امرأة فارة من القتال بين تنظيم "الدولة الإسلامية" وقوات الأمن العراقية في حيّ الانتصار شرقيّ الموصل، 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

© 2016 رويترز

العالم بحاجة إلى خطة للتعامل مع زوجات وأطفال جهاديي تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) المهزومين.

فمنذ 30 أغسطس/آب، تحتجز السلطات العراقية حوالي 1400 من النساء والأطفال الأجانب الذين فرّوا من الأراضي الخاضعة لسيطرة داعش خلال المعارك الأخيرة لتحرير محيط الموصل، ثاني أكبر مدينة في البلاد، وسلموا أنفسهم للقوات العسكرية في المنطقة. تم توزيع الأُسر الآتية مما مجموعه 10 دول على الأقل، منها دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، على مواقع مختلفة في العراق. لكن السلطات لم تُوضّح سبب احتجازها أو ما تعتزم فعله بها. ويبدو ألا أحد لديه خطة بهذا الصدد.

قابلنا بعض هؤلاء النساء في أوائل سبتمبر/أيلول في مجموعة من الخيام الكبيرة بقاعة العبور، في مخيم يضم عشرات آلاف النازحين من معركة الموصل (نقلت السلطات منذ ذلك الحين المجموعة بأكملها إلى سجن مكتظّ في المنطقة). قالت لنا كثيرات إنهن كن يردن تربية أطفالهن في ما أسمته إحداهن "جنة إسلامية"، وإن القوات العراقية كانت تسيء معاملتهن منذ أن استسلمن. بدين في الغالب منهكات وقلقات وغير متأكدات من مصيرهن ومصير أطفالهن. سألتنا إحدى النساء الأجنبيات: "هل سيُبقوننا هنا إلى الأبد؟ أعتقد أن بلادنا لا تريد عودتنا". كان لديها طفل ولدى اختها 3، وكان واضحا أنها حامل.

مسألة مصير هؤلاء النساء والأطفال الأجانب لن تختفي لوحدها. ومن المرجح أن ينمو عدد العائلات المرتبطة بمقاتلي داعش المحتجزة في العراق خلال الأشهر المقبلة، حيث تستعيد قوات الأمن العراقية المزيد من الأراضي من التنظيم. يواجه المحتجزون الآن خطر المحاكمات غير العادلة والتعذيب وعقوبة الإعدام. وفي الوقت نفسه، يتعرض الأطفال المحتجزون لخطر تلقّي معاملة المجرمين بدلا من أن يُعاد تأهيلهم.

ثبت أن العراق غير قادر على إجراء الفحوص الأمنية الأساسية لأعضاء داعش وأفراد أسرهم - ومعظمهم لا يحمل وثائق هوية – ناهيك عن توفير محاكمات عادلة للمتهمين بارتكاب جرائم. والحقيقة أن معاملة عناصر التنظيم وأسرهم "معاملة جيدة" ستضُرّ السلطات العراقية سياسيا. فكثير من المواطنين العراقيين مستاؤون من الأسر الأجنبية التي جاءت إلى البلاد للعيش في ظل نظام أساء معاملتهم، ويريدون أن يروهم يدفعون الثمن.

بإمكان المجتمع الدولي أن يساهم بشكل كبير في حل هذه المشكلة عن طريق اتخاذ موقف موحد بشأن ما ينبغي عمله إزاء هذه الأسر. لكن بدلا من ذلك، في محادثات خاصة أجريناها مع 4 دبلوماسيين أوروبيين، استخدم هؤلاء حُججا تقنية للتأكيد أن بلدانهم لا تريد تحمل مسؤولية كبيرة تجاه مواطنيها الذين اختاروا الذهاب إلى الأراضي التي يسيطر عليها داعش.

أشار الدبلوماسيون إلى أن حكوماتهم أصدرت تحذيرات من السفر إلى العراق وسوريا، وأن ليست لديها التزامات قنصلية تجاه الأشخاص الذين اختاروا السفر هناك. يتناقض ذلك بشكل صارخ مع الجهود التي تبذلها البلدان عادة لحماية وإنقاذ رعاياها في البلدان المدرجة في قوائم حظر السفر.

قال هؤلاء الدبلوماسيون الأوروبيون أيضا إن الإجراءات القنصلية تقتضي من الرعايا طلب المساعدة، التي يمكن إيصالها عن طريق طرف ثالث مثل القوة المحتجِزة أو منظمة مثل "اللجنة الدولية للصليب الأحمر". لكن لا يمكن تقديم هذا الطلب إلا من قبل الأفراد أنفسهم – ولا يمكن ذلك لأفراد أسرهم. إلا أنه لا يبدو أن السفارات أوعزت إلى السلطات العراقية أو أي شخص آخر بإبلاغ النساء والأطفال من بلدانها بحقوقهم في التماس المساعدة القنصلية. هل تأمل ألا تطلب هؤلاء النساء والأطفال المساعدة حتى لا تكون المشكلة من شأنها؟

لدى البلدان الأصلية لتلك النساء دور هام لتلعبه في إيجاد الحلول، بما في ذلك إعادة التوطين المحتملة في بلدان أخرى. ولا يصح أن تختبئ وراء الإجراءات الإدارية.

