(نيويورك) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن القرارات التي أصدرها المجلس العسكري الحاكم في مصر ووزارة العدل على مدار الأيام الأخيرة تقلل من إشراف المدنيين على أعمال العسكريين، مما يهيئ الأجواء لوقوع المزيد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

أصدرت وزارة العدل في 4 يونيو/حزيران 2012 قراراً يمكن الجيش من القبض على المدنيين. وفي 17 يونيو/حزيران أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يحكم مصر إعلاناً دستورياً جديداً ينص على توسيع دور العسكريين في إنفاذ القانون في أوساط المدنيين، بما في ذلك استمرار محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. وصدر قرار في 18 يونيو/حزيران يعيد مجلس الدفاع الوطني إلى العمل ، مما أعطى للعسكريين دوراً أوسع في صناعة القرار فيما يخص قرارات الشؤون الداخلية وقضايا الأمن القومي، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "توسيع الجنرالات الدؤوب لسلطاتهم في احتجاز ومحاكمة المدنيين يتجاوز كثيراً سلطتهم في ظل حكم مبارك. هذه القرارات الأخيرة هي أحدث مؤشر على أنه لن يكون هنالك تسليم فعال للسلطة إلى الحُكم المدني في 30 يونيو/حزيران".

قالت هيومن رايتس ووتش إن اتساع مدى السلطة العسكرية فيما يخص إنفاذ القانون مدعاة لاستمرار العسكريين غير الخاضعين للمحاسبة في الانتهاكات. انتهاكات العسكريين على مدار العام ونصف العام الماضي – وشملت تعذيب المتظاهرين رهن الاحتجاز والاستخدام المفرط للقوة المميتة في تفريق المظاهرات – مرت دون عقاب لأن النيابة المدنية ليس لها اختصاص التحقيق في الشكاوى ضد العسكريين. وقالت هيومن رايتس ووتش إن هذا يؤدي إلى عدم تعويض وإنصاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، ويمثل خرقاً للقانون الدولي.

قرار وزارة العدل
في 13 يونيو/حزيران نشرت الجريدة الرسمية المصرية القرار رقم 4991 الذي أصدره وزير العدل في 4 يونيو/حزيران، بعد أربعة أيام من انتهاء حالة الطوارئ القائمة في مصر منذ زمن طويل.

ورد في القرار:

مع عدم الإخلال بالاختصاصات المنصوص عليها في قانون القضاء العسكري الصادر بالقانون رقم 25 لسنة 1966 يخول لضباط وضباط صف المخابرات الحربية وضباط صف الشرطة العسكرية الذين يمنحون سلطة الضبط القضائي من وزير الدفاع أو من يفوضه صفة مأموري الضبط القضائي في الجرائم التي تقع من غير العسكريين.

ورد في القرار أنه ينطبق على الجرائم المنصوص عليها في الأبواب 1 و2 و2 مكرر و7 و12 و13 من قانون العقوبات. وتشمل هذا الجرائم المنصوص عليها مثلاً في المادة 102 مكرر ("إذاعة معلومات كاذبة إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام") والمادة 98 (ج) (تشغيل جمعية من غير ترخيص)، والمادة 133 (إهانة موظف عمومي). والمادة 184 (إهانة الجيش أو البرلمان).

في 14 يونيو/حزيران ظهر اللواء ممدوح شاهين – عضو المجلس العسكري المسؤول عن الشؤون القانونية – على الهواء مباشرة على برنامج "القاهرة اليوم" التلفزيوني قائلاً إن القرار "من أجل المصلحة العامة... حتى نتمكن من تنظيم الأمور وجلب الأمن إلى الشارع. مصلحة البلاد تتطلب وجود القوات المسلحة في الشارع لحماية البلد بما أن الشرطة ما زالت غير قادرة على العمل بشكل كامل".

تقدم محامون ومنظمات حقوقية بخمسة طعون على الأقل إلى مجلس الدولة، أعلى محكمة إدارية في مصر، بأن وزير العدل تجاوز سلطاته بإصداره هذا القرار. وعقد القاضي المكلف بالقضية الجلسة الأولى في 19 يونيو/حزيرانوتم تأجيل القضية إلى 26 يونيو/حزيران.

وقال جو ستورك: "هذا القرار الذي يخول للجيش اعتقال المدنيين يبدو أنه محاولة لزرع سلطات استثنائية شبيهة بالطوارئ في القانون العادي". وتابع: "النتيجة على الأرجح هي استمرار ممارسات إنفاذ القانون المسيئة".

