© 2013 هيومن رايتس ووتش

(بيروت) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن التوترات الطائفية بين حي جبل محسن العلوي والأحياء السنية المحيطة به قد أدت إلى زيادة في الاعتداءات المستهدفة بحق العلويين في مدينة طرابلس اللبنانية الشمالية. وقد ظل رد فعل السلطات اللبنانية ضعيفاً حتى مع تسبب النزاع السوري في تفاقم خطير للتوترات هناك.

يجب على السلطات اللبنانية اتخاذ جميع الخطوات الممكنة لحماية سكان طرابلس، بمصادرة الأسلحة التي تم استخدامها في قتل سكان، مثل الهاون، والقنابل المقذوفة بالصواريخ، والأسلحة الآلية، واعتقال وملاحقة المسلحين، والحفاظ على وجود أمني نشط وسط كافة الطوائف.

قال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "مع استمرار المعارك في طرابلس، وتعرض أشخاص للضرب والاعتداء بالسلاح الأبيض والقتل، لا تملك الحكومة اللبنانية ترف الجلوس بلا حراك، فهي بحاجة إلى الشروع في اعتقال وملاحقة الأشخاص المسؤولين عن العنف في طرابلس ومصادرة أسلحتهم".

وينبغي للخطة الأمنية الجديدة التي وضعتها الحكومة لطرابلس أن تشمل بالتحديد إجراءات لحماية السكان العلويين وممتلكاتهم. كما يجب أن تشمل خطة لوقف الهجمات الجارية، والتحقيق في الوقائع، واعتقال وملاحقة المسؤولين، مع احترام حقوق الجميع، بمن فيهم المحتجزين.

تسبب النزاع الدائر في سوريا في تفاقم خطير للتوترات الطائفية القائمة في طرابلس، حيث استمر العنف المتقطع بين حي جبل محسن العلوي الواقع على تلة مرتفعة، والأحياء السنية التي تحيط به تماماً، بما فيها باب التبانة، منذ مايو/أيار 2008. وكان أهم الضحايا هم المئات من السكان السنيين والعلويين على السواء، إلا أن سكان جبل محسن معرضون للخطر بصفة خاصة.

قام مسلحون ومشعلو حرائق من السنيين بمهاجمة وإحراق العديد من المحال التجارية المملوكة لسكان جبل محسن في مناطق أخرى من طرابلس، كما اعتدى متشددون سنيون بالضرب على علويين في شوارع طرابلس خارج جبل محسن. وأرغم مسلحون من حي باب التبانة السني أصحاب محال علويين على دفع إتاوات مقابل الحماية.

واتسم رد فعل الحكومة الأمني بالضعف، كما أخفقت العمليات الأمنية الرسمية في إنهاء القتال أو إزالة الطابع العسكري عن الأحياء المتضررة، وهذا بحسب هيومن رايتس ووتش. لم تبذل قوات الأمن ومسؤولو إنفاذ القانون أي جهد مستديم لنزع سلاح المسلحين واعتقالهم وملاحقتهم، رغم بعض الاعتقالات ومصادرة بعض الأسلحة في 2013. قال سكان من طرابلس من المقيمين في جبل محسن وباب التبانة على السواء لـ هيومن رايتس ووتش إن برنامجا تديره الهيئة العليا للإغاثة للتعويض عن الممتلكات المتضررة أو المدمرة يعاني من التأخيرات والإقصاء وعدم كفاية المبالغ المدفوعة.

وأخفقت قوات الأمن في طرابلس بوجه خاص في توفير حماية كافية للعلويين، واعتقال المسؤولين عن الاعتدءات ونزع سلاحهم ومعاقبتهم، رغم أن هوية الكثيرين من المعتدين معروفة. على سبيل المثال، قال شخص وقع ضحية لاعتداء بالسلاح الأبيض في أبريل/نيسان لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الجيش اللبناني المتمركزة في مكان قريب لم تحاول التصدي للمعتدين عليه.

