(القدس، 8 يناير/كانون الثاني 2009) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على مجلس الأمن في اجتماعه يوم 7 يناير/كانون الثاني 2009 ضمن جلسة طارئة رفيعة المستوى أن يأمر بتشكيل لجنة تقصي حقائق للتحقيق في انتهاكات قوانين الحرب المفترض وقوعها في غزة. وقالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب أن يشمل التحقيق هجوم إسرائيل في السادس من يناير/كانون الثاني على مدرسة للأمم المتحدة يلجأ إليها أشخاص مُقعدون في مخيم جباليا للاجئين، وكذلك إساءات أخرى يُفترض أن إسرائيل وحماس قد قاما بارتكابها.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "لابد من إجراء تحقيق جدي ومستقل في الخسارة المروعة في أرواح المدنيين التي وقعت قرب مدرسة الأمم المتحدة، والتي يتصف بها هذا النزاع". وتابع قائلاً: "ولا يمكن إلا لمجلس الأمن أن يُجرِي هذا النوع من التحقيق المحايد النزيه القادر على تحديد ما جرى فعلياً".

وهجوم 6 يناير/كانون الثاني، الذي تناقلت التقارير أنه تسبب في مصرع 30 إلى 40 شخصاً، يُظهر الحاجة إلى تحقيق مستقل واسع النطاق. وقالت الأمم المتحدة في غزة إن المدرسة كان عليها وبوضوح علامات دالة على كونها مبنى تابع للأمم المتحدة وأنها أمدت القوات الإسرائيلية بإحداثيات موقع المبنى بنظام الـ جي بي إس.

ويُعلي عدم قيام إسرائيل وحماس بالتحقيق في مزاعم انتهاكات قوانين الحرب السابقة التي ترتكبها قوات الطرفين من ضرورة المبادرة بتحقيق دولي في هذا الحادث بالإضافة لوقائع أخرى لانتهاك قوانين الحرب المزعومة من قبل طرفي النزاع، حسب ما قالت هيومن رايتس ووتش. وينبغي على بعثة تقصي الأمم المتحدة أن تعلن ما ستنتهي إليه من نتائج وأن تقدم التوصيات لتحميل جميع الأشخاص الذين يُكتشف مسؤوليتهم عن انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب مسؤولية ما اقترفوا.

ولا يمكن لـ هيومن رايتس ووتش إجراء تحقيق مستقل وشامل في هذا الحادث وغيره من الحوادث الأخرى في الوقت الراهن نتيجة للقتال الدائر، ولأن إسرائيل قيدت كثيراً من دخول جميع وسائل الإعلام الدولية ومراقبين حقوق الإنسان إلى غزة منذ مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، كما منعت الدخول بالكامل إلى القطاع منذ اندلاع القتال في 27 ديسمبر/كانون الأول.

وطبقاً لمسؤولين من وكالة الأونروا وشهود عيان تحدثوا إلى وسائل الإعلام وهيومن رايتس ووتش، فحوالي الساعة 3:45 مساء يوم 6 يناير/كانون الثاني، ضربت ثلاث قذائف دبابات إسرائيلية على الأقل المنطقة المحيطة بمدرسة الفاخورة التابعة للأمم المتحدة، ويلجأ إلى المدرسة من القتال المئات ممن فروا من مخيم جباليا المزدحم للاجئين. وأشارت روايات أخرى إلى سقوط قذائف هاون إسرائيلية أو قصف مدفعي إسرائيلي.

وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات الإسرائيلية تعرضت لنيران قذائف الهاون الواردة من داخل المدرسة فردت القوات الإسرائيلية بنيران الهاون على المصدر الذي أتى منه القصف. وجاء في بيان صادر عن الجيش الإسرائيلي في 6 يناير/كانون الثاني إن التحقيقات المبدئية تشير إلى أنه "تم إطلاق عدد من قذائف الهاون على القوات الإسرائيلية من مدرسة جباليا. ورداً على نيران العدو، ردت القوات بقذائف هاون استهدفت المصدر".