عدم وجود إشراف مدني وغياب المحاسبة للجيش أثناء العمل الشرطي
القرار 4991 مقلق للغاية خاصة على ضوء أن الجيش المصري يعتبر اعتقاله للمدنيين شرط كافٍ لاختصاص القضاء العسكري بمحاكمة هؤلاء المدنيين المقبوض عليهم. القانون الدولي لحقوق الإنسان المنطبق على مصر يحظر محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. كما أن تورط الجيش في إنفاذ القانون اتسم بانتهاكات موسعة وجسيمة لحقوق الإنسان على مدار فترة العام ونصف العام الماضية، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

وثقت هيومن رايتس ووتش العشرات من حالات التعذيب على يد الجيش أثناء الاعتقالات والاحتجاز، وأخرها في العباسية في شهر مايو/أيار الماضي، وقبل ذلك، أعمال الضرب الغاشم لمتظاهرين ومتظاهرات في ديسمبر/كانون الأول 2011. في 9 مارس/آذار 2011 عرض ضباط عسكريون متظاهرات رهن الاحتجاز لكشوف عذرية. وفي أكتوبر/تشرين الأول وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام الجيش المفرط للقوة أثناء التعامل مع المظاهرات، وكذلك ما يبدو أنه عمليات قتل خارج نطاق القضاء لمتظاهرين عند ماسبيرو، مبنى الإذاعة والتلفزيون الحكومي وسط مدينة القاهرة.

كما ينص القرار 4991 على أن الباب الثاني من قانون الإجراءات الجنائية يسري على مأموري الضبط القضائي من العسكريين. المادة 23 من الباب الثاني المذكور تنص على أن مأموري الضبط القضائي (مسؤولي إنفاذ القانون) يخضعون لإشراف النائب العام، الذي له أن يأمر بإجراء تحقيقات في حال وقوع انتهاكات أو مخالفات من جانبهم.

إلا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يقول إن النائب العام ليس له إشراف على العسكريين وأن النيابة العسكرية وحدها هي القادرة على فتح تحقيق في أية انتهاكات من جانبهم. وكما انعكس في التعديلات الأخيرة في قانون الأحكام العسكرية، الصادرة في 6 مايو/أيار من خلال البرلمان، ومن خلال المناقشات في البرلمان مع اللواء شاهين التي سبقت قرار البرلمان، فقد رفض الجيش السماح للنيابة المدنية بتحديد متى يكون للمحاكم العسكرية الاختصاص، وأصر على أن النيابة العسكرية وحدها هي المختصة بهذا الأمر.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن غياب أي إشراف مدني على انشغال الجيش بإنفاذ القانون وحقيقة أن النيابة المدنية لا يمكنها التحقيق في انتهاكات العسكريين، قد أدت بالفعل إلى مناخ من الإفلات من العقاب، مما يشجع على وقوع المزيد من هذه الانتهاكات.

تطورات تشريعية توسع من دور الجيش
"الإعلان الدستوري المُكمِل" الذي أصدره المجلس العسكري الحاكم في 17 يونيو/حزيران، يوسع كثيراً من سلطات الجيش في إنفاذ القانون. ورد في المادة 53 مكرر (2) منه أن:

يجوز لرئيس الجمهورية في حالة حدوث اضطرابات داخل البلاد، تستوجب تدخل القوات المسلحة، وبعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، إصدار قرار باشتراك القوات المسلحة في مهام حفظ الأمن، وحماية المنشآت الحيوية بالدولة، ويبين القانون سلطات القوات المسلحة، ومهامها وحالات استخدام القوة، والقبض والاحتجاز والاختصاص القضائي وحالات انتفاء المسئولية.

كثيراً ما اعتبر المجلس العسكري المظاهرات السلمية التي تنتقد سياساته تهديداً للأمن الداخلي.

في 18 يونيو/حزيران نشرت الجريدة الرسمية قراراً عسكرياً لم يسبق الإعلان عنه بشأن إعادة مجلس الدفاع الوطني إلى العمل بولايته غير الواضحة الخاصة بـ "قضايا الأمن القومي". بموجب القرار فإن المجلس يتشكل من 11 عسكرياً و6 مدنيين، ولا تتخذ قراراته إلا بالأغلبية المطلقة، مما يعطي العسكريين سيطرة على عملية صناعة القرارات الخاصة بالأمن، وهو ما يقلل أكثر من إشراف المدنيين.

وفي الإعلان الدستوري المكمل الصادر في 17 يونيو/حزيران – الذي صدر بعد ثلاثة أيام من إعلان المجلس العسكري حل البرلمان المنتخب، منح الجيش نفسه حق السلطة التشريعية إلى أن يتم انتخاب برلمان جديد. منذ حصل المجلس العسكري على السلطة التشريعية في 13 فبراير/شباط 2011، أصدر عدداً من القرارات التي تنتهك التزامات مصر بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وفي أبريل/نيسان 2011 أصدر المجلس العسكري القانون رقم 34 لسنة 2011، الذي يجرم فعلياً الحق في الإضراب. وفي سبتمبر/أيلول 2011 وسع المجلس العسكري من مجال تطبيق قانون الطوارئ ليشمل للمرة الأولى تهمة تحد من حرية التعبير، وهي "نشر معلومات كاذبة".

يقول المجلس العسكري بأن قانون الأحكام العسكرية قانون سليم واستخدمه المجلس في تبرير محاكمة 12 ألف مدنياً على الأقل أمام المحاكم العسكرية منذ وصل إلى السلطة في فبراير/شباط 2011. وقالت هيومن رايتس ووتش إنه من الواضح أن المجلس العسكري يعتمد على هذا القانون في حماية امتياز محاكمة المدنيين أمام هذه المحاكم العسكرية.