استناداً إلى المعلومات المتاحة للعامة، لم يتم اعتقال أي شخص في أربعة من خمسة اعتداءات مبلغ عنها على علويين في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول. وفي ستة حالات من سبعة قامت هيومن رايتس ووتش بتوثيقها، وتعرضت فيها متاجر علوية لاعتداءات، قال أصحاب المتاجر أو جيرانهم أو بعض العاملين لديهم إن قوات الأمن لم تحاول وقف الاعتداءات. وقال شهود إن قوات الأمن لم تحقق إلا في حالتين من حالات الاعتداء بعد ذلك.

في نوفمبر/تشرين الثاني قالت الحكومة اللبنانية إنها بصدد تنفيذ خطة أمنية خاصة بالمدينة، التي يبلغ عدد سكانها 500 ألف نسمة. وفي 2 ديسمبر/كانون الأول قام نجيب ميقاتي، رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال، بوضع طرابلس تحت سيطرة الجيش لمدة 6 أشهر.

تأتي هذه التحركات من الحكومة كتغير كبير في رد فعلها على جولات العنف العديدة في طرابلس، التي كان لها أثر مدمر على السكان المحليين. وقد سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق اشتباكات تواجه فيها مسلحون من جبل محسن مع مسلحين من باب التبانة وغيره من الأحياء السنية المحيطة.

أدت الاشتباكات إلى مقتل ما لا يقل عن 141 شخصاً منذ يونيو/حزيران 2008، وإصابة المئات من الآخرين، كما أعاقت في بعض الحالات الوصول إلى المساعدة الطبية. وتسببت أيضاً في أضرار جسيمة بممتلكات، وأثرت بشكل حاد على أرزاق السكان، وحريتهم في التحرك، ووصولهم إلى التعليم.

ورغم تأثر السنيين والعلويين على السواء بالاشتباكات في هذه الأحياء، إلا أن الطائفة العلوية صغيرة الحجم في طرابلس، التي تعد بعشرات الآلاف، تواجه مخاطراً إضافية نتيجة للعنف المتزايد الموجه إليها.

يجب على السلطات اللبنانية، بمعونة مانحين دوليين، مصادرة الأسلحة من قبيل الهاون والقنابل المقذوفة بالصواريخ والأسلحة الآلية، واعتقال المسلحين وملاحقتهم، والحفاظ على وجود أمني نشط في كافة المناطق المهددة على نحو يأخذ في اعتباره المخاوف وبواعث القلق المحلية. وينبغي لهذه الإجراءات أن تشمل التحقيق مع أولئك المسؤولين عن الاعتداءات الإجرامية، ومحاسبتهم في محاكم مدنية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن إحدى طرق التعامل مع المظالم الكامنة هي تشكيل لجنة تضم ممثلين عن الجانبين علاوة على قادة وطنيين. وعلى اللجنة التحقيق في المظالم واحتياجات المجتمعات الفقيرة التي طال إهمالها، العلوية والسنية على السواء.

وعلى الحكومة اللبنانية العمل على تحسين برنامج التعويضات الخاص بالهيئة العليا للإغاثة، للقضاء على التأخيرات والإقصاء وعدم كفاية المبالغ المدفوعة.

قال جو ستورك: "لا يوجد إكسير سحري للعنف المستشري في طرابلس أو لحل المظالم التي امتدت لعقود، إلا أن التعامل مع مشكلة إفلات المسلحين من العقاب يكتسي أهمية محورية. وعلى السلطات اللبنانية التوسع في الأمن على المدى القصير، مع تطوير عمليات للمصالحة للتوصل إلى حلول دائمة للعنف في طرابلس".

