فيم يتمثل ميراث أرييل شارون؟ لقد انصبت مقالات التأبين على قراره بسحب المستوطنين الإسرائيليين من غزة في 2005 بموجب ما يسمى "خطة فض الاشتباك". امتدح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون "شجاعة شارون وعزيمته السياسية". أما وزير الخارجية الأمريكي جون كيري فقد قال إن شارون "فاجأ الكثيرين بسعيه إلى السلام".

لكن الواقع هو أن انسحاب شارون من غزة لم يكن مؤشراً على شجاعة التخلي عن سياساته المؤيدة للاستيطان، الضارية في عدائها للفلسطينيين.

لقد استحق شارون لقب "أبو الاستيطان" منذ سبعينيات القرن العشرين، حين خطط وساعد في بناء 64 مستوطنة بالضفة الغربية. وكان إخلاؤه لـ21 مستوطنة في غزة و4 مستوطنات في الضفة الغربية مفاجئاً بحق، إلا أن إجلاء المستوطنين يجب أن ينظر إليه في السياق المتمثل في أن عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية ومرتفعات الجولان، أثناء مجمل ولاية شارون كرئيس للوزراء من 2001 إلى 2006، تزايد من نحو 388 ألفاً إلى 461 ألفاً.

إن ميراث شارون مزعج إلى أبعد الحدود، فقد مضى إلى قبره دون أن يواجه العدالة على ما ارتكب من فظائع، ووفاته تذكرة مقبضة بأن الإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان ومخالفات القانون الإنساني الدولي هو الآفة التي طالت إصابتها لإسرائيل والفلسطينيين لمدة أطول بكثير مما ينبغي.

لم يهتم شارون كثيراً بأن نقل إسرائيل لمدنييها إلى الأراضي الفلسطينية كان ـ ولا يزال ـ يشكل خرقا جسيماً لاتفاقيات جنيف، وجريمة حرب محتملة. كما كان أقل اهتماماً بكون نظام الاستيطان وحكم إسرائيل العسكري في تلك المناطق يعرض الفلسطينين لتمييز شديد، ولجبل من القيود التي تحيل حياتهم جحيماً.

وكان تشييد شارون للجدار الإسرائيلي العازل جزءاً لا يتجزأ من خطة التوسع في الاستيطان، وهو الجدار الذي يقف اليوم كنصب تذكاري لانتهاكات حقوق الإنسان. لقد وافقت حكومة شارون على بنائه في 2002، ظاهرياً بغرض منع الهجمات الفلسطينية التي قتلت 640 مدنياً إسرائيلياً خلال ولايته. لكن الدافع الحقيقي وراء الجدار، كما ظهر في توثيق دراسات لا يكاد يدركها الحصر، هو بناء سور حول المستوطنات الإسرائيلية، في عمق الضفة الغربية، يفصل آلاف الفلسطينيين عن بقية الضفة.

وأسوأ من هذا كله أنه تهرب من الملاحقة على وقائع قتل لمدنيين كان متورطاً فيها، في واقعة لا تستأهل التأبين وإنما التشهير.

لم يكن منتظراً من بان وكيري التطرق إلى الأمر، لكن التاريخ سيذكر شارون لدوره في مذبحتين قامت فيهما مليشيات لبنانية بقتل مدنيين في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 1982. من 16 إلى 18 سبتمبر/أيلول، قتلت المليشيات ما لا يقل عن 700 شخص، وقد يتجاوزون الألفين، وكان بينهم رضع وأطفال وسيدات حوامل وشيوخ وعجائز، ووجدت بعض جثثهم وقد تم التمثيل بها.

كان شارون، بصفته وزير الدفاع الإسرائيلي في 1982، يتحمل المسؤولية الإجمالية عن قوات الدفاع الإسرائيلية، التي كانت تسيطر على منطقة المخيمين. وبحسب وثيقة أعدها مكتب شارون فإن تعليماته في يوم 15 سبتمبر/أيلول، أي اليوم السابق على بدء المذبحتين، كانت تشمل: "في ما يتعلق بعملية المخيمين، ينبغي إرسال الكتائب".

في فبراير/شباط 1983 وجدت لجنة كاهان، وهي لجنة تقصي الحقائق الإسرائيلية الرسمية المكلفة بالتحقيق في الأحداث، أن شارون يتحمل "مسؤولية شخصية" عن المذبحة، فقد كان ثمة "اعتبار جدي ... يتمثل في احتمال ارتكاب الكتائب للفظائع" بحسب تقرير اللجنة، "لكننا نعرف من (شارون) نفسه أن هذا الاعتبار لم يكن له أدنى وزن عنده". كما وجدت اللجنة أن "ثمة استحالة في تبرير استهانة شارون بخطر المذبحة"، وأوصت بإقالته من منصب وزير الدفاع.

ورغم استقالة شارون من منصب وزير الدفاع فعلاً إلا أنه ظل في مجلس الوزراء الإسرائيلي وزيراً بلا حقيبة، في نموذج صارخ للإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، وصار في ما بعد رئيساً للوزراء، شغل منصبه حتى أتته السكتة الدماغية في يناير/كانون الثاني 2006. وبالمثل فإن إيلي حبيقة، زعيم الكتائب الذي نسبت إليه لجنة كاهان المسؤولية عن توجيه المليشيات، فر بدوره من الملاحقة وشغل منصباً وزارياً في لبنان حتى مقتله بفعل سيارة مفخخة في 2002.

كانت المذبحتان تشكلان جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إلا أن سلطات العدالة الإسرائيلية لم تجر تحقيقاً جنائياً لتحدد ما إذا كان شارون وغيره من المسؤولين العسكريين الإسرائيليين يتحملون مسؤولية جنائية.

كما حرصت إسرائيل على ألا تتمكن جهة أخرى من تقديم شارون إلى العدالة. في 2001 قام بعض الناجين من صبرا وشاتيلا برفع دعوى في بلجيكا تطلب ملاحقة شارون بموجب قانون "الاختصاص الشامل" البلجيكي. لكن الضغوط السياسية من الولايات المتحدة وإسرائيل ـ "لم يكن الأمر يشبه أي شيء رأيته من قبل"، كما قالت لي زميلة كانت تتابع القضية عن كثب في ذلك الوقت ـ أدت بالبرلمان البلجيكي إلى تعديل القانون في أبريل/نيسان 2003 وإلغائه في أغسطس/آب. وقامت أعلى المحاكم البلجيكية بإسقاط القضية ضد شارون في سبتمبر/أيلول من نفس العام.

يعمل كثيرون في إسرائيل الآن على إبراز سجل شارون كمحارب وزعيم سياسي جرئ. لكن المناسبة تستحق وقفة للتمعن في سجله، كرجل أدخل الخراب والدمار على حياة الآلاف من الفلسطينيين، دون أن يواجه العدالة على جرائمه، وكانت سياساته تقوض جهود تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

سارة ليا ويتسن هي المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش. لمتابعتها على تويتر: @SarahLeah1