تعبر هيومن رايتس ووتش عن انشغالها العميق بالنتائج السلبية التي قد تحصل في مجال حقوق الإنسان كنتيجة لاعتماد مشروع النظام الجزائي لجرائم الإرهاب وتمويله (مسودة قانون مكافحة الإرهاب). وفي حال المصادقة على مسودة القانون، فان الأسباب التي من شأنها أن تمثل خطرا على حماية حقوق الإنسان تتلخص في النقاط التالية: إشكاليات تعريف الإرهاب، التضييق الكبير الذي سوف يطرأ على الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات ، الصلاحيات المبالغ فيها الممنوحة للشرطة والنيابة العامة، انتهاكاللحق في الخصوصية، والحد من استقلالية المحاكم والحق في المحاكمة العادلة.

وإذ تعبر هيومن رايتس ووتش عن قناعتها بأن هذه الأسباب قد تشكل خطرا على الحريات الأساسية لجميع المواطنين السعوديين، فإنها تدعو إلى اعتماد قانون جديد لمجابهة الأعمال ذات الطابع الإرهابي.

1 . تعريفات مبهمة وفضفاضة لمفاهيم الإرهاب والأعمال الإرهابية

المادة الأولى من مسودة القانون تعرف الجريمة الإرهابية كما يلي:

"كل وصف إجرامي منصوص عليه في هذا النظام، وكل ما يصدر من الجاني من قول أو فعل تنفيذًا لمشروع فردي أو جماعي يُقصد به الإخلال بالنظام العام للدولة، أو زعزعة أمن المجتمع أو استقرار الدولة أو تعريض وحدتها الوطنية للخطر، أو تعطيل النظام الأساسي للحكم أو بعض مواده، أو الإساءة إلى سمعة الدولة أو مكانتها، أو إلحاق الضرر بأحد مرافقها ومواردها الطبيعية، أو التهديد بتنفيذ أعمال تؤدي إلى المقاصد المذكورة".

"ويدخل في مدلول الجريمة الإرهابية تكفير الدولة واتخاذ أسلوب التكفير المؤدي إلى ارتكاب جريمة إرهابية أو التحريض عليها، وكل ما من شأنه إيجاد الأسس الفكرية والعقدية لتبرير الجرائم أو الدعاية لتلك الأفكار أو التحريض عليها أو نشر المواد والمعلومات التحريضية أو المؤدية إلى تنفيذ النشاط الإرهابي".

وتواصل نفس المادة في تعريف جريمة تمويل الإرهاب كما يلي:

"كل فعل يتضمن جمع أموال أو تقديمها أو أخذها أو تخصيصها أو نقلها أو تحويلها أو عائداتها لأي نشاط إرهابي فردي أو جماعي منظم أو غير منظم في الداخل أو في الخارج ـ سواء أكان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، من مصدر مشروع أو غير مشروع ـ أو القيام لمصلحة هذا النشاط أو عناصره بأي عملية بنكية أو مصرفية أو مالية أو تجارية، أو التحصل مباشرة أو بالوساطة على أموال لاستغلالها لمصلحته، أو للدعوة والترويج لمبادئه أو تدبير أماكن للتدريب أو الإيواء لعناصره، أو تزويدهم بأي نوع من الأسلحة أو المستندات المزورة أو أي وسيلة مساعدة أخرى من وسائل الدعم والتمويل، مع العلم بذلك".

هذا التعريف يبتعد كثيرا عن العناصر المكونة للجرائم الإرهابية والمعترف بها دوليا والتي ترى في الجريمة الإرهابية أي عمل يسعى إلى أو يعتمد على: استعمال رهائن عمداً أو القيام بعمليات قتل أو إصابات بدنية بليغة بشكل متعمد أو الاستعمال القاتل للقوة أو العنف البدني ضد شخص أو مجموعة أشخاص بقصد خلق حالة من الرعب لدى عامة الناس أو إرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام أو الامتناع عن القيام بشيء ما. إضافة إلى ذلك، يجب أن تكون هذه الأعمال معرّفة في القانون المحلي على أنها جرائم خطيرة بجميع عناصرها.[1]

وعملا بمسودة قانون مكافحة الإرهاب، فان هذه الشروط الأكثر صرامة تنسحب فقط على الأشخاص الموجودين خارج حدود البلد والذين يرتكبون أعمالا إرهابية في أماكن أخرى. وتُعطى صفة "إرهابي" لأي عمل يقع خارج حدود المملكة فقط عندما يكون يهدف إلى:

أ. تغيير نظام الحكم في المملكة؛ ب. تعطيل النظام الأساسي للحكم أو بعض مواده؛ ج. حمل الدولة على القيام بعمل أو الامتناع عنه؛ د. الإضرار بالأملاك العامة للدولة في الخارج...؛ هـ. القيام بعمل على متن وسيلة نقل مسجلة لدى المملكة أو تحمل علمها؛ و. المساس بمصالح المملكة أو اقتصادها أو أمنها الوطني أو الاجتماعي.

وتعتبر بعض العناصر المعتمدة في تعريف الجريمة الإرهابية وتمويلها غامضة جدا مثل "الإخلال بالنظام العام"، "زعزعة أمن المجتمع أو استقرار الدولة"،  و"المساس بمصالح المملكة."

وعملًا بقوانين حقوق الإنسان الدولية، فان "حماية النظام العام" هو الأمر الوحيد المعترف به والذي من شأنه أنيسمح أنيحد من بعض الحقوق. وتنص مبادئ سيراكوسا التي صاغها خبراء في القانون الدولي سنة 1984 على التوجيهات التي يجب إتباعها لوضع قيود معينة على بعض الحقوق المدنية والسياسية. وتعرف هذه الوثيقة "النظام العام" بمجموع القواعد التي تضمن سير المجتمع أو المبادئ التي يقوم عليها.[2] أما الممارسات التي تأتيها الدولة والتي من خلالها تنتهك حقوق الإنسان من قبيل منع السعودية مواطنيها من حقهم في المشاركة في الشؤون العامة وحرية المعتقد وحرية التجمع وكذلك القيود المشددة التي تفرضها على الحقوق الأساسية الأخرى، مثل حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير والممارسات الحكومية والمجتمعية الممنهجة والمتعلقة بالتمييز ضد المرأة، فإنها لا يمكن أن تعتبر بأي حال من الأحوال فهما موضوعيا "للنظام العام."

وخلافا للتعريفات الدولية، فإن تعريف الإرهاب في مسودة قانون مكافحة الإرهاب لا تشير إلى استعمال العنف الذي يؤدي إلى القتل أو الضرر البدني البليغ ضد عامة الأشخاص أو الأفراد، كما أن التعريف الاضيق للأعمال المرتكبة خارج البلاد لا ينص على أن العمل الإرهابي يجب أن يعتمد على وسائل عنف.

وتزيد التعابير الفضفاضة المعتمدة في نص المسودة من الشكوك المتعلقة بمراعاة حقوق إجراءات التقاضي السليمة، فالمادة 48 تنص على أن توجه نصف العقوبة الخاصة بعمل إرهابي إلى "كل من علم بمشروع لارتكاب جريمة إرهابية أو تمويلها ولم يبلغ السلطات المختصة مع تمكنه من الإبلاغ." فإذا كانت إحدى الجرائم ترمي إلى الاختطاف أو القتل أو التهديم أو التفجير أو تهريب الأسلحة والمتفجرات، فإن العقوبة التي تنتظر من فشل في الإبلاغ هي ذاتها التي تنتظر مرتكب الجريمة. أما المادة 69 فإنها تلزم الأولياء بتبليغ السلطات المعنية عن "تغيب أولادهم" في غضون 72 ساعة دون فرض عقوبة على من يفشل في القيام بذلك.

كما تتضمن مسودة قانون مكافحة الإرهاب أعمالا أخرى لا صلة لها بالأعمال الإرهابية، فالمادة 29 على سبيل المثال تجرّم كل من "وصف الملك ـ أو ولي العهد ـ بالكفر أو شكك في نزاهته أو قدح في أمانته أو نقض البيعة أو حرض على ذلك". كما تجرّم المادة 54 "الموافقة على القيام بعملية انتحارية" بغض النظر على إذا ما كانت العملية تستهدف المدنيين أو تلحق الضرر بهم دون تمييز أو تمثل عملا إرهابيا.

2. تضييقات غير مبررة على حرية التعبير والتجمع وحرية تكوين الجمعيات

إن التعريف الفضفاض لمفهوم الإرهاب قد ينجر عنه تضييقا على الحق في حرية التعبير وبعض الحقوق الأساسية الأخرى التي لا علاقة لها بالأعمال الإرهابية. وتوجد هذه الحقوق في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما تمت ترجمتها لمواجهة مشكلة الإرهاب.[3]

ويضع قانون حقوق الإنسان الدولي قيودًا على حرية التعبير في الحالات التي تكون الآراء التي يتم التعبير عنها مقصودها التحريض على العنف ويُرجح أن تؤدي إليه[4]. وحدد مارتن شاينين، المقرر الخاص السابق لدى الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان والإرهاب، الحالات التي يمكن فيها الحد من الحق في حرية التعبير عند مجابهة الإرهاب بكل كلام من شأنه أن يتسبب في حصول خطر موضوعي بوقوع عمل عنيف بغض النظر عما إذا كان الكلام يدعو صراحة إلى ارتكاب عمل إرهابي. ويضيف مارتن شاينين أن وجود "خطر موضوعي" يشمل "وضعية استعمال رسائل مشفرة لكن لا يقلل هذا من أهمية استيفاء مطلب إثبات وجود النية للتحريض وكذلك وجود خطر منظور لوقوع عمل إرهابي".[5]

وتوجد العديد من البنود الأخرى في القانون تقيد بلا لزوم من عناصر حرية التعبير كما وردت في القانون الدولي، إضافة إلى أن التعريف الفضفاض لمفهوم الإرهاب الوارد في المادة الأولى ينتهك الحق في حرية التعبير من خلال منع: 

الإساءة إلى سمعة الدولة أو مكانتها... تكفير الدولة واتخاذ أسلوب التكفير المؤدي إلى ارتكاب جريمة إرهابية ...، وكل ما من شأنه إيجاد الأسس الفكرية والعقدية لتبرير تلك الجرائم.

وتجرم المادة 29 القدح في الملك والمادة 30 "كل من أصدر ـ كتابة أو مشافهة ـ بيانا تكفيريا أو بيانا مؤديا إلى الإخلال بالأمن العام للبلاد أو زعزعة الاستقرار." كما تجرم المادة 51 "كل من تعدى علانية على أي من ثوابت الشريعة الإسلامية أو الثوابت الشرعية للدولة إذا كان من شأن ذلك زعزعة الاستقرار، أو أدى إلى جريمة إرهابية." أما المادة 67، فتوفر لوزارة الداخلية والجهاز القضائي عدم التعرض لأي متابعة خارجية وذلك بتجريم "الإفصاح لأي شخص عن أي من إجراءات الإبلاغ أو الاستدلال أو التحقيق أو المحاكمة أو... عن البيانات المتعلقة بها."

وتنتهك مجموعة من المواد الأخرى حرية التعبير من خلال استعمال العبارات المبهمة التي تربطها بالأعمال الإرهابية صلات جد واهية. فالمادة 43، على سبيل المثال، تجرم إنشاء موقع على الانترنت "لتسهيل الاتصال بقيادات التنظيمات الإرهابية أو أي من أعضائها أو ترويج أفكارها" (دون تعريف "تنظيم إرهابي" أو "جماعة ارهابية"). كما تجرم المادة 44 "كل من أشاد علنًا بجريمة إرهابية... أو أي موضوع مناوئ للتوجهات السياسية للمملكة، أو أي فكرة تمس الوحدة الوطنية" حتى لو كان العمل الأصلي قانونيا. وتجرم نفس المادة حيازة وسيلة إعلامية تدعو إلى جريمة إرهابية عندما يكون الهدف من ورائها تمرير المعلومة إلى الغير.

وتجرم مسودة القانون أيضا بعض أشكال التجمع وتكوين الجمعيات بشكل ينتهك المعايير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان. فالمادة 47، على سبيل المثال، تجرم كل من "نظم مظاهرة أو شارك في تنظيمها أو أعان عليها أو دعا إليها أو حرض عليها" دون الإشارة إلى الأعمال الإرهابية[6]. كما تجرم نفس المادة "كل من رفع شعارا أو صورة أو حرض على ذلك وكان من شأن ذلك المساس بوحدة البلاد وسلامتها أو الدعوة إلى الفتنة والانقسام والفرقة بين أفراد المجتمع."[7]

وتحظر المادة 52 الاجتماعات مع عناصر التنظيمات الإرهابية إذا كان ذلك يؤدي إلى "المساس بالبلاد وأمنها أو زعزعة استقرارها أو مكانتها الدينية أو تعريض علاقاتها الدولية للضرر." واستنادًا إلى هذا النص، فإنه يمكن أن يقع تجريم أي صحفي قام بمحاورة عنصر يُزعم أنه ينتمي إلى تنظيم إرهابي ونشر فحوى الحوار الذي يمكن أن يعتبره المدعي العام مضراً بالعلاقات الدولية للمملكة العربية السعودية.

وأشار المقرر الخاص لحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب ببالغ الاهتمام إلى التصاعد الحاصل في انتهاك حرية التعبير والتجمع باسم مكافحة الإرهاب وأكد على أن هذه الحقوق أساسية في المجتمعات الديمقراطية ولذلك يجب أن تكون هذه التضييقات مرتبطة فقط بالهدف الذي مورست من أجله وهو مكافحة الإرهاب[8]. كما يذكر المقرر أن وصف مجموعة بالتنظيم الإرهابي يشترط أن تكون هذه المجموعة تمارس أو تدعو إلى ممارسة العنف القاتل في حق الأشخاص أو هي تعتمد تكتيكا إرهابيا وفي تلك الحالات فقط تكون المجموعة وحقوقها عرضة لتطبيق القانون الجنائي[9]. وبذلك تعتبر المادتين 47 و52 قد فشلتا في أخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار.

3. صلاحيات  الشرطة المفرطة مع غياب الرقابة القضائية

تمنح مسودة قانون مكافحة الإرهاب صلاحيات جديدة لوزير الداخلية من شأنها أن تقلّص من حقوق إجراءات التقاضي السليمة المتوفرة لهم الآن[10]. وفي الوقت الذي تبقى فيه استقلالية النيابة السعودية نظرية إلى حد بعيد توسع  مسودةقانون مكافحة الإرهاب من صلاحيات وزير الداخلية الخاصة بالسيطرة على هيئة الادعاء العام وتقلص من الدور الموكول إلى السلطة القضائية[11]. كما توسع  نفس مسودة القانون صلاحيات أخرى للشرطة لتقوم باعتقال و إيقاف الأشخاص و اخضاعهم للمنع من الاتصال وللتوقيف الانفرادي، و تسمح بالتوقيف الاداري--دون محاكمة--ويتم ذلك تحت إشراف وزير الداخلية.

وتمنح المادتان 8 و22 من مسودة قانون مكافحة الإرهاب لوزير الداخلية صلاحية تقديم الأوامر والقيام باعتقال المشتبه فيهم في قضايا الإرهاب دون اللجوء إلى المدعي العام. وتصنف المادة 2 الإرهاب ضمن "الجرائم الكبيرة" التي تفرض بالقيام بالتوقيف قبل المحاكمة وفي ذلك انتهاك للمعايير الدولية التي تؤكد على أن يكون التوقيف استثنائيا ولا يُسمح به إلا بعد بحث الظروف الشخصية مثلما هو الحال عند وجود خطر على الفرار من وجه العدالة أو التدخل في مجرى العدالة أو العودة إلى الجريمة في حال إخلاء سبيل المشتبه فيه. وبذلك يجعل التوقيف الإلزامي قبل المحاكمة بعد النظر في الظروف الشخصية امرا مستحيلا. وتسمح المادة 9 للمحققين في وزارة الداخلية أن يأمروا بحبس الشخص بمعزل تام عن العالم الخارجي لمدة 120 يوما إذا كان متهما في قضية إرهاب ويمكن بعد ذلك للمحكمة أن تجعل مدة العزل بلا أجل مسمى. أما فترة الحبس بمعزل عن العالم الخارجي التي يسمح بها القانون الحالي فلا تتجاوز 60 يوما يمكن خلالها للموقوف أن يتصل بممثله القانوني[12]. وبموجب مسودة قانون مكافحة الإرهاب الجديد، فان لوزير الداخلية فقط ـ وليس المحاكم ـ صلاحية الإفراج المؤقت على المشتبه فيه في قضية إرهاب (المادة 10) بكفالة أو الإفراج المؤقت في انتظار المحاكمة.

وتصف المادة 5 وزير الداخلية بصفة الشخص الذي "يصدر قرارا بتنسيق العمل و تنظيمه" في التحقيق في جرائم ارهابية"بين جهتي التحقيق والادعاء العام." أما المادة 8 فتسمح بتمديد فترة الاعتقال قبل المحاكمة المسموح بها حاليا والتي تقدر بستة أشهر[13] إلى سنة كاملة دون وجود إشراف قضائي.

ويؤكد المقرر الخاص بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب على ضرورة تأمين حق المشتبه فيه في الحصول على محام خلال فترة الاعتقال "من لحظة الاعتقال أو التوقيف "، وبذلك يمنع الاعتقال السري وتُتخذ كل الإجراءات ضد المعاملة السيئة بما في ذلكقيود مشددة علىالحبس الانفرادي.[14]

ويمنح مسودة القانون لوزير الداخلية صلاحية الحصول على معلومات مالية واتصالية خاصة دون الحاجة إلى تفويض قضائي وإذا "وجدت دلائل كافية لدى جهة التحقيق على أن لها علاقة بارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا النظام"، فإنه يحق لوزير الداخلية الحصول على أي معلومات مالية دون غطاء قضائي من مؤسسة النقد السعودي العربي وهي البنك المركزي في المملكة (المادة 18). أما المادة 22 فقد ورد فيها أنه يكفي أن يتوفر سببا لوزير الداخلية إذا رأى فائدة "في ظهور الحقيقة" ليتمكن من متابعة كل أنواع الاتصال سواء كانت الجريمة قد وقعت أو أنه فقط يتوقع حدوثها.

وحدد المقرر الخاص بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب الاختبارات التي يمكن بموجبها السماح بوضع قيود على الحق في الخصوصية من أجل مكافحة الإرهاب[15] وأكد على أنه يمكن اعتماد إجراءات المراقبة المركزة في الحالات الخاصة التي تخص تفاصيل القضية وتصدر بأمر من قاض يرى للقرار قواعد منطقية[16]. لا يوجد لأي من هذه النقاط أثر في مسودة قانون مكافحة الإرهاب.

كما تقوض مسودة قانون مكافحة الإرهاب الحق في الإنصاف والتعويض في حال حصول انتهاك للقانون الدولي[17] من خلال منح حصانة لكل موظف حكومي قام بتنفيذ أوامر وزارة الداخلية في التحقيق في قضايا الإرهاب.  وتبرئ المادة 38 كل موظفي الحكومة من المسؤولية الجنائية التي قد يُتهمون بها أثناء تطبيقهم للقانون وخاصة عند الإفصاح عن معلومات سرية.

وتعطي المادة 6 لوزير الداخلية صلاحية اختيار أعضاء "دائرة القضايا الأمنية" في هيئة الادعاء العام كما أنه يمكن فقط لوزير الداخلية، وليس للمدعين العامين، أن يقرر إسقاط الدعاوى الموجهة إلى مشتبه فيه (المادة 17).

كما أن مسودة القانون تقوض مبدأ افتراض البراءة الذي تكرسه القوانين الدولية[18] وذلك لأنها تلزم الموقوفين على متابعة برامج "إعادة تأهيل" بغض النضر عما إذا كانوا مدانين في أية قضية.

وتنص المادة 62 على إنشاء مراكز تربوية خاصة بالموقوفين والمدانين "لتصحيح أفكارهم وتعميق الانتماء الوطني لديهم." ويمكن لمحققي وزارة الداخلية أن يصدروا أوامر لأي مشتبه فيه في قضايا الإرهاب أو كل من "تدور حولهم الشبهات أو يُخشى منهم" أو مدان في قضايا الإرهاب بالمشاركة في مراكز إعادة التأهيل بدلا من السجن. كما تنشأ بموجب المادة 63 دورا للإصلاح والتأهيل تشمل أيضا الموقوفين غير المحكومين والمدانين في قضايا الإرهاب بهدف "تسهيل اندماجهم في المجتمع وتعميق انتمائهم الوطني وتصحيح المفاهيم الخاطئة لديهم"  وتُسير هذه الدور بقواعد يصدرها وزير الداخلية. يُذكر أن وزارة الداخلية تقوم بتسيير مراكز للتربية وإعادة التأهيل للمشتبه فيهم في قضايا الإرهاب دون وجود أي سند قانوني.

4. انتهاكات خاصة بالحق في إجراءات التقاضي السليمة والحق في المحاكمة العادلة

يتضمن مسودة قانون مكافحة الإرهاب تضييقات إضافية على الحق في إجراءات التقاضي السليمة  والحق في المحاكمة العادلة وهو ما يُعد انتهاكا للقانون الدولي. وفي تقليص صارم للحقوق المتوفرة تحت القانون السعودي والمعايير الدولية للمحاكمات العادلة، تضيّق المادة 13 على حق المتهمين في قضايا الإرهاب في الحصول على محام يمثلهم في جميع مراحل المحاكمة، بما في ذلك مرحلة التحقيقات وهو حق يكفله القانون السعودي[19] الحالي. وتقلص المادة 13 من هذا الحق ليصبح للمتهم إمكانية الاستعانة بمحام فقط لـ"وقت كاف تقدره جهة التحقيق" قبل رفع الدعاوي إلى المحكمة.

وتسمح المادة 15 للمحكمة بالاستماع إلى الشهود والخبراء المعينين من طرف جهة التحقيق دون حضور المتهم أم محاميه الذي يحصل فقط على نسخة من مضمون جلسة المحكمة دون الكشف عن هوية الخبير، وهو ما يعقد إمكانية الطعن في مصداقية رأي هذا الأخير أو صحته.[20]

أما المادة 12، فتسمح بالمحاكمات الغيابية وتعطي للمتهمين فقط حق الاعتراض دون طلب إعادة المحاكمة، في حال القبض عليه.

ولا يمكن الجزم باستقلالية المحكمة الجزائية المتخصة، فبالاعتماد على مسودة القانون يتضح أن المحكمة تبقى في حاجة إلى موافقة الجهاز التنفيذي. واستنادا إلى المادة 59 يحق فقط لوزير الداخلية، وليس للمحكمة، إطلاق سراح معتقل قبل وبعد المحاكمة. ويسمح القانون بإعادة توقيف أشخاص محكومين في قضايا الإرهاب الذين سوف تنتهي فترة محكوميتهم. وتنشئ المادة 56 لجنة داخل وزارة الداخلية لها صلاحية تمديد فترات توقيف المحكومين ولكن قراراتها تبقى عرضة لاستئناف المحكمة المتخصة.

وتنص المادة 8 من مسودة قانون مكافحة الإرهاب على أنه للمحكمة الجزائية المتخصة سلطة النظر في القضايا المتعلقة بالإرهاب وتمويله بما في ذلك قضايا التعويض الناجم عن إجراءات خاطئة. وأانتشرت اخبار عن انشاء المحكمة الجزائية المتخصة في 2008 دون أن يقع سن أي قانون خاص بها وأعلنت وزارة العدل أنها عينت بعض القضاة ليكونوا المحكمة لتبدأ في النظر في أول دفعة تتكون من قرابة 1000 قضية إرهاب بداية من 2009. وعقدت جميع جلسات المحاكمة لهذه الدفعة غير علنية ولم تسمح للمتهمين بالحق في الحصول على المحامين. وأدانت المحكمة 330 شخصا وبرأت شخصا واحدا في الدفعة الأولى من المحاكمات[21]. وفي أبريل/نيسان 2011، أعلن ناطق باسم الادعاء أن أكثر من 2000 شخص وقع إحالتهم إلى المحاكمة أمام المحكمة المتخصة في حين أن 5000 مشتبه فيهم وقع إطلاق سراحهم بعد أن أعلنوا التوبة[22]. وفي يونيو/حزيران 2011، وقع السماح لبعض وسائل الإعلام المحلية، دون الدولية، بحضور بعض المحاكمات ويبدو أن هذه الأخيرة مورست عليها أو مارست على نفسها رقابة شديدة في تغطيتها الإعلامية.[23]

ويمكن اعتبار المادة 8 بمثابة الحماية التي توفرها مسودة القانون لوزير الداخلية أمام ارتفاع عدد القضايا الموجهة ضد الوزارة بسبب الاعتقالات وحالات التوقيف التعسفية. وخلال السنوات الأخيرة كان لا بد لجهاز المباحث العامة من المثول أمام ديوان المظالم وهو محكمة إدارية والذي قبل شكاوى ضد الجهاز وهو ما لم تقم به بقية المحاكم. وعلمت هيومن رايتس ووتش بما لا يقل عن ستة قضايا بارزة قام فيها ديوان المظالم بإصدار أحكام ضد المباحث العامة في بعضها وأمر بإطلاق سراح الذين وقع توقيفهم تعسفيا ولكن جهاز المباحث لم يستجب إلى تلك الأحكام.

وتؤدي أحكام مسودة قانون مكافحة الإرهاب لإلغاء إمكانية اللجوء إلى إجراءات القضاء لإعادة الحقوق أو التعويض إذا قامت هيئة الادعاء، وليس المباحث، بإصدار أوامر توقيف تتناقض مع القانون السعودي.  وفي قضية هي الآن محل نظر ديوان المظالم، قام الناشط الحقوقي الشيخ مخلف بن دهام الشمري بمقاضاة هيئة الادعاء على خلفية إيقافه تعسفيا بتهمة "إزعاج الآخرين" في يونيو/حزيران 2010. ولكن هيئة الادعاء قالت أن ديوان المظالم لا يتمتع بسلطة عليه لأن المدعين، التابعين لوزارة الداخلية، يتمتعون بالحصانة بصفتهم موظفين قضائيين[24].  وتلزم المادة 61 من مسودة القانون "من أصابه ضرر من المتهمين أو المحكوم عليهم في جريمة ارهابية أو تمويلها نتيجة إطالة مدة توقيفه أو سجنه أكثر من المدة المقررة أو نحو ذلك" أن يتوجه باعتراضه إلى اللجنة التي عينها وزير الداخلية، وليس إلى المحكمة، للنظر في الضرر الحاصل.

