ استراتيجية "التطهير العرقي" ذاتها بما لها من نتائج معروفة، وذلك في جنوب دارفور أثناء هجوم ديسمبر/كانون الأول 2004.

وحتى بدون هذه التحذيرات بشأن الوضع الخطير في دارفور، كان لدى القيادة السودانية علم عن خطر استخدام الميليشيات الإثنية تعود لأكثر من 12 عاماً. فسياسية الحكومة في استخدام الميليشيات الإثنية في العمليات العسكرية الهجومية خلال الحرب الطويلة في الجنوب تقدم أدلةً كافية على أن هذه القوات تستهدف المدنيين دائماً وترتكب جرائم الحرب. وقد أسفرت هجماتٌ كثيرةٌ على السكان المدنيين بجنوب السودان عن دمارٍ وقتلٍ هائلين، إضافةً إلى كثيرٍ من المجاعات المصنوعة صنعاً والتي أدت إلى موت مئات الآلاف من الناس، وكان آخرها في بحر الغزال عام 1998.[150]

ولعل بعض المراقبين اعتقدوا أن الحكومة السودانية ستمتنع عن استخدام هذه الأساليب ضد سكان الشمال، وهم مسلمون مثلها. لكن حملة دارفور تبين خطأ هذا الاعتقاد؛ فالقادة السودانيون، بمن فيهم الرئيس البشير وقادة الجيش والأجهزة الأمنية وحلقةٌ من ذوي السلطة المختارين، يطبقون عامدين سياسة "التطهير العرقي" التي تنفذها قوات الميليشيا بمساندةٍ من الحكومة. وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى تمزيق دارفور.

وحتى عندما اتضح حدوث انتهاكات واسعة، لم تحرك الحكومة ساكناً لمنع وقوع جرائم جديدة أو لمحاسبة مرتكبيها. وواصلت إنكار اتساع نطاق هذه الفظائع وما نتج عنها من أزمةٍ إنسانية. وفي الأشهر الأولى من النزاع، أي قبل وقوع الفظائع التي احتلت صدارة الصحف العالمية في أواسط 2004، تدفق آلاف الأشخاص المشردين على مدن دارفور يشكون ما تعرضوا له من هجمات. وكانوا أول الأمر يطالبون المسئولين الحكوميين بإرسال القوات لحمايتهم؛ لكنهم سرعان ما تبينوا أنهم يتعرضون لهجومٍ متعمد من جانب الحكومة.[151] كما قدمت عشرات (أو مئات) الشكاوى إلى الشرطة، لكنها لم تؤد إلى أي تحقيقٍ أو اعتقالٍ لمرتكبي الانتهاكات.

وفي أواسط 2004، كانت منظماتٌ كثيرة قد وثقت الفظائع الجارية في دارفور، بما فيها مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة؛ وكانت هذه الفظائع تحتل عناوين الصحف حول العالم، بما في ذلك الصحافة العربية، رغم محاولة الحكومة السودانية فرض تعتيم إعلامي على دارفور.[152] كان الرئيس البشير وكبار المسئولين على علم بتلك الانتهاكات ولم يفعلوا شيئاً لمنعها، هذا إن حكمنا انطلاقاً من سجل الجرائم التي ارتكبتها القوات المسلحة السودانية والميليشيات الحليفة لها خلال الأشهر التي تلت انتشار هذه التقارير على نطاقٍ واسع. وعلى سبيل المثال، حمل هجوم ديسمبر/كانون الأول 2004 في جنوب دارفور (وقع بعد ثمانية أشهر من اتفاقية وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان 2004، وحتى بعد تشكيل الرئيس البشير هيئة للتحقيق في الجرائم) جميع سمات الهجمات السابقة، بما في ذلك تنسيق الجيش مع الجانجاويد والقصف الجوي والتشريد القسري الجماعي للمدنيين.

كبار السياسيين في الحكومة

إضافةً إلى دور الرئيس البشير بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة السودانية، ربما يلعب غيره من كبار المسئولين (ومنهم نائب الرئيس علي عثمان طه) أدواراً لا تقل أهميةً في السياسات الخاصة بدارفور، وهذا ما يجب التحري عنه. وثمة مزاعم كثيرة تقول أن نائب الرئيس علي عثمان طه هو المقرر الأول في الحكومة فيما يتعلق بدارفور، وأنه واحدٌ من أهم دعاة سياسة تجنيد الميليشيا واستخدامها.

نائب الرئيس علي عثمان طه

تبين المزاعم المتعلقة بدور طه (رغم قلة الأدلة الوثائقية حتى الآن) وجود حاجةٍ إلى مزيدٍ من التحري والتحقيق. فعلى سبيل المثال، يؤكد زعماء محليون في دارفور وعددٌ ممن تحدثنا إليهم أن لنائب الرئيس صلة مباشرة مع موسى هلال، وأن هلال خرج من السجن عام 2003 بأمرٍ شخصي منه، ثم جرى تعزيز موقعه ليصير منسقاً لميليشيا الجانجاويد.

وقال لنا كثيرٌ من زعماء الجماعات المحلية وأفراد النخب الدارفورية إن عناصر الميليشيات القبلية يقولون إنهم لا يخضعون إلا لأوامر موسى هلال أو نائب الرئيس علي عثمان طه. ويقول عمدةٌ من الزغاوة: "بعد يونيو/حزيران 2003، صار الدعم الذي تقدمه الحكومة لموسى هلال علنياً تماماً، وهو يأتي عبر علي عثمان طه. ويقول العرب: 'نحن لا نعترف بأية سلطةٍ في السودان إلا إذا كانت من خلال علي عثمان أو موسى هلال'. ويقولون أن ثمة صلة مباشرة بين موسى هلال وعلي عثمان طه، ويقصدون بذلك التجمع العربي".[153] ويشير شيخٌ من قبيلة البرتي أيضاً إلى الصلة بين نائب الرئيس والزعامات المحلية العربية فيقول: "بعد زيارة علي عثمان طه إلى الفاشر عام 2000، شعر الناس أن الوضع بدأ يتغير لأن العرب ما عادوا يصغون إلى الحكومة المحلية في الفاشر. وصاروا يتصرفون كأنهم يتلقون مساندة مباشرة من الخرطوم".[154] وزعم رجلٌ من التنجر في الثانية والخمسين من عمره، وهو يعمل الآن مع جيش تحرير السودان، أنه شهد زيارة نائب الرئيس طه إلى سيالا عام 2003، وهي مخيمٌ عسكريٌّ معروف يقع إلى الشرق من كوتوم بشمال دارفور. ويقول هذا الشاهد إن نائب الرئيس "أعطى الجانجاويد أسلحةً. وكنت هناك عندما زار المنطقة".[155]

الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين

يعتبر اللواء عبد الرحيم محمد حسين[156] الذي كان وزيراً للداخلية وصار وزيراً للدفاع الآن وعُيّن ممثلاً للرئيس فيما يتعلق بدارفور عام 2004 شخصيةً رئيسيةً أيضاً. ويبدو أنه لعب دوراً مركزياً في التنسيق مع المسئولين المدنيين المحليين كالولاة والمعتمدين من أجل تنفيذ سياسة "التطهير العرقي" في دارفور. وكان يُكثر من التردد على دارفور (وكذلك نائبه الفريق أحمد محمد هارون) لعقد الاجتماعات مع الولاة والمعتمدين وغيرهم من ممثلي الحكومة والقادة العسكريين والمسئولين الأمنيين. ويشير كثيرٌ من الشهود إلى أن زياراتهما واجتماعاتهما مع المسئولين المحليين في دارفور كانت تأتي دائماً قبيل الهجمات العسكرية وهجمات الميليشيا. كما ذكر اسم كل من حسين وهارون كثيرٌ من ضباط الجيش من ذوي المراكز الرفيعة بصفتهما شخصيتين بارزتين في تنسيق وتخطيط العمليات العسكرية بدارفور.[157]

الأجهزة الأمنية

تشارك كثيرٌ من الأجهزة الأمنية في جمع المعلومات الاستخباراتية وفي عددٍ من الوظائف الأمنية في دارفور. ولا توجد معلومات كثيرة عن هذه الأجهزة. وأما المسئول العام عنها فهو اللواء صلاح عبد الله غوش المدير العام للأمن والمخابرات العسكرية، ومقره الخرطوم. ويعتبر معظم المراقبين السودانيين أن هذا الرجل يملك سلطاتٍ واسعة النطاق في الأمور الأمنية، ولعله يأتي مباشرةً بعد الرئيس البشير ونائبه علي عثمان طه. ويقول مسئولون كبار وبعض أفراد الجيش أن صلاح غوش مسئولٌ أمام نائب الرئيس مباشرةً؛ لكننا لم نستطع التحقق من ذلك.[158] وقال لنا ضابطٌ رفيع المستوى في القوات المسلحة: "أجهزة الأمن هي من يدير هذه البلاد. والسلطة تكمن في يد صلاح غوش، فقراره يتقدم على قرار الجيش والمخابرات العسكرية".[159]

إن المسئولين الأمنيين السودانيين متورطون منذ سنواتٍ كثيرة في انتهاكاتٍ خطيرة لحقوق الإنسان من بينها الاحتجاز التعسفي والتعذيب.[160] ويعتقد أن هناك عناصر أمن مختارين يلعبون دور حلقة الوصل مع قادة الجانجاويد. ويقول شخصٌ واسع الاطلاع يقطن في زالنجي: "إن لدى المخابرات وحدة تجمع المعلومات وتعمل داخل القبائل العربية للحفاظ على الأمن".[161] وتورد مصادر موثوقة أخرى أيضاً ما يزعمه هذا الرجل، ومنها عددٌ من الصحفيين السودانيين الذين أجروا تحقيقاتٍ عن الأحداث في دارفور. وليس من المفاجئ أن تتولى الأجهزة الأمنية بعض المسئوليات المباشرة ضمن كل ولاية، إضافةً إلى عضويتها في اللجان الأمنية بالولايات. وقال لنا أحد قادة المخابرات المحليين بجنوب دارفور إنه مسئولٌ أمام الوالي، رغم عدم وجود شكٍّ في مسئوليته أمام رئيس المخابرات في الخرطوم صلاح غوش عن طريق التسلسل المباشر.[162]

ويعتقد على نطاقٍ واسعٍ أيضاً أن المخابرات العسكرية كانت حلقة وصلٍ ومعبراً هاماً لإمداد الجانجاويد. وقالت لنا مصادر كثيرة من بينها موظفون في الأمم المتحدة وأعضاء في جيش تحرير السودان وأفرادٌ سابقون في الجيش أن حلقة الوصل الرئيسية (فيما يخص عمليات دارفور على الأقل) بين الجانجاويد والمخابرات العسكرية كانت تتم عبر ضابط من قبيلة بني حسين هو الفريق الهادي آدم حامد الذي كان مسئولاً مباشرةً أمام معاون وزير الداخلية أحمد محمد هارون.[163] ويشير ضابطٌ سابق عالي الرتبة في الجيش إلى صلات العميد حامد مع وزارة الداخلية:

كان الهادي آدم حامد مديراً للمخابرات العسكرية في الخرطوم. وهو يسافر إلى دارفور. وتعمل مديرية المخابرات العسكرية متخفيةً في شكل الجانجاويد. فبعض الضباط، مثل العميد عبد الواحد سعيد علي سعيد [القائد العسكري في المسترية] وشكرتله ودافالا هم من ضباط المخابرات العسكرية في الجيش ممن يعملون مع الجانجاويد. وهم مرتبطون بأحمد هارون ويتلقون الأوامر منه.[164]

ويشير محققٌ دوليٌّ أيضاً إلى دور العميد حامد والمخابرات العسكرية في إيصال الأسلحة إلى الميليشيات:

إن الجانجاويد هم قوات الدفاع الشعبي وحرس الحدود العاملة تحت أمرة المخابرات العسكرية. ولعل قوات الدفاع الشعبي أكثر عدداً في نيالا وجنينة، لكن لحرس الحدود لباساً مختلفاً وأوراقاً ثبوتيةً مختلفة، وهم تابعون للمخابرات العسكرية مباشرةً. والفريق الهادي آدم حامد رئيسٌ لحرس الحدود. وقد كان في السابق معبراً لإيصال الإمدادات إلى الجانجاويد، بل إنه اعترف لضابط في المخابرات العسكرية الأمريكية أنه كان يقوم بدور المعبر.[165]

VII. تعزيز حالة الإفلات من العقاب

ثمة خطواتٌ فورية يمكن للحكومة السودانية القيام بها لإشاعة بعض الراحة لدى ملايين المدنيين المشردين أو المتضررين بفعل النزاع في دارفور، ولمنع وقوع مزيدٍ من الانتهاكات، ولبدء عملية الرجوع عن "التطهير العرقي". ومن هذه الخطوات إقرار الحكومة السودانية بأن الميليشيات وقوات الأمن ارتكبت الفظائع في دارفور، وبدء نزع سلاح الجانجاويد، وتعليق عمل المسئولين الحكوميين المشتبه في أنهم مجرمي حرب بانتظار التحقيق معهم، وفصل عناصر الشرطة والأمن الذين ارتكبوا جرائم، وتوفير الأمن الحقيقي للمدنيين في دارفور وخاصةً على الطرق وفي المدن، وإنهاء الممارسات التمييزية التي تستهدف بعض الجماعات الإثنية بما في ذلك الاعتقال والاحتجاز التعسفيين.

لكن الحكومة السودانية لم تظهر إلى اليوم أي استعداد للقيام بأية خطوةٍ مما سبق. وعلى الرغم من كثرة المعلومات التي تؤكد قيام الحكومة السودانية بتخطيط وتنسيق وتنفيذ حملة التطهير العرقي التي أفضت إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور، لم يجر تحقيق أو اتخاذ تدابير تأديبية أو ملاحقة قضائية بحق أي مسئول مدني أو ضابط عسكري من ذوي الرتب المتوسطة أو العالية.

وفي أواسط 2004، بدأت الحكومة السودانية تحقيقاً داخلياً وأقامت ثلاث لجان مختصة على الأقل مهمتها التصرف إزاء ما يُثار من مزاعم، وأقامت محكمةً جديدة للتحقيق مع مرتكبي جرائم دارفور ومحاكمتهم. لكن الحصيلة حتى يومنا هذا لا تكاد تتجاوز المساعي الظاهرية الهادفة إلى الإيحاء بأن الحكومة تفعل شيئاً ما استجابةً للمطالبات الدولية. لكن أياً من هذه المبادرات لم يكشف عن إرادةٍ أو محاولةٍ حقيقية للمحاسبة على الجرائم في دارفور وتوفير العدالة للضحايا.

عدم نزع سلاح الجانجاويد

كان ضابطان يجلسان على الكراسي ويأمران 11 جندياً بإعطاء الأسلحة إلى الجانجاويد. وكانت لديهم قوائم بأسماء عناصر الجانجاويد. وكانوا يسجلون الرقم المتسلسل لقطعة السلاح بجانب اسم عنصر الجانجاويد الذي يستلمها. ودامت العملية زمناً طويلاً جداً من السابعة صباحاً حتى الثامنة مساءً.

-جندي أسير كان يخدم في قبقابية.[166]

كانت القوات المسلحة السودانية تقدم الأسلحة والذخيرة والملابس العسكرية وأجهزة الاتصالات والسيارات وغير ذلك إلى ميليشيا الجانجاويد العاملة ضمن قوات الدفاع الشعبية، إضافةً إلى الميليشيات الإثنية ذات الصلة الأقل إحكاماً بالقوات المسلحة. ولم يكن توزيع السلاح عشوائياً، بل كان منظماً وكان يجري تسجيل تلك الأسلحة. وكان أفراد قوات الدفاع الشعبية والميلشيات الأخرى يستلمون بطاقاتٍ شخصية وأرقاماً. وقد حصلت هيومن رايتس ووتش على نسخٍ من قوائم تسجيل الأسلحة ومن تلك البطاقات الشخصية التي أصدرت من أجل عناصر الميلشيات في قوات الدفاع الشعبية.

