سيقوم غيري من المتحدثين بمناقشة الانتخابات الأخيرة في الجزائر وحدود التعددية السياسية هناك. أما أنا فسأتناول الهموم المتعلقة بوضع حقوق الإنسان: المشكلة التي لم تحل حول "حالات الاختفاء" التي تقف وراءها أجهزة الأمن والجماعات المسلحة التي تقاتل الحكومة؛ وتعذيب المشتبه بهم أثناء التحقيق؛ والقيود المفروضة على حرية الصحافة؛ والتمييز القانوني ضد النساء؛ وعدم استقلالية القضاء. وفي النهاية سأشرح أسباب قلقنا حيال إمكانية إصدار عفو عام من شأنه أن يوفر الحصانة لموظفي الدولة وللكثير من العناصر المسلحة ويحميها من المحاسبة على الانتهاكات التي اقترفتها والتي تصل، في بعض الحالات، إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.

ولكن دعوني أقول، في البداية، بضع كلمات عامة عن العلاقة بين حماية حقوق الإنسان والحريات الديموقراطية من جهة ومحاربة الإرهاب من جهة أخرى. إن كل ما سأقوله عن الجزائر اليوم يقوم على قناعة أنه ليس ثمة مفاضلة بين هذين الهدفين. الإرهاب يشكل بجلاء تهديداً للحرية وللقانون ولقيم حقوق الإنسان العزيزة علينا. ولكن الإرهابيين هم أول المستفيدين من فشل الحكومات في احترام هذه القيم. والحركات العنفية إنما تزدهر تحديداً في المجتمعات التي لا يجد فيها الناس العاديون سبلاً سلمية للتعبير عن مظالمهم. وعندما تقوم الحكومات بتقييد حرية التعبير وقمع الأحزاب السياسية ومعاقبة المنشقين السلميين، فإنها بذلك لا تضر من يلجئون إلى العنف لتحقيق أهدافهم، بل تضر الحركات السياسية الديموقراطية المعتدلة التي تحتاج إلى الحريات كي تستمر – وهي بالضبط القوى التي تعدّل ثقل الجماعات العنفية. وعندما يربط الناس في هذه المجتمعات بين حكوماتهم التي تنتهك حقوقهم والولايات المتحدة فإن ذلك يساعد الجماعات الإرهابية مثل القاعدة في رسم أمريكا على أنها عدو العالم الإسلامي، مما يساعد الإرهابيين في سعيهم لكسب القلوب والعقول.
ولهذا السبب أرحب بإقرار إدارة بوش أن محاربة الإرهاب تقوم في جزء منها على تعزيز الحريات الديموقراطية وحقوق الإنسان. ولكن يجب ترجمة هذا الإقرار إلى سياسات موافقة. والجزائر محك مهم في هذا المجال.
فقد زار الجزائر منذ أحداث 11 أيلول 2001 عدد من المسؤولين الأمريكيين وأثنوا على التعامل الجزائري مع حالات العصيان المسلح. فعلى سبيل المثال قال وليم بيرنز، مساعد وزير الخارجية، في ديسمبر/كانون الأول 2002 إن "هناك الكثير من الأشياء التي يمكن لواشنطن أن تتعلمها من الجزائر حول سبل محاربة الإرهاب". لقد عانى الجزائريون من ويلات الإرهاب كأي شعب على الأرض، وأفعال الإرهاب هذه تستدعي الإدانة الكاملة. ومع ذلك، ومن زاوية حقوق الإنسان، فإن سجل الجزائر الموثّق عن التعذيب و"الاختفاء"، يشكل من نواح عديدة نموذجاً لكيفية عدم محاربة الإرهاب.
ففي يناير/كانون الثاني من عام 1992 عطل انقلاب مدعوم من الجيش الانتخابات الوطنية التي كانت ستقود إلى سيطرة جبهة الإنقاذ الإسلامية على البرلمان. وكانت الجزائر قد شهدت بعض الأعمال الإرهابية قبل ذلك، ولكن هذه الأعمال صارت وباءً حقيقياً بعد إلغاء العملية الانتخابية.
