نشطاء يحملون لافتات خلال مظاهرة تطالب بالزواج المدني في لبنان، في فبراير/شباط 2013. لا يوجد حاليا قانون مدني للأحوال الشخصية في لبنان.

© رويترز/جمال سعيدي

(بيروت) ـ قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته اليوم إن قوانين الأحوال الشخصية القائمة على الديانة في لبنان تميز ضد المرأة عبر جميع الطوائف الدينية ولا تضمن لها حقوقها الأساسية. ويوجد في لبنان 15 قانوناً منفصلاً للأحوال الشخصية لطوائفه المعترف بها، في غياب قانون مدني لتنظيم مسائل مثل الطلاق أو حقوق الملكية أو رعاية الأطفال. وتدار تلك القوانين من خلال محاكم دينية مستقلة بغير إشراف حكومي يذكر، وكثيراً ما تصدر أحكاماً تنتهك الحقوق الإنسانية للمرأة.

وجد التقرير المكون من 114 صفحة، بعنوان " لا حماية ولا مساواة: حقوق المرأة في قوانين الأحوال الشخصية اللبنانية"، أن قوانين الأحوال الشخصية عبر جميع الطوائف تنصب الحواجز أمام السيدات أكثر من الرجال الراغبين في إنهاء زيجات تعيسة أو مسيئة، أو في بدء إجراءات الطلاق، أو ضمان حقوقهن المتعلقة بالأطفال بعد الطلاق، أو تأمين حقوقهن المالية من زوج سابق. كما تنتهك تلك القوانين حقوق الأطفال، ولا سيما ضرورة أخذ مصالحهم الفضلى في الاعتبار في أية قرارات قضائية تتعلق بمصيرهم.

وقال نديم حوري، نائب مدير قسم الشرق الأوسط : "لا يقتصر الأمر على انعدام المساواة أمام القانون بين المواطنين اللبنانيين المنتمين إلى طوائف مختلفة، بل إن المرأة تلقى معاملة جائرة على طول الخط، ولا تحظى حقوقها وأمنها بأية حماية. وقد بات تبني قانون مدني اختياري للزواج، إضافة إلى الإصلاحات المطلوبة بشدة في قوانين الأحوال الشخصية والمحاكم الدينية القائمة، ضرورة مستحقة منذ وقت طويل".

قامت هيومن رايتس ووتش بتحليل 447 حكماً قضائياً حديثاً أصدرتها محاكم دينية تنظر قضايا الطلاق والحضانة والنفقة الزوجية ونفقة الأطفال، وأجرت مقابلات مع محامين وقضاة وأخصائيين اجتماعيين ونشطاء وسيدات خضن معارك الطلاق أو الحضانة أمام محاكم دينية.

وينص الدستور اللبناني صراحة على احترام "الأحوال الشخصية والمصالح الدينية" للفرد بصرف النظر عن ديانته، وكثيراً ما استخدمت هذه الحماية الدستورية لتبرير استبقاء قوانين الأحوال الشخصية تحت السلطة الحصرية للهيئات الدينية، وعرقلة محاولات تبني قانون مدني أو ضمان إشراف أكبر على القوانين والمحاكم الدينية في لبنان.

وقد اعترف مرسوم 1936، الذي أسس نظام الأحوال الشخصية الأساسي والذي يظل معمولاً به حتى اليوم، بحرية العقيدة، ومنح كل شخص حق اختيار الخروج عن نظام الأحوال الشخصية لطائفته والزواج بموجب قانون مدني. إلا أن لبنان لم يتبن قانوناً مدنياً حتى الآن رغم حملات عديدة طالبت بهذا منذ الاستقلال.

وكان مرسوم 1936 يشترط على كل طائفة أن تقدم قانون الأحوال الشخصية وإجراءات المحاكمة الخاصة بها للحكومة والبرلمان للمراجعة والتصديق لضمان التوافق مع الدستور والنظام العام. لكن رغم أن الطوائف المسيحية واليهودية  قدمت قوانينها للمراجعة، إلا أن الطائفة السنية اعترضت على الشرط، وصدر مرسوم لاحق يقرر أن أحكام المرسوم 60 ل.ر. لا تنطبق على المسلمين. أما محكمة التمييز، وهي أرفع محاكم البلاد، فهي في الأغلبية الساحقة من الحالات ترفض إبداء النظر في مضمون قرارات محاكم الأحوال الشخصية.

قالت ميراي، وهي سيدة مارونية احتملت سنوات من الإساءة البدنية ولم تطلب الطلاق إلا بعد بلوغ أطفالها سن الرشد، بسبب أحكام الحضانة التمييزية: "أجبرت نفسي على تحمل ما لا يحتمله البشر، كل الظلم والعنف. وكانت بناتي، وهن روحي وحياتي، هن السبب الرئيسي... لم أستطع احتمال مجرد التفكير في فقدانهن".

وقد راجعت هيومن رايتس ووتش 243 من قضايا الطلاق ووجدت تمييزاً ممنهجاً ضد المرأة، بما في ذلك بسبب قصور توصلها إلى الطلاق أو إجراءات المحاكم التي تثقلها بأعباء مالية وتنصب أمامها الحواجز عند إنهاء الزواج وحماية حقوقها.