وقال متحدث باسم الأونروا، سامي مشاشة، لـ هيومن رايتس ووتش إن مئات الأشخاص لجأوا إلى المدرسة فراراً من القتال الدائر في المنطقة. وكانت الأونروا قد أعدت على عجل 23 ملجأ في المدرسة وفي مبان أخرى في شتى أنحاء غزة، وحتى 6 يناير/كانون الثاني وفرت الأونروا الملجأ لزهاء 1500 شخص مُشرد. وقال جون جينغ، مدير عمليات الأونروا في غزة، لـ هيومن رايتس ووتش إن الأشخاص داخل المدرسة كانوا جميعاً من الأسر الساعية لالتماس اللجوء من القتال.

وجاء في بيان لاحق للجيش الإسرائيلي أن من بين القتلى في المدرسة "عناصر إرهابيين من حماس ووحدة لإطلاق قذائف الهاون". وذكر الجيش الإسرائيلي أن من بين القتلى من مقاتلي حماس عماد أبو عسكر وحسان أبو عسكر، لكن لم يرد في البيان مصدر هذه المعلومات.

وقال شاهد عيان لصحيفة نيويورك تايمز إنه شاهد عنصراً مسلحاً من حماس تعرف فيه على أبو خالد أبو عسكر بالقرب من المدرسة قبل الهجوم مباشرة. وقال الشاهد إنه كان هناك رداً على الدعوات المطالبة بمتطوعين بغية جمع الرمال في دفاعات حول المدرسة في ذلك الحين لـ "المساعدة في حماية مقاتلي المقاومة".

وذكرت وكالة أسوشيتد برس للأنباء شهود عيان فلسطينيين لم يتم ذكر أسمائهم قالوا إن عدة مقاتلين فروا نحو تجمع المدنيين، والظاهر أن السبب كان لحماية أنفسهم، وهذا بعد أن أخطأتهم القذيفة الأولى.

وفي بريد إلكتروني لـ هيومن رايتس ووتش، قال أندرو ويتلي، مدير مكتب تمثيل الأونروا في الأمم المتحدة: "لم يتم الاعتداء مؤخراً على منشآتنا في غزة من قبل المسلحين الفلسطينيين بغية استخدام المنشآت كغطاء أو كمواقع لإطلاق الصواريخ والقذائف. ولم تنطلق، وأكرر "لم تنطلق"، أية قذائف هاون من المدرسة في مخيم جباليا، رغم أننا لا يمكننا استبعاد احتمال وقوع قتال بالقرب من موقع المدرسة في ذلك الحين".

وتحدثت هيومن رايتس ووتش عبر الهاتف إلى رجلين قالا إنهما شهدا الهجوم. ولم يقل أي منهما إنه شاهد مُسلحين من حماس في المنطقة في ذلك الحين. وطبقاً لمعين جاسر، المُدرس البالغ من العمر 45 عاماً، فقد أصابت أربع قذائف تقريباً الأرض حول المدرسة، لكنه لم يتبين نوع القذائف. وقال:

كنت أسير في الطريق الواقعة فيه المدرسة في مخيم جباليا للاجئين. وكنت على مسافة 15 متراً من بوابة المدرسة حين رأيت أشخاصاً يركضون نحوي ما إن دوى صوت القصف. وفيما كنت أسير لم أتمكن من تمييز نوع القذائف لأنها سقطت معاً في نفس الوقت تقريباً. كانت أربع ضربات تقريباً، وبين كل واحدة والأخرى نصف دقيقة. وسقطت القذائف على مقربة من المدرسة وأصابت إحداها محول كهرباء منتصب على عمود أمام المدرسة، وأصابت الشظايا الناجمة عن الانفجار الأشخاص داخل المدرسة. وكانت القذائف في أحجام مختلفة، قطع معدنية حادة للغاية، وأغلبها تبلغ من الطول 5 سم. وكانت الدبابات على مسافة كيلومترين تقريباً إلى الغرب في بيت لاهيا. وبدأت أقدم المساعدة في إسعاف الأشخاص في الشارع ولدى بوابة المدرسة. لم نعرف عدد الإصابات التي خرجت من المدرسة. وعند بوابة المدرسة كانت توجد عربات تجرها الحمير فراح الناس ينقلون متاعهم من المدرسة عليها. ولم أر أي مقاتلين في المنطقة. ولم يسبب القصف الكثير من الضرر للمبنى لكن كانت هذه أول مرة أرى الشظايا تنتشر فيها على هذا النحو جراء انفجار.

