(القدس) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن إدانة محكمة عسكرية إسرائيلية لعبد الله أبو رحمة - القيادي للاحتجاجات السلمية ضد مصادرة إسرائيل للأراضي من قرية بلعين في الضفة الغربية - تثير التساؤلات والقلق الجسيم حول مراعاة إجراءات التقاضي السليمة. وكان أبو رحمة في 24 أغسطس/آب 2010 - والمحتجز منذ أكثر من ثمانية أشهر - قد أدين باتهامات تنظيم مظاهرات غير قانونية والمشاركة فيها وتحريض المتظاهرين على الإضرار بالجدار العازل، ورشق الجنود الإسرائيليين بالحجارة، والمشاركة في احتجاجات عنيفة.

تستند الإدانة إلى مزاعم لا ترد فيها أية وقائع محددة بارتكاب مخالفات، وتستند إلى أقوال أطفال تراجعوا عن أقوالهم في المحكمة، بدعوى أنهم تعرضوا للإكراه، وهم لا يجيدون اللغة العبرية التي أعد بها المحققون العسكريون الإسرائيليون أقوالهم التي وقعوها. أبو رحمة، المُدرّس البالغ من العمر 39 عاماً، ساعد في تنظيم تظاهرات ضد مسار الجدار العازل الإسرائيلي، والذي يقطع سكان قرية بلعين عن أكثر من 50 في المائة من أراضيهم الزراعية، الجاري بناء مستوطنات إسرائيلية عليها. وما زال رهن الاحتجاز في انتظار صدور الحُكم ضده، وربما تصل عقوبته إلى السجن عشرين عاماً.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "إدانة إسرائيل لأبو رحمة على الاحتجاج على مصادرة أراضي قريته هو نتيجة ظالمة لمحاكمة غير عادلة". وتابعت: "إن السلطات الإسرائيلية تحظر التعبير السلمي عن الرأي السياسي، بإدانتها لمؤيدي المقاومة السلمية".

وكانت هيومن رايتس ووتش قد أفادت في مارس/آذار بأن إسرائيل احتجزت عشرات الفلسطينيين الداعين للاحتجاجات غير العنيفة ضد الجدار، واتهمتهم بناء على أدلة مشكوك في صحتها، وتشمل اعترافات تم انتزاعها بالإكراه من أشخاص في سن الطفولة.

وقام جنود إسرائيليون باعتقال أبو رحمة في 10 ديسمبر/كانون الأول، في الثانية صباحاً، عندما حاصرت سبع سيارات جيب عسكرية منزله في رام الله، حيث يقيم منذ عامين. ووجهت محكمة عسكرية إسرائيلية اتهامات إلى أبو رحمة في 21 ديسمبر/كانون الأول، تشمل التحريض وإلقاء الحجارة، والحيازة غير القانونية للأسلحة. تهمة حيازة الأسلحة تستند إلى عمل فني، على هيئة علامة السلام، صنعه أبو رحمة من فوارغ رصاصات إم 16 وعبوات قنابل غاز مسيل للدموع استخدمها الجيش الإسرائيلي في تهدئة احتجاجات بلعين. (تمت تبرئة أبو رحمة نهائياً من هذه التهمة). وفي 18 يناير/كانون الثاني، أضاف الادعاء تهمة جديدة هي تنظيم مظاهرات غير قانونية والمشاركة فيها. ولأن استجواب أبو رحمة قد انتهى، فلم يُسأل عن هذه التهمة مطلقاً.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن كثيراً ما تتحول المظاهرات ضد الجدار إلى العنف، مع إلقاء الشباب الفلسطيني للحجارة على الجنود الإسرائيليين. قد يؤدي العنف في المظاهرات إلى اعتقال المشاركين فيها أو من حرضوا على العنف، لكن هذا لا يبرر القبض على النشطاء الذين دعوا للتظاهر السلمي ضد الجدار أو دعموا الدعوة. وبموجب القانون الدولي، يمكن للسلطات مقاضاة منظمي المظاهرات أو التجمعات الأخرى، فقط في حالة ظهور أدلة على أن منظمي التجمع مسؤولين بشكل مباشر عن العنف أو حرضوا عليه. وعلى السلطات واجب يتمثل في ضمان حماية الحق في حرية التجمع، حتى لو ارتكب آخرون أعمال عنف في المظاهرة.

وورد في لائحة الاتهام أنه منذ أغسطس/آب 2005 حتى يونيو/حزيران 2009، كان أبو رحمة عضواً في لجنة شعبية تقوم في أيام الجمعة بإخراج سكان قرية بلعين "في مسيرات جماعية بغرض زعزعة النظام" بمحاولة الإضرار بالجدار و"توجيه" شباب القرية إلى "رشق قوات الأمن [الإسرائيلية] بالحجارة".