وبالتوازي مع المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أكد المقرر الأممي الخاص بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب على ضرورة توفر الحق الفعال في إعادة الحقوق ودور المحاكم في ضمان هذا الحق:

يجب أن تتوفر لكل شخص يعتقد أنه قد تم التعرض لحقوقه القدرة على التماس الإنصاف والتعويض، وأن يُتاح له هذا عن طريق تقديم شكوى أمام محكمة أو إلى هيئة ذات صلاحيات إشراف ورقابة، كلجان حقوق الإنسان أو أجهزة التفتيش أو المراكز القومية لحقوق الإنسان. الأحكام القانونية التعويضية والخاصة بالإنصاف، لابد أن تكون مؤطرة في أحكام عامة بما يكفي للتمكين من توفير سبل الإنصاف والتعويض الفعالة بموجب متطلبات كل قضية على حدة، بما في ذلك، على سبيل المثال، الإفراج من الاحتجاز التعسفي، والتعويض والاستبعاد للأدلة المنتزعة في خرق لحقوق الإنسان."[25]

وأخيرا، فإن مسودة القانون زاد كثيراً من عدد الجرائم التي تطبق فيها عقوبة الإعدام بما في ذلك الجرائم التي تهدد باستعمال العنف دون استخدامه. مشروع القانون يضيف عقوبة الإعدام إلى 23 عملا إجراميا ويحدد فترات السجن الدنيا التي غالبا ما تتراوح بين 10 سنوات و25 سنة دون الإشارة إلى المدة القصوى. وينص القانون الدولي على أن يقع تطبيق عقوبة الإعدام فقط في أكبر الجرائم، مثل تلك التي تتسبب في الموت أو إلحاق الضرر البدني البليغ ويطالب الدول بإلغاء هذه العقوبة أصلا. وتعترض هيومن رايتس ووتش على عقوبة الإعدام في جميع الحالات ومن حيث المبدأ وتعتبرها عقوبة لا إنسانية.

 

[1] أنظر Model Definition of Terrorism in UN, Human Rights Councilالتقرير الصادر عن المقرر الخاص لدعم وحماية حقوق الانسان أثناء مكافحة الارهاب، مارتن شاينين "Ten areas of best practices in countering terrorism10 ديسمبر/كانون الأول 2010، متوفر على الرابط http://www2.ohchr.org/english/issues/terrorism/rapporteur/srchr.htm(وقعدخول الموقع في 25 يوليو/حزيران 2011) Practice 7, ص. 14. 

.[3]الاعلان العالمي لحقوق الانسان G.A. res. 217A (III), U.N. Doc A/810 at 71 (1948)

[4]مبادئ جوهنزبيرغ حول السلامة الوطنية، حرية التعبير والوصول الى المعلومة U.N. Doc. E/CN.4/1996/39 (1996), المبادئ 2 و6

[5]أنظر تقرير شاينين لسنة 2010، الصفحات 15 و16

[6]لجنة الأمن في مجلس الشورى، مجلس معيّن له بعض الصلاحيات التشريعية، اقترحت التخلي عن هذه المادة. اقنراحات اللجنة غير ملزمة

[7]حذفت الاجنة الامنية لمجلس الشورى هذه المادة.

[8]مارتن شاينين، المقر الخاص بدعم وحماية حقوق الانسان أثناء مواجهة الارهاب، 16 أغسطس/آب  A/61/267, http://daccess-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N06/477/03/PDF/N0647703.pdf?O... ((تمت الزيارة في 25 يوليو/تموز 2011). ص 10

[9]نفس المصدر، ص11

.[10]On general principles on the administration of justice and counterterrorism, “Special Rapporteur on the promotion and protection of human rights and fundamental freedoms while countering terrorism,” 6 أغسطس/آب 2006, A/63/223 http://daccess-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N08/451/82/PDF/N0845182.pdf?O... ((تمت الزيارة في 25 يوليو/تموز 2011).

