الرئيس المصري السابق محمد مرسي يجلس خلف القضبان مع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الآخرين المتهمين في محكمة في ضواحي القاهرة في 29 ديسمبر/كانون الثاني 2014.

© 2014 رويترز

(بيروت) - المحاكمة الأولى للرئيس المصري السابق محمد مرسي كانت معيبة بسبب انتهاكات لإجراءات التقاضي السليمة وظهور التحيز وغياب الأدلة القطعية. وكان مرسي قد أدين في 21 أبريل/نيسان 2015، وحكم عليه بالسجن 20 عاما.

وقد وجد استعراض أجرته هيومن رايتس ووتش لموجز ملف قضية الادعاء أدلة قليلة بخلاف شهادة ضباط الجيش والشرطة لتأييد إدانة مرسي بتهمة التواطؤ في الاحتجاز غير القانوني وتعذيب وترهيب المتظاهرين مما قام به كبار مساعديه وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين عندما كان رئيسا في ديسمبر/كانون الاول 2012. لم يعلن الحكم الكامل بعد على الجمهور.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "تأسست قضية الادعاء على الاستنتاج بأن مرسي كان مسؤولا لمجرد علاقته بجماعة الإخوان المسلمين. ومهما تكن المسؤولية السياسية التي قد يكون مرسي متمتعا بها، فإن النيابة لم تثبت الذنب الجنائي ضده في هذه القضية".

وكان الحكم ضد مرسي و14 آخرين من المتهمين معه، 6 منهم غيابيا، هو الأول الذي يصدر بحقه منذ قام الجيش باعتقاله وعزله عن منصبه في يوليو/تموز 2013. وهو يواجه خمس قضايا أخرى يجري النظر فيها. وقال فريق الدفاع عن مرسي إنه سيستأنف الإدانة.

نشأت التهم الموجهة ضد المتهمين الخمسة عشر من قتال الشوارع المميت بين مؤيدي ومعارضي مرسي خارج  قصر الاتحادية الرئاسي في مصر في ليلة 5-6 ديسمبر/كانون الأول 2012. وجاءت أعمال العنف عقب أيام من المظاهرات ضد المرسوم الذي أصدره مرسي في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام والذي وضع من خلاله نفسه، كرئيس للبلاد، والجمعية التأسيسية، فوق المراجعة القضائية.

وأظهر استعراض هيومن رايتس ووتش لملخص من 80 صفحة من قضية الادعاء أن الادعاءات ضد مرسي تعتمد في المقام الأول على شهادة اللواء محمد زكي، قائد الحرس الجمهوري، وهو فرع من الجيش مكلف بحماية الرئاسة. شهد زكي أنه "لا بد وأن" اتفاقا تم بين مرسي والإخوان المسلمين لتفريق المتظاهرين المناهضين للحكومة بالقوة ولكنه لم يقدم أي دليل لدعم فرضيته.

بعد اعتقال الجيش لمرسي، في 3 يوليو/تموز 2013، وعزل حكومته، وضع في الحبس الانفرادي من دون تهمة أو إجراءات قضائية لمدة 23 يوما. بدأ سجنه رسميا في 26 يوليو/تموز عندما وجهت السلطات التهم إليه، لكنها لم تنقل مرسي إلى سجن برج العرب بالإسكندرية حتى 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، ليمثل للمرة الأولى أمام المحكمة. وقد تعرض اثنان على الأقل من مساعديه والمتهمين معه إلى الاعتقال دون إجراءات قضائية حتى 4 أغسطس/آب 2013، وتم توجيه الاتهام إلى ثالث بعد ذلك بيومين.

بموجب القانون المصري، يتوجب على النيابة العامة أن ترى وتستجوب أي معتقل خلال 24 ساعة من اعتقاله وتقرر ما إذا كانت تأمر بحبس الشخص على ذمة التحقيق.