ورغم احتمال فقدان الحكومة السودانية السيطرة الكاملة على عناصر الميليشيا الذين جندتهم ومولتهم وسلحتهم ونسقت عملهم، فالحقيقة أنها لم تحاول ممارسة تلك السيطرة قط. لكن حالة "انعدام السيطرة" توفر للحكومة إمكانية الإنكار التي تعتقد أنها تفيدها في مواجهة الاحتجاجات الدولية إزاء اتساع نطاق القتل والتدمير والتشريد في دارفور؛ وهي عين الاستراتيجية التي اعتمدها الحكومة مع الميليشيات الإثنية في جنوب السودان. إن حالة "انعدام السيطرة" تتطور منذ بعض الوقت: فعوضاً عن القيام بخطوات لتقليل الدعم المقدم إلى الميليشيات، فإن الحكومة السودانية توسع دائرة مجموعات الميليشيا التي تقدم لها دعماً كاملاً أو جزئياً منذ أواسط 2004 (أي بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الإنساني في نجامينا). وفي وقتٍ كانت الحكومة تبذل فيه وعوداً كثيرة بنزع سلاح الميليشيا ولجمها، أقدم عددٌ من كبار المسئولين الأمنيين السودانيين في مايو/أيار وفي أوائل يونيو/حزيران 2004 على استدعاء عدد من قادة الميليشيا إلى الخرطوم ومنحوهم دفعاتٍ جديدة من الإمدادات.[167]

ويقال أن واحداً من قادة الميليشيا يعرف باسم "أبو العشرين"، وهو من أتباع موسى هلال، أمضى في أواخر شهر مايو/أيار عدة أسابيع في الخرطوم وكانت له اتصالاتٌ وثيقة مع العميد هادي آدم حامد من المخابرات العسكرية، وهو مقربٌ من مدير الأمن العام الفريق صلاح عبد الله غوش. ويقال أن "أبو العشرين" استلم من الخرطوم أسلحةً وأدويةً وملابس عسكرية وإمدادات أخرى، ثم أعيد إلى الفاشر بطائرة أنتونوف في الأسبوع الأول من شهر يونيو/حزيران.[168] وفي نفس الشهر، أفادت الأنباء أن الأمر عينه تكرر مع زعيمٍ قبليٍّ آخر من جنوب دارفور.[169]

وقد واظب الجيش السوداني على تزويد معسكرات الميليشيا في ولايات دارفور الثلاث بالرواتب الشهرية والأسلحة والذخائر والطعام. فعلى سبيل المثال، أشار عنصر سابق في الميليشيات كانت مقيماً في معسكر المسترية إلى أن حوامةً كانت تأتي ثلاث مرات أسبوعياً حاملة الرسائل والذخائر والأطعمة.[170]

لم تقم الحكومة السودانية بأي مسعى جدي لنزع سلاح الجانجاويد؛ بل قامت ببساطةٍ بضم كثير من الجانجاويد إلى وحداتٍ مختلفة من الأجهزة الأمنية. ففي الفاشر مثلاً، جرى امتصاص كثير من عناصر الجانجاويد في قوات الشرطة الاحتياطية المركزية بعد تدريبهم في الخرطوم.[171] وهذا ما أدى إلى نشوء مشكلات داخل الأجهزة الأمنية إضافةً إلى تواصل العنف ضد المدنيين؛ وهو العنف الذي كان يأتي مباشرةً من الشرطة "الجديدة" في بعض الحالات. كما جرى ضم معظم من جندهم موسى هلال في المسترية إلى جماعاتٍ شبه عسكرية مختلفة في أواخر 2004، وذلك بعد حواراتٍ بين هلال واللواء عبد الواحد بشأن الكيفية المثلى لتوزيع بطاقات هوية عسكرية على هؤلاء الأشخاص.[172]

قامت الحكومة السودانية بعددٍ من العمليات التي جرى فيها نزعٌ ظاهري لأسلحة أشخاصٍ زُعم أنهم من الجانجاويد. لكن هذه العمليات التي جرت في جنينة وكاس عام 2004 لم تكن أكثر من دعايةً موجهةً إلى المجتمع الدولي. وفي واحدةٍ من هذه العمليات على سبيل المثال، جرت دعوة المراقبين العسكريين الأفارقة لمراقبة جمع عدة مئات من قطع الأسلحة من عناصر الميليشيات. ويقول عنصرٌ سابق في بعثة الاتحاد الأفريقي قابلته هيومن رايتس ووتش أن أرقام تلك القطع كانت متسلسلةً تماماً مما يشير إلى أنها خرجت من المستودعات لتوها من أجل تنفيذ ذلك العرض.[173]

وبمعزلٍ عن محاولة نزع سلاح الجانجاويد بالقوة (وهذا ما قد يكون صعباً الآن)، تتوفر أمام الحكومة خياراتٌ أخرى لضبط تلك الميليشيات ونزع سلاحها، لكنها لا تستخدمها. وهذه الخيارات من قبيل تقديم مبالغ نقدية أو غير ذلك من الحوافز مقابل الأسلحة.[174]

إفلات الأشخاص من الملاحقة القضائية

تمتنع الحكومة السودانية عن التحقيق مع، ناهيك عن محاكمة، المسئولين المحليين والإقليميين والوطنيين الذين خططوا ونفذوا "التطهير العرقي" أو تورطوا بأشكالٍ أخرى في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية (انظر الملحق 1 أيضاً).

ولا تعدو التعيينات الأخيرة لعددٍ من الوزراء ووزراء الدولة، وغيرهم من كبار المسئولين، في حكومة الوحدة الوطنية الجديدة أن تكون إعادة خلطٍ لمضطهدي دارفور. فقد بقي في الحكومة كثيرٌ من المسئولين المدنيين ممن قد يكونوا مسئولين عن جرائم دولية خطيرة. وعلى سبيل المثال، صار عبد الرحيم محمد حسين وزيراً للدفاع بعد أن كان وزيراً للداخلية. أما نائبه أحمد هارون فانتقل إلى وزارة الشئون الإنسانية حيث ظل نائب وزير. وأما وزير الدفاع السابق بكري حسن صالح فهو الآن وزيرٌ لرئاسة الجمهورية.

أما في دارفور، فقد بقي المسئولون من غير تغيير. ووفقاً للمعلومات المتوفرة لدينا، فقد عددٌ من المتورطين في ارتكاب الفظائع مناصبهم الرسمية، وهم: معتمد كاس السابق أحمد أنجابو أحمد، ومعتمد مكجار الطيب عبد الله طرشاني، ووالي جنوب دارفور آدم حامد موسى. ومن الواضح أن هؤلاء الثلاثة خرجوا من مناصبهم لأسبابٍ لا علاقة لها بسجلهم في دارفور؛ ولم يُكف أحدٌ منهم عن عمله. كما لم يجر التحقيق معهم، أو مع غيرهم من المسئولين، أو محاكمتهم بسبب الجرائم في دارفور.[175]

وأما الأشخاص الآخرون الذين قد يكونوا مسئولين عن الجرائم، فهم باقون في مناصبهم، ومنهم معتمدو نيالا وقبقابية ونرتيت. كما احتفظ بمنصبه كلٌّ من والي شمال دارفور عثمان محمد يوسف كبير، ووالي جنوب دارفور الحاج عطا المنان إدريس (وقد حل محل آدم حامد موسى أواسط 2004 وكان موجوداً أثناء الهجوم الكبير في أواخر 2004)؛ بل أعاد الرئيس البشير تسميتهما واليين من جديد. كما جرت ترقية شخص واحد على الأقل، وهو معتمد جارسيلا السابق جعفر عبد الحق الذي شارك في الإعدامات الجماعية بوادي صالح كما ورد أعلاه؛ ففي أكتوبر/تشرين الأول 2005، عُين والياً على غرب دارفور.

العدالة المفقودة: المحكمة الدولية للجرائم في دارفور[176]

في أواخر يناير/كانون الثاني 2005، أعلنت لجنة التحقيق الدولية المقامة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1564 النتائج التي توصلت إليها بعد تحقيقٍ في جرائم دارفور استمر ثلاثة أشهر. وخلص تقرير اللجنة إلى عدم وجود أدلة كافية على وجود سياسة إبادة جماعية لدى الدولة، لكنه قال: "قد لا تقل الجرائم الدولية التي ارتكبت في دارفور، كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، خطورةً وشناعةً عن الإبادة الجماعية".[177] و"يوصي التقرير بشدةٍ" بأن يحيل مجلس الأمن الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويشير إلى أن "القضاء السوداني غير قادرٍ على معالجة الوضع في دارفور وغير مستعدٍ لذلك".[178]

وفي 31 مارس/آذار 2005، عمل مجلس الأمن بتلك التوصيات وأحال وضع دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.[179] وبموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يكون اختصاص المحكمة مكملاً لاختصاص المحاكم الوطنية.[180] أي أن من شأن اتخاذ المحاكم الوطنية تدابير صادقة النية بحق المرتكبين المحتملين لجرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الجرائم الواقعة ضمن اختصاصها أن يمنع تدخل المحكمة الجنائية الدولية في تلك القضايا. وعلى الرغم من توصل لجنة التحقيق إلى نتيجةٍ مفادها أن النظام القضائي السوداني غير قادر على معالجة الجرائم في دارفور وغير مستعدٍّ لذلك، فإن النيابة العامة في المحكمة الجنائية الدولية ملزمةٌ بتقديم تقييمها الخاص لتلك النقطة قبل الشروع بالتحقيق.[181]

وفي 6 يونيو/حزيران 2005، أعلن النائب العام في المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو أن المحكمة ستحقق في جرائم دارفور، مع التركيز على "الأشخاص الذين يتحملون المسئولية الجنائية الكبرى عن الجرائم المرتكبة في دارفور".[182] وفي اليوم التالي أعلنت الحكومة السودانية فجأة عن إقامة المحكمة الجنائية الوطنية الخاصة المعنية بدارفور، وهي محكمةٌ جديدة مكلفة باتخاذ تدابير فورية بالتعاون مع المدعين العامين في دارفور.[183] وكان توقيت وسرعة إنشاء هذه المحكمة محاولةً أخرى لإبطال اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في جرائم دارفور، وهذا ما أقر به عددٌ من المسئولين السودانيين أنفسهم.[184] والظاهر أن وزير العدل السوداني آنذاك علي محمد عثمان ياسين صرّح للصحافة السودانية بأن المحكمة "تعتبر بديلاً عن المحكمة الجنائية الدولية".[185]

أقيمت المحكمة الجديدة في الفاشر مع منحها صلاحية عقد جلساتها في أماكن أخرى. وبحلول 18 يونيو/حزيران 2005، عقدت المحكمة أولى جلساتها في نيالا. وفي أغسطس/آب، كانت المحكمة تنظر في ست قضايا تراوحت من قضية اغتصاب أحد أفراد قوات الدفاع الشعبية فتاة في السادسة عشر من العمر أثناء الهجوم على إحدى الحافلات (انظر أدناه) إلى حوادث سطو مسلح وقتل ارتكبها جنود في الجيش وصولاً إلى قضية سرقة ثمانية رؤوس من الغنم. ولم تشمل أيٌّ من هذه القضايا جرائم حرب، كما لم يكن فيها متهمون ممن يشغلون مناصب في القوات المسلحة أو الإدارة المدنية أو الميليشيات.

لكن قدمت شكاوى رسمية في حالاتٍ يزعم أنها جرائم حرب. فعلى سبيل المثال، علمت هيومن رايتس ووتش أن زعماء قبليين من حمادة بجنوب دارفور (وقد تعرضت إلى هجومٍ وحشي في يناير/كانون الثاني 2005 قتل فيه عشرات المدنيين كما ورد أعلاه في الفقرة 6 ـ ب) تقدموا بشكاوى إلى الشرطة في نيالا. كما كان المدعي العام في الولاية وغيره من المسئولين على علمٍ بالهجمات التي استهدفت المدنيين في مارلا وخور أبيش وغيرها من القرى، لكنهم أصروا على عدم إمكانية تقديم هذه الشكاوى إلى المحكمة لأن هويات مرتكبيها لم تكن معروفةً.[186] لكن معرفة هويات المرتكبين لم تكن هي المشكلة الحقيقية على الإطلاق؛ فقد اتهم بهذه الجرائم موسى هلال وغيره من قادة الميليشيات علناً ولشهورٍ كثيرة، بل وردت أسماؤهم أيضاً على قائمة قادة الميليشيات التي أصدرتها وزارة الخارجية الأمريكية. كما وردت أسماء أشخاص آخرين في تقارير منشورة صدرت عن بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان، ومنهم العميد أحمد الهاجر محمد الذي قاد هجوم القوات السودانية بجنوب دارفور في ديسمبر/كانون الأول 2004. وكانت المشكلة كامنةً في رفض الشرطة والجيش والأجهزة الأمنية في التحقيق الجدي بالادعاءات عندما يُحتمل أن يكون للمسئولين الحكوميين المشاركين في عمليات مقاومة التمرد صلة بها.

وفي جنوب دارفور، أنشأ الوالي الحاج عطا المنان إدريس لجان تحقيق للنظر في عدد من أكثر الهجمات بشاعةً ومن بينها الهجوم الذي وقع في 7 أبريل/نيسان 2005 على خور أبيش وحظي بتغطيةٍ واسعة؛ وفي ذلك الهجوم أغارت ميليشيات المسيرية من نيتيجا على بلدة خور أبيش ودمرت الشطر الأكبر منها.[187] ولقي هذا الهجوم شجباً قوياً من الأمم المتحدة وبعثة الاتحاد الأفريقي في السودان إذ دعتا علناً إلى وضع قائد ميليشيا المسيرية ناظر التيجاني عبد القادر على قائمة عقوبات الأمم المتحدة.[188] لكن السودان لم يتخذ أي إجراء تحقيقي أو قضائي فيما يخص خور أبيش أو أية حالةٍ كبيرةٍ أخرى. ويقول مصدرٌ موثوق أن الوالي الحاج عطا المنان حاول الضغط على زعماء من بلدة حمادة لجعلهم يسحبون شكواهم.[189]

ومنذ ذلك الحين، تعمل الحكومة السودانية على جعل الملاحقة القضائية للجنود المتورطين في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أمراً أكثر صعوبةً مما سبق. ففي 4 أغسطس/آب 2005، وقع الرئيس البشير على تعديل قانون القوات المسلحة الشعبية بحيث صار يُسبغ الحصانة من الملاحقة القضائية على أي "ضابط أو ضابط صف أو جندي" يرتكب جرائم أثناء أداء مهامه إلا إذا سمح بتلك الملاحقة "القائد العام أو من يفوضه".[190]

الامتناع عن أي نوع من الملاحقة في حالات الاغتصاب والعنف الجنسي

يلقي موقف الحكومة السودانية ونهجها القانوني الهزلي إزاء جرائم الاغتصاب ضوءاً كاشفاً على رفضها ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. فعلى الرغم من كثرة التقارير المعقولة المتطابقة التي توثق وجود نماذج سائدة من الاغتصاب والعنف الجنسي يمكن أن ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية،[191] ترفض الحكومة السودانية على الدوام الإقرار بحجم وفداحة هذه الجرائم.[192] وبدلاً من التحري عن مرتكبيها ومحاكمتهم، كثيراً ما تمتنع الشرطة السودانية وغيرها من الجهات عن اتخاذ التدابير المناسبة في الشكاوى التي تتلقاها؛ كما أن عناصر الشرطة يوجهون في بعض الحالات تهديدات فعلية إلى النساء والفتيات اللواتي يعتقد أنهن من ضحايا الاغتصاب، بل يسيئون إليهن أيضاً.[193] وقد تعرضت المنظمات الإنسانية الدولية التي تقدم الرعاية الطبية لضحايا الاغتصاب إلى المضايقات أيضاً بسبب إعلانها عن حجم تلك المشكلة ورفضها الكشف عن هويات مرضاها، إذ أن من شأن ذلك خرق مبدأ حفاظ الطبيب على السرية فيما يتعلق بمريضه.[194]

ومع أن المحكمة الخاصة المعنية بدارفور نظرت في قضية اغتصابٍ واحدة كما أشرنا أعلاه، فإن ملابسات هذه المحاكمة تثير مزيداً من القلق. فالقضية تتعلق بفتاة في السادسة عشر اغتصبت عندما هاجم مسلحون الحافلة التي كانت تسافر فيها في ديسمبر/كانون الأول 2004. وتقول تقارير موثوقة تلقتها هيومن رايتس ووتش أن الفتاة ومحاميها أبلغوا في المحكمة أن النظر في القضية سيجري في اليوم ذاته. وعندما اعترض محامو الفتاة على قصر المهلة المتاحة أجاب رئيس المحكمة بأن، وبالنظر إلى الوضع الخاص للمحكمة، "حتى مهلة خمس دقائق" تعتبر كافية لإبلاغ أي شاهد بالحضور للإدلاء بشهادته.[195] وفضلاً عن ذلك، رفض القاضي طلب محامي الضحية بعقد جلسةٍ مغلقة (بحيث تتمكن الفتاة من الإدلاء بشهادتها دون وجود الجمهور والصحافة)، ويبدو أنه أجابه بأن الجمهور دخل إلى القاعة ومن المهم أن يطلع الناس على هذه القضية.[196]

وقد علمنا من مصدرٍ واحد أن المحكمة الخاصة أدانت أول الأمر الرجال الثمانية المتهمين باغتصاب الفتاة، لكن محكمة الاستئناف ألغت الحكم فيما بعد استناداً إلى الحصانة القضائية التي يتمتع بها المتهمون بفضل المرسوم الرئاسي الصادر في 4 أغسطس/آب. ثم وافقت القوات المسلحة السودانية على إعادة محاكمة هؤلاء المتهمين، وعادت القضية إلى المحكمة الخاصة التي برأتهم.[197]

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2005، أشار رئيس المحكمة الخاصة الجديدة محمود أبكم إلى أن المحكمة لن تنظر في أية قضيةٍ كبيرة من قضايا الاغتصاب الجماعي بدارفور. وقال: "إن قضايا الاغتصاب التي تنظر فيها المحكمة قضايا فردية... ولم تجد المحكمة أي شيءٍ على الأرض يتعلق بالحالات التي تتحدث عنها الصحافة الغربية دائماً".[198] وقد كرر إنكار الحكومة السودانية لوقوع حوادث اغتصاب جماعي بصفتها "اختلاقاً غربياً" وأكد على موقف الحكومة القاضي بعدم النظر في المسئولية عن معظم قضايا الاغتصاب. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2005 أيضاً، عاد وزير العدل الجديد محمد علي المراضي في اجتماعٍ عقده مع مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان في السودان فكرر رفض الحكومة السودانية التعاون مع تحقيق المحكمة الجنائية الدولية مشيراً إلى أن الحكومة ملتزمةٌ بالملاحقة القضائية للمشتبه فيهم ضمن إطار القضاء السوداني.[199]

إتلاف الأدلة

زعم كثيرٌ من المدنيين أن قوات الحكومة والجانجاويد تقوم عمداً بإتلاف القبور الجماعية وغيرها من الأدلة. كما تقدم جيش تحرير السودان بمزاعم من هذا النوع أيضاً وقال أن السبب في عودته إلى احتلال منطقة أبو جمرة في فبراير/شباط 2005 يعود جزئياً إلى رغبته في الحفاظ على القبور الجماعية وغيرها من الأدلة الشرعية.