[11]أنظر: Human Rights Watch, Precarious Justice: Arbitrary Detention and Unfair Trials in Saudi Arabia’s Deficient Criminal Justice System, March 2008, https://www.hrw.org/en/node/62304/section/19, ch. XI  (Bureau of Investigation and Public Prosecution)

[12]نظام الإجراءات الجزائية، المادة 119

[13]نفس المصدر، المادة  114

[14]أنظر تقرير شاينين لسنة 2010. قرار لجنة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الانسان ليوم 23 أبريل/نيسان 2003 لاحظ أن الاعتقال المطول قد يسهل عمليات التعذيب وقد يشكل في حد ذاته شكلا من أشكال المعاملة غير الانسانية أو التعذيب. وفي تأويل التحجير القانوني الدولي للتعذيب والمعاملة غير الانسانية، أكدت لجنة حقوق الانسان لدى الأمم المتحدة على ”أن الحبس الانفرادي لمدد طويلة للشخص المحتجز أو المسجون قد يندرج ضمن الأفعال المحظورة" التعليق العام رقم 20 للجنة الأمم المتحدة لحقوق الانسان، المادة 7. واستنادا الى U.N. Doc. HRI/GEN/1/Rev.1 at 30 (1994), اللجنة الأروبية للوقاية من التعذيب وسوء المعاملة والعقاب فان الحبس الانفرادي يجب أن يدوم فقط لمدة قصيرة.

.[15]المعايير المعتمدة في الاختبار هي (أ) أي تضييق يجب أن يكون تحت غطاء قانوني، (ب) أساس حقوق الانسان لا يخضع لأي تضييقات، (ج) يجب أن تكون التضييقات ضرورية في المجتمع الديموقراطي (د) ممارسة السلطة التقديرية عند ممارسة القيود يجب أن لا تخضع لقيود (ه) لكي يكون التضييق مسموحا به، لا يكفي أن يكون في خدمة أحد الأهداف المشروعة بل يجب أن يكون ضروريا لبلوغ الأهداف الشرعية (و) يجب أن تكون اجراءات التضييق مطابقة لمبدأ التناسب، ويجب أن تكون مناسبة لتحقيق الوظيفة الحمائية ويجب أن تكون أقل الوسائل تدخلا من بين تلك التي يمكن أن تحقق النتيجة المرجوة، ويجب أن تكون متناسبة مع المصلحة التي تكون محمية، (ز) يجب على القيود أن تكون متناسقة مع الحقوق الأحرى المكفولة في القانون الدولي. أنظر UN, Human Rights Council, Report of the Special Rapporteur on the promotion and protection of human rights and fundamental freedoms while countering terrorism, Martin Scheinin, 28 ديسمبر/كانون الأول 2009, A/HRC/13/37, http://daccess-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/G09/178/04/PDF/G0917804.pdf?O... ((تمت الزيارة في 25 يوليو/تموز 2011)  الفقرة . 17

[16]نفس المصدر، الفقرة 21.

[17]الاعلان العالمي لحقوق الانسان، المادة 8. لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون.

[18]نفس المصدر، المادة 11(1) كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه.

[19]نظام الإجراءات الجزائية، مادة 17.

[20]هذا يتناقض مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي ينص في المادة 10 على "لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه".

.[21]انظر: Human Rights Watch, Human Rights and Saudi Arabia’s Counterterrorism Response, p. xx.

[22]“Saudi sends 2,215 to trial on terrorism charges,” Alarabiya.net, April 2, 2011, http://www.alarabiya.net/articles/2011/04/02/143964.html(تمت الزيارة في 12 يوليو/تموز 2011).

[23]Muhammad al-Sulami, “Riyadh trial gives a glimpse of methods terror suspects used,” Arab News, July 5, 2011, http://arabnews.com/saudiarabia/article467369.ece(تمت الزيارة في 12 يوليو/تموز 2011).

[24]رسالة من محمد بن فهد القباني، ممثل مكتب التحقيق والادعاء العام في المنطقة الشرقية الى رئيس الدائرة الثالثة للمحكمة الادارية في المنطقة الشرقية، غير مؤرخة، لكنها كانت جوابا على رسالة المحكمة المِرخة في 11 يناير/كانون الثاني 2011، متوفرة لدى هيومن رايتس ووتش.

 [25]أنظر:  Scheinin 2010 Report, Practice 5. Model remedies provision, p. 14.  See also, Basic Principles and Guidelines on the Right to a Remedy and Reparation for Victims of Gross Violations of International Human Rights Law and Serious Violations of International Humanitarian Law, G.A. Res. 60/147, U.N. Doc. A/RES/60/147 (Dec. 16, 2005).