وقال المحامي محمد الدماطي، المتحدث باسم هيئة الدفاع، إن فريق الدفاع تمكن من زيارة مرسي مرة واحدة فقط، في نوفمبر/تشرين الثاني 2013. وقال إن اللقاءات مع المتهمين معه كانت غير منتظمة وأثرت على حقهم في التشاور مع محامين.

وقال لـ هيومن رايتس ووتش إن محاميَ الدفاع نقلوا إلى المحكمة مخاوفهم بشأن تقييد الوصول إلى موكليهم، ولكن المحكمة تجاهلتهم. وقال إن مرسي لم يقم أبدا بتوكيل محام للدفاع عن نفسه، مع رفضه الاعتراف بشرعية المحكمة.  

وقال محام آخر من محاميَ الدفاع لـ هيومن رايتس ووتش إن هيئة الدفاع لم يتصل بأي من الشهود- الذين كان من الممكن أن يشلموا أعضاء آخرين من الرئاسة أو الحرس الجمهوري – بوازع الخوف من تعرضهم إلى الاعتقال أو إلحاق الأذى بهم. كما قال المحامي، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إن الحاجز الزجاجي العازل للصوت المقام  حول قفص المتهمين طوال فترة المحاكمة انتهك حقوقهم بإجراءات التقاضي السليمة لأنه منع المحامين من التحدث لموكليهم، ومنع في بعض الأحيان المتهمين من سماع القاضي.

وعلى النقيض من ذلك، قال محمد عبد العزيز، أحد محامي المدعين وعضو بمركز الحقانية للمحاماه، لـ هيومن رايتس ووتش إن أعضاء في خمس منظمات مصرية غير حكومية قد حضروا جلسات المحاكمة الـ 38 ولم تكن ثمة أوجه قصور كبرى، خلافا لما حدث في القضايا البارزة الأخرى المتعلقة بالإخوان المسلمين.

كما أخفقت النيابة العامة في التحقيق مع أي شخص بتهمة قتل أو إصابة أي من مؤيدي مرسي خلال اشتباكات ديسمبر/كانون الأول 2012. من بين عشرة أشخاص قتلوا في ذلك اليوم، أدرج ملف الادعاء ثلاثة فقط، فخلق هذا مظهرا بأن القضية كانت ذات دوافع سياسية ضد الإخوان، الذين صنفتهم الحكومة الجديدة كمنظمة إرهابية في ديسمبر/كانون الاول 2013.

وقد خلفت اشتباكات 5 ديسمبر/كانون الأول 2012، ما لا يقل عن 10 وفيات، يعتقد بأن سبعة منهم كانوا من أنصار مرسي، وإصابة 748. وخلال الاشتباكات، قام مؤيدون لمرسي ​​باحتجاز وإساءة معاملة والتحقيق دون سند قانوني مع ما لا يقل عن 49 من المتظاهرين المعارضين للحكومة قبل تسليمهم للشرطة في اليوم التالي، بحسب ما وجدت هيومن رايتس ووتش.

في 6 ديسمبر/كانون الأول 2012، وفي حين كانت النيابة العامة ما تزال تجري التحقيقات، ادعى مرسي في خطاب متلفز أن متظاهري المعارضة قد "اعترفوا" بكونهم "بلطجية مستأجرون" وتدفع لهم الأموال نظير "استخدام الأسلحة".

ودعت هيومن رايتس ووتش النيابة العامة في ذلك الوقت لدراسة المسؤولية عن الوفيات وإخفاق قوات الأمن بالتدخل والتحقيق مع قادة الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب الحرية والعدالة، الذين دعو أنصارهم علنا  لاعتقال المتظاهرين المناهضين لمرسي.

قالت سارة ليا ويتسن: "إن متابعة النيابة العامة تحقيقاتها مع أولئك الذين ربما يكونون قد اعتقلوا وأساءوا إلى المتظاهرين خارج القصر الرئاسي في ديسمبر/كانون الاول 2012، هي أمر إيجابي. ولكن إهمال النيابة العامة لوفيات أنصار الإخوان وإخفاق قوات الأمن بالتدخل يقوض أي ادعاء بأن العدالة قد تحققت".