وعندما زار باحثو هيومن رايتس ووتش أبو جمرة في يوليو/تموز 2005 لم يكن قد بقي فيها إلا عددٌ قليلٌ من المدنيين. وكانت أحياء القرية مدمرةً بالكامل، إذ لم يبق منها إلا الجدران الطينية للأكواخ المحترقة. وكان الجامع والسوق والمدرسة مدمرين أيضاً، ولعل ذلك بفعل قصف الطائرات أو الحوامات أو بفعل الجرافات. أما ما لم يتعرض للتدمير فقد تعرض للسلب، فحتى نوافذ المدرسة كانت منتزعةً من جدرانها.

وقد زرنا موقعين يُزعم أن بهما قبرين جماعيين يعود أحدهما إلى ديسمبر/كانون الأول 2003 ويقال أنه يضم أكثر من 100 جثة، وأما الآخر فالظاهر أنه حفر بعد الهجوم الثاني في عام 2004 ويقال أنه يحوي أكثر من 100 جثةٍ أيضاً. وشاهد باحثونا حقلاً تنتشر فيه الهياكل العظمية التي مازال بعضها يحتفظ بملابسه. ويبدو أن هذه الهياكل ظلت حيث سقط أصحابها قتلى، ولم تدفن.

ومع عدم قدرتنا على تأكيد التقارير القائلة بأن قوات الحكومة تقوم بإتلاف القبور الجماعية وغيرها من الأدلة الشرعية التي تشهد على الجرائم، فإن القصص التي تتحدث عن عمليات التنظيف هذه صارت واسعة الانتشار؛ وهي لا تتحدث عن منطقة أبو جمرة وحدها، بل عن مناطق أخرى في دارفور كوادي صالح مثلاً. وبعد زيارة مراقبي الاتحاد الأفريقي إلى جارسيلا بغرب دارفور في مارس/آذار 2005، تلقينا تقارير معقولة تفيد أن القبور الجماعية في تلك البلدة وحولها والتي تضم رفاة ضحايا إعدامات مارس/آذار 2004 تعرضت للنبش من جديد وأحرق ما فيها.[200]

كما حصلنا أيضاً على نسخٍ من وثائق يقال أنها صادرة عن مقر قيادة موسى هلال في المسترية، وهي موجهة إلى الأجهزة الأمنية والمسئولين على المستوى الوطني. ومع أننا لا نستطيع تأكيد صحة هذه الوثائق، فهي تدين أصحابها إلى أقصى الحدود إن ثبتت صحتها. وتأمر واحدةٌ من تلك الوثائق تحمل تاريخ أغسطس/آب 2004 أوامر إلى القوات بأن تتخلص من القبور الجماعية وغيرها من الأدلة.[201]

VIII. المسئولية الجنائية للأفراد بموجب القانون الدولي

تتضمن الجرائم الدولية المرتكبة في السودان جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ومنذ يوليو/تموز 2003، ارتكبت القوات السودانية وميليشيات الجانجاويد التي تساندها الحكومة كثيراً من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وذلك بحق المدنيين والممتلكات المدنية والجماعات الإثنية التي تنتمي إليها قوات المتمردين. ولعل قوات المتمردين مسئولةٌ عن جرائم حربٍ أيضاً.

ويفرض القانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب) على الدول والمجموعات المسلحة التزاماتٍ قانونيةأثناء النزعات المسلحة تقضي بحماية المدنيين وغيرهم من غير المحاربين والعمل على تقليل معاناتهم.[202] وفي نظر القانون الإنساني الدولي، يعتبر النزاع في دارفور نزاعاً مسلحاً غير دولي (أو داخلي). والقانون الساري هنا هو المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وكذلك القانون الإنساني الدولي العرفي.[203] ومع أن السودان لم يصادق على البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية (البروتوكول الثاني)، فإن معظم أحكامه، بما فيها الأحكام الخاصة بحماية السكان المدنيين، تعتبر انعكاساً للقانون الدولي العرفي.[204] وتعتبر حالات خرق قوانين الحرب التي تقوم فيها مسئوليةٌ جنائيةٌ فردية من جملة جرائم الحرب.

والجرائم ضد الإنسانية أفعالٌ غير قانونية ترتكب كجزءٍ من هجومٍ واسعٍ أو منهجي ضد المدنيين. ومن هذه الجرائم القتل والإبادة والاسترقاق والإبعاد عن البلاد والاحتجاز التعسفي والتعذيب والاغتصاب، وكذلك الملاحقة القضائية لأسبابٍ سياسيةٍ أو عرقيةٍ أو دينية، وغير ذلك من الأفعال اللاإنسانية.

إن الإساءات واسعة النطاق والمنهجية التي ترتكبها قوات الحكومة والجانجاويد بحق الجماعات الإثنية التي يشك في صلتها بالمتمردين ترقى إلى منزلة مهاجمة سكان مدنيين وتقع ضمن تعريف الجرائم ضد الإنسانية. كما أن النموذج المتشابه للجرائم ضد السكان المدنيين في مناطق مختلفة من دارفور، إضافةً إلى ما توفره الوثائق وشهود العيان من أدلةٍ تربط كبار المسئولين الحكوميين بالعمليات العسكرية المسيئة، يشير إلى سياسةٍ متبعةٍ على أعلى مستويات الحكومة السودانية. أما إذا ما كانت هذه السياسية ترقى إلى مرتبة الإبادة الجماعية فهو أمرٌ لا يزال غير واضح. وقد خلصت اللجنة الدولية للتحقيق في جرائم دارفور إلى عدم وجود سياسة إبادة جماعية حكومية؛ لكن من الممكن أن تكون تلك الجرائم مرتكبة على يد أشخاص بقصد الإبادة الجماعية؛ وهذا سؤالٌ لا يمكن الحصول على إجابةٍ له إلا في المحكمة.[205]

إن معرفة إذا ما كان ثمة وجود لنية الإبادة الجماعية يحتاج إلى إمكانية الوصول إلى وثائق الحكومة وإلى عناصر القيادة الذين خططوا ونسقوا الحملة في دارفور. لكن الأدلة اللازمة لإثبات نية الإبادة الجماعية ليست ضروريةً لبيان وجود جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. فإذا وضعنا السؤال الخاص بالإبادة جانباً، يظل من الضروري محاسبة الحكومة السودانية (والمسئولين المدنيين المعنيين، وعناصر القوات المسلحة والميليشيات) على الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في دارفور والتي أودت بآلاف الضحايا من المدنيين.

وقد كان كثيرٌ من مسئولي الحكومة السودانية والقادة العسكريين وزعماء الميليشيات في مواقع السلطة على الجنود وعناصر الميليشيا الذين ارتكبوا تلك الفظائع. كما أصدر بعضهم أوامر بمهاجمة المدنيين وتدمير القرى ونهب الممتلكات المدنية؛ وهذا ما يتحملون مسئوليةً جنائيةً فرديةً عنه. ويمكن أن يدان غيرهم أيضاً بموجب مبدأ مسئولية القائد: فالقادة العسكريون والمدنيون مسئولون عن الانتهاكات الخطيرة التي يرتكبها أشخاصٌ يخضعون لسلطتهم أو لأوامرهم إذا علموا بها، أو إذا كان حرياً بهم العلم بها، ثم لم يتخذوا التدابير الكفيلة بوضع حد للجرائم أو معاقبتها. أما مهاجمة المدنيين فكان أمراً منظماً على المستويات العليا للحكومة، واستمر أكثر من سنتين مع العلم الكامل بأن المستهدف هو المدنيون، ولم يفضِ إلى خطواتٍ جدية لمعاقبة المسئولين عن الجرائم المرتكبة.

وليس تقديم الأدلة على الجرائم الدولية إلا خطوةً أولى؛ فلابد من إجراء تحقيقٍ جنائيٍّ شامل. لكن جمع الأدلة من أجل الملاحقة القضائية للجرائم الدولية أمرٌ فائق الصعوبة في ظل المناخ الحالي في السودان. فلابد أن يستطيع الشهود الإدلاء بشهاداتهم دون خوفٍ من انتقام، كما يجب أن يبقى مسرح الجريمة من غير العبث به، ولابد أيضاً من إثبات صحة الأدلة الوثائقية والشرعية. وبالنظر إلى عدم قيام الحكومة السودانية بأي تحقيق جدي، يتعين عليها أن تسمح بدخول المحققين الدوليين وأن تضمن سلامتهم؛ وكذلك أن تحول دون التهديد والعنف بحق الشهود، وأن تفتح سجلاتها أمام التدقيق الخارجي.

انتهاكات القانون الإنساني الدولي

يتعين على جميع القوات أثناء النزاعات المسلحة أن تمنع وقوع المعاناة التي يمكن تفاديها، وأن تضمن المعاملة الإنسانية للأشخاص الواقعين تحت سيطرتها وأن تحافظ على التمييز بين المحاربين والمدنيين. ويحظر على الدوام استهداف المدنيين، كما يتعين على قوات الحكومة والجماعات المسلحة غير الحكومية اتخاذ جميع الاحتياطات المعقولة لتقليل الأذى النازل بالمدنيين إلى الحد الأدنى. أما انتهاك قوانين الحرب الذي يضع على عاتق مرتكبيه مسئولية جنائيةً فردية فهو من جرائم الحرب.

ويلقى مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين اعترافاً بوصفه مبدأ رئيسي من مبادئ القانون الإنساني الدولي في جميع النزاعات المسلحة. ويقضي هذا المبدأ بأن على أطراف النزاع، وفي جميع الأوقات، التمييز بين المدنيين والمقاتلين. ولا يجوز توجيه الهجمات إلا ضد المحاربين وغير ذلك من الأهداف العسكرية، وليس ضد المدنيين أو الأهداف المدنية.[206] أما الهجمات التي يقصد منها أساساً إشاعة الرعب بين السكان المدنيين فهي محظورة.[207]والمدنيون محميون من الهجمات إلا إذا شاركوا مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية، وفي وقت مشاركتهم فقط. أما إذا قام شكٌ فيما إذا كان شخصٌ ما مدنياً أو لا، فيتعين اعتباره مدنياً.[208]

والهدف العسكري المشروع هو هدفٌ أو شيءٌ يحدد انطلاقاً من طبيعته أو موقعه أو الغاية منه أو وجهة استعماله، ويساهم على نحوٍ فعال في القدرات العسكرية للعدو، ويتيح تدميره أو تحييده تحقيق كسب عسكري محدد ضمن القائمة المعطاة.[209] ومن الأهداف العسكرية المشروعة: قوات العدو وأسلحته وقوافله ومنشآته وإمداداته. كما أن الأهداف التي تستخدم لأغراضٍ مدنية عادةً، كالمنازل والمباني التجارية والمطارات المدنية، يمكن أن تصبح أهدافاً عسكرية إذا ما حقق موقعها أو طبيعة استخدامها المعايير الخاصة بالأهداف العسكرية.[210]

ومبدأ التمييز مثبتٌ أيضاً في المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع؛ وهي تفرض التزاماتٍ قانونية على جميع أطراف النزاع لضمان المعاملة الإنسانية للأشخاص الذين لا يشاركون (أو لم يعودوا يشاركون) بدورٍ فعال في الأعمال العدائية. وتقول المادة الثالثة:

الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرةً في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييزٍ ضار يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل آخر.

والمادة الثالثة ملزمةٌ على نحوٍ واضح لـ"كل من أطراف النزاع"، أي القوات الحكومية والجماعات المسلحة غير الحكومية، حتى وإن كانت تلك الأخيرة غير قادرةٍ قانونياً على توقيع اتفاقيات جنيف.

أما فيما يخص المدنيين والمقاتلين الأسرى، فيحظر على كلٍّ من الحكومة والجماعات المتمردة استخدام العنف ضد أرواحهم أو أشخاصهم، وخاصةً القتل والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب. كما يحظر احتجاز الرهائن، وكذلك المعاملة المذلة والمهينة. ولا يجوز لأي طرفٍ من أطراف النزاع إصدار أحكام أو تنفيذ إعدامات من غير قرارٍ قضائي يصدر عن محكمةٍ مقامةٍ على النحو التقليدي توفر للمتهم جميع الضمانات القضائية.[211]

ويوفر القانون الدولي العرفي لحقوق الإنسان حماياتٍ إضافية للمدنيين في النزاعات المسلحة الداخلية. والأفعال التالية محظورةٌ على جميع الأطراف (وإن كانت هذه القائمة غير شاملة): الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي؛[212] والاختفاء القسري؛[213] والتجريد التعسفي من الحرية؛[214] والعقاب الجماعي.[215]

وفضلاً عما سبق، يتعين على جميع الأطراف أن تسمح بوصول الإغاثة الإنسانية، سريعاً ومن دون إعاقة، إلى المدنيين الذين يحتاجونها، وأن تسهل هذا الوصول.[216] ويتعين أيضاً ضمان حرية حركة عمال الإغاثة الإنسانية.[217]

الجرائم ضد الإنسانية

جرى تقنين للجرائم ضد الإنسانية في ميثاق محاكمات نورمبرج عام 1945. وكانت الغاية تحريم الجرائم "التي من شأنها، سواءٌ بسبب جسامتها ووحشيتها أو بسبب كثرة عددها أو بفعل حقيقة تكرار نفس النموذج .... أن تهدد المجتمع الدولي بالخطر أو تمثل صدمةً لضمير الإنسانية".[218] ومنذ ذلك الحين، جرى إدخال هذا المفهوم في عددٍ من المعاهدات الدولية وفي أنظمة المحاكم الجنائية الدولية، ومنها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.[219]

ويعرّف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الجرائم ضد الإنسانية بأنها أفعالٌ غير قانونية "ترتكب كجزءٍ من هجومٍ واسعٍ أو منهجي ضد أية جماعة من السكان المدنيين، وذلك مع العلم به".[220] وتقع ضمن إطار الأفعال التي يمكن اعتبارها جرائم ضد الإنسانية جرائم القتل والإبادة والاسترقاق والترحيل من البلاد والاحتجاز التعسفي والتعذيب والاغتصاب والملاحقة القضائية استناداً إلى أسسٍ سياسية أو عرقية أو دينية، وغير ذلك من أشكال المعاملة غير الإنسانية.[221] وعلى خلاف جرائم الحرب، يمكن أن ترتكب الجرائم ضد الإنسانية في وقت السلم أو في فترات القلاقل التي لا ترقى إلى مستوى النزاع المسلح. ولأن الجرائم ضد الإنسانية تعتبر جرائم ذات اختصاص عالمي، تكون جميع الدول مسئولةً عن تقديم مرتكبيها إلى العدالة.

ومن الجرائم ضد الإنسانية الإساءات التي تحدث كجزءٍ من الهجوم على السكان المدنيين. وطالما كانت السمة المدنية غالبة على الجماعة المستهدفة، فليس من شأن وجود بعض المقاتلين أن يغير من تصنيفها "كجماعةٍ مدنية" من وجهة النظر القانونية.[222] بل إن الشرط الضروري الوحيد هو أن يكون السكان المدنيون الهدف الأساسي للهجوم.[223] وبناءً على ذلك، فإن الإساءات التي ترتكبها قوات الحكومة السودانية وميليشيا الجانجاويد بحق المدنيين في مجرى العمليات العسكرية ضد قوات المتمردين تقع ضمن تعريف الجرائم ضد الإنسانية.

ويجب أن يتوفر في الهجوم ضد المدنيين الذي يرقى إلى مستوى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية صفة الاتساع أو المنهجية. ولا ضرورة لتوفرالصفتين معاً.[224] وتشير كلمة "اتساع" إلى نطاق الأفعال أو عدد الضحايا.[225] وأما كلمة "المنهجية" فتشير إلى "نموذجٍ سائد أو خطة تتبع منهجاً محدداً".[226] وتأخذ المحاكم الدولية بعين الاعتبار المدى الذي يتطلب فيه الهجوم المنهجي اعتماد سياسةٍ أو خطةٍ محددة؛ لكن ما من حاجةٍ إلى كون هذه السياسية أو الخطة معتمدةً بوصفها سياسةً رسميةً للدولة.[227]

وتتطلب المسئولية الجنائية في الجرائم ضد الإنسانية أن تكون لدى المرتكب معرفةٌ بالهجوم المعني.[228] أي أنه تتوجب معرفة المرتكبين بأن أفعالهم تمثل جزءاً من هجومٍ واسعٍ أو منهجي ضد المدنيين.[229] ومع عدم ضرورة تحديد هويات المرتكبين ضمن السياسة أو الخطة المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية، فمن الواجب على أقل تقدير أن يكونوا قد شاركوا عن علم في تلك السياسة أو الخطة.[230]

المسئولية الجنائية الفردية

يخضع جميع الأفراد، بمن فيهم المسئولون الحكوميون والقادة العسكريون والجنود وأفراد الميليشيات والمدنيين إلى الملاحقة القضائية بسبب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إضافةً إلى الجرائم المحلية التي يجرّمها القانون الدولي.

وينص عددٌ من المعاهدات الدولية المبرمة منذ أوائل التسعينات صراحةً على المسئولية الجنائية الفردية عن جرائم الحرب المرتكبة أثناء النزاعات الداخلية المسلحة. ويتضمن ذلك أنظمة المحكمتين الجنائيتين الدوليتين الخاصتين بيوغسلافيا السابقة ورواندا، إضافةً إلى نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.[231]

ويمكن تحميل الأفراد الذين يرتكبون جرائم الحرب المسئولية الجنائية عنها. ويمكن أيضاً تحميلهم المسئولية الجنائية عن المساهمة في ارتكاب جرائم الحرب أو تسهيل ارتكابها أو المساعدة أو التحريض عليه. كما يمكن ملاحقتهم قضائياً بسبب التخطيط لارتكاب تلك الجرائم أو التحريض عليها. وفضلاً عن ذلك، يمكن تحميل المسئولية الفردية للموظفين المدنيين والقادة العسكريين والجنود الذين يأمرون بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو يرتكبونها بأنفسهم.[232]

والجرائم ضد الإنسانية موضوع اختصاص عالمي، ولا يوجد ما يحد من هذا الاختصاص؛ ولا يقبل الدافع فيها بتنفيذ الأوامر العليا.

أما في دارفور، فإن الأفراد من قبيل قادة الميليشيات، والجنود، والطيارين المشاركين في حملات القصف، والقادة العسكريين، والمسئولين الحكوميين، ممن شاركوا على نحوٍ مباشر في ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أو خططوا لها أو أمروا بها أو تورطوا فيها بأي شكلٍ من الأشكال، يمكن أن يُحملوا المسئولية الجنائية عن هذه الأفعال أمام المحاكم الدولية، وذلك بصرف النظر عن وجود قوانين عفو أو قوانين تكفل حصانتهم في السودان. وبعض هؤلاء الأشخاص، كمن وردت أسماؤهم في هذا التقرير (مدنيون وعسكريون)، يمكن أن يتحملوا المسئولية أيضاً عن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية بموجب مبدأ مسئولية القائد.

مسئولية القائد

بموجب مبدأ مسئولية القائد، يمكن أن يكون القادة وغيرهم من المسئولين مذنبين جنائياً بسبب امتناعهم عن منع ارتكاب الجرائم من قبل مرئوسيهم أو عدم معاقبتهم عليها. وفي دارفور، يمكن أن يتحمل قادةٌ ومسئولون مدنيون بعينهم مسئوليةً جنائية بسبب امتناعهم عن اتخاذ أي إجراء لوضع حد للانتهاكات التي تتم على أيدي جنودهم أو موظفيهم. ومبدأ مسئولية القائد مرسخ في القانون الدولي العرفي،[233] وقد أدرج ضمن أنظمة المحاكم الجنائية الدولية، بما في ذلك نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.[234] ومع أن أصول هذا المفهوم تعود إلى القانون العسكري، فهو يشمل الآن مسئولية السلطات المدنية عن الإساءات التي يرتكبها أشخاصٌ يقعون تحت سلطتها الفعلية. ويسري مفهوم مسئولية القائد في النزاعات المسلحة الداخلية كما في النزاعات المسلحة الدولية.[235]

وبموجب مبدأ مسئولية القائد، ثمة ثلاثة عناصر لإنشاء مسئولية قائدٍ ما أو مسئولٍ ما عن أفعالٍ جنائية ارتكبها مرئوسوه:

1-يجب توفر علاقة الرئيس ـ المرئوس؛

2-يجب أن يعرف الرئيس، أو أن يتوفر سببٌ يوجب معرفته، أن المرئوس كان يهم بارتكاب جريمةٍ، أو أنه ارتكبها؛

3-امتناع الرئيس عن اتخاذ التدابير الضرورية المعقولة لمنع الجريمة أو لمعاقبة المرتكب.

علاقة الرئيس ـ المرئوس

تكون هذه العلاقة في أوضح أشكالها عند وجود قواعد رسمية، كوجود تشريعٍ محدد أو تسلسل عسكري يقرر وجود هذه العلاقة.

لكن، وحتى في غياب قواعد أو هيكلية رسمية، يمكن للرئيس أن يمارس سلطةً فعليةً حقيقية.[236] وبالتالي، يمكن محاسبة الرئساء العسكريين والسياسيين، وكذلك من يقعون في مسار التسلسل العسكري، بموجب هذا المبدأ.[237] ولا يوجد ما يوجب أن تكون علاقة الرئيس ـ المرئوس مباشرةً أو آنية.[238]

وعند تقرير وجود علاقة الرئيس ـ المرئوس، يعتبر قانون أصول المحاكمات الدولي طرح الأسئلة التالية أمراً مفيداً: هل كان للرئيس "سلطة فعلية" على المرئوس؟[239] ما هي سلطات الرئيس المزعوم أو نفوذه؟ هل يشير تحليل توزيع المهام ضمن العلاقة إلى وجود علاقة الرئيس ـ المرئوس؟

معرفة الرئيس

يمكن محاسبة القادة وغيرهم من الرؤساء جنائياً بموجب مبدأ مسئولية القائد عندما يعرفون (أو عندما يفترض بهم أن يعرفوا) أن مرئوسيهم يرتكبون جرائم.

ويمكن إثبات معرفة القائد الفعلية بأن جرائم قد ارتكبت (أو على وشك أن ترتكب) من قبل مرئوسيهم من خلال الأدلة المباشرة أو الظرفية.[240] لكن مسئولية القائد تتضمن أيضاً الحالات التي يكون فيها لدى القائد معرفةٌ موضوعية، ويشار إليها بعبارة "لديه سبب للمعرفة" أو "لديه معلومات تمكنه من الاستنتاج".[241] ويمكن حتى للمعلومات العامة التي تتوفر لدى الرئيس وتشعره بإمكانية قيام مرئوسيه بأفعال غير قانونية أن تعتبر دليلاً كافياً.[242] ويعني ذلك أن هذا الشرط ينطبق على الرئيس إذا امتلك معلوماتٍ كافية لإشعاره باحتمال ارتكاب مرئوسيه أفعالاً غير قانونية مما يوجب عليه التدقيق في الأمر.[243]

ويقول أ. ب. ف. روجرز، وهو مرجعٌ كبير في قوانين الحرب:

قد يصعب إثبات المعرفة الفعلية، غير أن استنتاجها من الظروف المحيطة أمرٌ ممكن، وخاصةً إذا كانت جرائم الحرب التي ارتكبها المرئوسون واسعةً بما يجعلها معروفةً جداً، كأن يقوم الجنود التابعون لقائدٍ ما بهجماتٍ متواصلة كثيرة غير مشروعة... ويمكن تحميل المسئولية للقائد أيضاً إذا لم تكن لديه معرفةٌ فعلية بأعمال مرئوسيه مع وجوب معرفته بها، فعدم معرفته في هذه الحالة تمثل إهمالاً لواجباته؛ وذلك مثلاً كأن يبلغ بالأمر ثم لا يفعل شيئاً بشأنه.[244]

واجب الرئيس في اتخاذ التدابير المعقولة الضرورية لمنع الجريمة أو معاقبة مرتكبها

تقع على عاتق الرؤساء مسئولية منع وقوع الجرائم من قبل مرئوسيهم، ومسئولية معاقبتهم عليها أيضاً. وتمثل هاتان المسئوليتان إلزامين قانونين مستقلين متمايزين.

فواجب المنع يجعل الرئيس مسئولاً عندما يتغاضى عن النظر في الأدلة التي تشير إلى احتمال ارتكاب الجرائم. وينجح الرؤساء في أداء واجب منع مرئوسيهم من ارتكاب الجرائم عندما يتخذون "جميع التدابير المعقولة الضرورية".[245]

وثمة "واجب العقاب" أيضاً، لكن الرئيس لا يستطيع التحلل من مسئولية عدم منع الجريمة عن طريق معاقبة مرئوسيه في وقتٍ لاحق:

ينشأ "واجب العقاب" على الرئيس بعد ارتكاب الجريمة. وهو أمرٌ لاحقٌ على ارتكاب الجرائم من قبل الآخرين ولا يتعلق بجرائم قادمة. وبالتالي، فإن القصد من العقاب منع ارتكاب جرائم أخرى في المستقبل.[246]

IX. مسئولية الدولة عن الجرائم التي يرتكبها عناصر الميليشيات

ما أن اتخذت الحكومة السودانية قرارها بعدم استخدام قواتها البرية التي تضم عدداً كبيراً من أبناء دارفور حتى صارت بحاجةٍ إلى قواتٍ بريةٍ أخرى: ألا وهي الميليشيات. وهناك توثيقٌ شامل للصلات بين الحكومة السودانية والميليشيات التي يطلق عليها اسم الجانجاويد عامةً؛ كما تحدثت عنها منظماتٌ كثيرة (من بينها هيومن رايتس ووتش)، منذ أوائل 2004.[247] ورغم استمرار إنكار القيادة السودانية مسئوليتها عن أفعال الميليشيات، تظل الحكومة السودانية هي المسئول الأخير عما ترتكبه الميليشيات من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إضافةً إلى الجرائم التي ارتكبتها القوات المسلحة السودانية منذ عام 2003.

وبموجب القانون الدولي، تتحمل الحكومة السودانية مسئولية الجرائم الدولية التي ارتكبتها جماعات الميليشيات إذا أمكن بيان أن للدولة "سيطرة عامة" على الميليشيات. وهذا المعيار ساري المفعول بصرف النظر عما إذا كان عناصر الميليشيا منخرطين، أو مرتبطين رسمياً، في قوات الدفاع الشعبية أو حرس الحدود أو غيرها من القوات "الرسمية" شبه العسكرية، أو كانوا ميليشياتٍ قبلية ذات صلة فضفاضة بالحكومة التي تنسق نشاطها مع بقائها عاملةً تحت القيادة المباشرة "لعقداء" القبائل.

وفي القرار الخاص بقضية تاديتش، أجابت الغرفة الاستئنافية في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة على سؤالٍ يتعلق بدرجة السيطرة الحكومية المطلوبة لبيان "السيطرة العامة" على النحو التالي:

حتى تنسب الأفعال التي تقوم بها جماعةٌ عسكرية أو شبه عسكرية إلى الدولة، يجب إثبات ممارسة الدولة سيطرةً عامة على تلك الجماعة، لا عن طريق تمويلها وتسليحها فحسب، بل عن طريق تنسيق نشاطها أيضاً ومساعدتها في التخطيط العام لنشاطاتها العسكرية، وعند ذلك فقط يمكن تحميل الدولة مسئوليةً دولية عما ترتكبه هذه الجماعة. لكن، وفضلاً عن ذلك، لا ضرورة لأن تكون الدولة قد أصدرت (سواءٌ إلى رئيس الجماعة أو أفرادها) أوامر بارتكاب أعمال معينة تخرق القانون الدولي. (الفقرة 131)

وقالت المحكمة أيضاً:

ويمكن تقرير وجود السيطرة التي يتحدث عنها القانون الدولي عندما يكون للدولة (أو لطرف من أطراف النزاع ضمن إطار نزاع مسلح) دورٌ في تنظيم أو تنسيق أو تخطيط الأعمال العسكرية [ورد التشديد في النص الأصلي] لجماعة الميليشيا، إضافةً إلى تمويلها وتدريبها وتجهيزها أو تزويدها بالدعم العملياتي. وعند ذلك يمكن النظر إلى الأفعال التي تقوم بها الجماعة أو أفرادها بصفتها أفعالاً صادرة عن أحد أجهزة الدولة بصرف النظر عن وجود أوامر محددة صادرة عن الدولة تتعلق بارتكاب كل فعل من هذه الأفعال بعينه. (الفقرة 137)[248]

X. استجابة المجتمع الدولي

في يوليو/تموز 2004، أي بعد سنةٍ من هجوم الحكومة السودانية الكبير الذي قُصفت فيه عشرات آلاف القرى شمال دارفور وأحرقت، اتخذ مجلس الأمن الدولي القرار الأول من أربعة قرارات اتخذها بشأن دارفور.[249]ودعا القرار1556 الحكومة السودانية إلى "الوفاء بالتزاماتها في نزع سلاح ميليشيات الجانجاويد واعتقال ومحاكمة قادتها ومساعديهم الذين حرضوا على انتهاكات القانون الدولي وغير ذلك من الفظائع وارتكبوها". ويخلص القرار إلى التهديد باتخاذ تدابير أخرى "من بينها التدابير الواردة في المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة...".[250]

لم تحرك الحكومة ساكناً من أجل تنفيذ القرار، وازدادت الأوضاع سوءاًُ. وعلى الرغم من صدور قرارين آخرين كان من بينهما القرار القاضي بإنشاء اللجنة الدولية للتحقيق في جرائم دارفور، لم يفرض مجلس الأمن أية عقوبات على الحكومة السودانية طيلة تسعة أشهر. ثم جاء القرار 1593 في 31 مارس/آذار 2005 فأحال الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.[251] ومثل هذا القرار صدمة حقيقية للحكومة السودانية التي توقعت أن يستخدم حلفائها في مجلس الأمن حق النقض ضده. ولعل هذه الإحالة التي جاءت بعد تقرير لجنة التحقيق الدولية هي الإجراء الحقيقي الوحيد من جانب مجلس الأمن الذي حمل إشارةً إلى أن التجاهل لن يكون من نصيب الجرائم المرتكبة في دارفور.

لكن السودان، إلى يومنا هذا، لم يشر إلى استعداده للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، والظاهر أنه لا يتعرض إلا إلى ضغوط سياسية بسيطة من جانب دولٍ أخرى لحمله على التعاون مع المحكمة.

وجاء القرار 1591 في 29 مارس/آذار ليزيد من قلق الحكومة السودانية إذ فرض عقوبات تقضي بحظر سفر وتجميد حسابات عدد من الأشخاص الذين جرى تحديدهم بصفتهم "يعرقلون عملية السلام ويمثلون خطراً على استقرار دارفور والمنطقة، [و] يرتكبون انتهاكات للقانون الإنساني الدولي أو لقانون حقوق الإنسان، أو غير ذلك من الفظائع". كما وجهت العقوبات أيضاً لتشمل أشخاصاً خرقوا حظر الأسلحة أو كانوا مسئولين عن "طلعاتٍ جوية هجومية". لكن العقوبات لم تكن ذات أثر رجعي، فهي لم تشمل إلا الأفعال التي أعقبت صدور القرار، فكانت بالتالي نوعاً من التهديد بعواقب الإساءة في المستقبل ولم تكن عقاباً على إساءات الماضي.[252] لكن قرار العقوبات لا يكاد يتجاوز كونه لفتةً رمزية، وذلك عائدٌ إلى انقسامات يعاني منها مجلس الأمن. كما أن لجنة العقوبات التي سوف تصادق على فرض العقوبات على الأشخاص وفق توصيات لجنة الخبراء تشهد انقساماً كبيراً أيضاً؛ فحلفاء السودان فيها (روسيا والصين والجزائر) يقيمون عقباتٍ من شأنها عدم فرض العقوبات على أي شخص إطلاقاً.

وحتى ديسمبر/كانون الأول 2005، يظل الوضع في السودان حرجاً، وما من ريب في أن حالة "التطهير العرقي" سوف تتعمق ما لم يمارس ضغط دولي كبير على الحكومة السودانية. وعلى المجتمع الدولي المنقسم، ومجلس الأمن خاصةً، اتخاذ مزيد من التدابير وزيادة الضغط على الحكومة السودانية في دارفور (وفي المنطقة عموماً) للحيلولة دون استمرار الانتهاكات واسعة النطاق والخطيرة لحقوق الإنسان.

وثمة عناصر ثلاثة بالغة الأهمية من أجل حماية المدنيين وتحقيق الأمن وعودة الأشخاص المشردين إلى ديارهم في آخر المطاف، وهي: إنشاء آلية واقعية لنزع سلاح الميليشيات التي تساندها الحكومة وغيرها من الجماعات المسلحة المسئولة عن انتهاك حقوق الإنسان؛ ووضع حد لحالة الإفلات من العقاب وضمان المحاسبة على ما جرى من إساءات؛ ودفع تعويضاتٍ أو ما يماثلها من التدابير التعويضية لمن تعرضت حقوقهم للانتهاك. والحكومة السودانية ملزمة بمعالجة هذه القضايا سواء تم التوصل إلى اتفاق سلام مع المتمردين أو لا.

كلمة الشكر

قام العاملون في قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش بكتابة هذا التقرير اعتماداً على أبحاث جرت خلال أكثر من عشرة رحلات استطلاع قامت بها المنظمة إلى السودان وتشاد بين فبراير/شباط 2004 وأغسطس/آب 2005.

وتولى تحرير التقرير كل من جيميرا رون الباحثة في شئون السودان وأوغندا ومنسقة شرق أفريقيا في قسم أفريقيا بالمنظمة؛ وجورجيت غانيون نائبة مدير قسم أفريقيا؛ وجيمس روس المستشار القانوني؛ وإيان غورفن مساعد مدير البرامج. كما قدم كل من مدير البرامج إيان ليفين وبارام بريت سينغ المستشار في قسم العدالة الدولية ملاحظاتهما الخاصة بالتحرير. أما المساعد في قسم البرامج ثودلين ديسورسز، ومديرة النشر أندريا هولي، ومدير البريد فيتزروي هبكنز، فهم من جعل إصدار هذا التقرير أمراً ممكناً. كما قدمت محررة الصور فيرونيكا ماتوشيه يد العون في إنتاج التقرير وإعداد الغلاف والصور.