تصاعد التوترات الطائفية في طرابلس
أجرى باحثو هيومن رايتس ووتش تحقيقات ميدانية في طرابلس بلبنان في مايو/أيار ويونيو/حزيران 2013، كما راجعوا تقارير وتصريحات صدرت عن الحكومة اللبنانية كرد فعل على العنف هناك. وفي 6 نوفمبر/تشرين الثاني كتبت هيومن رايتس ووتش إلى وزراء الدفاع والداخلية والعدل اللبنانيين، وإلى الهيئة العليا للإغاثة، تطلب معلومات عن رد فعل الحكومة على الاعتداءات في طرابلس، إلا أنها لم تتلق رداً.

نتج عن التوترات الطائفية زيادة في الاعتداءات على العلويين منذ بدء الحرب في سوريا في صيف 2012، بما فيها اعتداءات على العمال العلويين عند انتقالهم بين منازلهم في جبل محسن وأنحاء لبنان الأخرى، وإحراق وتدمير متاجر علوية، واعتداءات على حافلات ـ بينها حافلات مدارس ـ تنقل سكاناً علويين. قال الكثيرون من سكان جبل محسن العلويين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان عند مغادرة جيبهم العلوي.

الاعتداءات على علويين في الشوارع وفي أماكن العمل
بدءاً من أغسطس/آب 2012، وثقت هيومن رايتس ووتش اعتداءات على علويين على غير أساس سوى هويتهم، في الشوارع وأماكن العمل على السواء.
في أغسطس/آب 2012، حصل جعفر (تم تغيير اسمه وكافة الأسماء الأخرى لأسباب أمنية)، وهو طالب علوي عمره 18 عاماً من جبل محسن ، على وظيفة صيفية كنادل في أحد مطاعم طرابلس خارج حيه، حتى يدخر بعض المال. وذات مساء، في طريق عودته إلى جبل محسن مع اثنين من أبناء عمومته، على مبعدة أمتار لا غير من حدود الحي، أوقفتهم مجموعة مكونة من نحو 15 شاباً سنياً. قال جعفر لـ هيومن رايتس ووتش: "كانوا يعرفون أننا من جبل محسن. وكان السؤال الوحيد الذي طرحوه علينا ’إلى أين تذهبون؟‘ ـ لأنهم كانوا يعرفون الإجابة". حاول الشباب أخذ أحد أبناء العم، إلا أن رفيقيه رفضا الانفصال عنه. وعندها اعتدى الشباب السنيون بالضرب المبرح والسلاح الأبيض على أصغر الثلاثة سناً:

تعرض ابن عمي الأصغر لضرب مبرح وثلاث طعنات في الكتف. بل إنهم حاولوا كسر عنقه... حاول ابن عمي الأكبر أن يساعد، لكنه طعن في الكتف بدوره... كان الناس يصيحون، ’نحن في رمضان وهذا لا يليق. دعوهم وشأنهم!‘ فرد مهاجمونا عليهم، ’لأننا في رمضان فنحن نريد الإجهاز عليهم [العلويين] تماماً‘. وظلوا يصيحون، ’الله أكبر!‘.

قام رجال من جبل محسن بإنقاذ أبناء العمومة الثلاثة. وبدأ الجانبان في تبادل إلقاء الحجارة، ثم تصاعدت الاشتباكات إلى تبادل إطلاق النيران. وبعد الاعتداء بالضرب والسلاح الأبيض، توقف أبناء العمومة الثلاثة عن الذهاب إلى العمل، خوفاً على سلامتهم.

في أبريل/نيسان قامت مجموعة كبيرة من المتظاهرين السنيين، وكثير منهم سلفيون، بقطع الطريق الداخل إلى جبل محسن من دوار أبو علي، في مسيرة لا تبعد أكثر من 10 أمتار عن أقرب نقطة تفتيش تابعة للجيش اللبناني. وبدأ المتظاهرون في استيقاف المركبات وسؤال راكبيها، بحسب المزاعم، عما إذا كانوا علويين. وكان وسط المركبات حافلة صغيرة تقل 16 راكباً، كلهم من العمال في إحدى شركات الكهرباء ببيروت. وصف لنا حسن، وهو أحد سكان جبل محسن، ما حدث بعد ذلك:

أوقفوا حافلتنا وسألوا السائق، ’كم معك من العلويين ومن السنيين؟‘. قال له السائق إنه لا يوجد علويون، لكنه كان يعرف إننا ثمانية علويين وثمانية سنيين. فقالوا للسائق أن يترجل وضربوه على رأسه مرتين بعصا خشبية. ثم أخذوا مفاتيح الحافلة وأمروا الجميع بالنزول منها، وامتثل معظم الركاب. أما أنا فرفضت الخروج لأنني كنت أعرف أنهم سيقتلونني. وهكذا صعد نحو 20 أو 30 رجلاً إلى الحافلة وحاصروني. وبدأوا في طعني بـالسكاكين،سكاكينكبيرة وصغيرة ـ تعرضت لـ19 طعنة، وكانوا يضربونني بالعصي أيضاً. كانوا يصيحون، ’الله أكبر، لقد أمسكنا علوياً!‘. وحين فرغوا مني ردوا للسائق المفاتيح وقالوا له، ’خذه إلى رفعت عيد [زعيم الحزب العربي الديمقراطي الذي يمثل العلويين]، هذه رسالتنا إليه‘. تعرض علويان آخران للضرب بالعصي وتم أخذنا نحن الثلاثة إلى المستشفى. قضيت أسبوعاً في المستشفى. ولحسن الحظ لم يتعرض عضو من أعضائي الداخلية للضرر.

قال حسن إن قوات الجيش اللبناني المتمركزة على مقربة لم تحاول وقف الاعتداء، كما استعرض أمام هيومن رايتس ووتش الندوب الناجمة عن جروح الاعتداء بالمدي.

بحسب تقارير إعلامية، قام متشددون سنيون في 22 أبريل/نيسان، في ضاحية القبة المجاورة لجبل محسن، برجم حافلة مدرسية كانت تعيد بعض الأطفال إلى منازلهم في جبل محسن. تدخل جنود الجيش اللبناني، وأكملت الحافلة طريقها دون تعرض الأطفال لإصابات. تفيد تقارير بأن الجيش اللبناني ظل يرافق الحافلات المدرسية التي تنقل أطفالاً علويين بعد الواقعة لمنع الاعتداءات.

وفي 31 مايو/أيار، في أعقاب اشتباكات مسلحة ضارية بين جبل محسن والأحياء السنية المحيطة به خلفت ما لا يقل عن 28 قتيلاً، قام متشددون سنيون بتهديد عمال علويين يعملون في الحكومة المحلية للمدينة، مرسلين إليهم برسائل نصية قصيرة تحذرهم من المجئ إلى العمل وإلا قتلوا. قال حسين، وهو أحد عمال البلدية العلويين، لـ هيومن رايتس ووتش إن 50 إلى 60 علوياً من جبل محسن يعملون في البلدية، في وظائف إدارية داخل مبنى البلدية وفي وظائف أكثر انكشافاً كسائقين أو منظفي شوارع في الأحياء على السواء.

وحين قرر هو ونحو 10 من زملائه العلويين الذهاب إلى العمل يوم 13 يونيو/حزيران رغم التهديدات، كما قال، رفض بعض زملائه السنيين إلقاء التحية عليه هو وبقية العلويين وكان سلوكهم عدائياً. بعد ساعة أو اثنتين من وصولهم، وصلت مجموعة صغيرة من المتشددين السنيين الذين يحملون العصي أمام المبنى وقطعوا الطريق. بدأ المتشددون في التفتيش عن علويين داخل المبنى.