قضية الادعاء ضد مرسي
بدأت القضية بعد قيام بعض المتظاهرين المعتدى عليهم برفع دعوى قضائية ضد الحكومة، بدعم من منظمات مصرية غير حكومية بارزة ومحامين في مجال حقوق الإنسان، ولكن النيابة العامة أبقتها قيد التحقيق حتى 1 سبتمبر/أيلول 2013، بعد شهرين من الانقلاب، عندما حولت مرسي وآخرين إلى المحاكمة.

وجهت النيابة العامة التهم لأحد عشر عضوا ومساعديهم من الإخوان، بمن فيهم نائب رئيس ديوان رئيس الجمهورية في عهد مرسي، ومدير مكتبه وسكرتيره الشخصي، بقتل واحتجاز وتعذيب متظاهري المعارضة بشكل غير قانوني، فضلا عن الترهيب والتهديد باستخدام العنف، وحمل الأسلحة النارية والذخائر غير المرخصة. واتهمت مرسي وثلاثة آخرين باشتراكهم في هذه الجرائم "عن طريق التحريض والاتفاق والمساعدة" وواجه مرسي تحديدا تهمة "الاتفاق".

بموجب المادة 40 من قانون العقوبات، كان الادعاء العام بحاجة لإثبات أن مرسي "اتفق مع شخص آخر على ارتكاب الجريمة و[أن] الجريمة [وقعت] على أساس هذا الاتفاق".

أدان قاضي محكمة جنايات القاهرة، أحمد صبري، الذي ترأس المحاكمة قاضيا للدائرة الخاصة المعنية بالنظر في قضايا الإرهاب والأمن الوطني، أدان مرسي بالاتفاق على التحريض والاعتقال غير القانوني والتعذيب للمتظاهرين. وبرّأ جميع المتهمين من القتل واتهامات الأسلحة النارية.

شهد اللواء زكي أنه رفض في مناسبتين أوامر من الرئاسة لتفريق متظاهري المعارضة عند القصر. ورفض لأول مرة عندما هاتفه مرسي في الساعة 2 من صباح يوم 5 ديسمبر/كانون الأول، قائلا إن تفريق المتظاهرين سيكون "من المستحيل تماما... دون وقوع خسائر"، ورفض مرة أخرى في وقت لاحق من صباح ذلك اليوم عندما طلب نائب رئيس ديوان رئيس الجمهورية، أسعد الشيخة، وهو أيضا عضو جماعة الإخوان منذ فترة طويلة ، إزالة الخيام والمتظاهرين المتبقين. وقال زكي إن القيام بذلك سيكون "كارثة".

 شهد زكي أن الشيخة قرر أن "رجاله وأنصار جماعته"، في إشارة إلى جماعة الإخوان، سيقومون بتفريق الاعتصام بأنفسهم، وأنه في اجتماع في وقت لاحق من ذلك اليوم حضره مرسي، وزكي والشيخة ورئيس الديوان رفاعة الطهطاوي، قال إن "أي شخص يقترب من القصر الرئاسي سيلقى حتفه".

وقال زكي إن مرسي غادر القصر في وقت سابق للمعتاد بعد ظهر ذلك اليوم ولكن عندما بدأت "الغلبة" لمتظاهري المعارضة على أنصاره أثناء الاشتباكات التي تصاعدت في وقت لاحق من تلك الليلة، اتصل بزكي "أكثر من ست مرات" وطلب منه الفصل بين الجانبين بالدبابات والمركبات المدرعة. ولم يذكر زكي كيف استجاب لهذا.