وشادي أبو شنر، الذي يعمل حارساً في المدرسة، قال في محادثة هاتفية موجزة إنه كان داخل بوابة المدرسة حين وقع الهجوم:

سمعت فجأة عدداً من الانفجارات لدى البوابة. فخرجت إلى الشارع لأرى جثث الموتى والمصابين يرقدون على الأرض. وكان أغلبهم مُقطعين إرباً، وكان الشارع مليئاً بالأشخاص، وكدت أفقد وعيي جراء ما رأيت. فقد سقطت القذائف على مسافة تتراوح بين 20 إلى 40 متراً من المدرسة، والمدرسة مكتظة بالناس.

وتدعو قوانين الحرب جميع أطراف النزاع إلى اتخاذ كل الاحتياطات المستطاعة لحماية السكان المدنيين. وينبغي ألا يتم شن الهجمات إلا ضد أهداف عسكرية. ومن غير القانوني شن هجمات لا تميز بين المقاتلين والمدنيين، أو حين تكون الخسائر في صفوف المدنيين المتوقعة جراء الهجوم مفرطة لدرجة تتجاوز الميزة العسكرية المتوقعة.

بالإضافة إلى أنه على الأطراف المتحاربة، قدر الإمكان، أن يتحاشوا نشر القوات في أو بالقرب من مناطق مأهولة بالسكان وأن يُبعدوا المدنيين تحت تصرفهم عن الأهداف العسكرية. وحتى إذا كان مقاتلي حماس يطلقون النار من المدرسة أو حولها، كان على القوات الإسرائيلية الالتزام بضمان توجيه الهجمات إلى الأهداف العسكرية فقط وألا يطلقوا النار بشكل عشوائي أو يتسببوا في خسائر غير متناسبة في صفوف المدنيين.

وقال مسؤولو الأمم المتحدة إنهم أمدوا الجيش الإسرائيلي بالإحداثيات الدقيقة بنظام الـ جي بي إس لكافة المرافق التابعة للأمم المتحدة في غزة قبل بدء القتال الدائر، ومن بين المرافق مدرسة الأونروا التي وقع فيها الهجوم يوم الأمس.

وقال جو ستورك: "حدود غزة مُغلقة، لذا فلا يمكن للمدنيين الفرار من المنطقة والملاذ الوحيد المُتاح أمامهم هو أماكن مثل مدارس الأمم المتحدة". وأضاف: "وينبغي على المقاتلين الفلسطينيين أن يبتعدوا عن هذه المدارس وحتى إذا كان بعضهم موجودين في المنطقة بالأمس، فإننا نطرح التساؤل حول إطلاق قذائف متعددة على منطقة يلتمس فيها المدنيون اللجوء".

ويبدو أن هجوم 6 يناير/كانون الثاني هو الواقعة الأكثر حصداً لأرواح المدنيين في غزة منذ بدء هجوم إسرائيل القائم. وطبقاً لوزارة الصحة في غزة، فإن 640 مقاتلاً ومدنياً فلسطينياً على الأقل قد قُتلوا أثناء النزاع حتى الآن، مع إصابة 2850 شخصاً آخرين. وطبقاً للمنظمات الإنسانية، فإن الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف تواجه صعوبة جمة في الوصول إلى الجرحى جراء النزاع القائم، وأعداد الإصابات كثيرة للغاية لدرجة تفوق قدرة استيعاب المستشفيات بكثير.

وفي هجوم منفصل وقع ليلة 5 يناير/كانون الثاني، تعرض للقتل ثلاثة أفراد من أسرة واحدة وكانوا يلجآون إلى مدرسة أسمى الابتدائية التي تديرها الأونروا في مدينة غزة. وكان صاروخاً إسرائيلياً قد ضرب منطقة المراحيض في المدرسة، حسب قول الأونروا، ليتسبب في مقتل حسين محمد عبد المالك السلطان، 24 عاماً، وعبد سمير علي السلطان، 19 عاماً، وروحي جمال رمضان السلطان، 25 عاماً. وكان قد لجأ إلى المدرسة 400 شخص فروا من منازلهم في دير لاهيا في وقت مبكر من ذلك المساء.

