قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن إحدى محاكم أمن الدولة (طوارئ) برأت اليوم ساحة الناشط المناهض للحرب والمعارض السياسي أشرف إبراهيم من جميع التهم الموجهة إليه، بما في ذلك تهمة إرسال "معلومات كاذبة" عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر إلى منظمات أجنبية. وهذا الانتصار القضائي يؤكد ضرورة قيام الرئيس المصري حسني مبارك بإلغاء قانون الطوارئ في مصر.

وقال جو ستورك، القائم بأعمال المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش
"لقد أمضى أشرف إبراهيم قرابة عام وراء القضبان لا لشيء سوى أن آراءه وأنشطته السياسية لا تروق للحكومة؛ وإذا كان الرئيس مبارك جاداً بشأن الإصلاح السياسي، فحري به أن يضمن أن تكون هذه آخر محاكمة تجري أمام محاكم الطوارئ".
وكان إبراهيم قد اعتُقل في 19 أبريل/نيسان 2003، بموجب قانون الطوارئ الذي يجيز اعتقال الأشخاص على نحو تعسفي ولأجل غير مسمىً. وقد تضمن قرار الإحالة الذي أصدرته النيابة ضده هو وأربعة متهمين آخرين لم يكونوا في الحبس، عدة اتهامات من بينها قيادة "جماعة الاشتراكيين الثوريين"، وهي جماعة وصفتها النيابة بأنها "مؤسسة على خلاف أحكام القانون و...تدعو إلى إسقاط نظام الحكم"؛ كما اتُّهم بأنه"حاز مطبوعات تتضمن ترويجاً وتحبيذاً لأغراض [هذه] الجماعة"، وإعدادها "للتوزيع وإطلاع الغير عليها".

كما اتهم قرار الإحالة إبراهيم تحديداً بأنه "بصفته مصري الجنسية أذاع عمداً في الخارج أخبارا كاذبة عن الأوضاع الداخلية بالبلاد من شأنها إضعاف هيبة الدولة واعتبارها بأن تعمد إرسال معلومات كاذبة لجهات خارجية ـ منظمات أجنبية لحقوق الإنسان ـ على خلاف الحقيقة تتضمن انتهاك حقوق الإنسان بالبلاد وكان من شان ذلك إضعاف هيبة الدولة واعتبارها".

وخلافاً لإبراهيم، لم يكن المتهمون الأربعة الآخرون في الحبس، ولكن محكمة أمن الدولة العليا برأتهم هم الآخرين اليوم؛ وهم: ناصر فاروق البحيري، ويحيى فكري أمين زهرة، ومصطفى محمد البسيوني، وريمون إدوارد جندي مرجان. وأثناء المحاكمة، ادعى فريق المحامين المدافعين عن إبراهيم بأن النيابة استهدفته لأنه كان يرصد الأساليب الوحشية التي مارستها الشرطة في القاهرة ضد المتظاهرين المعارضين للحرب على العراق؛ وكان هؤلاء قد تظاهروا في مارس/آذار

2003 احتجاجاً على الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق.كما أن إبراهيم من النشطاء في "اللجنة الشعبية للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية"، وهي لجنة تجمع المعونات الغذائية والطبية للفلسطينيين في قطاع غزة، وتنظم المظاهرات السلمية ضد السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. وأثناء محاكمة إبراهيم، فشلت النيابة في الإتيان بأدلة تثبت ما اتهمته به من إرسال معلومات لمنظمات حقوق الإنسان الدولية؛ مع أن مصر، باعتبارها من الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ملزمة بحماية الحق في حرية تبادل المعلومات.

وطعن المحامون المدافعون عن إبراهيم في مصداقية الأدلة التي زعمت النيابة أن الشرطة عثرت عليها أثناء تفتيشها منزله في أبريل/نيسان 2003؛ وجاء في أقوال لجنة من خبراء الكمبيوتر قامت المحكمة بتعيينها أن الشرطة اطلعت على البيانات المحفوظة في القرص الصلب بجهاز الكمبيوتر الخاص بإبراهيم عندما كان في حوزتها، مما أثار احتمال تلاعب الدولة بالأدلة التي زعمت العثور عليها في جهاز الكمبيوتر. وقال الخبراء إن الكمبيوتر الذي جاءت به النيابة باعتباره من الأدلة المقدمة ضد المتهم لا يمكن أن يكون هو نفس الكمبيوتر المشار إليه في قرار الاتهام.

وطوال محاكمة إبراهيم، اعتمدت النيابة اعتماداً شديداً على مصادر لم تكشف عنها لدعم صحة ما زعمته من أن إبراهيم تولى قيادة جماعة سرية تسمى "جماعة الاشتراكيين الثوريين"، التي قالت النيابة إنها تدعو إلى إقامة نظام حكم اشتراكي في مصر. وفي الوقت ذاته، فقد ادعت الحكومة أن إبراهيم كان يخطط لتشكيل هذه الجماعة، مما يوحي بأن مثل هذه الجماعة لا وجود لها في الوقت الراهن.

وأشار محامو الدفاع إلى أن الدستور المصري ينص في المادتين 1 و4 على أن مصر
"دولة نظامها اشتراكي ديمقراطي"،
وأن المادة 59 تعتبر "حماية المكاسب الاشتراكية ودعمها والحفاظ عليها" واجباً وطنياً.
وفي 29 فبراير/شباط، لمَّحت وزارة الداخلية المصرية، في مذكرة أرسلتها لمنظمة هيومن رايتس ووتش، إلى أن النيابة قد توجه لآخرين من دعاة حقوق الإنسان تهماً مماثلة للتهم التي وجهت إلى إبراهيم. واتهمت المذكرة "الجمعية المصرية لمناهضة التعذيب"، وهي منظمة غير حكومية، بمحاولة "تخريب مساعي الوزارة وسياستها المعتمدة، والتشهير بها أمام الرأي العام في الداخل والخارج"؛ وقالت المذكرة إن هذه الجمعية قد انضمت لهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية في "حملة منظمة مشبوهة ضد البلاد في مجال حقوق الإنسان، خاصة إذا ما أُخذ تسييس حقوق الإنسان بعين الاعتبار".

وقد تأسست "الجمعية المصرية لمناهضة التعذيب" عام 2003 بهدف مكافحة تفشي التعذيب في نظام القضاء الجنائي المصري؛ وفي 24 سبتمبر/أيلول 2003، أرسلت وزارة الشؤون الاجتماعية خطاباً للجمعية توضح فيه حيثيات قرارها السابق برفض طلب تسجيل الجمعية باعتبارها جمعية أهلية. وزعم مسؤولو وزارة الداخلية أن الدستور المصري لا يجيز للجمعيات الأهلية الانخراط في أنشطة الدعوة الخاصة بالقوانين والتشريعات؛ كما أشارت الوزارة في مذكرتها المذكورة اعلاه إلى أن "الانضمام لشبكات دولية تحت أي ذريعة أو مسمى، فضلاً عن أن تشكيل جماعات الضغط للتأثير على صانعي القرار، يعد خرقاً للنظام العام أولاً، وللقانون ثانياً".

وقال ستورك
"بالرغم من تبرئة ساحة إبراهيم اليوم، فإن اعتقاله المديد الذي يرجع لدوافع سياسية، والتهديد المبطن للمناضلين ضد التعذيب في مصر، يظهران بجلاء أن الحقوق السياسية الأساسية لا تزال في مهب الريح في مصر".
خلفية
ظلت مصر خاضعة للحكم بقانون الطوارئ بصفة شبه مستمرة منذ عام 1958؛ ويمنح قانون الطوارئ الحكومة سلطات واسعة لتعطيل الحريات الأساسية، بما في ذلك سلطة إلقاء القبض على المشتبه فيهم، كما تشاء الحكومة، وإيداعهم الحبس بلا محاكمة لفترات طويلة، وإحالة المتهمين المدنيين إلى المحاكم العسكرية أو إلى محاكم أمن الدولة الاستثنائية؛ وهي محاكم لا يمكن إلغاء أحكامها أو تعديلها إلا بقرار من رئيس الجمهورية.
وتقضي المادة 80 (د) من قانون العقوبات المصري بتوقيع عقوبة السجن لمدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن خمس سنوات على ""كل مصري أذاع عمداً في الخارج أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة حول الأوضاع الداخلية للبلاد" أو "باشر بأية طريقة كانت نشاط من شأنه الإضرار بالمصلحة القومية للبلاد".

أما المادة 86 مكرر من قانون العقوبات، التي صدرت ضمن مجموعة من قوانين مكافحة الإرهاب عام 1992، فتقضي بفرض عقوبات جنائية على "كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار على خلاف أحكام القانون"، أو "كل من حاذ بالذات أو بالواصته أو احرز محررات أو مطبوعات أو تسجيلات" ل"جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة، يكون الغرض منها الدعوة بأي وسيلة إلى تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو منع إحدى مؤسسات الدولة أو إحدى السلطات العامة من ممارسة أعمالها، أو الاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن أو غيرها من الحريات والحقوق العامة التي كفلها الدستور والقانون، أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي".