ماذا يجب على أوروبا أن تفعل حيال بناء إسرائيل للمستوطنات وتدميرها لمنازل الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية؟ حين يناقش مجلس العلاقات الخارجية هذه القضية يوم الاثنين (الموافق 14 مايو/أيار) فإن أولويته ينبغي أن تكون العمل على أن يستبدل استراتيجيةً قائمة على مباديء واضحة بتوجهه المهلهل الحالي.

تقدم أوروبا ملايين اليوروهات من المساعدات الإنسانية للفلسطينيين المتضررين من سياسة الاستيطان الإسرائيلية، بيد أن تلك السياسات نفسها تعوق جهود المعونة: فقد دمر الجيش الإسرائيلي مشروعاتٍ أوروبية التمويل، كما أنه يفرض قيوداً تخطيطية اضطرت المانحين الأوروبيين لأن تقتصر جهودهم على مساعدة الفلسطينيين المطرودين من بيوتهم.

ثم أن أوروبا، في الوقت ذاته، تسمح لبعض المنتجات المصنوعة في المستوطنات غير المشروعة بأن تدخل إلى أسواقها دون تعريفة جمركية.

تحظر قوانين الاتحاد الأوروبي هذه المعاملة التفضيلية للسلع المنتجة بالمخالفة للقوانين الدولية، لكن أوروبا تسمح لإسرائيل بتعبئة السلع المنتجة في المستوطنات غير المشروعة مع سلع من داخل إسرائيل، وشحن المجموع إلى الأسواق الأوروبية دون رسوم جمركية. وإسرائيل، بدلا من ذكر المنشأ الفعلي لكل منتجاتها بوضوح، تقدم الرموز البريدية لمناطق المنشأ فقط، وتترك مهمة اكتشاف منتجات المستوطنات للمستورد. ومع ذلك فإن بعض منتجات المستوطنات تحمل رموزاً بريدية مضللة لمقار الشركات الرئيسية داخل إسرائيل.

كما أن أوروبا لم تفرض بشكل كاف قوانين حماية المستهلك، المقصود بها ضمان قدرة الناس على القيام باختيارات مبنية على العلم بما يشترون، فيما يتعلق بالمعلومات المكتوبة على منتجات المستوطنات في أسواقها.

ينبغي لأوروبا أيضا أن تصر على التزام إسرائيل بالقانون الدولي الإنساني فيما يخص المعونات الإنسانية والتنموية للفلسطينيين؛ فالقانون يلزم إسرائيل بتسهيل وصول المعونة لسكان المناطق المحتلة، وليس إعاقته.

فوضى التصاريح

حاول المانحون الأوروبيون العمل ضمن حدود نظام "التخطيط" العسكري المعمول به في ذلك الجزء من الضفة الغربية الخاضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، بهدف توفير المعونة للفلسطينيين. والجيش الإسرائيلي يطلب تصاريحاً لكل عملية بناء أو إعادة بناء، غير أن السلطات العسكرية تنظر في طلبات التصاريح ببطء مفرط، وقد رفضت 94 % من طلبات التصاريح الفلسطينية منذ عام 2000 وحتى 2007.

وأي بناء بدون تصريح معرض لخطر الهدم؛ إذ هدم الجيش الإسرائيلي مئات المنازل الفلسطينية في عام 2011، فشرد 1100 شخص، كان 60% منهم يعيشون بالقرب من مستوطنات، كما اكتشفت الأمم المتحدة. قامت إسرائيل أيضا بتدمير 89 مرفقاً، ما بين مراحيض عموميةً وخزانات مياه وآبار يحتاج إليها الفلسطينيون، لأن إسرائيل رفضت ربط تجمعاتهم السكنية المحلية بشبكات المياه والصرف الصحي. وكان عددٌ يتجاوز 25% من المباني المهدومة قد تلقى تمويلا دوليا، وكانت الدول الأوروبية أبرز المانحين، وفق تقرير الأمم المتحدة. وما زالت أعمال الهدم تتزايد.

قال أحد المسؤولين الأوروبيين مؤخراً في القدس: "لا ينبغي أن تكون المساعدة الإنسانية [لبناء الملاجيء وغيرها من المباني] لأناس في ظروف عصيبة بتصريح"وأضاف: "لكن إذا لم نحصل على التصاريح فإن الجيش يصدر أوامر الهدم. ولا ينفذ الجيش أوامر الهدم على الفور، بل يبقيها مجمدة. لكننا لا نعرف أبدا متى يذيب عنها الجليد. ونكتشف فجأة أن مشروعاً جديداً قد تعرض للدمار".

في إحدى الحالات أصدر المسؤولون العسكريون أمرا بهدم ألواح شمسية بتمويل ألماني جنوبيّ الضفة العربية، ولم يدمروا المشروع، بل هدموا منزل إحدى العائلات الفلسطينية التي يفترض أن تستفيد من الألواح الشمسية، وهدموا حظيرة حيواناتها فسحقوا عنزاتها.

سياسة البناء

أما السياسات الإسرائيلية تجاه البناء في مناطق الضفة الغربية الخاضعة لسيطرتها المنفردة فهي أيضا شديدة التمييز. في مقابل التقييد شبه التام للبناء الفلسطيني، زادت المشروعات الإسكانية داخل المستوطنات بمقدار 20% في عام 2011، كما صرحت الحكومة الإسرائيلية بأثر رجعي لثلاثة مراكز استيطانية "خارجية" كانت تعتبر غير مشروعة حتى في ظل القوانين الإسرائيلية.

لقد صرح مانحون أوروبيون وغير أوروبيين بأن الهدم الإسرائيلي يجعلهم يترددون في تدشين مشروعات تنموية فلسطينية مكلٍّفة بدون التصاريح المطلوبة. لكن عددا من المشروعات أوروبية التمويل اضطرت لانتظار الموافقة الإسرائيلية بالسنوات. بين 1995 و2011 لم ينل الموافقة الإسرائيلية سوى 4 من أصل 30 مشروعا لمعالجة مياه الصرف قدمها فلسطينيون، وفق الأمم المتحدة.

نتيجة لهذا اضطرت أوروبا مراراً لتقديم الإغاثة العاجلة للفلسطينيين بدلا من التنمية طويلة الأجل، وكثيرا ما يكون هذا في مجتمعات محلية دمر الجيش الإسرائيلي بنيتها التحتية، بل إن إسرائيل تهدم حتى مشروعات الإغاثة العاجلة.

ومع ذلك فإن أوروبا لم تعترض منهجياً على نظام التخطيط المسؤول عن هذه المشاكل. إن على المانحين الأوروبيين الاحتجاج بحزم على هدم مشروعاتهم الإنسانية، وهو – الهدم – الفعل الذي ينتهك التزامات إسرائيل القانونية الدولية بصفتها قوة احتلال.

ولعله مما لا يحتاج إلى دليل أن على أوروبا ألا تؤيد أو تمتثل لسياسات تخرق القانون الدولي. ورغم هذا يقول الدبلوماسيون إن بعض الحكومات ـ وهولندا بالأخص ـ دأبت على على طول الخط، على عرقلة التغييرات المطلوبة في سياسات التعريفات الجمركية ومعلومات المنتجات والمساعدات الإنسانية والتنموية، قائلين إن هذه التغييرات ستبدو تصادمية.

حين يجتمع مجلس العلاقات الخارجية في المرة القادمة، فإن على الساسة الأوروبيين أن يوضحوا استعدادهم لمواجهة انتهاكات القانون الدولي، وأن يعالجوا الثغرات التي تتجاهل الانتهاكات أو تمنحها الشرعية.

*بيل فان إسفلد: باحث أول في قسم  الشرق الأوسط  في هيومن رايتس ووتش، ويعمل بالقدس.