ويتراوح عدد ضحايا العنف السياسي في الجزائر منذ 1992 بين 100 ألف و200 ألف قتيل. وقد نقل عن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قوله في 23 فبراير/شباط الماضي إن الرقم هو 150 ألف. والواقع أنه لا يوجد رقم دقيق لعدد القتلى أو لعدد الضحايا من المدنيين وقوى الأمن والعناصر المسلحة، أو لنسبة القتلى الذين سقطوا على يد الجماعات المسلحة والذين سقطوا على يد قوى الأمن أو حلفائها المدنيين.
لقد تحمل المدنيون عبء العنف، من عشرات الصحفيين والمثقفين والشخصيات السياسية والثقافية الذين استهدفهم الاغتيال في المدن، إلى آلاف القرويين الذين ذهبوا ضحية المجازر العشوائية سواء في المناطق النائية أو في ضواحي العاصمة. أضف إلى أن الكثير من النساء تعرضن للاختطاف والاغتصاب من قبل عناصر الجماعات المسلحة. ونادراً ما تعلن مختلف الجماعات المسلحة مسؤوليتها عن العمليات المحددة، ونادراً أيضاً ما قامت السلطات بتحقيق جدي أو قدمت الجناة المشتبه بهم إلى العدالة.
وقد قامت قوى الأمن، باسم محاربة العصيان، باعتقال وتعذيب آلاف المشبوهين. ونفذت إعدامات عاجلة، وغالباً ما كانت تجمع الضحايا على نحو عشوائي انتقاماً للهجمات التي كانت تشن على وحداتها. فبين 1993 و1997، اعتقلوا و"أخفوا" ما يقدر بسبعة آلاف جزائري لا يزال مصيرهم مجهولاً إلى اليوم.
وقد شهدت السنوات الخمس الماضية تراجعاً ملحوظاً للعنف السياسي. ولكن ما تزال الجزائر تواجه إرثاً من القمع يثقل كاهل البلد ويشوش آفاق الإصلاح المستمر والدمقرطة الحقيقية.
وعلي أن أشير إلى أن تقييمنا للظروف الحقيقية على الأرض كان محدوداً بسبب عجز منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوق الإنسان الدولية الأخرى عن الدخول بشكل منتظم إلى الجزائر. فالجزائر، على خلاف تونس والمغرب، تطلب تأشيرة دخول للمواطنين الأمريكيين ومواطني معظم الدول الأوربية، ونادراً ما تمنح هذه التأشيرة لمن يدخل باسم منظمة معنية بحقوق الإنسان. ففي 22 فبراير/شباط منعت السلطات دخول وفد يمثل ثلاث منظمات، الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان والشبكة المتوسطية الأوربية لحقوق الإنسان ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. وتنتظر مجموعة العمل حول حالات الاختفاء القسرية والإجبارية التابعة للأمم المتحدة منذ خمس سنوات الحصول على موافقة على طلبها زيارة الجزائر. ولازال المقرر الخاص التابع للأمم المتحدة بشأن التعذيب والمقرر الخاص التابع للأمم المتحدة بشأن الإعدامات العشوائية والعاجلة والتي تتم بعيداً عن القضاء، ينتظران أيضاً السماح لهما بزيارة الجزائر. ويسرني أن أشير إلى أن منظمة هيومن رايتس ووتش قد علمت للتو بالموافقة على طلبها القيام بمهمة بحث، بعد انتظار دام أكثر من سنتين، ونحن نتطلع إلى القيام بهذه الزيارة في غضون الأسابيع القادمة.

التعذيب وحرية الاجتماع وحرية الصحافة
لقد تحسنت صورة حقوق الإنسان الإجمالية بعد تلك السنوات التي شهدت أسوأ أصناف العنف. فقد قلت الاعتقالات الأمنية وقلت التقارير الواردة عن عمليات التعذيب، رغم أن المعتقلين هم باستمرار تحت طائلة التعذيب أو سوء المعاملة. كما أن الناس لم يعودوا معرضين "للاختفاء" كالسابق. لقد قتل عناصر الأمن أشخاصاً غير مسلحين في أحوال نزاعية، ولكن الإعدامات الفورية لم تعد شائعة. ومع ذلك، فإن هذا التقدم سوف يظل برأينا هشاً ومعرضاً للارتداد، ما لم يستطع القضاء الجزائري ضمان إجراء محاكمات نزيهة وعادلة، وما لم يوضع حد للثقافة التي يفلت فيها مرتكبو الجرائم الخطيرة من العقاب.
لقد قام البرلمان الجزائري، في أكتوبر/تشرين الأول 2004، بخطوة إيجابية ترمي إلى تعديل قانون العقوبات بحيث يجرم أعمال التعذيب. ولا نزال قلقين لأن التعديل جاء أدنى من المقاييس العالمية من حيث فشله في تجريم العقوبة أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛ ومن حيث فشله في الإشارة إلى أن التعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة تتم بموافقة أو بمعرفة مسؤول حكومي أو شخص آخر يتصرف بتخويل رسمي.
وفي يناير/كانون الثاني قالت السلطات الجزائرية: "بفضل سياسة الوفاق المدني التي سرعت تطبيع الوضع الأمني، فإن الإرهاب – المتراجع – اليوم لم يعد يشكل تهديداً جدياً لشعب ومؤسسات البلد". ورغم هذا التصريح، رفضت الحكومة حتى الآن إلغاء حالة الطوارئ المفروضة منذ 14 سنة. ويحرم قانون الطوارئ الناس من بعض الحقوق، إذ يسهّل للسلطات منع اللقاءات والحشود العامة عندما لا تروق لها أجندتها، ويمكّن وزارة الداخلية من اعتقال الناس دون تهم، وقد استخدمت الوزارة هذه المادة كثيراً في البداية ضد الإسلاميين المشتبه بهم، ولكن خف ذلك في السنوات الأخيرة. إن على الولايات المتحدة، في دفاعها عن سيادة القانون، يجب أن تحث على رفع هذا القانون الاستثنائي.
ورغم حالة الطوارئ فإن الحكومة تتسامح مع الكثير، ولكن ليس مع الجميع، من التجمعات والحشود العامة التي تقوم بها جماعات المجتمع المدني والأحزاب السياسية. ويسمح لمنظمات حقوق الإنسان بالعمل مع بعض العوائق ومن ضمنها القانون الذي يقيد تشكيل الجمعيات. وقد حاولت الحكومة معالجة شكاوى القبائل أو البربر بعد الاضطرابات التي وقعت في 2001 وقتل فيها مئة شخص، غالبيتهم بنيران رجال الأمن.
وفي حين تبقى الإذاعة والتلفزيون على نحو خاص تحت سيطرة قوية من الدولة، فإن وسائل الإعلام المكتوبة صريحة وغالباً ما تنتقد الحكومة. ولكن يبقى وضعها غير مستقر. ويتضمن قانون الصحافة وقانون العقوبات عقوبة السجن لتهمة القذف، ويشكل تخصيص مكان لإعلانات القطاع العام وسيلة لمكافأة – أو الضغط على – الصحف. وقد تدهور وضع الصحافة فعلاً بعد إعادة انتخاب بوتفليقة في أبريل/نيسان الماضي. ففي حزيران، بدأ أحد أقسى منتقدي الرئيس، مدير تحرير يومية لو ماتان محمد بن شيكو، بقضاء فترة سجن مدتها سنتان بعد مقاضاته لدوافع سياسية بانتهاك قانون العملات. كما قضى حفناوي غول، وهو صحفي من جريدة اليوم وعضو الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، نصف عام 2004 في السجن بتهم تشويه سمعة جراء مقالات له تتهم مسؤولين محليين في منطقته جلفة، بالفساد وسوء الإدارة. وتشكل هذه الحالات تطوراً مزعجاً في بلد يتعرض فيه الصحفيون غالباً للاستجواب والمحاكمة ولكن نادراً ما يودعون في السجون.
وقد جعلت حكومة الولايات المتحدة، ولاسيما سفيرها ريتشارد إردمان، قضية حرية الصحافة على جدول أولياتها في الجزائر. فعلى ضوء الضغوط الأخيرة التي يتعرض لها الصحفيون فإنه يمكن القيام بالكثير. مثلاً، على أمريكا أن توضح أن قانون الصحافة الذي يمكن أن يحكم بالسجن على الصحفي للقذف أو التشهير لا يتماشى مع المعايير الدولية لحرية التعبير.

العفو والمساءلة
مع تراجع العنف السياسي اتبع الرئيس بوتفليقة أجندة "مصالحة وطنية". ففي 1999 ظفر بقانون "الانسجام الوطني" الذي قدم للمقاتلين الذين يستسلمون ولم يرتكبوا هم أنفسهم أعمال قتل وتفجير أو غيرها من الجرائم الخطرة، حصانة ضد المقاضاة. كما حد القانون من الأحكام القضائية بحق من يستسلم من المقاتلين ويعترف بالمسؤولية عن "الموت أو الأذية الدائمة لشخص أو عن الاغتصاب أو استخدام المتفجرات في الأماكن العامة أو في الأماكن التي يتردد عليها الناس". وكان من المفترض باللجان التي تشرف عليها الحكومة أن تدرس كل حالة وتقرر هل تنطبق الشروط على طالب العفو لاستثنائه من المقاضاة أو للحد من فترة حكمه أم لا. وفي الواقع، لم تعمل هذه اللجان بشفافية وقد برأت الكثير من المتقدمين بطلبات دون دراسة سجلاتهم. وفي يناير/كانون الثاني 2000 أعلن الرئيس بوتفليقة ما كان في الواقع عفواً شاملاً عن جميع أعضاء المجموعتين المسلحتين اللتين كانتا ملتزمتان بوقف النار، بغض النظر عن الجرائم التي قد يكون العضو قد ارتكبها.
وفي المرحلة التالية من "المصالحة الوطنية" ألمح الرئيس بوتفليقة في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2004 إلى احتمال صدور عفو عام، وتعهد بعرضه على الاستفتاء العام. ومنذئذٍ تعمل الحكومة على إعداد الرأي العام لقانون عفو تقول التقارير إنه سيقدم للبرلمان هذا الربيع. وبالرغم من أن التفاصيل لم تعلن، إلا أنه من المتوقع أن تتوسع الرحمة لتشمل المقاتلين المسلحين وأيضاً أن تغطي، للمرة الأولى، الجرائم التي ارتكبها عناصر قوى الأمن.
إن هيومن رايتس ووتش تؤيد جهود الجزائريين في لأم جراح عقد من العنف المرعب، وتعتقد أن إجراءات الرحمة تخدم في هذا الاتجاه. ولكن مبادرات "المصالحة الوطنية" التي يطلقها الرئيس بوتفليقة، وعلى خلاف الآليات التالية للصراع في البلدان الأخرى، لا تشتمل على آليات لكشف حقيقة ما حدث ولضمان العدالة تجاه أشنع الجرائم التي ارتكبت ضد حقوق الإنسان. وسيكون من شأن قانون العفو العام أن يفاقم هذا التيار الخطير الذي يحمل بذور زعزعة الاستقرار، ما لم يكفل إجراء تحقيقات موثوقة في جرائم الماضي وما لم يستثني من العفو مرتكبي أشنع الجرائم.
إن معالجة قضية "الاختفاء" هي في صلب الموضوع. لقد بدأت أخيراً هذه القضية، إلى حد بعيد بفضل صمود أسر "المختفين"، الذين يتعلقون بأمل أن يكون أحباؤهم ما يزالون على قيد الحياة، تحوز على اهتمام الصحافة الوطنية والعالمية في عام 1997. وقد أصبح الجمهور والصحافة الجزائرية شديدي الحساسية تجاه محنتهم مع اتضاح أن من بين الضحايا يوجد عدد كبير من الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالعنف، وأنه لا أحد من "المختفين"، على أي حال، قد عرض على المحكمة قبل أن يختفي.
ومع السنين تراكمت الشكاوى من مئات الأسر في المحكمة بخصوص ذويهم "المختفين" زاعمين أن اعتقال أقربائهم غير قانوني. وقدم الكثير منهم أسماء شهود عيان راغبين بتقديم شهادتهم. ولكن نظراً للحالة المزرية للنظام القضائي الجزائري لم ينجم عن أية حالة تحديد لمكان وجود الشخص "المختفي" أو تسجيل التهم ضد عنصر الأمن المسؤول عن "الاختفاء".
وقد اعترف المسؤولون الحكوميون بمشكلة "الاختفاء" وأسسوا سلسلة متعاقبة من الهيئات المسؤولة عن تلقي شكاوى الأسر والتحقيق في مصير ذويهم المفقودين. ولم تقدم أي من هذه الهيئات ولو معلومة بسيطة واحدة موثوقة للأهالي. وكانت الهيئة الرسمية الأخيرة التي تم تشكيلها لمعالجة المشكلة، الآلية الخاصة بموضوع "الاختفاء"، قد أدامت هذا الظلم. في حين أصر رئيس الهيئة، مصطفى فاروق كزنتيني، مراراً أن حالات الاختطاف كانت من فعل عملاء دولة أفراد وليس من فعل مؤسسات الدولة. هذا استنتاج مريح للدولة ولكن تم التوصل إليه دون إجراء أي تحقيق لكشف الحقائق. نأمل أن تعالج الآلية هذه القضية بأسلوب أكثر جدية عندما ستقدم توصياتها النهائية في نهاية هذا الشهر للرئيس بوتفليقة.
ويختلف ذوو "المختفين" حول القبول بالتعويض المالي الذي يرجح أن يقدم لهم من قبل الحكومة، والمدى الذي يجب وفقه محاسبة الخاطفين جنائياً على الأفعال التي اقترفوها. ولكن ذوي "المختفين" يشتركون في السخط من فشل الحكومة في تقديم معلومات محددة عن مصير أحبائهم، الفشل الذي يخافون أن تكون جهود الحكومة "بقلب الصفحة" في عام 2005 عبر العفو العام وغيره من الإجراءات، هي شكل من المصادقة عليه.
وليس أهل "المختفين" هم وحدهم من الجزائريين الذين يمثل شعورهم بالظلم عامل زعزعة ممكن للاستقرار في المستقبل. فالكثير من الجزائريين، ولاسيما من وقع أقرباؤهم ضحايا الجماعات المسلحة، يكرهون أن يجدوا أفراد هذه الجماعات معفى عن جرائمهم ومعاد دمجهم في المجتمع في حين لم يتلق ضحاياهم نفسهم سوى القليل من المساعدة من الدولة أو لم يتلقوا أية مساعدة على الإطلاق. كما أن إدراك الناس للحصانة التي يتمتع بها عناصر قوى الأمن، التي أثارت اضطرابات متفرقة في أرجاء البلد، سوف يتعزز باقتراح العفو الذي يحمي عناصر الأمن من المقاضاة حتى عن الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبوها في سنوات الصراع.
الفكرة الأساسية هي أن العفو لن يؤدي إلى النسيان. وستبقى الندبات ومشاعر الاستياء الناجمة عن العنف الماضي قابعة تحت السطح لسنوات قادمة. إن الاستقرار في الجزائر، كما في كل مجتمعات ما بعد الصراع، يعتمد في جزء منه على كشف الحقيقة والمحاسبة.

حقوق المرأة
إن حماية حقوق المرأة تشكل تحد مهم آخر أمام الجزائر. وتبقى الجزائر، في هذا المجال، مفارقة. لدى تحدث السلطات الجزائرية عن قرارها وقف الانتخابات في 1992، غالباً ما تشير إلى شبح التراجع الشديد في وضع النساء الذي قد يتم في حال فوز الحزب الإسلامي بالسلطة. ومهما يبدو كلامها مقنعاً في الظاهر، فإن السلطات لم تفعل شيئاً لإصلاح قانون الأسرة لعام 1984 الذي يقوم على تفسير الشريعة بصورة معادية للمرأة. فالقانون يعامل النساء على أنهن قاصرات قانوناً ويجيز التمييز ضدهن في الزواج والطلاق والإرث ورعاية الأطفال. وطالما عمل المدافعون عن حقوق المرأة في الجزائر على إلغاء هذا القانون أو تعديله جذرياً.
القانون يسمح للرجل بفك زواجه من طرف واحد دون سبب. ولا يمكن للمرأة أن تحصل على الطلاق، ما لم يوافق الزوج، إلا عبر التماس المحكمة على أساس بعض أنماط الأذى أو الإجحاف الذي يحدده القانون. وفي هذا السياق، من المرجح أن تواجه المرأة سلسلة من العقبات القانونية والإجرائية.
ويمنح القانون الزوج الوصاية القانونية على الأطفال القاصرين، حتى بعد أن تمنح الزوجة رعايتهم في إجراءات الطلاق. وهذا يعني، مثلاً، أن توقيع الأب ضروري للحصول على جواز سفر أو لدخول المدرسة.
وفي الواقع، غالباً ما ينتهي الأمر بالمرأة التي يطلقها زوجها إلى التشرد، حتى لو كان لديها أطفال تحت رعايتها.
ويحسب للرئيس بوتفليقة أنه لدى إعادة انتخابه في أبريل/نيسان الماضي، أقسم على الملأ أن يصلح القانون، قائلاً إنه يرفض أن "تجبر المرأة على الخضوع لوضع ينتقص من حقوقها وينزلها منزلة أقل من منزلة الرجل".
وفي 22 فبراير/شباط، صادق مجلس الوزراء الجزائري على إصلاحات مقترحة تقلل وفي بعض الحالات تلغي المواد التمييزية من القانون العائلي. ومن المتوقع أن يوافق البرلمان على هذه التغييرات التي تمس الحاجة إليها. وقد انتقد ناشطو حقوق المرأة في الجزائر التعديلات المقترحة على أنها أقل من المطلوب. وقد أعربوا عن خيبتهم على نحو خاص من وجود مواد تنص على وجود وصي على العروس، أثناء عقد الزواج، حتى لو كانت العروس بالغة قانونياً. وهذه المادة، كما يرى الكثير من الناشطين، تديم وضع دونية المرأة في الزواج. وسيواصل الناشطون نضالهم من أجل تحقيق مساواة تامة في القانون وفي التطبيق. إننا نحض الولايات المتحدة على أن تتخذ النموذج نفسه في تقييم هذا الإصلاح، وأن تشجع جهود الدولة لتعليم القضاة والعامة لضمان مقدرة المرأة على الانتفاع من هذه الحماية القانونية الجديدة.
ويسرنا أيضاً أن نشير إلى أن إصلاحات 2004 على قانون العقوبات تجعل التحرش الجنسي إساءة يعاقب عليها القانون. وفي الشهر الماضي، صادق مجلس الوزراء على إصلاح قانون الجنسية بحيث يصبح من الممكن للمرأة الجزائرية المتزوجة من رجل أجنبي أن تنقل جنسيتها إلى أطفالها للمرة الأولى. ونأمل أن يتم سريعاً إدخال هذا الإصلاح في القانون.

خاتمة
لقد حافظت الجزائر، رغم الصراع السياسي الرهيب في التسعينات، على هامش من حرية الصحافة ونشاط المجتمع المدني المستقل والمعارضة السياسية. ومع تراجع العنف، تراجعت أيضاً التقارير التي تتحدث عن انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان.
ولكن قبل أن تتمكن الجزائر من المضي قدماً، فإنها تحتاج إلى أن تعالج ميراث الماضي العنيف الذي يثقل كاهلها. فخلال التسعينات، لم يتم عملياً القيام بأي جهد للتحقيق في الاغتيالات والمذابح و"الاختفاء" وأعمال التعذيب التي ارتكبت. ويجب البدء بهذا الجهد الآن.
إن تجربة البلدان التي تتعافى من فترات الصراع التي مرت بها تظهر أن الديموقراطية القابلة للاستمرار لا تأتي من دفن الماضي. فالانتقال السليم يتطلب عملية تحقيق وتشكيل سجل عام عن الانتهاكات التي ارتكبت، وفرض آلية محاسبة عن انتهاكات الماضي بشكل مقنع للجمهور. هذه هي السبل التي يمكن للمجتمع من خلالها التعلم من الماضي وتجاوزه. صحيح أن فتح الماضي يمكن أن يهيج المشاعر والاتهامات المتبادلة، إلا أن نكران الماضي أو تجاهله ينطوي على مخاطر أكبر.
وقد أظهرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة اهتماماً بقضية عائلات "المختفين" الجزائريين. والآن مع قيام السلطات الجزائرية بالترويج لفكرة العفو العام، على الولايات المتحدة أن تعلن على الملأ أن أي "مصالحة وطنية" حقيقية يجب أن تتضمن عملية كشف للحقيقة وإحقاق العدالة فيما يخص حالات "الاختفاء" والانتهاكات الكبيرة الأخرى التي وقعت في الماضي. وسيكون هذا الإجراء منسجماً تماماً مع السياسة الأمريكية في المجتمعات الأخرى التي دمرها الصراع المدني، من كولومبيا إلى العراق مروراً بالبلقان.
بالطبع، على الجزائريين أنفسهم أن يلعبوا الدور القيادي في تقرير آلية المحاسبة على هذه الانتهاكات. ولكن يمكن لأمريكا أن تحض على أن يكون الأسلوب الذي يقرر به الشعب الجزائري خياره حراً بشكل حقيقي وناجماً عن وعي جيد وعن تأن واستشارة، كما كان الحال بالنسبة لمواطني جمهورية جنوب أفريقيا عندما تبنوا نموذجهم الخاص في التعامل مع جرائم نظام الفصل العنصري خلال سنوات حكمه.
إن اللحظة الراهنة في تاريخ الجزائر تذكر من بعض النواحي بالمنعطف الذي واجهته البلاد منذ حوالي 15 سنة. موجة من الإصلاح السياسي جاءت بعد أحداث الشغب التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 1988، الأحداث التي قمعتها قوات الأمن الجزائرية بعنف فقتلت حوالي خمسمائة متظاهر وعذبت المئات. وقد دفعت الإصلاحات الكاسحة التي عقبت الأحداث والتراجع في التقارير الواردة عن التعذيب، دفعت عدد غير قليل من المراقبين للإعلان أن الجزائر، وهي دولة الحزب الواحد منذ الاستقلال، في طريقها الآن إلى التحول نحو الديموقراطية التعددية. وبالرغم من التقدم على بعض الجبهات، لم يتم محاسبة أحد على عمليات القتل غير القانونية وعلى عمليات التعذيب الواسعة التي قام بها أولئك الذين قمعوا اضطرابات 1988، وفي 1990 تبنى البرلمان عفواً شاملاً قدم لهم الحماية من المقاضاة. وبعد ثلاث سنوات، وعلى نحو مأساوي، لم تتوان قوات الأمن، عندما كانت تحاول سحق جبهة الإنقاذ الإسلامية والتصدي لانتشار الهجمات المسلحة، في استخدام طرق القمع العشوائية وغير القانونية، طرق أكثر قسوة من كل ما شهدته البلد في تاريخها الحديث.
عندما يخبو الصراع العنيف، تنبثق دوافع طبيعية لنسيان الماضي. ولكن اليوم، كما في عام 1990، فإن العفو الذي يؤمن الحماية للانتهاكات الخطيرة التي لم يتم حتى التحقيق فيها، يزيد من خطر اندلاع أعمال الماضي الإرهابية في يوم ما بدلاً من أن يخمدها.