وتود هيومن رايتس ووتش توجيه شكرها إلى مئات الأشخاص في دارفور وخارجها ممن تكرموا بتقديم آرائهم ومعلوماتهم، وأطلعوا باحثي المنظمة في حالاتٍ كثيرة على تجاربهم الخاصة في انتهاك حقوقهم آملين أن تؤدي مساهماتهم إلى تخفيف المحنة على أهل دارفور. ومما نأسف له هو أن هويات معظم هؤلاء الأشخاص لا بد أن تظل مخفيةً بسبب استمرار الأخطار التي تهدد أمنهم في السودان.

الملحق 1: قائمة بأشخاص يتعين على المحكمة الجنائية الدولية التحقيق معهم

ليست هذه بقائمة شاملة لجميع الأشخاص الذين يحتمل أن يكونوا مسئولين عن الجرائم في دارفور. ونحن نقدمها كموجز عن الأشخاص المذكورين في هذا التقرير والذين نوصي المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق معهم؛ على أن هناك أشخاص غيرهم لم يذكرهم التقرير يجب التحقيق معهم أيضاً وملاحقتهم قضائياً بسبب الجرائم في دارفور.

مسئولون على المستوى الوطني

الرئيس عمر البشير؛

النائب الثاني للرئيس على عثمان طه: النائب الأول للرئيس سابقاً حتى أواخر 2005؛

الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين: وزير الداخلية السابق وممثل الرئيس في دارفور في الفترة 2003-2004، ووزير الدفاع الآن؛

الفريق أول بكري حسن صالح: وزير الدفاع سابقاً ووزير رئاسة الجمهورية حالياً؛

عباس عرابي: رئيس أركان القوات المسلحة السودانية؛

اللواء صلاح عبد الله غوش: مدير الأمن والمخابرات العسكرية؛

أحمد هارون: وزير الدولة لشئون الداخلية سابقاً، والمسئول عن ملف دارفور في وزارة الداخلية، وهو وزير الشئون الإنسانية الآن.

مسئولون محليون حاليون أو سابقون

أدرجنا قائمة الأشخاص التالية أسماؤهم لأنهم، وكما جاء في التقرير، كانوا أو ما زالوا مسئولين حكوميين في مناطقهم أو ولاياتهم التي ارتكبت فيها قوات الحكومة جرائم ترقى إلى مرتبة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

الطيب عبد الله طرشاني: معتمد مكجار السابق في فترة 2003-2005؛

الحاج عطا المنان إدريس: والي جنوب دارفور منذ أواسط 2004 حتى الآن؛

جعفر عبد الحق: معتمد جارسيلا حتى أبريل/نيسان 2004، ووالي غرب دارفور الآن؛

الفريق آدم حامد موسى: والي جنوب دارفور منذ 2003 حتى أبريل 2004، ووالي غرب دارفور الآن؛

الفريق عبد الله صافي النور: طيار عسكري متقاعد ووواي شمال دارفور سابقاً في الفترة 2000-2001، ووزير اتحادي في الخرطوم في فترة 2003-2004. ويقال أنه متورط في توجيه العمليات الجوية وإمداد الميليشيات بالسلاح.

قادة عسكريون

العميد أحمد الهاجر محمد: قائد فرقة المشاة رقم 16 التي استخدمت في مهاجمة قرى مارلا وإيشما ولابادو في ديسمبر/كانون الأول 2004؛

الفريق الهادي آدم حامد: قائد "حرس الحدود" حلقة الوصل الأولى مع ميليشيا الجانجاويد؛

العميد عبد الواحد سعيد علي سعيد: قائد لواء مخابرات الحدود الثاني المتمركز بالمسترية والذي يؤآزر العمليات العسكرية في قبقابية وجوارها؛

المقدم غدال فضل الله: قائد عسكري في كوتوم تتحمل قواته مسئولية هجمات كثيرة ضد المدنيين وتدمير القرى ونهب الممتلكات المدنية.

قادة في الميليشيات

"أبو العشرين": وهو اسم حركي مستعار لعبد الله صالح سبيل، وهو رجل في الثامنة والأربعين من العمر من بني حسين من بلدة سريف بمنطقة قبقابية. وهو يستخدم اسم "عبد الله دقاش" أحياناً. وهو على صلة بالناظر قاضي آدم حامد شقيق الفريق الهادي آدم حامد. وهو يحمل رتبة عريف أو رقيب ويقود ميليشيا تتمركز في قبقابية؛

الشيخ موسى هلال: أفاد كثير من الشهود أن موسى هلال كان حاضراً في مسرح عديد من الهجمات بشمال دارفور ارتكبت خلالها جرائم خطيرة من بينها الاغتصاب والقتل والتعذيب. ويقول شهود كثيرون من بينهم أفراد سابقون من الجيش السوداني أن هلال من أهم من يتولون تجنيد الميليشيات وتنسيق نشاطاتها؛

"علي كشيب": وهو اسم حركي مستعار لعلي محمد علي؛ وقد كان أحد أهم قادة الهجمات على القرى في محيط مكجار وبنديسي وجارسيلا في فترة 2003-2004. ويقول شهود كثيرون أنه أحد قادة العمليات التي جرت في مارس/آذار 2004 وأعدم فيها عدة مئات من الرجال في مناطق ديليج وجارسيلا ومكجار؛

مصطفى أبو نوبة: من زعماء عشيرة الرزيقات بجنوب دارفور. وثمة مزاعم بأنه مسئول عن هجمات كثيرة على قرى جنوب دارفور كان من بينها مهاجمة بلدة كايلا ونهبها؛

الناظر التيجاني عبد القادر: من زعماء ميليشيا المسيرية المتمركزة في نيتيجا بجنوب دارفور. ويقال أنه مسئول عن مهاجمة قريبة خور أبيش في 7 أبريل/نيسان 2005، وعن هجمات أخرى في تلك المنطقة؛

محمد حمدان: من قادة ميليشيا الرزيقات، وهو ممن شاركوا في الهجوم على عدوة ونهبها في نوفمبر/تشرين الثاني 2004.

[1]سكوت أندرسن، "كيف حدثت مشكلة دارفور؟"، نيويورك تايمز ماجازين، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[2]انظر "دارفور تحترق: الفظائع غرب السودان"، تقرير عن هيومن رايتس ووتش، المجلد 16، رقم 5 (أ)، أبريل/نيسان 2004؛ "دمار دارفور: التطهير العرقي من جانب الحكومة وقوات الميليشيا في غرب السودان"، تقرير عن هيومن رايتس ووتش، المجلد 16، رقم 6 (أ)، مايو/أيار 2004؛ "وثائق دارفور تؤكد سياسة الحكومة في دعم الميليشيا"، دراسة موجزة عن هيومن رايتس ووتش، 20 يوليو/تموز 2004؛ "وعودٌ فارغة: تواصل الانتهاكات في دارفور بالسودان"، دارسة موجزة عن هيومن رايتس ووتش، 11 أغسطس/آب 2004؛ "سنقتل إن عدنا"، دراسة موجزة عن هيومن رايتس ووتش، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2004؛ "استهداف الفور: القتل الجماعي في دارفور"، دارسة موجزة عن هيومن رايتس ووتش، 24 يناير/كانون الثاني 2005؛ "العنف الجنسي ونتائجه بين الأشخاص المشردين في دارفور وتشاد"، دارسة موجزة عن هيومن رايتس ووتش، 12 أبريل/نيسان 2005. وجميع هذه المواد متوفرة على الرابط: .

[3]حتى يوليو/تموز 2005، تقدر الأمم المتحدة وجود 1.88 مليون شخص مشرد داخلياً في دارفور، إضافةً إلى أكثر من مئتي ألف لاجئ في تشاد، وما يصل مجموعه إلى 3.2 مليوناً من الأشخاص "المتأثرين" (وهذا يعني أن هناك ثمة 1.32 مليوناً من الأشخاص الذين لم يشردوا بفعل النزاع لكن لديهم احتياجات إنسانية ناجمة عنه). الأمم المتحدة، "الوضع الإنساني في دارفور، رقم 16، الوضع حتى 1 يوليو/تموز 2005".

[4]لا يركز هذا التقرير على هذه الجرائم مع أنها جرائم خطيرة تتطلب مزيداً من التحقيق والمحاسبة والتعويض على الضحايا وقد ترقى إلى مصاف جرائم الحرب. وقد وثقنا الجرائم التي ارتكبتها حركات التمرد، وخاصةً استخدام الأطفال الجنود، والاختطاف، والسلب، ومهاجمة المستشفيات، وحوادث القتل العشوائي للمدنيين. انظر هيومن رايتس ووتش: "سنقتل إن عدنا"، ص 32 39؛ و"دارفور تحترق"، ص 39.لكن منظمتنا لم تتمكن من إجراء توثيق كامل لانتهاكات المتمردين بسبب عدم القدرة على الوصول بشكلٍ كافٍ إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في دارفور. ومنذ بدء النزاع في دارفور، لم يتمكن باحثو هيومن رايتس ووتش من الحصول على تأشيرة دخول إلى السودان إلا مرة واحدة، وذلك لزيارة البلاد في سبتمبر/أيلول ـ أكتوبر/تشرين الأول 2004. ومنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2004 رفضت الحكومة السودانية طلبات منظمتنا للحصول على تأشيرات دخول؛ لكننا زرنا المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في دارفور في عامي 2004 و2005.

[5]والنص الكامل لهذه الفقرة من مهمة بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان هو: "حماية المدنيين الذين تجدهم البعثة معرضين لخطرٍ داهم والواقعين في جوارها المباشر، وذلك ضمن الإمكانيات والموارد المتوفرة؛ فمن المفهوم أن حماية السكان المدنيين هي من مسئولية الحكومة السودانية". وللحصول على النص الكامل لمهمة بعثة الاتحاد الأفريقي، انظر مذكرة مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2004 على الرابط: http://www.africaunion.org/News_Events/Communiqus/Communiqu%20_Eng%2020%20oct%202004.pdf

[6]مع أن القانون الدولي لا يتضمن تعريفاً رسمياً للتطهير العرقي، فقد عرّفت هيئة الخبراء في الأمم المتحدة هذا المصطلح بأنه "سياسةٌ مقصودة تضعها جماعةٌ إثنيةٌ أو دينية لكي تزيل من منطقةٍ جغرافيةٍ محددة السكان المدنيين المنتمين إلى جماعةٍ إثنيةٍ أو دينيةٍ أخرى عن طريق العنف ودب الذعر ... ويبدو الهدف من ذلك احتلال المنطقة من خلال إقصاء الجماعة أو الجماعات المستهدفة". تقرير هيئة الخبراء في الأمم المتحدة المقامة تبعاً لقرار مجلس الأمن رقم 780 (1992)، 27 مايو/أيار 1994، القسم 3 (ب)، على الرابط:

وقت فسرت هيئة الخبراء معنى "التطهير العرقي" كما جرى في يوغسلافيا السابقة بأنه:

تضمن الوسائل القسرية المستخدمة لإزالة السكان المدنيين من المناطق الاستراتيجية المذكورة أعلاه: القتل الجماعي، والتعذيب، والاغتصاب وغيره من الاعتداءات الجنسية، وإلحاق أضرار جسدية خطيرة بالمدنيين، وإساءة معاملة السجناء المدنيين وسجناء الحرب، واستخدام المدنيين كدروعاً بشرية، وتدمير الممتلكات الشخصية والعامة والثقافية، والنهب، وسرقة الممتلكات الخاصة وسلبها، والمصادرة القسرية للعقارات، والتشريد القسري للسكان المدنيين...

ولطالما وصفت الأمم المتحدة ممارسة التطهير العرقي بأنها انتهاكٌ للقانون الإنساني الدولي، وطالبت بتقديم مرتكبي التطهير العرقي إلى العدالة. انظر قرارات مجلس الأمن الدولي 771 (1992)، و780 (1992)، و808 (1993)، و820 (1993)، و941 (1994)، وكذلك قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة 46/242 و47/80.

[7]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع د. عبد المنعم عثمان محمد طه، رئيس المجلس الاستشاري السوداني لحقوق الإنسان، الخرطوم، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[8]تفيد الأنباء أن الحكومة السودانية لا تثق بجيشها لأن ما لا يقل عن نصف جنوده، وبعض ضباطه، ينحدرون من دارفور. وقد تعمقت هذه الشكوك خلال الأشهر الأولى من عام 2003 عندما تكبدت الحكومة خسائر عسكرية كبيرة نتجت جزئياً عن انشقاق قسم من الجنود المحليين وعناصر الشرطة وانضمامهم إلى المتمردين. نص مقابلة أجراها عاملون في الاتحاد الأفريقي مع المستشار القانوني السابق للميليشيات في قبقابية، أكتوبر/تشرين الأول 2004، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[9]أما معظم القبائل العربية البدوية الأكبر حجماً، كبني حسين والتعايشة والرزيقات الجنوبيين، التي لها "دار" أو مناطق قبلية تاريخية وتملك مواقع في الإدارات القبلية المحلية، فقد رفضت الانضمام إلى الميليشيات على أسسٍ قبلية. أما الجماعات التي صارت من "الجانجاويد" فتنحدر أساساً من قبائل عربية بدوية صغيرة تُعرف باسم الرزيقات الشماليين ومن جماعاتٍ عربية تشادية تتواجد على جانبي الحدود. ويشمل تعبير "الرزيقات الشماليون" عشائر المحاميد والماهرية والعريقات. وقد لعب كلٌّ من الإيديولوجيا والتمييز العنصري والفقر دوراً في توفير الدافع لدى أفراد الميليشيات للاستجابة إلى دعوة الحكومة إلى حمل السلاح. كما كانت التوترات التاريخية بين مختلف الجماعات (وهي تتعلق أساساً بحيازة الأرض والمراعي والموارد المائية) عاملاً رئيسياً خلف وحشية الهجمات. ويجنح النظام التقليدي للإدارة القبلية وحيازة الأراضي إلى محاباة القبائل الكبيرة التي تتمتع بسلطاتٍ إدارية لا على أفرادها فقط بل على القبائل الصغيرة التي لا تملك أرضاً. وقد جرت في التسعينات بين جماعاتٍ مثل أولاد راشد وعشيرة أم جلول التي ينتمي إليها موسى هلال وبين الزغاوة والفور صداماتٌ حول الاستفادة من الأرض وموارد المياه بشمال دارفور، بل يعود بعض هذه الصدامات إلى الستينات أيضاً. وقد زادت هذه التوترات التاريخية من إغراء الحوافز التي قدمتها الحكومة السودانية على شكل مبالغ نقدية ومن خلال السماح بممارسة النهب، إضافةً إلى وعودٍ بحصة في الأرض وفي السلطات الإدارية. مقابلات هيومن رايتس ووتش مع مئات من ممثلي الجماعات الإثنية العربية وغير العربية، ومن قادة المجتمعات المحلية، ومن الأشخاص المشردين، وكذلك مع المسئولين في دارفور، فبراير/شباط 2004 يوليو/تموز 2005. انظر أيضاً التقارير السابقة الصادرة عن هيومن رايتس ووتش.

[10]مقابلة هيومن رايتس ووتش، زالنجي، غرب دارفور، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[11]انظر أيضاً وصف موسى هلال لدى جولي فلنت وأليكس دي وال، "دارفور: تاريخٌ قصير لحربٍ طويلة"، (لندن: زد بوكس)، ص 36 65.

[12]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع د. عبد المنعم عثمان محمد طه، رئيس المجلس الاستشاري السوداني لحقوق الإنسان، ومع مسئولين حكوميين آخرين، 10 11 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[13]ذكرت هيومن رايتس ووتش أيضاً أسماء عدد من قادة الميليشيا والمسئولين الحكوميين المتورطين في ارتكاب الانتهاكات من خلال عددٍ من التقارير الصادرة عام 2004. انظر "دمار دارفور"، "وثائق دارفور تؤكد سياسة الحكومة في دعم الميليشيا"، "استهداف الفور". وهي موجودة على موقعنا: .

[14]إن عشيرتي المحاميد (ومنها أم جلول) والماهرية فرعان من فروع الرزيقات الشمالية.

[15]مقتطفات من مقابلات الاتحاد الأفريقي مع العميد عبد الواحد سعيد علي سعيد ومع المستشار القانوني لوحدة أمن الحدود في المسترية، أكتوبر/تشرين الأول 2004، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش. كما أجرت هيومن رايتس ووتش أيضاً مقابلات مع مسئولين في الأمم المتحدة ومع عدد من قادة المجتمعات المحلية من دارفور وبعض أعضاء جيش تحرير السودان، يوليو/تموز 2004 ـ يوليو/تموز 2005.

[16]مقابلات هيومن رايتس ووتش مع مدنيين في قبقابية بشمال دارفور، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2004. ويقدر هؤلاء أن في المسترية أربعة آلاف من الجانجاويد، أو أكثر من عشرة آلاف في المنطقة كلها. وتصل إغارات الجانجاويد حتى طويلة وفاتو بورنو وديزا وكوتوم وكورما وكورنوي؛ وكلها من المناطق التي "أُكلت".

[17]عن مقابلة أجراها الاتحاد الأفريقي مع العميد عبد الواحد سعيد علي سعيد، أكتوبر/تشرين الأول 2004، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[18]عن مقابلة أجراها الاتحاد الأفريقي مع المستشار القانوني السابق لوحدة أمن الحدود في المسترية، أكتوبر/تشرين الأول 2004، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش. وقد حصلنا على وثيقة تعود إلى أغسطس/آب 2004 (يقال أنها من الفريق عبد الواحد)، وهي موجهة إلى آمري المنطقة العسكرية الغربية، وإلى قسم التدريب والعمليات وقسم الأمن والمخابرات ومديري الأمن والمخابرات العسكرية والأمن القومي وقوات الأمن الإيجابي [قوة أمن خاصة]. وتحمل الوثيقة أوامر متنوعة إلى "القادة العرب" في مختلف أرجاء دارفور، بما في ذلك "تنفيذ أهداف التحالف العربي في دارفور". وثيقة ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[19]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع موسى هلال، الخرطوم، 27 سبتمبر/أيلول 2004.

[20]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع اللواء محمد فازي من الجيش السوداني، الفاشر، شمال دارفور، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[21]يقال أن صافي النور عضوٌ رفيع المستوى في التحالف العربي، ويتهمه بعض زعماء المجتمعات المحلية بتولي تنسيق حركة إمدادات الأسلحة إلى الميليشيات العربية في دارفور. مقابلات هيومن رايتس ووتش مع عدد من قادة المجتمعات المحلية بشمال دارفور، يوليو/تموز 2004، وفي قبقابية، أكتوبر/تشرين الأول 2004. وثمة أمرٌ عسكري حصلنا عليه يحمل تاريخ أغسطس/آب 2004 ويقال أنه صادر عن الفريق عبد الواحد قائد القوات الخفيفة المخيفة، وهو موجه إلى آمري المنطقة العسكرية الغربية، وإلى قسم التدريب والعمليات وقسم الأمن والمخابرات ومديري الأمن والمخابرات العسكرية والأمن القومي وقوات الأمن الإيجابي [قوة أمن خاصة]. وتحمل الوثيقة أوامر متنوعة إلى "القادة العرب" في مختلف أرجاء دارفور، بما في ذلك "تنفيذ أهداف التحالف العربي في دارفور"، وتنتهي بتحيةٍ موجه إلى موسى هلال "أمين سر حركة التحالف العربي في دارفور" وبشكرٍ موجه إلى عبد الله صافي النور. لكننا لم نتمكن من التثبت من صحة هذه الوثيقة.

[22]مقابلات هيومن رايتس ووتش مع بعض قادة المجتمعات المحلية من الزغاوة والبرتي والتنجر، شمال دارفور، يوليو/تموز 2004.

[23]مقابلات هيومن رايتس ووتش، قبقابية، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[24]أندرسن، "كيف حدثت مشكلة دارفور؟".

[25]مقابلات هيومن رايتس ووتش، شمال دارفور، 25 26 يوليو/تموز 2004؛ وفي قبقابية بشمال دارفور، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2004. وطبقاً لأحد المصادر في قبقابية، عُزل موسى هلال من منصب ناظر المحاميد لأن أفراد عشيرته أم جلول اشتكوا من أحكامه القاسية بصفته رئيساً للمحكمة الشعبية، وكذلك بسبب اتهامه بإذكاء التوترات بين العرب والفور.

[26]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مالك، 25 يوليو/تموز 2004. ولمزيد من المعلومات عن موسى هلال وعن عشيرته أم جلول والسنوات التي سبقت النزاع الحالي، انظر فلنت ودي وال، "دارفور: تاريخٌ قصيرٌ لحربٍ طويلة"، ص 33 65.

[27]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع عددٍ من زعماء الزغاوة بشمال دارفور، 25 26 يوليو/تموز، ومع زعماء من التنجر والفور، قبقابية، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[28]المصدر السابق.

[29]المصدر السابق.

[30]مقابلة هيومن رايتس ووتش، شمال دارفور، 23 يوليو/تموز 2004.

[31]"أبو عشرين" هو الاسم الحركي لعبد الله صالح سبيل، وهو رجلٌ في الثامنة والأربعين من بني حسين من بلدة سيريف أومرا غرب قبقابية. وكأحد أتباع موسى هلال كان يستخدم اسم عبد الله داغاش أحياناً. رسالة بالبريد الإلكتروني تلقتها هيومن رايتس ووتش من مراقبٍ دولي، يونيو/حزيران 2004.

[32]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع جندي حكومي أسير لدى جيش تحرير السودان، شمال دارفور، 14 يوليو/تموز 2005. وقد أجرينا مقابلات مع جميع المحاربين الأسرى في غرفةٍ مستقلة دون وجود أحد من جيش تحرير السودان.

[33]المصدر السابق.

[34]تلقت هيومن رايتس ووتش قائمة بأسماء 318 شخصاً قتلوا في منطقة أبو قمرة بين عامي 2003 و2005. والقائمة موجودة في أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[35]مقابلة هيومن رايتس ووتش، أحد مخيمات اللاجئين، تشاد، 29 يونيو/حزيران، 2005. وكثيراً ما تستخدم كلمة "نوبة" كمصطلحٍ يدل على الازدراء: إنها تشير إلى أهل جبال النوبة بوسط السودان. وهم من أصولٍ أفريقية ويعملون عادةً في الوظائف الوضيعة في الخرطوم.

[36]"الرئيس السوداني يتحدث عن سحق التمرد في دارفور، والمتمردون ينفون خسارتهم"، وكالة الأنباء الفرنسية، 9 فبراير/شباط 2004، على الرابط: .

[37]الأمم المتحدة، "الأمم المتحدة ترحب بالإعلان عن زيادة إمكانية الوصول إلى دارفور"، تصريح صحفي صادر عن UN OCHA، 10 فبراير/شباط 2004، على الرابط:

[38]هذه الوثيقة صادرة عن مسئول منطقة كوتوم، وهي تأمر "المسئولين عن التوجيه والتعبئة" بوضع "خطة لنقل عمليات البدو إلى الأماكن التي انسحب منها الخارجون على القانون". مذكرة حكومية بتاريخ 12 فبراير/شباط 2004، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[39]مذكرة حكومية بتاريخ 13 فبراير/شباط 2004، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[40]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أحد التجار، قبقابية، شمال دارفور، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[41]مقابلة هيومن رايتس ووتش، باهاي، تشاد، 25 فبراير/شباط 2004.

[42]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع إحدى اللاجئات، باهاي، 22 يوليو/تموز 2004.

[43]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 2 يوليو/تموز 2005.

[44]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع موسى هلال، الخرطوم، 27 سبتمبر/أيلول 2004.

[45]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يوليو/تموز 2005.

[46]مقابلة هيومن رايتس ووتش، زالنجي، غرب دارفور، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[47]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مراقب عسكري سابق في الاتحاد الأفريقي، هولندا، 15 سبتمبر/أيلول 2005.

[48]مقابلة هيومن رايتس ووتش، شمال دارفور، 30 يوليو/تموز 2005.

[49]مقابلة هيومن رايتس ووتش، تشاد، يوليو/تموز 2004، وكذلك شمال دارفور، 1 أغسطس/آب 2004.

[50]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع جندي حكومي أسير لدى جيش تحرير السودان، شمال دارفور، 14 يوليو/تموز 2005. وقد قابلنا جميع المحاربين الأسرى في غرفةٍ مستقلة دون وجود أحد من آسريهم.

[51]مقابلة هيومن رايتس ووتش، شمال دارفور، 30 يوليو/تموز 2005. ويقول هذا الشاهد أن الحكومة حاولت في البداية استخدام الحوامات العسكرية لنقل بعض الماشية. لكنهم صاروا يستخدمون الشاحنات بعد أن ماتت بعض الأغنام بسبب سقوطها من الحوامة في مايو/أيار 2004.

[52]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 28 يونيو/حزيران 2005.

[53]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع الوالي الحاج عطا المنان إدريس، نيالا، جنوب دارفور، 9 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[54]جاء الحزب الحاكم إلى السلطة عبر انقلابٍ عسكري ـ إسلامي عام 1989. وكان الحزب الوحيد في الحكومة حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل في 9 يناير/كانون الثاني 2005 مع متمردي الجنوب. وتخلص الحزب من الموظفين العلمانيين في الإدارة والقضاء، كما حظر النقابات والأحزاب السياسية حيث لم يرفع الحظر إلا بعد عدة سنوات عندما خلق الحزب منظمته الموازية في محاولةٍ لضبط المجتمع المدني. وتكاثرت الأجهزة الأمنية، كما تكاثرت الميليشيات الإسلامية التي أنشأت بوحيٍّ من الحزب. ويسيطر الحزب الآن على 52% من الجمعية الوطنية ومن السلطة التنفيذية على المستوى الوطني.

[55]لعب الجيش دوراً كبيراً في الحياة السياسية السودانية منذ استقلال البلاد عام 1956. ففي 1958، أطاح الفريق عبود بالرئيس المنتخب وحكم البلاد حتى أطاحت به انتفاضةٌ شعبية عام 1964. لكن الرئيس المنتخب أطيح به في انقلابٍ عسكري قاده العقيد جعفر النميري الذي استمر في الحكم حتى أسقطته انتفاضةٌ شعبية أخرى عام 1985. وما لبثت طغمةٌ انقلابيةٌ عسكرية ـ إسلامية أن أطاحت بالحكومة المنتخبة، وهي مستمرةٌ في الحكم حتى اليوم.

[56]انظر "وثائق دارفور تؤكد سياسة الحكومة في دعم الميليشيات"، دراسة موجزة صادرة عن هيومن رايتس ووتش، 20 يوليو/تموز 2004. لكننا لم ننشر النص الكامل لهذه الوثائق حرصاً على أمن الأشخاص الذين ساعدونا في الحصول عليها.

[57]المصدر السابق.

[58]المناطق الخمس هي كوتوم وقبقابية والفاشر وميليت وأم قدادة. وتنقسم كل منطقة إلى عددٍ من المحليات. وعلى سبيل المثال، توجد في كوتوم محليتان اثنتان.

[59]"السودان: المتمردون ينفون مزاعم الرئيس بتحقيق النصر في دارفور"، وكالة أنباء الأمم المتحدة، 10 فبراير/شباط 2004؛ و"الأمم المتحدة ترحب بموافقة السودان على السماح لعمال الإغاثة بدخول منطقة دارفور المضطربة"، مركز أنباء الأمم المتحدة، 10 فبراير/شباط 2004، على الرابط: .

[60]من الواضح أن محلية الواحة تشمل مناطق في كلٍّ من شمال دارفور وجنوب دارفور. مقابلات هيومن رايتس ووتش، أبريل/نيسان 2005.

[61]أشار تقريرٌ للأمم المتحدة صدر في 7 أبريل/نيسان 2005 إلى أن "إذاعة الفاشر المحلية أعلنت أن معتمد محلية الواحة بالفاشر (محلية للقبائل البدوية في شمال دارفور وجزء من جنوب دارفور) رفض في اجتماعٍ مع زعماء القبائل في 4 أبريل/نيسان قرار مجلس الأمن رقم 1593، وأعلن أن الواحة ستكون فلوجة السودان إذا اقتيد أيٌّ من أهلها إلى المحكمة الجنائية الدولية". تقرير الأمم المتحدة عن الوضع في السودان، 7 أبريل/نيسان 2005، على الرابط:

.

[62]مقابلات هيومن رايتس ووتش مع أشخاصٍ مشردين في كالما ومخيماتٍ أخرى بجنوب دارفور، أكتوبر/تشرين الأول 2004؛ ومقابلاتها في مخيمات المشردين في يوليو/تموز 2005.

[63]مقابلة هيومن رايتس ووتش، ميرشنغ، جنوب دارفور، يوليو/تموز 2005.

[64]مقابلات هيومن رايتس ووتش في مكجار وجارسيلا، أكتوبر/تشرين الأول 2004، وكذلك في مخيمات اللاجئين، تشاد، يوليو/تموز 2005.

[65]انظر "استهداف الفور: القتل الجماعي في دارفور"، دراسة موجزة صادرة عن هيومن رايتس ووتش، 24 يناير/كانون الثاني 2005.

[66]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يونيو/حزيران 2005. والمسيرية قبيلةٌ من الرعاة العرب تقيم في كردفان، ويوجد بعضٌ منها بجنوب دارفور أيضاً.

[67]رسالة بالبريد الإلكتروني من مراقب دولي إلى هيومن رايتس ووتش، 8 يونيو/حزيران 2005.

[68]للاطلاع على معلومات حول الأحداث التي جرت في وادي صالح انظر "استهداف الفور"، هيومن رايتس ووتش، يناير/كانون الثاني 2005.

[69]قال مدنيون من بلدة زالنجي أن المتمردين كانوا موجودين في ديريسا مثلاً. مقابلة هيومن رايتس ووتش، زالنجي، غرب دارفور، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[70]مقابلات هيومن رايتس ووتش، جارسيلا ومكجار، أكتوبر/تشرين الأول 2004، وفي مخيمات اللاجئين، تشاد، يوليو/تموز 2005.

[71]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يونيو/حزيران 2005.

[72]كويرت لينديجر، "Inschakeling Strafhof geeft hoop aan ontheemden in Darfur"، [المحكمة الجنائية الدولية تشيع الأمل لدى الأشخاص المشردين في دارفور]، NRC هاندلسبلاد، هولندا، 9 أبريل/نيسان 2005.

[73]مقابلة هيومن رايتس ووتش، باهاي، تشاد، 4 يونيو/حزيران 2004.

[74]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يونيو/حزيران 2005. كانت الندوب ما تزال باديةً على رأس الرجل وجسمه.

[75]مقابلاتٌ مع نساء مشردات داخلياً من وادي صالح، يونيو/حزيران 2004.

[76]المصدر السابق.

[77]هيومن رايتس ووتش، "استهداف الفور".

[78]مقابلاتٌ مع نساء مشردات داخلياً من وادي صالح، يونيو/حزيران 2004.

[79]مقابلاتٌ مع نساء مشردات داخلياً من وادي صالح، أبريل/نيسان 2004.

[80]"بعثة تقصي الحقائق والتقييم السريع المكونة من عدة منظمات في الأمم المتحدة: بلدة كايلك، جنوب دارفور"، 25 أبريل/نيسان 2004، ص 4.

[81]انظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدة 131، تستشهد بالبروتوكول رقم 2، المادتان 17 (1) و4 (3) (ب).

[82]المصدر السابق، القاعدة 55، تستشهد بالبروتوكول رقم 2، المادة 18 (2).

[83]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يونيو/حزيران 2005.

[84]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يونيو/حزيران 2005.

[85]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يونيو/حزيران 2005.

[86]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 28 يونيو/حزيران 2005.

[87]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يونيو/حزيران 2005.

[88]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يونيو/حزيران 2005.

[89]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 28 يونيو/حزيران 2005.

[90]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يونيو/حزيران 2005.

[91]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 27 يونيو/حزيران 2005.

[92]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مخيم اللاجئين، تشاد، 17 يونيو/حزيران 2005.

[93]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع اللواء محمد فازي، الجيش السوداني، الفاشر، شمال دارفور، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[94]عن مقابلة أجراها عاملون في الأمم المتحدة مع مستشار قانوني للميليشيات في قبقابية، أكتوبر/تشرين الأول 2004

[95]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مراقب عسكري سابق من الاتحاد الأفريقي، هولندا، 15 سبتمبر/أيلول 2005.

[96]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع اللواء محمد فازي، الجيش السوداني، الفاشر، شمال دارفور، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[97]مقابلة هيومن رايتس ووتش، هولندا، 15 سبتمبر/أيلول 2005.

[98]"متمردو السودان يشنون هجوماً 'لإثبات' أنهم مازالوا يحكمون سيطرتهم على دارفور"، وكالة الأنباء الفرنسية، 12 فبراير/شباط 2004، على الرابط:

[99]ثمة انعكاسٌ سياسي لهذا التوزع السكاني. فمن بين ولايات دارفور الثلاث ينوب عن جنوب دارفور أكبر عدد من البرلمانيين العرب في الجمعية الوطنية: ثمة 15 من أصل 28 نائباً عن الولاية ينحدرون من جماعاتٍ عربية بالمقارنة مع نائب عربي واحد من أصل 16 نائباً عن شمال دارفور ونائب عربي واحد من 18 نائباً يمثلون غرب دارفور. انظر يونغ وآخرين في "دارفور الحياة تحت الحصار"، الجدول رقم 3: الانتماءات القبلية لنواب دارفور في الجمعية الوطنية، ص 31.

[100]"تقرير التحقيق في مهاجمة معسكر قوات الدفاع الشعبي في دوما إلى الشمال من نيالا يوم 25 سبتمبر/أيلول 2004"، تقرير غير منشور لبعثة الاتحاد الأفريقي في السودان، موجود ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[101]مذكرة حكومية في 3 مارس/آذار 2004، مكتب والي جنوب دارفور، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[102]إضافةً إلى الطمع في الأرض، كان لدى بعض القبائل البدوية العربية بجنوب دارفور حوافز أخرى للانضمام إلى الميليشيات. فبالنسبة للعرب البدو المستقرين شمال نيالا وجنوبها، كان لسيطرة جيش تحرير السودان على هذه المناطق الريفية عواقب خطيرة فيما يتعلق باستخدام البدو لطرق الهجرة الموسمية (وهم ينقلون قطعانهم بين الشمال والجنوب في موسم الأمطار). هاجم المتمردون بعض الجماعات البدوية ونهبوا مواشيها واختطفوا أشخاصاً منها من أجل الفدية أحياناً. وقال لنا أحد زعماء البدو: "منذ بداية النزاع قطعت الحركات المسلحة جميع الطرق التي نستخدمها. ونحن لا نستطيع الذهاب في الطرق المارة بدوما أو ميناواش بسبب وجود المتمردين. وهذا ما جعلنا نخسر كثيراً من الحيوانات". مقابلة هيومن رايتس ووتش، نيالا، جنوب دارفور، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[103]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدة 15، مستشهدةً بالبروتوكول رقم 2، المادة 13 (1).

