Christoph Wilcke

© 2008 Human Rights Watch

سطرت سيدتان سعوديتان تاريخاً أولمبياً جديداً في دورة لندن، إذ أصبحتا أول سيدتين سعوديتين تتنافسان في الألعاب الأولمبية. لكن داخل المملكة، تحظر وزارة الرياضة عملاً ممارسة الرياضة على الفتيات والسيدات. رفضت الحكومة الموافقة على مسابقة رياضية رمضانية نسائية من تنظيم أفراد، رغم أن المُنظمات قُلن إن السيدات المشاركات سيرتدين ثياباً ملتزمة، وسوف يحصلن على موافقة أولي أمرهن أولاً، وأنهن لن يختلطن بالرجال، وهي الشروط التي فرضتها اللجنة الأولمبية السعودية على المشاركات في الأولمبياد.

وفي الوقت نفسه، هناك معركة أخرى متعلقة بحقوق المرأة لا تجذب الكثير من الاهتمام الدولي، وهي النضال من أجل وصول السيدات إلى سوق العمل؛ الأمر الذي يقاومه بشراسة الاتجاه المحافظ دينياً في المملكة. بصدور أربعة قرارات جديدة لوزارة العمل في يوليو/تموز، بدأ عدد الوظائف المتاحة للسيدات يزيد بشكل بطيء، على الأقل نظرياً. لكن هذه القرارات منحت المحافظين انتصاراً إذ أكدت على الفصل الصارم بين الرجال والنساء في أماكن العمل، والذي تم تخفيفه قليلاً في عام 2005.

تتلخص الرؤية السعودية للمساواة بين الجنسين في الإسلام في: "مختلفون لكن ليسوا متساوون". يُعتبر الرجال والنساء متساوون في مجموع حقوقهم وواجباتهم، لكن طبقاً لدراسة للدكتور ربيع المدخلي صدرت في عام 2003، فإن الله قد أعطى كلاً من الرجل والمرأة حقوق وواجبات مختلفة، فالرجال حقوقهم وواجباتهم جاءت بما "يلائم رجولتهم وقواهم وعقولهم واستعدادهم لمواجهة الأخطار" وللنساء "ما يلائم أنوثتهن وضعفهن ونقصهن عن الرجال في العقل والقوة وضعفهن في الاستعداد لمواجهة الأخطار والمشاق". بينما على الرجال واجب الإنفاق على النساء، فعلى النساء بدورهن طاعة أولي أمرهن ورعاية البيت والأطفال.

المرأة العاملة صاحبة دخلها القادرة على الإنفاق على نفسها تتحدى هذا الفهم للعلاقات بين الرجل والمرأة. في أواخر التسعينيات، قال مجلس كبار العلماء، أعلى سلطة دينية في السعودية، إن مكان المرأة هو البيت، وأن عليها ألا تخرج من البيت إلا للضرورة.

تغيرت بعض الأمور منذ ذلك الحين. أصبح مسموحاً للنساء بامتلاك وإدارة أعمال، وقد نجحن في الخروج من شرنقة ممارسة العمل عبر وكيل قانوني رجل، والذي تطلبه الهيئات الحكومية ليتولى جميع التعاملات الرسمية الخاصة بشركات خاصة بسيدات. تم انتخاب وتعيين سيدات في الغرفة التجارية في جدة وفي الدمام. ومنذ عام 2008 لم تعد السيدات بحاجة لولي أمر حتى يقمن وحدهن كنزيلات في الفنادق.

منذ بداية عهد الملك عبد الله في عام 2005، قام بدفع وزارات العمل المتعاقبة لأن تُدخل المرأة إلى مجالات العمل، بقدر محدود من النجاح. أكثر من 60 في المائة من طلبة المملكة الجامعيين من السيدات، ومنذ عام 2006 بدأت بعض الجامعات تسمح بدراسة السيدات للقانون. إلا أنه لم يبدأ بعد تنفيذ الخطة المقترحة في عام 2009 القاضية بالسماح للسيدات بممارسة المحاماة.

زادت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل بنسبة ثلاثة أضعافها، لتصل إلى نحو 15 في المائة، على مدار العشرين عاماً الماضية، لكن ما زالت من بين أقل نسب عمل المرأة في المنطقة. بينما أغلب السيدات السعوديات العاملات يشغلن مناصب في التدريس والطب، فإن المعركة من أجل زيادة قوة عمل المرأة قد بدأت في واقع الأمر بالعمل بمجال بيع ملابس النساء التحتية. عارض المحافظون خطة الملك باستبدال باعة وموظفي متاجر ملابس النساء التحتية بسيدات سعوديات. لكن في يوليو/تموز 2011، أصدر وزير العمل عادل الفقيه قراراً يطالب متاجر ملابس النساء التحتية بأن تعمل فيها سيدات سعوديات فقط.

بموجب القرار لا يمكن للمتاجر إلا أن تخدم السيدات أو العائلات. إذا كان المتجر للسيدات فقط، فلابد من تغطية واجهاته، وإن كان يخدم العائلات، فلابد أن يكون مفتوحاً.

