(بيروت) قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن قوات الأمن التابعة لحكومة إقليم كردستان وقفت عن بُعد تراقب بينما عشرات من المسلحين يهاجمون المتظاهرين في السليمانية يوم 6 مارس/آذار 2011. وقد سُمح للمعتدين بضرب واختطاف متظاهرين وإشعال النار في خيامهم، في الوقت الذي لجأت فيه مجموعة أخرى لتخريب مكتب محطة إذاعية كردستانية مستقلة. أضافت هيومن رايتس ووتش أن على قوات الأمن الالتزام باحترام حقوق حرية التعبير وحرية التجمع السلمي.

حسب أقوال شهود عيان ومنظمين للتظاهرات لـ هيومن رايتس ووتش؛ وصل عشرات الرجال المقنعين في ساعة مبكرة من صباح 6 مارس/آذار يحملون الأسلحة النارية والهراوات، وصلوا في عربات عسكرية بدون لوحات أرقام وهاجموا مجموعة من 100 متظاهر كانوا في احتجاج سلمي في مخيم لهم في ساحة آزادي في السليمانية. قالوا إن قوات الأسايش (جهاز الأمن الرسمي في منطقة كردستان) في الساحة وقفت بلا حراك، بينما قام مقنعون بضرب المتظاهرين بالهراوات وإشعال النار في خيامهم، وكان بعضهم يرتدون زي أسود اللون.

قالت سارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "قوات الأمن التابعة لحكومة إقليم كردستان لا يمكنها الاختباء وراء البلطجية كي يؤدوا لها المهام القذرة"، وأضافت "من العار أنه بعد عشرات الأعوام من القمع، لم يُتح للأكراد حتى يومنا هذا الحقوق والحريات التي وعدتهم بها حكومة إقليم كردستان وتشمل الحق في التظاهر السلمي".

قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إنهم رأوا عصابة تصطحب برفقتها بعض المتظاهرين. يقول منظمون للتظاهرات إن 15 متظاهراً على الأقل أصبحوا في عداد المفقودين، وأن المعتدين عليهم دمروا مكبرات الصوت ومعدات أخرى كانت في الساحة.

قال محامٍ كان بالتظاهرة وشهد على الهجوم: "كنت أردد الشعارات مع بعض الأصدقاء داخل أحد الخيَم، وفجأة في الساعة الثانية والثلث صباحاً، سمعت عياراً نارياً من مسدس، وبعد دقيقتين عصفت عصابات [تحمل الهراوات] بالخيَم فأصابوا كل ما كان يعترض طريقهم". وأضاف الشاهد: "كان بعضهم يحمل عبوات مليئة بالبنزين. راحوا يصبون منها على الخيَم، ثم لجأ معتدون آخرون سريعاً إلى إشعال النار في الخيَم. قاموا بضرب الناس وهم نيام".

قال ثلاثة متظاهرين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم عندما لجأوا فرادى للأسايش لالتماس المساعدة منهم أثناء الهجوم، كان رد الضباط أنهم ليسوا مخولين صلاحية التدخل. بعد الهجوم مباشرة قابلت منظمة المحامين المستقلين مدير عام قوات أسايش السليمانية، الذي قال لهم إن قواته ليس لها يد في الهجوم، وهذا حسب قول محامي من المجموعة لـ هيومن رايتس ووتش. كما قال المدير العام للمجموعة أن الأسايش "لا يمكنهم حماية المتظاهرين إذا كانوا قد منعوا المرور في الشوارع الرئيسية وهم [الأسايش] لن يتحملوا مسؤولية تأمين سلامتهم".

في ساعات الصباح الأولى من 6 مارس/آذار، عصفت مجموعة من المسلحين أيضاً بمقر إذاعة "راديو دانغ" المستقلة، على حد قول مدير الإذاعة آزاد عثمان لـ هيومن رايتس ووتش. قال بأن المسلحين قيدوا الحارس الليلي المسؤول عن المبنى، وكسروا أغلب معدات البث الإذاعي  وصادروا مواد أخرى. كما قال أن المحطة ومقرها كلار جنوب شرق السليمانية، لجأت لتغطية التظاهرات الأخيرة المعارضة للحكومة والتي انتشرت في مختلف أجزاء المنطقة.