[104]المصدر السابق، القاعدتان 17 و 18.

[105]"دارفور: 'المناطق الآمنة' التي أقامتها الأمم المتحدة لا توفر أي أمنٍ حقيقي"، تصريح صحفي عن هيومن رايتس ووتش، 1 سبتمبر/أيلول 2004. انظر أيضاً "الأمم المتحدة: على السودان البدء بحل الميليشيات العربية في دارفور"، وكالة الأنباء الفرنسية، 5 أغسطس/آب 2004، على الرابط:

[106]ياسين بلدةٌ فيها مخفر للشرطة. ويطلق الاسم أيضاً على منطقة تضم عدداً من القرى الواقعة إلى الجنوب من خط نيالا ـ الداين بين ساني أفندو وسوليا.

[107]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أشخاص مشردين داخلياً من ياسين، مخيم كالما، جنوب دارفور، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[108]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أشخاص مشردين داخلياً من ياسين، مخيم كالما، جنوب دارفور، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2004. ويرد أيضاً ذكر سحب الحكومة قواتها الأمنية من ياسين في أعقاب هجوم جيش تحرير السودان في يناير/كانون الثاني 2004 في تقرير الاتحاد الأفريقي غير المنشور "تقرير عن التحقيق في الهجوم المزعوم على قرية ياسين من جانب ميليشيا الجانجاويد والقوات الحكومية في 17 يوليو/تموز 2004"، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[109]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أشخاص مشردين داخلياً من ياسين، مخيم كالما، جنوب دارفور، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[110]انظر "تقرير الدوريات الروتيني: الطيران من نيالا وبورام ودونكي ديرياسا"، 28 أغسطس/آب 2004؛ و"تحقيقٌ في ما زعم من إقامة معسكرٍ جديد للشرطة والجانجاويد بمنطقة جالدي في 19 أغسطس/آب 2004"، سبتمبر/أيلول 2004؛ و"تحقيقٌ في مزاعم تحرك القوات الحكومية إلى أبجراجيل إلى الجنوب الشرقي من نيالا"، 2 سبتمبر/أيلول 2004. وجميعها من تقارير بعثة الاتحاد الأفريقي غير المنشورة، وهي ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش. انظر أيضاً "تقرير لجنة مراقبة وقف إطلاق النار رقم 79/04: مزاعم بإقامة معسكر جديد للحكومة السودانية في سوليا"، بعثة الاتحاد الأفريقي، 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، على الرابط:

[111]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مراقب عسكري سابق من الاتحاد الأفريقي، هولندا، 15 سبتمبر/أيلول 2005.

[112]بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان، "تقرير لجنة مراقبة وقف إطلاق النار رقم 88/04: هجومٌ مزعوم للحكومة السودانية والجانجاويد على قرية عدوة في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2004"، 31 ديسمبر/كانون الأول 2004.

[113]المصدر السابق.

[114]المصدر السابق.

[115]المصدر السابق.

[116]المصدر السابق.

[117]مقابلة هاتفية لهيومن رايتس ووتش ، كندا، 3 يونيو/حزيران 2005.

[118]رسالة بالبريد الإلكتروني إلى هيومن رايتس ووتش من شخص قابل أناساً من إشما وأم زيفة، ديسمبر/كانون الأول 2004.

[119]بعثة الاتحاد الأفريقي، "تقرير لجنة مراقبة وقف إطلاق النار رقم 89/04: هجوم مزعوم للحكومة السودانية والجانجاويد على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في إشما وأم زيفة والمهاجرية في ديسمبر/كانون الأول 2004"، ديسمبر/كانون الأول 2004.

[120]المصدر السابق.

[121]المصدر السابق.

[122]مقابلة هيومن رايتس ووتش الهاتفية، كندا، 3 يونيو/حزيران 2005.

[123]مقابلات مع أشخاصٍ مشردين من مارلا، يناير/كانون الثاني 2005، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[124]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع امرأة مشردة داخلياً من أهالي مارلا، فبراير/شباط 2005.

[125]مقابلات مع أشخاصٍ مشردين من مارلا، يناير/كانون الثاني 2005، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[126]بعثة الاتحاد الأفريقي، "تقرير التحقيق في هجوم ميليشيا الجانجاويد على قرى شمال لابادو في 3 نوفمبر/تشرين الثاني"، نوفمبر/تشرين الثاني 2004. تقرير غير منشور موجود ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[127]اكتسب صادق علي نبي شهرةً دوليةً فيما بعد بسبب صدامه مع مساعد وزير الخارجية الأمريكي روبرت زوليك بعد أن رفض صادق السماح للأمريكيين بالتحدث على انفراد مع مراقبي الاتحاد الأفريقي. "صدامٌ بين مسئول دارفوري وبين زوليك أثناء زيارته إلى دارفور"، أسوشييتد برس، 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، على الرابط:

[128]مقابلة هيومن رايتس ووتش الهاتفية، كندا، 3 يونيو/حزيران 2005.

[129]"تقرير رئيس البعثة حول الوضع في منطقة دارفور السودانية، مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي"، 10 يناير/كانون الثاني 2004، ص 6.

[130]مقابلات مع أشخاصٍ مشردين من لابادو، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش، 22 ديسمبر/كانون الأول 2004.

[131]أدى هروب عناصر جيش تحرير السودان وعدم دفاعهم عن البلدة إلى إثارة قدرٍ كبير من المرارة لدى السكان المدنيين. مقابلة هيومن رايتس ووتش الهاتفية، كندا، 3 يونيو/حزيران 2005.

[132]اتصال سري مع هيومن رايتس ووتش، 24 ديسمبر/كانون الأول 2004؛ ومقابلة هيومن رايتس ووتش الهاتفية، كندا، 3 يونيو/حزيران 2005.

[133]رسالة بالبريد الإلكتروني إلى هيومن رايتس ووتش من أحد عاملي الإغاثة، ديسمبر/كانون الأول 2004.

[134]بعثة الاتحاد الأفريقي، "تقرير لجنة مراقبة وقف إطلاق النار رقم 129/04: هجومٌ مزعومٌ ثانٍ من قبل قوات الحكومة على قرية لابادو يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2004"، 31 يناير/كانون الثاني 2005.

[135]بعثة الاتحاد الأفريقي، "تقرير لجنة مراقبة وقف إطلاق النار رقم 132/04: حادثة إطلاق نار على حوامة مي ـ 8 عائدة للجنة مراقبة وقف إطلاق النار التابعة للاتحاد الأفريقي في لابادو يوم 19 ديسمبر/كانون الأول 2004"، على الرابط: http://www.africaunion.org/DARFUR/reports%20of%20the%20cfc/132%2004%20Shooting%20incident%20of%20AUCFC%20mi-8%20helicopter%20in%20labado.pdf.

[136]مقابلات مع أشخاص مشردين من حمادة، يناير/كانون الثاني 2005، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[137]المصدر السابق.

[138]المصدر السابق.

[139]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع جندي سابق في الجيش السوداني، دارفور، 14 يوليو/تموز 2005.

[140]المصدر السابق.

[141]مقابلة هيومن رايتس ووتش، الخرطوم، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[142]مقابلة هيومن رايتس ووتش، الخرطوم، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[143]مقابلة هيومن رايتس ووتش، الخرطوم، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[144]للحصول على شرحٍ عن كيفية وصول حزب المؤتمر الوطني الحاكم إلى السلطة وبقائه فيها، انظر الهامش 53.

[145]"تقرير: الرئيس السوداني يتعهد بتدمير متمردي دارفور"، وكالة الأنباء الفرنسية، 31 ديسمبر/كانون الأول 2003.

[146]مقابلات هيومن رايتس ووتش، مخيمات اللاجئين، تشاد، 29 يونيو/حزيران 2005 و2 يوليو/تموز 2005.

[147]"كيف حدثت مشكلة دارفور؟"، نيويورك تايمز ماجازين، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[148]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع عضو في الجمعية الوطنية من دارفور، الخرطوم، 27 سبتمبر/أيلول 2004.

[149]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محامين من دارفور، الخرطوم، 26 سبتمبر/أيلول 2004.

[150]هيومن رايتس ووتش، "المجاعة في السودان، 1998: الأسباب المتصلة بحقوق الإنسان"، (نيويورك: هيومن رايتس ووتش، 1999).

[151]قابلت هيومن رايتس ووتش عشرات الأشخاص المشردين من مختلف أنحاء دارفور، وقد قدموا وصفاً متطابقاً لفرار السكان واحتمائهم بالجيش السوداني أو بمخافر الشرطة أو لإرسال وفود من الزعماء المحليين إلى السلطات المحلية للمطالبة بحماية الجيش لهم من الهجمات. لكن هذه المطالبات تراجعت مع استمرار النزاع واقتناع الناس بأنهم مستهدفون على نحوٍ متعمد. مقابلات هيومن رايتس ووتش، السودان وتشاد، فبراير/شباط 2004 ـ يوليو/تموز 2005.

[152]احتجز مدير مكتب الجزيرة في الخرطوم إسلام صالح عدة أسابيع، ثم أدانته محكمةٌ سودانية في أبريل/نيسان 2004 بتهمة "نشر معلومات كاذبة"، وذلك بعد بث قصص عن الانتهاكات الجارية في دارفور في عصيانٍ للحظر الذي فرضته الحكومة السودانية على نشرها. مراسلون بلا حدود، "نداءٌ من أجل إطلاق سراح مدير مكتب الجزيرة وإنهاء الحظر على التقارير الصحفية عن دارفور"، تصريح صحفي، 13 أبريل/نيسان 2004، على الرابط: .

[153]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع عمدة من الزغاوة، شمال دارفور، 26 يوليو/تموز 2004.

[154]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع زعماء وفلاحين من برتي، شمال دارفور، 2 أغسطس/آب 2004.

[155]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أحد زعماء التنجر، شمال دارفور، 4 أغسطس/آب 2004.

[156]قبل تعيينه وزيراً للدفاع بوقتٍ قصيرٍ جداً، استقال عبد الرحيم محمد حسين من منصبه كوزيرٍ للداخلية؛ وذلك ليس بسبب دوره في تنفيذ سياسة "التطهير العرقي" وتنسيقها، بل بسبب انهيار مبنى في مدينة الخرطوم. "وزير داخلية السودان يستقيل عقب انهيار أحد المباني"، أرابيكنيوز على الرابط:

[157]مقابلات هيومن رايتس ووتش، الخرطوم، أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[158]مقابلات هيومن رايتس ووتش، الخرطوم، أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[159]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مصدرٍ طلب عدم ذكر اسمه، شمال الخرطوم، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[160]انظر تقارير منظمة العفو الدولية الكثيرة عن السودان على الرابط: ، وأيضاً التقارير الصادرة عن المنظمة السودانية لمناهضة التعذيب على الرابط: .

[161]مقابلة هيومن رايتس ووتش، زالنجي، غرب دارفور، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[162]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع عبد العظيم عبد الله، مدير أمن جنوب دارفور، نيالا، جنوب دارفور، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[163]معلومات سرية وصلت هيومن رايتس ووتش من مراقبين دوليين، ومقابلات في الخرطوم وأماكن أخرى، يونيو/حزيران ويوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول 2004.

[164]مقابلة هيومن رايتس ووتش، الخرطوم، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[165]مقابلات هيومن رايتس ووتش، الخرطوم، 15 سبتمبر/أيلول و21 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[166]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع جندي أسير لدى جيش تحرير السودان، شمال دارفور، 14 يوليو/تموز 2005. قابلت هيومن رايتس ووتش جميع المقاتلين المحتجزين في غرفةٍ مستقلة دون وجود عناصر من جيش تحرير السودان.

[167]معلومات سرية وصلت هيومن رايتس ووتش من مراقب دولي في الخرطوم، 4 يونيو/حزيران 2004.

[168]المصدر السابق.

[169]المصدر السابق.

[170]بريد إلكتروني سري ورد إلى هيومن رايتس ووتش من شخصٍ أجرى مقابلةً مع عنصر سابق في الميليشيا، 26 يونيو/حزيران 2004.

[171]مقابلات مع سودانيين من سكان الفاشر، فبراير/شباط 2005.

[172]مقابلة هيومن رايتس ووتش، قبقابية، شمال دارفور، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2004.

[173]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مراقبٍ عسكري سابق من الاتحاد الأفريقي، هولندا، 15 سبتمبر/أيلول 2005.

[174]تشير آخر التقارير إلى قدرة مجموعات الجانجاويد على تحدي الحكومة، وإلى أن التحالف بين الحكومة السودانية وبعض ربيباتها من الميليشيات الإثنية في غرب دارفور خاصةً آخذٌ بالتآكل. انظر مارك ليسي، "تزايد الفوضى في نزاع دارفور مع عصيان بعض الميليشيات للحكومة"، نيويورك تايمز، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2005.

[175]يترأس آدم حامد موسى الآن منظمة (يقال أن الحكومة تساندها) تدعى منتدى السلام والتنمية في دارفور؛ وقد حضر محادثات السلام في أبوجا بنيجيريا في أكتوبر/تشرين الأول 2005. انظر "ممثلو منتدى دارفور يصلون للاشتراك في محادثات أبوجا"، شينخوا، 9 أكتوبر/تشرين الأول 2005، على الرابط: . أما مكان وجود أحمد أنجابو أحمد فهو غير معروف حالياً.

[176]تناقش هيومن رايتس ووتش المحكمة السودانية الجديدة الخاصة بدارفور بمزيدٍ من التفصيل في تقريرٍ يصدر قريباً.

[177]الأمم المتحدة، "تقرير لجنة التحقيق الدولية الخاصة بدارفور المقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة"، على الرابط: http://www.un.org/News/dh/sudan/com_inq_darfur.pdf.

[178]المصدر السابق، ص 5.

[179]S/1593/2005.

[180]ينص "مبدأ الإكمال" هذا على أن مسئولية وواجب الملاحقة القضائية في أخطر الجرائم الدولية تقع على عاتق الحكومة الوطنية أولاً، في حين لا يسمح للمحكمة الجنائية الدولية بالتدخل إلا بوصفها ملاذاً أخيراً إذا امتنعت الدولة عن القيام بواجبها (أي إذا لم يجر التحقيق، والمحاكمة عند اللزوم، بنيةٍ صادقة). ومن شأن الجهود الصادقة من جانب الحكومة لاكتشاف الحقائق ومحاسبة المسئولين عن أية جرائم إبادة جماعية أو جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أن تمنع تدخل المحكمة الجنائية الدولية حتى فيما يخص "المسئولين أكثر من غيرهم". ولمزيدٍ من المعلومات انظر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وكذلك "أسئلة وإجابات عن المحكمة الجنائية الدولية"، على الرابط: http://www.hrw.org/campaigns/icc/qna.htm..

[181]تعمل النيابة العامة في المحكمة الجنائية الدولية على تنفيذ واجبها في تقييم استعداد وقدرة النظام القضائي لدى الدولة. وقد أشارت النيابة العامة في المحكمة الجنائية الدولية إلى العمل على الوفاء بهذا الالتزام في "بيان النائب العام في المحكمة الجنائية الدولية السيد لويس مورينو أوكامبو إلى مجلس الأمن في 29 يونيو/حزيران 2005 طبقاً لقرار مجلس الأمن رقم 1593"، (2005)، ص 4.

[182]"المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية يفتتح التحقيق في قضية دارفور"، المحكمة الجنائية الدولية، لاهاي، 6 يونيو/حزيران 2005، على الرابط: http://www.icccpi.int/press/pressreleases/107.html.

[183]وقع كبير القضاة على المرسوم رقم 702 المنشئ للمحكمة الجنائية الوطنية الخاصة المعنية بدارفور في 7 يونيو/حزيران 2005 (وهو اليوم التالي لإعلان بدء التحقيق)، على أن تبدأ عملها فوراً. وفي 11 يونيو/حزيران، عُين القاضي محمود محمد سعيد أبكم، وهو عضو في المحكمة السودانية العليا، رئيساً للمحكمة الجديدة.

[184]تصريح صحفي لكبير القضاة جلال الدين محمد عثمان، 7 يونيو/حزيران 2005، على الرابط:

http://www.sudanembassy.de/pages/special_court_for_crimes_in_darfurpag.html.

[185]"السودان: القضاء يعارض ولاية المحكمة الجنائية الدولية في قضايا دارفور"، وكالة أنباء الأمم المتحدة، 24 يونيو/حزيران 2005، على الرابط: http://www.irinnews.org/report.asp?ReportID=47802&SelectRegion=East_Africa&SelectCountry=SUDAN

[186]معلومات سرية حصلت عليها هيومن رايتس ووتش من مراقبٍ دولي، 16 أغسطس/آب 2005.

[187]قرار رقم 26/1426 (هـ)، ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[188]إديث ليدرر، "الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي يقولان أن أكثر من 350 من عناصر الميليشيا هاجموا قريةً في دارفور ودمروها"، أسوشييتد برس، 9 أبريل/نيسان 2005، على الرابط: http://www.sudantribune.com/article_impr.php3?id_article=8971

[189]معلومات سرية وردت إلى هيومن رايتس ووتش من مراقبٍ دولي، 28 يوليو/تموز 2005.

[190]جاء في هذا المرسوم:

"مرسوم مؤقت، قانون القوات المسلحة الشعبية لعام 1986، تعديل لسنة 2005 القاضي بالحصول على إذن لبدء الملاحقة الجنائية بحق أي ضابط أو ضابط صف أو جندي.

لا تتخذ تدابير قضائية بحق أي ضابط أو ضابط صف أو جندي يرتكب فعلاً يمكن أن يشكل جريمةً أثناء، أو بسبب، تنفيذ مهامه، أو بسبب أي أمر صحيح صدر إليه؛ ولا يقدم إلى المحاكمة إلا بإذنٍ من القائد العام أو من يفوضه."

وقّع عليه عمر حسن أحمد البشير، 4 أغسطس/آب 2005.

[191]انظر تقرير لجنة التحقيق الدولية، ومنظمة العفو الدولية، "دارفور: الاغتصاب كسلاح في الحرب"، AFR 54/076/2004، 19 يوليو/تموز 2004، على الرابط: http://web.amnesty.org/library/index/engafr540762004.

[192]إميلي واكس، "ضحايا الاغتصاب في السودان يعانين تعامي القضاء عن محنتهن"، واشنطن بوست، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، وانظر أيضاً الأمم المتحدة، "إتاحة العدالة لضحايا العنف الجنسي"، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، 29 يوليو/تموز 2005، على الرابط: http://www.ohchr.org/english/press/docs/20050729Darfurreport.pdf.

[193]كاثرين هاورلد، "بعد أن اغتصبن جماعياً وحملن، ظنت هذه النسوة أن محنتهن انتهت عندما ذهبن إلى الشرطة، لكنهن كن مخطئات"، سنداي تلغراف، لندن، 13 مارس/آذار 2005، على الرابط: http://www.telegraph.co.uk/news/main.jhtml?xml=/news/2005/03/13/wsudan13.xml.

[194]في مايو/أيار 2005، اعتقلت الحكومة السودانية شخصين من منظمة أطباء بلا حدود بتهمة ارتكاب "جرائم ضد الدولة" ونشر تقارير كاذبة. وكانت منظمة أطباء بلا حدود نشرت قبل شهرين من ذلك تقريراً بعنوان "عبء الاغتصاب الفادح: العنف الجنسي في دارفور بالسودان". ويتحدث هذا التقرير بوضوحٍ ساطع عن تفشي الاغتصاب والعنف الجنسي في دارفور. وقد عالجت منظمة أطباء بلا حدود زهاء 500 امرأة وفتاة ممن تعرضن للاغتصاب خلال أقل من خمسة أشهر. وقد أسقطت التهم الموجهة إلى الشخصين المذكورين بعد حملةٍ عامةٍ كبيرة وضغوطٍ دبلوماسية، لكن منظماتٍ أخرى تشتكي من تعرض عامليها وبرامجها إلى تهديداتٍ مماثلة. انظر تقرير أطباء بلا حدود على الرابط:

[195]معلومات وردت إلى هيومن رايتس ووتش من شخصٍ كان حاضراً، 6 يوليو/تموز 2005.

[196]المصدر السابق.

[197]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محامٍ سوداني، نوفمبر/تشرين الثاني 2005.

[198]"قضايا الاغتصاب في دارفور حالاتٌ فردية"، سودان تريبيون، 24 أكتوبر/تشرين الأول 2005، على الرابط: http://www.sudantribune.com/article.php3?id_article=12245.

[199]"السودان يكرر معارضته لمحاكمة مشتبهي دارفور أمام المحكمة الجنائية الدولية"، سودان تريبيون، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2005، على الرابط: http://www.sudantribune.com/article.php3?id_article=12116.

[200]مقابلة هيومن رايتس ووتش، حجبنا موقع إجراء المقابلة، أبريل/نيسان 2005.

[201]وثيقة ضمن أرشيف هيومن رايتس ووتش.

[202]تظل قوانين حقوق الإنسان الدولية ساريةً أثناء النزاعات المسلحة، رغم إمكانية تقدم أحكام بعينها من القانون الإنساني الدولي عليها (مبدأ القانون الخاص). وقد تقيّد قوانين حقوق الإنسان بفعل ما يطلق عليه اسم الأحكام التقييدية المفروضة بموجب حالة الطوارئ. لكن ثمة حقوقاً لا يمكن تقييدها، وهي فضلاً عن حق الحياة الحق في عدم التعرض للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، والحق في عدم توجيه التهمة بأثرٍ رجعي، وكذلك الحق في حرية التفكير والضمير والاعتقاد الديني. ويتزايد تفسير القانون الإنساني الدولي على أنه يتفق مع مقتضيات قانون حقوق الإنسان. ومن هنا فإن الضمانات الأساسية المكفولة لكل الأشخاص المحتجزين بموجب المادة 3 من اتفاقيات جنيف لعام 1949 والقانون الإنساني الدولي العرفي موازية لأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان.

[203]من الدراسات المرجعية في القانون الإنساني الدولي العرفي دراسةٌ من مجلدين صدرت عام 2005 عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر بعنوان "القانون الإنساني الدولي العرفي". ومن المراجع المهمة عن هذا القانون هناك البروتوكولان الإضافيان الأول والثاني (1977) لاتفاقيات جنيف لعام 1949 (ويطلق عليهما اسم البروتوكول الأول والبروتوكول الثاني).

[204]انظر مثلاً ثيودور نيرون، "حقوق الإنسان والمعايير الإنسانية بصفتها قانوناً عرفياً"، 1989، ص 62 70 و74 78. (وهو يناقش الطبيعة القانونية العرفية لبعض جوانب البروتوكول الأول).

[205]الأمم المتحدة، "تقرير لجنة التحقيق الدولية الخاصة بدارفور المقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة"، على الرابط: http://www.un.org/News/dh/sudan/com_inq_darfur.pdf.

[206]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدتان 1 و7، تستشهدان بالبروتوكول الأول، المواد 48 و51 (2) و52 (2)؛ البروتوكول الثاني، المادة 13 (2).

[207]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدة 2، تستشهد بالبروتوكول الأول، المادة 51 (2)؛ البروتوكول الثاني، المادة 13 (2).

[208]البروتوكول الأول، المادة 50 (1). تحفظت بعض الدول على التبعات العسكرية للتفسير الصارم لهذه القاعدة. وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر: "عند قيام الشك، لابد من إجراء تقييم متأنٍ للنظر فيما إذا كانت هناك مؤشراتٌ كافية لتبرير الهجوم. وليس للمرء أن يهاجم على نحوٍ تلقائي كل من يبدو أمره مريباً". انظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، ص 23 24.

[209]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدة 8، تستشهد بالبروتوكول الأول، المادة 52 (2).

[210]مايكل بوث وآخرون، "قواعد جديدة خاصة بضحايا النزاعات المسلحة"، (لهاي: مارتينوس هيجهوف، 1982)، ص 306 307.

[211]المادة المشتركة رقم 3 في اتفاقيات جنيف لعام 1949.

[212]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدة 93، تستشهد باتفاقيات جنيف لعام 1949، المادة المشتركة رقم 3؛ البروتوكول الأول، المادة 75 (2)؛ والبروتوكول الثاني، المادة 4 (2).

[213]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدة 98.

[214]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدة 99. إن التجريد التعسفي من الحرية خرقٌ للحق في المعاملة الإنسانية بمقتضى المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف.

[215]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدة 103، تستشهد بأنظمة لهاي، المادة 50؛ اتفاقية جنيف الثالثة، المادة 87؛ اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 33.

[216]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدة 55، تستشهد باتفاقية جنيف الرابعة، المادة 23؛ وبالبروتوكول الأول، المادة 70 (2).

[217]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الإنساني الدولي العرفي"، القاعدة 56، تستشهد بالبروتوكول الأول، المادة 71 (3)؛ وبالبروتوكول الثاني، المادة 18 (2).

[218]"تاريخ مفوضية الأمم المتحدة الخاصة بجرائم الحرب وتطور قوانين الحرب"، (1943)، ص 179، ورد لدى رودني ديكسن، "الجرائم ضد الإنسانية"، في "شرحٌ لنظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية"، (من تحرير و. تريفترر)، 1999، ص 123.

[219]النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، 2187 U.N.T.S. 3، دخل حيز التنفيذ في 1 يوليو/تموز 2002.

[220]النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة 7.

[221]النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة 7 (1).

[222]انظر مثلاً، "النيابة العامة ضد ناليتيليتش ومارتينوفيتش"، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، غرفة المحاكمة، 31 مارس/آذار 2003، الفقرة 235: "يعتبر السكان الذين استهدفوا بالهجوم مدنيين إذا غلبت عليهم الصفة المدنية"؛ و"النيابة العامة ضد أكيسو"، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، غرفة المحاكمة، 2 سبتمبر/أيلول 1998، الفقرة 582: "عندما يوجد ضمن جماعة المدنيين بعض الأشخاص الذين لا ينطبق عليهم تعريف المدنيين، فليس من شأن ذلك أن يجرد السكان من صفتهم المدنية"؛ و"النيابة العامة ضد جيليسيتش"، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، غرفة المحاكمة، 14 ديسمبر/كانون الأول 1999، الفقرة 54: "لا يؤدي وجود بعض الأشخاص الذين لا يحققون تعريف المدنيين ضمن جماعةٍ من المدنيين أن يجرد تلك الجماعة من صفتها المدنية".

[223]انظر ناليتيليتش ومارتينوفيتش، الفقرة 235.

[224]يتعين أن يكون الهجوم واسعاً أو منهجياً، وليس الاثنين معاً. "النيابة العامة ضد تاديتش"، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، غرفة المحاكمة، الفقرة 646: "من المستقر تماماً الآن أن... الأفعال ... يمكن أن... تقع على نحوٍ واسع أو منهجي. ويكفي توفر أيٍّ من هاتين الصفتين لاستبعاد الطبيعة المعزولة أو العرضية للأفعال المرتكبة".

[225]عرّفت قضية أكيسو مفهوم الاتساع بأنه "فعلٌ جسيمٌ متكرر واسع النطاق نُفذ جماعياً وحمل قدراً كبيراً من الخطورة واستهدف كثرةً من الضحايا"، "النيابة العامة ضد أكيسو"، قرار الحكم، 2 سبتمبر/أيلول 1998، الفقرة 579؛ وانظر أيضاً، "كورديتش وكيركيز" المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، غرفة المحاكمة، 26 فبراير/شباط 2001، الفقرة 179؛ وأيضاً "كايشيما وروزيندانا"، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، غرفة المحاكمة، 21 مايو/أيار 1999، الفقرة 123.

[226]"تاديتش"، الفقرة 648. وفي قضايا كوناراتش ونوفاك وفوكوفيتش، قررت الغرفة الاستئنافية أن "وجود نموذج عام للجرائم هو التعبير المعتاد عن وقوع جريمة منهجية (أي التكرار غير العرضي للسلوك الجنائي عينه على نحوٍ منتظم)"، الفقرة 94.

[227]أكيسو، الفقرة 580.

[228]انظر "النيابة العامة ضد كوبرسكيك وآخرين"، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، قرار حكم، 14 يناير/كانون الثاني 2000، الفقرة 556.

[229]انظر "كوبرسكيتش وآخرون"، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، غرفة المحاكمة، 14 يناير/كانون الثاني 2000، الفقرة 556: "يعني الشرط أن عدم المسئولية عن الجرائم ضد الإنسانية يقابل بـ: 1) توفر النية في ارتكاب الجناية المعنية، بالتضافر مع (2) المعرفة بالإطار الأكثر اتساعاً التي تحدث تلك الجناية ضمنه". انظر أيضاً تاديتش، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، الغرفة الاستئنافية، الفقرة 271؛ و"كايشيما وروزيندانا"، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، غرفة المحاكمة، 21 مايو/أيار، 1999، الفقرتان 133 و 134.

[230]انظر "بلاسكيتش"، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، غرفة المحاكمة، 3 مارس/آذار 2000، الفقرة 257. يرد في قضية بلاسكيتش (الفقرتان 258 و259) تعداد العوامل التي يمكن الاستدلال بها على وجود معرفة بالسياق العام: "أ) الشروط التاريخية والسياسية التي تقع أحداث العنف ضمنها؛ ب) الوظائف التي يقوم بها المتهم وقت وقوع الجرائم؛ ت) مسئولياته ضمن التسلسل السياسي أو العسكري؛ ث) العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين التسلسلين العسكري والسياسي؛ ج) جسامة أو خطورة الأفعال المرتكبة؛ ح) طبيعة الجرائم المرتكبة ودرجة شيوع المعرفة بها".

[231]المادة 25 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.

[232]المادة 7 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.

[233]انظر مثلاً، "النيابة العامة ضد ديلاليتش وآخرين" (قضية سيليبيسي)، قضية رقم: IT-96-21-A، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، الغرفة الاستئنافية، 20 فبراير/شباط2001، الفقرة 195.

[234]نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية، المادة 28 (مسئولية القادة وغيرهم من المسئولين).

[235]"النيابة العامة ضد حاجي حسنوفيتش"، ("البوسنة الوسطى")، قضية رقم: IT-01-47-AR72، 16 يوليو/تموز 2003، الفقرات 29 31.

[236]"النيابة العامة ضد ديلاليتش وآخرين"، (قضية سيليبيسي)، قضية رقم: IT-96-21-A، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، الغرفة الاستئنافية، 20 فبراير/شباط 2001، الفقرات 249 268.

[237]"النيابة العامة ضد ديلاليتش وآخرين"، (قضية سيليبيسي)، قضية رقم: IT-96-21-A، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، الغرفة الاستئنافية، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1998، وهو ما أكد عليه قرار الاستئناف رقم IT-96-21-A، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، الغرفة الاستئنافية، 20 فبراير/شباط 2001. وانظر أيضاً المادة 28 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية:

فيما يتصل بعلاقة الرئيس والمرؤوس غير الوارد وصفها في الفقرة 1، يسائل الرئيس جنائياً عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب مرؤوسين يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين نتيجة لعدم ممارسة سيطرته على هؤلاء المرؤوسين ممارسة سليمة.

1-إذا كان الرئيس قد علم أو تجاهل عن وعي أي معلومات تبين بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو على وشك أن يرتكبوا هذه الجرائم.

2-إذا تعلقت الجرائم بأنشطة تندرج في إطار المسئولية والسيطرة الفعليتين للرئيس.

3-إذا لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.

[238]"النيابة العامة ضد هاليوفيتش"، قضية رقم: IT-01-48-T، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، يستشهد بقضية سيليبيسي، قضية رقم: IT-96-21-A، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، الغرفة الاستئنافية، 20 فبراير/شباط 2001، الفقرتان 193 و195.

[239]"النيابة العامة ضد ديلاليتش وآخرين"، (قضية سيليبيسي)، قضية رقم: IT-96-21-A، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، الغرفة الاستئنافية، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1998، الفقرتان 377 و378.

[240]المصدر السابق، الفقرة 386.

[241]المصدر السابق، الفقرة 232.

[242]المصدر السابق، الفقرة 238.

[243]"النيابة العامة ضد كورديتش وكيركيز"، قضية رقم: IT-95-14/2، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، 26 فبراير/شباط 2001، الفقرة 437.

[244]روجرز، "مسئولية القائد في قانون الحرب"، مركز لوترباخت للقانون الدولي، 1999، متوفر على الرابط: http://lcil.law.cam.ac.uk/lectures/lecture_papers.php..

[245]"النيابة العامة ضد هاليوفيتش"، قضية رقم: IT-01-48-T، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، الفقرة 73.

[246]"بلاسكيتش"، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، غرفة المحاكمة، 3 مارس/آذار 2000، الفقرة 336.

[247]انظر تقارير هيومن رايتس ووتش، وتقارير لجنة التحقيق الدولية الخاصة بدارفور المقدمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، على الرابط: http://www.un.org/News/dh/sudan/com_inq_darfur.pdf.

[248]"النيابة العامة ضد تاديتش"، ("بريجيدور")، قضية رقم: IT-94-1-A، المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، الغرفة الاستئنافية، 15 يوليو/تموز 1999، الفقرة 131.

[249]أقر مجلس الأمن ستة قرارات تتعلق بالسودان بين يوليو/تموز 2004 ومارس/آذار 2005. واثنان من هذه القرارات يتعلقان أساساً بمفاوضات السلام بين الشمال والجنوب وبقوة حفظ السلام الخاصة بتلك الاتفاقية (القرار 1574، نوفمبر/تشرين الثاني 2004؛ والقرار 1590، مارس/آذار 2005)، وهما يذكران دارفور عرضاً. أما القرارات الخاصة بدارفور فهي: القرار 1556، يوليو/تموز 2004؛ و1564، سبتمبر/أيلول 2004؛ و1591 و1593، مارس/آذار 2005.

[250]قرار مجلس الأمن 1556 (2004).

[251]قرار مجلس الأمن 1593 (2005).

[252]قرار مجلس الأمن 1591 (2005).