قال حسين: "كان هدفهم إيذاؤنا... ولم يمنعهم أحد في البلدية". ووصف حسين كيف تمكن العلويون من الفرار، لكنه طلب من هيومن رايتس ووتش عدم الكشف عن التفاصيل لأسباب أمنية. وقال إنه بعد أيام، اعتدى مسلحون سنيون بالضرب على ثلاثة علويين كانوا يحاولون العودة إلى العمل في الشوارع أمام المبنى. في تعليق على رد فعل البلدية على العنف، قال حسين:

يعرف العمدة هؤلاء الأشخاص [الذين قطعوا الطريق أمام البلدية يوم 13 يونيو/حزيران] ... تحدثنا بعد ذلك مع [إدارة] البلدية فقالوا لنا أن نقتصر على العمل في حينا [جبل محسن]. ولم يكن ثمة مشكلة في هذا، لكنهم الآن يقولون إننا لن نحصل على أجورنا بالكامل. لم يفكر أحد في التحقيق في ما حدث. ذهب الجيش إلى البلدية بعد ذلك لكنني لا أعرف ما حدث لاحقاً.

في نوفمبر/تشرين الثاني، وسط اشتباكات مستمرة بين جبل محسن وباب التبانة، وقعت سلسلة من الاعتداءات المستهدفة، بحسب تقارير، على سكان جبل محسن في أجزاء أخرى من طرابلس. وقد جاءت الاعتداءات بعد أن رفض علي عيد، مؤسس الحزب العربي الديمقراطي المحسوب على العلويين، رفض الرد على استدعاء في 30 أكتوبر/تشرين الأول يتعلق بتورطه في تهريب مشتبه به، كان مسؤولاً عن تفجير سيارتين مفخختين في 23 أغسطس/آب في طرابلس، إلى خارج لبنان. خلفت السيارتان المفخختان أكثر من 40 قتيلاً و400 جريحاً أمام مسجدي السلام والتقوى، حيث كان يخطب أئمة بارزون من السنة يؤيدون المعارضة السورية. وفي 5 نوفمبر/تشرين الثاني قام أحد قضاة محكمة عسكرية باتهام عيد بتهريب الرجل المطلوب.

كما ظهرت تقارير تفيد بقيام مسلحين، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني، باستيقاف حافلة تنقل عمالاً علويين من جبل محسن وفتح النار عليها. عمد المسلحون إلى إنزال عدة رجال من الحافلة والاعتداء عليهم بالضرب والرصاص، وأحدثوا بهم جروحاً. وفي 3 نوفمبر/تشرين الثاني صرح الجيش اللبناني بأنه احتجز يحيى سمير محمد، وهو سوري يزعم أنه متورط في الهجوم، وبأن البحث جار عن ثلاثة لبنانيين، هم خالد جمال الراعي، وعمر محمد عبد العزيز الأحمد، ومصطفى عبد الحميد جوهر، لتورطهم في الجريمة.

وفي 2 نوفمبر/تشرين الثاني أيضاً، اعتدى رجال يحملون السكاكين على ثلاثة علويين في حي التل بطرابلس.

في 7 نوفمبر/تشرين الثاني، بحسب تقارير، قام معتدون مجهولون بمهاجمة ثلاثة آخرين من سكان جبل محسن، أحدهم قرب مستشفى النيني، والاثنان الآخران في حي التل. كما أفادت تقارير بأن معتدين مجهولين أطلقوا الرصاص في 28 نوفمبر/تشرين الثاني على أربعة من عمال البلدية العلويين قرب دوار أبو علي في طريق عودتهم إلى منازلهم في جبل محسن. وظهرت تقارير تفيد بأن مسلحين مجهولين أطلقوا الرصاص في 11 ديسمبر/كانون الأول فجرحوا اثنين من سكان جبل محسن في حي البداوي بطرابلس. واستناداً إلى المعلومات المتاحة للعامة، لم تتم أية اعتقالات في أربعة من هذه الاعتداءات.

في 6 نوفمبر/تشرين الثاني طلبت هيومن رايتس ووتش معلومات من وزارتي الدفاع والداخلية عن الخطوات التي تتخذها القوات المسلحة ووزارة الداخلية رداً على الاعتداءات المستهدفة بحق سكان طرابلس من العلويين ولمنعها استباقياً، إلا أنهما لم تردا. كما طلبت هيومن رايتس ووتش من وزارتي العدل والداخلية معلومات عن أي تحقيق جار مع أشخاص مسؤولين عن الاعتداءات الطائفية على العلويين في طرابلس لكنها لم تتلق أي رد.