وشهد شهود آخرون، من بينهم ضابط ورائد في الحرس الجمهوري، أنهم رأوا الشيخة وأحمد عبد العاطي، مدير مكتب مرسي، يأمران أنصارهم بمهاجمة متظاهري المعارضة والمساعدة في اعتقال المتظاهرين، ولكن لم يقدم أي منهما دليلا على أن مرسي خطط للمواجهة أو التجاوزات وعمليات الاستجواب التي تلت ذلك.

وبخلاف زكي، قام اثنان فقط من الشهود الـ 78 اللذين سجلت شهاداتهم في ملخص النيابة بالتأكيد على أن مرسي كان متواطئا في الاعتداءات والاعتقالات. شهد أسامة الجندى، رئيس الإدارة المركزية لأمن رئاسة الجمهورية، بأنه كان قد حضر الاجتماع الجماعي مع مرسي يوم 5 ديسمبر/كانون الأول وأن مرسي كان على علم لاحقا بأنه كان يتم اعتقال متظاهري المعارضة بشكل غير قانوني عند جدران القصر بيد أنه لم يتخذ أي إجراء لوقف ذلك.

وأشارت شهادة أحمد فايد، مدير الإدارة العامة لشرطة رئاسة الجمهورية، أنه كان في نفس الجلسة وأكدت أيضا أنه كان هناك "اتفاق" بين مرسي ومساعديه لتفريق الاعتصام بالقوة واحتجاز المتظاهرين. إلا أن فايد والجنيدي لم يقدما أية أدلة أخرى لدعم ادعاءاتهما.

أكد العديد من الشهود أن الشيخة قد أشرف على اعتقال متظاهري المعارضة وحاول احتجازهم داخل القصر.

وفي شهادته، قال أحمد جمال الدين، وزير الداخلية في وقت وقوع الحادث، إنه كان يجب على مرسي أن يدعو أنصاره إلى الانسحاب من منطقة القصر، لكنه لم يتهم مرسي بالتواطؤ في أعمال العنف. قام جمال الدين باتهام أيمن هدهد، السكرتير الشخصي لمرسي، بتجنيد أنصار مرسي باتفاق مع جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة. وذكرت شهادة جمال الدين أيضا أنه توصل أخيرا لاتفاق مع سعد الكتاتني، رئيس الحزب، لسحب أنصار مرسي، وأن جمال الدين عندما أخبر مرسي عن الاتفاق، أمر مرسي كلا من الشيخة وعبد العاطي بتنفيذه.

استقال مرسي، وهو عضو منذ زمن طويل في جماعة الإخوان، من الجماعة بعد فوزه بأول انتخابات رئاسية ديمقراطية في مصر في يونيو/حزيران 2012، وتخلى عن رئاسته لحزب الحرية والعدالة، على الرغم من انه ما يزال عضوا في الحزب. وظلت العلاقات وثيقة بين جماعة الإخوان والحزب: كان الكتاتني، رئيس الحزب، وعصام العريان، نائب الرئيس، مسؤولين رفيعي المستوى في الإخوان. وفي ليلة الاشتباكات، كان العريان، الذي حوكم مع مرسي وحكم عليه بالسجن لمدة 20 عاما، قد دعا أنصاره عبر مقابلات متلفزة ومواقع وسائل التواصل الاجتماعي التي اطلعت عليها هيومن رايتس ووتش "بالإحاطة بالبلطجية" و"إلقاء القبض عليهم جميعا"، معلنا أن "الرئيس لن يغير رأيه" بشأن مرسوم نوفمبر/تشرين الثاني 2012 الذي أزال المراجعة القضائية عن الرئيس.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن العلاقات التي تربط مرسي بأولئك الذين دعوا إلى مواجهات، لا ترقى إلى كونها أدلة على جرمه الجنائي، ولم يقدم ممثلو الادعاء دليلا على أنه كان متواطئا في القرارات التي اتخذها مساعدوه أو زملاؤه في الحزب بإرسال المؤيدين لمواجهة متظاهري المعارضة.