وفي الوقت نفسه تستمر حماس في إطلاق الصواريخ يدوية الصنع وصواريخ غراد عمداً أو بشكل عشوائي على مراكز تجمع المدنيين في إسرائيل. وأصاب صاروخٌ بالأمس منطقة جريدة، 20 ميلاً من تل أبيب، ليلحق الإصابات بطفلة تبلغ من العمر 3 أعوام. ومنذ بدء إسرائيل عملية "سبك الرصاص" في 27 ديسمبر/كانون الأول، تم إطلاق أكثر من 500 صاروخ على إسرائيل، حسب قول الجيش الإسرائيلي، مما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين. وطبقاً لـ ماغن ديفيد أدوم، المنظمة الإسرائيلية المشابهة للصليب الأحمر، ألحقت الصواريخ الإصابات بـ 64 مدنياً وأربعة منهم في حالات حرجة.

وعلى الدول التزام بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب، وحين ترتكبها بقصد إجرامي فهي تمثل خرقاً لقوانين الحرب. وحين يظهر الدليل على احتمال وقوع جريمة حرب، فعلى الدولة التزام بالتحقيق فيها، وإذا لزم الأمر أن تلاحق المشتبهين قضائياً. وينبغي على الجماعات المسلحة من غير الدول أن تتخذ الإجراءات التأديبية المناسبة والإجراءات القضائية بحق أفراد قواتها الذين يرتكبون انتهاكات لقوانين الحرب.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن تحقيقات الجيش الإسرائيلي السابقة في انتهاكات قوانين الحرب المفترضة، حين وقعت، كانت معيبة ومليئة بالثغرات لأقصى حد. وانتهت هيومن رايتس ووتش إلى أن التحقيق في مقتل 27 شخصاً في قرية قانا اللبنانية في 29 يوليو/تموز 2006 أثناء حرب إسرائيل وحزب الله، على سبيل المثال، كان تحقيقاً ناقصاً وفيه أخطاء قانونية، كما تعارضت نتائجه مع شهادات شهود العيان. وإثر العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيم جنين للاجئين في الضفة الغربية في أبريل/نيسان 2002، أمدت هيومن رايتس ووتش المسؤولين الإسرائيليين بأدلة قوية على استخدام القوات الإسرائيلية لـ "دروع بشرية" وارتكاب جرائم حرب أخرى.

وعلى حد علم هيومن رايتس ووتش فإن إسرائيل لم تجر قط تحقيقات نزيهة ومستفيضة في هذه الوقائع أو هي حملت العسكريين مسؤولية ما ارتكبوا.

وأثناء الهجوم البري الإسرائيلي الأخير على غزة في مارس/آذار 2008، انتهت هيومن رايتس ووتش إلى أن القوات الإسرائيلية ارتكبت عدة عمليات قتل مُستهدف وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب. وحتى الآن فلم تبدأ أية تحقيقات للجيش الإسرائيلي في هذه الوقائع.

ولم تحقق حماس مع أو عاقبت أي من عناصرها وراء الهجمات الصاروخية غير القانونية منذ عام 2005 ومن يُشتبه في ارتكابهم انتهاكات أخرى لجرائم الحرب.

وتُركز هيومن رايتس ووتش على القانون الدولي الحاكم لإدارة كل من أطراف النزاع للقتال، خاصة فيما يتعلق بحماية غير المقاتلين من مخاطر الحرب. ولا تنظر هيومن رايتس ووتش فيما إذا كان لحماس أو إسرائيل مبررات تكفل لهم حق اللجوء إلى النزاع المسلح أو لأي درجة يحق لهما نشر القوات. وترى هيومن رايتس ووتش أن التزام هذا المنهج هو أفضل السبل لتشجيع جميع أطراف النزاعات المسلحة على احترام القانون الإنساني الدولي.