وورد في لائحة الاتهام أيضاً أن "المتهم حضّر أيضاً زجاجات وبالونات ممتلئة بفضلات الدجاج، راح المتظاهرون يرمونها على قوات الأمن".

إدانة أبو رحمة بتهمة التحريض وتهمة تنظيم مظاهرات غير مشروعة والمشاركة فيها، تثير التساؤلات والقلق إزاء اتباع إجراءات التقاضي السليمة.

أدين أبو رحمة بمخالفات زعم الادعاء أنه ارتكبها في أوقات متعددة غير محددة، على مدار أربعة أعوام - من 2005 إلى 2009 - وليس في مواعيد واضحة، مما يجعل من المستحيل على المدعى عليه تحضير دفاع واضح عن أعماله ونشاطه. وأخفق الادعاء في تحديد توقيت وقوع المخالفات وأي شكل اتخذت، ولم يسأل المحققون أسئلة محددة بشأن دور المدعى عليه في تهمة التحريض وتنظيم المظاهرات. ويقر الحُكم بأنه "كان يجب أن يكون استجواب الشهود أكثر شمولاً واستفاضة وأن يعرض تفاصيل أكثر عن المخالفات".

الدليل الوحيد على أن أبو رحمة حرض آخرين على إلقاء الحجارة هو أقوال طفل في السادسة عشرة من عمره. وهناك آخر في نفس السن قال إن أبو رحمة حضّر بالونات ممتلئة بفضلات الدجاج كي يرميها المتظاهرون على الجنود. تراجع الشابان بعد ذلك عن أقوالهما، وقالا إنهما خضعا للتهديد والضرب من قبل المحققين. وأنكر المحققون تهديهما رهن الاحتجاز أو الإساءة إليهما، وقبلت المحكمة رواية المحققين بدلاً عن رواية الصبيين. لكن تقر المحكمة بأن استجواب الشابين تم في أوضاع تنطوي على التهديد البالغ. وقد تم استجوابهما في الصباح بعد أن قبض عليهما الجيش الإسرائيلي أثناء مداهمات استهدفت منزليهما، بين الواحدة والرابعة صباحاً، ثم نُسب إليهما الاتهام بإلقاء الحجارة.

ولم تدفع المحكمة بأن آباء أو أولي أمر الطفلين لم يكونوا حاضرين أثناء الاستجواب، وهو خرق لحُكم سابق لمحكمة إسرائيلية فيما يخص هذا الموضوع. وحُرم الشابان من مقابلة المحامين حتى بعد انتهاء استجوابهما. ولا يمكن لأي منهما قراءة العبرية، وهي اللغة التي كُتبت بها الأقوال التي وقعوا عليها. وأقر ضباط الاستجواب بأنهم لم يتلقوا تدريباً في استجواب الأحداث، وأن الطفلين لا يمكنهما قراءة العبرية، وأنهم تجاهلوا سؤال الشاهدين عدة أسئلة متصلة بالتحقيق وأسئلة محددة عن الاتهامات المنسوبة إلى المدعى عليه.

وهناك شاهد ثالث في سن الطفولة أقرت المحكمة بأقواله كدليل يزعم بأن أبو رحمة عضو في لجنة بلعين الشعبية وأنه شارك في الاحتجاجات، دون إضافة تفاصيل.

وزعم الأطفال الشهود أنهم تعرضوا لإساءات أثناء الاستجواب. هـ. ي.، 16 عاماً، زعم في المحكمة أن الجنود الذين قبضوا عليه ضربوه، وأنه منذ تم القبض عليه حتى اليوم التالي، عندما بدأ استجوابه، كان مقيد اليدين ومعصوب العينين ولم يحصل على أي طعام. وذكر الأطفال في المحكمة أن أقوالهم الموُقّعة التي تدين أبو رحمة، أعدّها المحققون بالعبرية، وهي لغة لا يجيدونها. أ. ب.، شاهد رابع بالغ، شهد بأنه وقع "اعترافه" بعد أن هدده المحقق بضربه ووضعه في الحبس الانفرادي. ك. هـ.، 16 عاماً، قال إنه وقع اعترافه بعد أن صاح فيه المحقق، وهدده بإيذاء أبويه ثم قام بضربه.