أسفرت المصادمات مع قوات الأمن منذ 17 فبراير/شباط عن مقتل خمسة وإصابة أكثر من مائة وخمسين متظاهر آخرين في السليمانية. وقد استمر آلاف المتظاهرين في احتجاجهم ضد ما يصفونه بالفساد والهيمنة السياسية للحزبين السياسيين الحاكمين، وهما حزب كردستان الديمقراطي (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK).

شهدت الأسابيع الأخيرة تخريب المعتدين وإحراقهم لمقار حزب غوران المعارض في مدن إربيل ودهو وسوران، التي يهيمن عليها حزب كردستان الديمقراطي، بحسب أقوال صحافيين وطبقاً لتقارير إخبارية. في 17 فبراير/شباط قامت صحيفة حولاتي الصادرة مرتين شهرياً بإخلاء مقرها بعد أن تلقت تهديدات من قوات أمن في ملابس رسمية متمركزة على مقربة من مقر حزب كردستان الديمقراطي.

في 20 فبراير/شباط، هاجم مسلحون مقر محطة تلفزة ناليا في السليمانية ، فأطلقوا النار على معدات البث وأصابوا الحارس وأحرقوا البناية، بحسب أقوال بعض العاملين في المحطة. بدأت قناة ناليا أول بث لها قبل يومين بعرض مقاطع للتظاهرات. على مدار الأيام العشرة الأخيرة من فبراير، قامت قوات أمن الدولة ومعتدين مجهولين بمهاجمة، تهديد، والقبض على 40 صحافياً على الأقل من منطقة كردستان، وشملت هذه الأعمال تشويه وجه مراسل صحيفة حولاتي، بناء على معلومات أفادت بها منظمة مراسلين بلا حدود.

الاحتجاجات الأخرى خارج منطقة كردستان

منذ بداية فبراير/شباط، خرجت مجموعات كبيرة من المتظاهرين في بقية مناطق العراق، تركزت التظاهرات حول النقص المزمن للخدمات الأساسية وتصورات تخص الفساد المتفشي. قتلت قوات أمن الدولة منذ 16 فبراير/شباط أكثر من 17 متظاهراً وأصابت حوالي مائتين وخمسين شخصاً في تظاهرات عمت جميع أنحاء العراق. أما في العاصمة، فقد حدّت قيادة عمليات بغداد كثيراً من مدى انتشار التظاهرات يوم 4 مارس/آذار، ويوم 25 فبراير/شباط، إثر فرض حظر على حركة السيارات. أثناء تظاهرة 4 مارس/آذار قطعت قوات الأمن الطرق المفضية إلى أماكن التظاهر بشكل واسع، كما رصدت هيومن رايتس ووتش وجود قوات أمن تعمل على إبعاد عشرات المتظاهرين السلميين والصحافيين لدى نقاط التفتيش الأمنية المؤدية إلى الموقع.

قامت قوات الأمن أثناء احتجاجات 25 فبراير/شباط التي عمت أنحاء العراق بقتل 12 متظاهراً على الأقل، وأصابت أكثر من مائة آخرين. رصدت هيومن رايتس ووتش قيام قوات أمن بغداد بضرب صحافيين ومتظاهرين عُزّل، وتحطيم الكاميرات ومصادرة وسائط التخزين والذاكرة الإلكترونية في الكاميرات. أما أثناء التظاهرات، فقد لجأت قوات الأمن في شتى مناطق العراق لتوقيف أكثر من 20 عاملاً بالإعلام، كما ورد في معلومات نشرتها منظمة مراسلين بلا حدود.

ذكرت صحافية عراقية مصابة بانتفاخات في الوجه لـ هيومن رايتس ووتش، أن الشرطة ضربتها بالهراوات أثناء إخلاء قوات الأمن لموقع التظاهر. "راح الجميع يركضون للفرار، ووقفت في حارة ضيقة، وكنت أظن أنهم سيتركوني لحالي. اقتربوا فسمعتهم يصفون كل من بالتظاهرة باسم البعثيين وهم يضربونهم بالهراوات. وقفت في مكاني ورائي حائط ورفعت كارت الصحافة. ضربني أحد الجنود على وجهي بهراوته، لكن بعض الرجال وقفوا حولي وقاموا بحمايتي، فضُربوا بدورهم".

استمرت قوات الأمن في قمعها الصحافيين فور نشوب الاحتجاجات. في حادثة وقعت في بغداد، أوقفوا أربعة صحافيين في مطعم وضربوهم، وغمّوا أعينهم، وهددوهم بالتعذيب أثناء استجواباتهم التالية، وهو ما جاء على لسان صحافيين وشهود آخرين تحدثوا لـ هيومن رايتس ووتش.

قال الصحافي الإذاعي هادي المهدي لـ هيومن رايتس ووتش في 26 فبراير/شباط: "عندما بدأوا بضربنا قلنا لهم أننا صحافيين. قالوا: لعنة عليك وعلى الصحافة". المهدي المُصاب بكدمات وآثار احتقان حمراء على وجهه وعنقه وكتفيه وكذلك على ساقيه وبطنه، أضاف: "بما أنهم أعصبوا عيني لم أعد قادراً على رؤية أي شيء. وضعوا غرضاً أمامي وقالوا لي أن ألمسه. كان ذلك الشيء أشبه بالقضيب الصلب وقالوا لي إنهم بصدد اغتصابي به".

في أواخر فبراير/شباط سمحت الشرطة العراقية لعشرات المعتدين بضرب وطعن متظاهرين سلميين في بغداد. في ساعات الصباح الأولى من 21 فبراير/شباط، هاجم عشرات الرجال وبعضهم يحملون السكاكين والهراوات، نحو 50 متظاهراً كانوا قد نصبوا خيمتين في ساحة ميدان التحرير. قام المعتدون بطعن وضرب 20 متظاهراً على الأقل كانوا بصدد التخييم في الساحة حتى 25 فبراير/شباط، وهو اليوم الذي حددته مجموعات كيوم للاحتجاجات في شتى أنحاء الدولة على غرار "يوم الغضب" في مصر. أتى هجوم 21 فبراير/شباط مباشرةً بعد انسحاب الشرطة من الساحة، ويقول الشهود بأن المعتدين كانوا يخوضون مناقشات مع الشرطة قبل هجومهم.

في 25 يونيو/حزيران 2010، ورداً على آلاف العراقيين الذين خرجوا  إلى الشوارع للإحتجاج على النقص المزمن للخدمات الحكومية، أصدرت وزارة الداخلية دليلاً تنظيمياً فيه أحكام مشددة تعيق العراقيين في عن الانتظام في تظاهرات سلمية. تطالب الأنظمة المنظمين للتظاهرات بالحصول على موافقة كتابية من وزير الداخلية ومن المحافظ، وهذا قبل تقديم طلب إلى مخفر الشرطة المختص. وما زالت هذه الأنظمة سارية المفعول.

يكفل الدستور العراقي "حرية التجمع والتظاهر السلمي". بصفة العراق عضو في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فهو مُلزم بحماية الحق في الحياة وأمان المرء على نفسه، والحق في حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات وحرية التجمع. على العراق أيضاً الالتزام بمبادئ الأمم المتحدة الأساسية الخاصة باستخدام القوة والأسلحة النارية، وجاء في تلك المبادئ أنه لا استخدام للقوة المميتة إلا إذا كانت لا غنى عنها لحماية الأرواح، ولا يمارسها أحد إلا مع ضمان ضبط النفس وتناسبها مع الهدف المرجو منها. كما تدعو المبادئ الحكومات إلى "ضمان أن الاستخدام المتعسف أو المسيئ للقوة والأسلحة النارية على يد مسؤولي إنفاذ القانون يُعاقب عليه كجريمة بمقتضى قوانين الدول".