وبموجب قوانين السنة والشيعة والدروز في لبنان، يجوز للرجل طلب الطلاق في أي وقت ومن جانب واحد وبدون أسباب، بينما تقيد قدرة المرأة على التوصل إلى الطلاق، بتكاليف كبيرة وبعد إجراءات قضائية طويلة في أغلب الأحيان. ومن حيث المبدأ، تتيح هذه القوانين للمرأة إضافة شرط صريح في عقد الزواج ينص على تساوي حق الزوج والزوجة في الطلاق أحادي الجانب، إلا أن هذا الحق نادراً ما يمارس بسبب الضغوط والأعراف الاجتماعية. ولم تحتو على هذا الشرط سوى 3 من أصل 150 حكماً بالتطليق أمام محاكم إسلامية راجعتها هيومن رايتس ووتش.

كما يصعب الطلاق على الزوج والزوجة معاً بموجب القوانين المسيحية، لكن اثنين من جوانب القوانين المسيحية يؤثران في المرأة على نحو مختلف وعديم التناسب. فبوسع الرجل المسيحي اعتناق الإسلام والزواج مجدداً بدون طلاق ـ حيث يحق للرجل المسلم قانوناً الجمع بين الزوجات حتى أربع ـ بينما لا يمكن للسيدة المسيحية عقد زواج جديد بدون إنهاء زواجها الأول. ورغم أن العنف الزوجي يبرر الهجر، إلا أنه لا يكفي لإنهاء الزيجة على وجه السرعة ما دام لم يبلغ مرتبة الشروع في القتل.

كما قالت سبعة من السيدات الـ27 اللواتي أجرت معهن هيومن رايتس ووتش المقابلات وكن راغبات في إنهاء زيجاتهن، إنهن لم يلجأن للمحاكم الدينية لطلب الطلاق نظراً لعدم امتلاكهن القدرة المالية على تحمل تكاليف إجراءات المحاكم أو خشية فقدان حراسة أطفالهن.

ولا تعترف المحاكم الدينية بالحضانة المشتركة للأطفال، بل عادة ما تمنح الحضانة للأم حتى سن معينة وبعدها يحصل الأب على الحضانة. لكن الأب يظل الولي الشرعي على أطفاله، وتنتقل الولاية إلى أقاربه من الذكور في حالة وفاة الأب.

وعند مراجعة 101 من قرارات المحاكم المسيحية والإسلامية والدرزية، وجدت هيومن رايتس ووتش أنه رغم قيام القضاة في أغلب الأحيان بتطبيق سن حضانة الأم بغير التفات إلى ما يمثل مصلحة الطفل الفضلى، إلا أن بعض القضاة، وخاصة في المحاكم المسيحية، والسنية في توقيت أحدث، أظهروا الاستعداد لإيلاء الاعتبار لذلك العامل. لكن المحاكم الدينية نادراً ما كانت تنظر في سلوك الأب عند الفصل في قضايا الحضانة، بينما كانت تدقق في سلوك المرأة بطرق تعكس تحيزات أو تنميطات اجتماعية. ونتج عن هذا رفع احتمالات إسقاط الحضانة عن المرأة أكثر مما عن الأب.

من بين السيدات الـ27 اللواتي أجريت معهن المقابلات، قالت 23 إن العقبة الرئيسية التي حالت بينهن والطلاق هي وضعهن الاقتصادي المستضعف، ومن أهم العوامل المساهمة في هذا إخفاق قوانين الأحوال الشخصية في الاعتراف بمساهمات الزوجة الاقتصادية وغير الاقتصادية في الزواج، بما فيها قيمة عملها المنزلي غير المأجور، ومفهوم الملكية الزوجية. يضاف إلى هذا أن التوقعات والأعراف الثقافية والدينية والتقليدية تقوض استقلال المرأة الاقتصادي وتساهم في تبعيتها الاقتصادية لزوجها.

ويعني هذا النسق أن المرأة قد تساهم على سبيل المثال، اقتصادياً وغير ذلك، في أصول مسجلة باسم الزوج بدون الحصول على تعويض عند الطلاق. كما أن السيدات كثيراً ما تتخلين عن حقوقهن الاقتصادية للخروج من زيجة رديئة.

وهكذا تنازلت أمينة، التي تزوجت بموجب قوانين الأحوال الشخصية السنية، عن حقوقها الاقتصادية رغم أن زوجها كان يسئ إليها، لأن زوجها طالب بهذا في مقابل منحها الطلاق. قالت أمينة إن تدخل القاضي الوحيد كان لنصحها بقبول هذه الشروط.

إن منظومة الأحوال الشخصية اللبنانية الراهنة تنتهك حقوق المرأة الإنسانية، بما فيها الحق في عدم التمييز، والمساواة عند الزواج وعند حله، والحق في السلامة البدنية وفي الصحة. وجميع هذه الحقوق مكفولة بموجب العديد من المعاهدات الدولية الحقوقية التي صدق عليها لبنان. وبموجب القانون الدولي يحق للأطفال كافة إيلاء مصلحتهم الفضلى الاعتبار الأول في جميع القرارات التي تتخذها هيئات رسمية وتمس مصلحتهم.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على البرلمان اللبناني تبني قانون مدني اختياري يضمن حقوقاً متساوية لجميع اللبنانيين الراغبين في الزواج بموجبه. ويجب على الحكومة ممارسة إشراف على المحاكم والسلطات الدينية لضمان امتثالها للالتزامات الحقوقية وتوفيقها مع التزامات لبنان الحقوقية الدولية، بما يضمن للسيدات والرجال حقوقاً متساوية في جميع قضايا الأحوال الشخصية.

وقال نديم حوري: "في أكثر الأحيان تتسم قرارات إنهاء زواج أو اختيار الشخص الذي يعيش معه الطفل بعد الطلاق بالصعوبة، وعلى لبنان أن يضمن ساحة متكافئة بين السيدات والرجال".