هذا القرار، وقرار آخر صدر في نفس التوقيت ينظم عمل السيدات في المصانع، يحتوي على جملة تبدو في ظاهرها أليفة لكنها في واقع الأمر ثورية: "لا يتطلب توظيف النساء في هذه المحلات الحصول على تصريح من وزارة العمل أو أي جهة أخرى". قال مسؤولون بوزارة العمل للإعلام في مايو/أيار إن هذا يعني أنه لم يعد مطلوباً من السيدات الحصول على موافقة على عملهن.

بموجب نظام ولاية الأمر للرجال على النساء في السعودية، يصبح للزوج أو الأب أو الأخ أو حتى الابن الصغير، سلطة على قريبته بغض النظر عن سنها، ويوافق أو يرفض سفرها وعملها وزواجها وتعاملاتها مع الحكومة والرعاية الصحية التي تحصل عليها.

مبرر المحافظين في الهجوم على هذه الإجراءات التحريرية لم يكن الحفاظ على سلطة ولي الأمر، بل منع اختلاط الجنسين. حذر رجل الدين المحافظ البارز، محمد العريفي، من أنه يجب ألا تعمل السيدات في أماكن عمل حيث يمكن فيها أن يختلطن بالرجال، وأحياناً تعتبر هذه جريمة في السعودية، حيث الفصل الجنسي الصارم ما زال مطبق في أغلب الأماكن.

بدأت بعض المتاجر الكبرى، مثل سلسلة متاجر باندا، في توظيف عاملات كاشير، ثم أُجبروا على إنهاء عملهن بضغوط من رجال الدين المحافظين. وقد انضمت الآن هيئة حكومية إلى معارضة عمل المرأة. قرار يوليو/تموز 2011 يعطي وزارة العمل الحق في نظر جميع الأمور المتعلقة بتوظيف السيات. لكن لجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذات السلطات البوليسية، استدعت في يونيو/حزيران 2012 مدير سوبرماركت في مكة لتوبيخه على تشغيله لعاملات كاشير. سرعان ما قام المدير بفصل السيدات من العمل، وكُن قد عملن لمدة أقل من شهر.

وفي مايو/أيار ألغى ديوان المظالم – المحكمة الإدارية السعودية – قرار يطالب متاجر الملابس التحتية النسائية بعمل السيدات فيها، بدعوى أن خدمة الزبائن من الرجال والنساء على السواء خرق لقواعد الشريعة الخاصة بالفصل بين الجنسين.

رداً على ذلك، أصدرت وزارة العمل في 18 يوليو/تموز أربعة قرارات جديدة، هي جزئياً لـ "تقويم بعض الأخطاء" في تطبيق القرارات الصادرة من قبل التي نُظر إليها على أنها قد تؤدي إلى الاختلاط بين الجنسين. هذه القرارات الجديدة المنطبقة على السيدات العاملات في متاجر الملابس والملاهي وفي صناعة تحضير الأغذية وكموظفات كاشير، توضح بتفصيل أكبر التزامات أصحاب العمل بمنع "اختلاط" الجنسين و"تحظر عزلة الجنسين" في إشارة إلى تواجد سيدات ورجال في حجرات مغلقة. نصت القرارات على أن على السيدات أن تكون لهن مساحات عمل منعزلة وحجرات راحة منعزلة، وألا يختلطن بالرجال، ما لم يكن الرجال من أقاربهن. إذا كان صاحب العمل يوظف رجالاً أيضاً، فلابد ألا يقل عدد العاملات عن ثلاث.

التغيير في نظام (قانون) العمل في عام 2005 ألغى الفصل الجنسي الصارم، وطالب بشكل فضفاض بـ "الالتزام بالشريعة الإسلامية" مما ترك بعض المجال لتفسير طبيعة بيئة عمل المرأة. قرارات عام 2012 تعد خطوة إلى الخلف، من حيث أنها تحدد تفصيلاً وتعزز الفصل الجنسي في أماكن العمل. إلا أن هذا الانتصار للمحافظين حدثت مقابله زيادة في الوظائف التي أصبحت متاحة للسيدات.

إنها خطوات صغيرة لكنها خطوات هامة. بطالة المرأة تعد أربعة أضعاف بطالة الرجل، طبقاً لإحصاءات حكومية سعودية. هناك نحو 80 في المائة من السيدات العاطلات عن العمل، من خريجات الجامعات، حسب دراسة صدرت عام 2010 عن "بوز آند كومباني"، وهي شركة استشارية دولية. إن القيادة السعودية تتخذ خطوات تجريبية صغيرة، على استحياء، لكن قائمة الوظائف الممنوعة على المرأة، من التعدين إلى الإنشاءات إلى العمل بالمنتجات الجلدية أو الكهربائية أو في ورش تصليح السيارات، ما زالت قائمة طويلة.

إلا أنه حتى مع وجود المعوقات الحكومية والدينية والمجتمعية، يزيد تجرؤ السيدات مع الوقت على السعي لعمل حقيقي، وهو الأمر الذي سيواجه معارضة لا محالة، وربما يقوض في نهاية المطاف من الشعار السعودي "مختلفون لكن متساوون".

كريستوف ويلكى: باحث أول بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش.