امرأة سعودية تقود سيارتها بمحاذاة الطُرُقات الجانبية لحي في جدّة، السعودية، 21 يونيو/حزيران 2018.

© رويترز/زهرة بن سمرة

رفعت السعودية هذا الشهر الحظر الذي فرضته منذ عقود على قيادة المرأة للسيارة، لكن اللحظة تلطخت بانتقام الحكومة السعودية من الذين يقودون الكفاح من أجل حق المرأة في القيادة منذ فترة طويلة. رحّب مصنعو السيارات بالتغيير حينها، كغيرهم من الذين اعتبروا الخطوة مشجعة لحقوق متساوية للنساء في المملكة. لكنهم صمتوا الآن.

في سبتمبر/أيلول الماضي، أعلنت الحكومة للمرة الأولى رفع حظر القيادة. في غضون أيام، أشادت شركات "فولكسفاغن"، و"ميني كوبر" من "بي إم دبليو"، و"نيسان" و"جاغوار" و"شيفروليه" من "جنرال موتورز"، و"فورد" علنا ​​بهذه الخطوة وانحازت إلى السائقات. بحسب ما ورد، وعدت شركة "رينو" بسيارات مجانية لـ 7 نساء بمجرد حصولهن على رخصة القيادة. كانت دوافع هذه الشركات واضحة، فدعم السائقات ليس قضية أخلاقية فحسب، وإنما صفقة مربحة أيضا تعد بتوسع كبير في سوق السيارات في السعودية.

مع ذلك، حُرمت النساء اللواتي ناضلن من أجل هذا الحق من مجرد الإعراب عن الدعم العام للسائقات. في الأسبوع الذي أعلنت فيه الحكومة أنها سترفع الحظر، اتصل مسؤولون بعدد من النشطاء وحذروهم من التعليق علنا على القرار.

في 15 مايو/أيار، قبل ما يزيد قليلا على شهر من تاريخ 24 يونيو/حزيران لبدء النساء في القيادة، أطلقت السلطات السعودية حملة اعتقالات ضد نشطاء حقوق المرأة. نعتتهم وسائل الإعلام المحلية بالخونة والمجرمين. اعتُقل ما لا يقل عن 14 ناشطا وناشطة مؤقتا منذ مايو/أيار، ولا يزال 9 منهم وراء القضبان.

لمدة عامين تقريبا، في 2013 و2014، قادت عزيزة اليوسف وإيمان النفجان ولجين الهذلول حملة عالمية كبيرة تحت اسم "قيادة السيارة في 26 أكتوبر/تشرين الأول"، والتي طلبت من النساء تصوير أنفسهن خلال القيادة ونشر مقاطع الفيديو والصور على وسائل التواصل الاجتماعي. عرّضن أنفسهن لخطر شخصي جسيم، بسبب جهودهن للالتماس من حكومتهن رفع الحظر. بالتالي، أصبح الحظر أولوية على أجندة الإصلاح السياسي. لكن، لا تزال اليوسف والنفجان والهذلول وغيرهنّ وراء القضبان.

حاولت الهذلول أن تبث مباشرة قيادتها للسيارة من الإمارات إلى السعودية عام 2014. في ذلك الوقت، اعتُقلت عند الحدود وسُجنت لمدة 73 يوما، وها هي تُسجن من جديد. اعتُقلت حتى بعض الناشطات المخضرمات اللواتي شاركن في الاحتجاج الأول للحظر عام 1990، عائشة المانع، وحصة الشيخ ومديحة العجروش،  خلال هذه الحملة الأخيرة وأُطلق سراحهن في وقت لاحق.

حتى الآن، لا تزال شركات السيارات صامتة عن الاعتقالات، في تناقض صارخ لدعمها السابق لحق المرأة في القيادة. يتضارب ذلك بوضوح مع تصرفات بعض الشركات في الولايات المتحدة لدى شعورها بأن سياسة الحكومة تتعارض مع قيمها. عندما سعت إدارة ترامب إلى فرض حظر على السفر من عديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، سارعت كل من فورد وجنرال موتورز إلى إدانة القرار. في الأيام الأخيرة، أدان اجتماع "الطاولة المستديرة للأعمال"، منظمة تجارية ذات نفوذ تضم فورد وجنرال موتورز، سياسة فصل الأطفال القاسية التي تتبعها إدارة ترامب.

تستطيع شركات السيارات المجاهرة بالحقوق عندما ترغب في ذلك، والتاريخ يشهد. لهذا، يبدو صمتها محيرا. ناضلت هؤلاء الناشطات بشجاعة من أجل حقوق ملايين النساء في السعودية، وبالتالي خلقن سوقا جديدة مربحة لصناعة السيارات.

قدّرت شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" أن مبيعات السيارات في السعودية ستنمو بنسبة 9 في المئة سنويا حتى عام 2025، مقابل ارتفاع تأجير السيارات بنسبة 4 في المئة سنويا خلال تلك الفترة. بحلول عام 2020، سيقود حوالي 20 في المئة من النساء في البلد، وقد تبلغ قيمة السوق نحو 30 مليار ريال سعودي (حوالي 8 مليار دولار).

لا تشمل هذه الأرقام جميع الشركات الأخرى التي ستستفيد، مثل شركات التأمين، والميكانيكيين، وغيرهم، إذ سيكون وجودها مهما لاستمرار حركة القيادة على الطرقات. من الواضح أن النساء السائقات باب رزق للأعمال التجارية.

حظيت الحكومة في البداية بالإشادة بسبب موقفها الإصلاحي، لكن قمعها الأخير لطّخ جهودها. إذا جرت الأمور على هوى الحكومة، ستستفيد الشركات بوضوح من جهود النساء، بينما ستدفع الناشطات اللواتي خلقن السوق الثمن بحريتهن.

على مطالبة الناشطات النسويات السعوديات بالمساواة بين الجنسين والعدالة أن تكتسب زخما من الوقفات التضامنية في وقت الحاجة، وليس عندما تعطي الحكومة موافقتها. هذه اللحظة المناسبة للشركات لتعبّر عن تضامنها مع الناشطات النسويات السعوديات، بعد أن أصبح الاقتصاد السعودي عاملا محددا لنجاح الخطة الاستراتيجية الوطنية، "رؤية 2030".

أما المراهنة الآن، فهي على قدرة الشركات المتعددة الجنسيات على تسهيل بيئة إيجابية لصانعي التغيير من أجل المرأة. على الشركات التي لديها الكثير من المكاسب في السعودية والتي استفادت من شجاعة الناشطات في مجال حقوق المرأة أن تدعو الحكومة إلى وقف اعتقال هؤلاء الناشطات، وإطلاق سراح السجينات، وإسقاط التهم عنهن.