إذا لم تتخذ البلدان الأصلية خطوات لإعادة هؤلاء النساء والأطفال إلى ديارهم، فثمة ما يدعو إلى الخوف على سلامتهم. فالسلطات العراقية لم تجر حتى الآن تقييمات فردية لتحديد ما إذا كانوا قد ارتكبوا جرائم، ولم تفرج عن أولئك الذين لن يتم توجيهُ تهم إليهم. في الواقع، يبدو أنه لم تتم مقاضاة أي معتقلين. وقد أظهرت أبحاثنا بالفعل كيف يمكن للمحتجزين قضاء شهور في ظروف لاإنسانية، وأن يتعرض الأطفال للتعذيب ومجموعة من الانتهاكات الأخرى.

لا يمكن للعراق أن يحكم على هؤلاء النساء والأطفال باحتجاز تعسفي لأجل غير مسمى. العضوية في داعش جريمة بموجب قانون الإرهاب في البلاد، ولكن قد تكون النساء قد أُجبرن على القدوم إلى العراق مع أزواج منتمين إلى التنظيم. قد تكون نساء أخريات قد أتين عن طيب خاطر، لكنهن لم يفعلن شيئا لدعم التنظيم، وانضممن إليه بالاسم فقط. وقد تكون أخريات مسؤولات عن جرائم خطيرة، مثل فرض إجراءات التنظيم على نساء أخريات أو احتجاز نساء من الأقليات العراقية، مثل الإيزيديات، في منازلهن. وفي الوقت نفسه، من الواضح أن الأطفال الذين أصبحوا أعضاء في التنظيم هم ضحايا تجنيد الأطفال، ويحتاجون إلى إعادة التأهيل وليس المقاضاة.

لا يجوز بموجب القانون الدولي والعراقي معاقبة شخص ما على الجرائم المزعومة لزوجه أو أقاربه. ولكن السلطات العراقية لا تفعل شيئا حتى الآن لمراعاة هذا التمييز.

تبقى الصورة أمام أولئك الذين يواجهون المحاكمة قاتمة في نهاية المطاف. فالسلطات الحكومية العراقية وسلطات إقليم كردستان تلاحق آلاف المحتجزين بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب لجرائم مرتبطة بانتمائهم المزعوم إلى داعش، في إجراءات تقوّضها انتهاكات خطيرة للإجراءات القانونية الواجبة. غير أن بحثنا يبيّن أن هذه العملية شابها سوء المعاملة المتفشي، بما في ذلك ادعاءات التعذيب وانتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة في حملة الفرز والاحتجاز والملاحقة الحالية. وبالإضافة إلى ذلك، يواجه المتهمون عقوبة الإعدام – وهي أحد حُكمين فقط يسمح بهما قانون مكافحة الإرهاب العراقي.

كما أن توجيه تهم إلى النساء البالغات سيثير مسائل قانونية وسياسية أخرى دون إجابة واضحة. فإذا أدانت السلطات العراقية وسجنت بعض النساء اللاتي لا يمكن إعادتهن إلى أوطانهن، ما الذي سيحدث بعد انتهاء مدة محكوميتهن؟ وما مصير من لا تُوجه إليه الحكومة أي تهم إذا لم يكن لديه مكان يذهب إليه؟

في الوقت نفسه، ليس هناك سبب لعدم التعاون لمساعدة الأطفال الذين ليس لديهم وثائق هوية. ينبغي لجميع البلدان أن تعرض المساعدة على السلطات العراقية لتحديد نسب الأطفال (بما يشمل اختبارات الحمض النووي) ومنحهم الجنسية وربما إعادتهم إلى بلدان أهاليهم. وبالنسبة للأطفال المولودين في العراق والذين سيصبحون عديمي الجنسية، سيتوجب على السلطات العراقية منحهم الجنسية وفقا للقانونين العراقي والدولي.

ماذا سيحدث لأطفال النساء اللاتي أُدنّ وحُكم عليهن بالسجن أو الإعدام؟ سمعتُ دبلوماسيين غربيين يُناقشون خيار فصل الأطفال عن أمهاتهم وإرسالهم للعيش مع أقاربهم في أوطانهم. يقتضي القانون الدولي أن تدرس السلطات حالة كل طفل، وأن تحدد، بمشاركة الطفل، الترتيب الذي يخدم مصلحته الفضلى. فسياسة فصل الأطفال الصغار عن أمهاتهم غير المرغوب فيهن سياسيا وترحيل الأطفال بدون تمييز يجب ألا تكون خطة اعتيادية مشروعة.

في جميع الحالات، ينبغي للعراق أن يضمن عدم ترحيل النساء والأطفال، أو إعادتهم إلى أوطانهم، إذا كانوا معرضين لخطر الاضطهاد أو التعذيب أو المحاكمات غير العادلة في بلدانهم الأصلية لانتمائهم المزعوم إلى داعش.

فالأطفال يستحقون فرصة لتحقيق مستقبلهم، وليس الاحتجاز لجرائم أهاليهم المزعومة. وتستحق أمهاتهم افتراض براءتهن ومحاكمتهن على الفور إذا كان هناك دليل على ارتكابهن جرائم خطيرة. كما يستحق العراق الدعم الدولي لحل هذه المسألة، ولكن الجميع يتنصل من المسؤولية حتى الآن.