وأعلنت المحكمة العسكرية أن الأطفال "شهود غير محايدين" جراء التناقض مع أقوالهم الموقعة أثناء الاستجواب، وأعلنت قبول الأقوال كأدلة. وورد في الحُكم أنه لا توجد حاجة للنظر في أمر "الظروف الخاصة بالاعتقال"، لأن الأطفال لم يذكروا هذه الظروف في المحاكمة أو أثناء استجوابهم، ولم يشتكوا من أن حُكمهم على ما حدث "تشوبه شائبة". كما ورد في الحُكم أن شهادة الأطفال أثناء المحاكمة لم تكن موثوقة، مشيراً إلى أن اثنين منهم "ابتسما" أثناء المحاكمة وأن ثلاثة كذبوا وقدموا "شهادات غير صادقة". على سبيل المثال ذكر أحد الشهود أنه لا توجد "لجنة شعبية" في بلعين، لكن فيما بعد قال إن "أعضاء اللجنة" غاضبين منه على رميه الحجارة. وعلى النقيض، توصل الحُكم إلى أن أقوال الشهود للشرطة لها "منطقها الداخلي المتماسك"، دون أن يقر بأن هذه الأقوال أعدّها ضابط أمن إسرائيلي بلغة لا يفهمها الشهود، وأنهم وقعوا الأقوال في أجواء تنطوي على الإكراه بعد أن تعرضوا للاعتقال في منتصف الليل وتم استجوابهم، في خرق للقانون الإسرائيلي.

واختارت المحكمة تجاهل شهادات شهود بأن أبو رحمة ملتزم منذ زمن طويل بالاحتجاجات السلمية. دوف خينين، النائب البرلماني الإسرائيلي، ود. غيرشون باسكين، مؤسس ومدير المركز الإسرائيلي الفلسطيني للبحوث والمعلومات، شهدا لصالح المدعى عليه كشهود سلوك. وأقر متظاهر إسرائيلي، هو جوناثان بولاك، بأن الشباب الفلسطينيين عادة ما يلقون الحجارة، لكنه قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه حضر "العشرات" من الاحتجاجات مع أبو رحمة ولم يره مطلقاً يحرض الآخرين على العنف.

في 10 ديسمبر/كانون الأول 2008، قبل عام من اعتقال أبو رحمة، نال ميدالية كارل فون أوسيتسكي للخدمات المتميزة من أجل إحقاق حقوق الإنسان الأساسية، ومنحتها له الرابطة الدولية لحقوق الإنسان في برلين. وقالت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي، كاثرين أشتون، في أغسطس/آب 2010، إن الاتحاد الأوروبي يفكر في منح أبو رحمة لقب "مدافع عن حقوق الإنسان ملتزم بالاحتجاج السلمي".

أبو رحمة أدين بالتحريض على إلقاء الحجارة وتنظيم احتجاجات غير مشروعة، بناء على المادة 7 (أ) من الأمر العسكري الإسرائيلي رقم 101 لعام 1967 وعقوبته القصوى السجن 10 أعوام، ويحظر "محاولة التأثير على الرأي العام في المنطقة [الضفة الغربية]، سواء شفهياً أو خلاف ذلك، بطريقة قد تزعزع السلم العام أو النظام العام". كما أدين أبو رحمة بتنظيم مظاهرات غير مشروعة والمشاركة فيها بموجب نفس الأمر العسكري (المواد 1 و3 و10)، التي تدعو إلى الحصول على تصريح لأي تجمع فيه عشرة أشخاص أو أكثر، يستمعون إلى خطبة "يمكن تفسيرها على أنها سياسية" أو أي عشرة أشخاص أو أكثر يسيرون معاً بغرض "النظر إليهم بصفتهم تجمع سياسي". من يدعو إلى مثل هذه التجمعات أو "يساندها" يتعرض للعقوبات نفسها. القانون المدني الإسرائيلي المطبق داخل إسرائيل، على النقيض من المذكور، لا يطالب بالتصريح إلا للتجمعات "السياسية" لأكثر من 50 شخصاً.

وكان أديب أبو رحمة - أحد سكان بلعين أيضاً - هو أول شخص يتهمه الادعاء العسكري الإسرائيلي بتهمة تنظيم مظاهرات غير مشروعة والتحريض، منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية، التي انتهت عام 1993، طبقاً لمحامي عبد الله أبو رحمة، غابي لاسكي، وطبقاً للجنة الشعبية لمناهضة الجدار والاستيطان، وعبد الله أبو رحمة قيادي فيها. التهمة نفسها تم استخدامها ضد أربعة من أعضاء لجنة بلعين الشعبية، منهم عبد الله وأديب أبو رحمة، وهي تعتبر أول اتهامات من نوعها منذ قرابة 20 عاماً. إدانة أبو رحمة واستخدام هذه الاتهامات ضد متظاهرين آخرين تثير القلق من أن السلطات الإسرائيلية تطبق القانون بشكل انتقائي من أجل تقييد وقمع قياديي الاحتجاجات السلمية.

من المقرر صدور الحكم الشهر المقبل، وبعدها يحق لأبو رحمة الاستئناف.

خلفية

الجدار الإسرائيلي - في بعض المناطق سور منخفض وفي أماكن أخرى جدار خرساني بارتفع ثمانية أمتار وعليه أبراج حراسة - بُني بدعوى الحماية من العمليات الانتحارية. إلا أنه على النقيض من جدار مماثل بين إسرائيل وغزة، لا يسير على حدود 1967 بين إسرائيل والضفة الغربية. بل إن 85 في المائة من مساره يقع داخل أراضي الضفة، مما يحول دون وصول السكان الفلسطينيين إلى أراضيهم، ويقيد حركتهم، وفي بعض الأماكن أدى فعلياً لمصادرة الأراضي المحتلة، وهي جميعاً مخالفات للقانون الإنساني الدولي.

وفي بلعين، يفصل الجدار سكان القرية عن 50 في المائة تقريباً من أراضيهم، ويضع الأراضي على الجانب "الإسرائيلي". ويتم بناء مستوطنة ماتيتياهو شرق على الأرض التي لم يعد بإمكان القرية الوصول إليها. وفي سبتمبر/أيلول 2007، بعد سنوات من الاحتجاجات التي نظمتها لجنة بلعين الشعبية، قضت المحكمة الإسرائيلية العليا بأنه يجب تغيير مسار الجدار العازل عند بلعين بشكل يسمح لسكان بلعين بالوصول إلى أراضيهم، ولم يبدأ الجيش إلا مؤخراً في إجراء أعمال مسح تمهيدية لتغيير مسار الجدار.

وقضت محكمة العدل الدولية في 2004 في رأي استشاري صدر منها بأن مسار الجدار غير قانوني لأن مروره داخل الضفة الغربية لا مبرر له من واقع الاعتبارات الأمنية، وأنه يسهم في خرق القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، المنطبقان على الأراضي المحتلة، بما أنه يعيق حرية تنقل الفلسطينيين، ويدمر ممتلكاتهم، ويسهم في ممارسات الاستيطان الإسرائيلية غير المشروعة. محكمة العدل العليا الإسرائيلية قضت بأنه يجب تغيير مسار الجدار في عدة مواضع، منها المنطقة القريبة من بلعين، لأن الضرر اللاحق بالفلسطينيين جراء الجدار غير متناسب مع فوائده، رغم أن الأحكام تسمح باستمرار بقاء الجدار داخل أراضي الضفة الغربية في تلك المنطقة ومناطق أخرى.

وعلى النقيض من تعاطي الكنيست الإسرائيلي مع المحتجين على مسار الجدار وغير ذلك من الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، عبر السبل السلمية بالأساس، وافق الكنيست في يناير/كانون الثاني 2010 على عفو شامل عن المتظاهرين المتورطين في احتجاجات عنيفة على صلة بإخلاء مستوطنات يهودية في غزة عام 2005.

وفي عام 2005، أصيب راتب أبو رحمة برصاصة في قدمه - وهو شقيق عبد الله أبو رحمة - وتم القبض عليه بتهمة الاعتداء على فرد من شرطة الحدود ورمي الحجارة. وأثناء المحاكمة قضت المحكمة بناء على أدلة مصورة أن شرطي الحدود أدلى بشهادة زور. ثم اتهمت وحدة تحقيق ضباط الشرطة ذلك الشرطي، الذي اعترف بأنه لفق الحادث بالكامل، وتم الإفراج عن الشرطي بعد انتهاء التحقيقات ونُقل إلى وحدة أخرى في جيش الدفاع الإسرائيلي. وتمت تبرئة راتب أبو رحمة.

وفي وقت مبكر من هذا العام، قررت محكمة عسكرية ألا تحقق في وفاة باسم أبو رحمة، أحد أقارب عبد الله أبو رحمة، الذي قُتل بقنبلة مسيلة للدموع أثناء احتجاج في بلعين بتاريخ 17 أبريل/نيسان 2009. وفي يوليو/تموز 2010 وافق المحامي العام للجيش على فتح التحقيق في الحادث بعد أن هدد محامي عائلة أبو رحمة باللجوء للمحكمة العليا وبعد تلقي نتائج الطب الجنائي، التي أشارت إلى إطلاق عبوات قنابل مسيلة للدموع على المتظاهرين في خرق لقواعد إطلاق النار.