عمليات الإحراق والتدمير لمحال تجارية علوية
في مناسبات عديدة، ترجع إلى 2008 على الأقل، قام متشددون سنيون باستهداف متاجر أصحاب الأعمال العلويين من جبل محسن الكائنة بمناطق أخرى من طرابلس، باقتحامها وسرقة بضائع منها، أو إطلاق النيران عليها أو تفجيرها أو إحراقها. قال سكان لـ هيومن رايتس ووتش إن هذه الاعتداءات تزايدت منذ اندلاع النزاع في سوريا. وقال ثلاثة من أصحاب المتاجر لـ هيومن رايتس ووتش إن متشددين سنيين طالبوا بـ"إتاوات للحماية"، واصفين إياها أحياناً بـ"الجزية".
قال وسام، وهو علوي عمره 38 عاماً من سكان جبل محسن، وكان يمتلك صالون حلاقة في حي التل الشعبي بوسط طرابلس، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن متشددين سنيين أحرقوا محله في 9 أبريل/نيسان.

في 1 و3 يونيو/حزيران، في أعقاب اشتباكات ضارية خلفت ما لا يقل عن 13 قتيلاً، بينهم جندي واحد، قام متشددون سنيون بتدمير أربعة متاجر على الأقل في حي التل، بحسب أصحاب المتاجر والعاملين لديهم. وقال سكان من الحي لـ هيومن رايتس ووتش إن متشددين سنيين أيضاً أحرقوا متجراً خامساً، وهو متجر كبير للوازم الرياضية يملكه رجل أعمال علوي، يوم 6 يونيو/حزيران.

ويبدو أن متجراً سادساً للهواتف الخلوية يملكه رجل أعمال سني تعرض للتفجير بطريق الخطأ بدلاً من صالون الحلاقة المجاور. في الثالثة من صباح 3 يونيو/حزيران قام متشددون سنيون بتفجير قنبلة مملوءة بالشظايا أمام متجر الهواتف الخلوية، فسببوا تلفيات تزيد قيمتها على 5000 دولار أمريكي. قال المالك السني، عمر، لـ هيومن رايتس ووتش:

الأرجح أنهم قصدوا استهداف متجر جاري، بما أنه علوي ... ما فهمته هو أنه قيل لهم أن يستهدفوا المتجر ذا الباب الحديدي، وهناك باب حديدي يتم إنزاله من أعلى أمام متجري، ومن ثم فقد حدث الأمر بطريق الخطأ ... لا يمكن للعلويين الشكوى أو تضخيم ما يحدث ـ استهداف متاجرهم ـ لأنهم هنا في منطقة غير منطقتهم. الأغلبية هنا سنيون وهم محاصرون. إنهم يخشون فتح متاجرهم الآن ... قام اثنان أعرفهما من أصحاب المتاجر العلويين بإغلاق متجريهما ولن يعيدا افتتاحهما.

في أواخر مايو/أيار قام متشددون سنيون بإحراق متجر آخر في حي التل يملكه رجل أعمال علوي، على حد قول مصطفى، وهو يعمل في متجر مجاور وكان شاهداً على الهجوم. وبعد أسبوع، في 3 يونيو/حزيران، عاد المعتدون ونهبوا ما يمكن استنقاذه من بضاعة ومعدات في المتجر. وأضاف كريم، وهو سني يمتلك متجراً قريباً وكان قد وصف الاعتداءات لـ هيومن رايتس ووتش: "هناك صاحب متجر علوي آخر في نفس الشارع لكن شيئاً لم يحدث هناك لأنه يدفع رشاوى" للمتشددين.

قال مالك، وهو علوي يمتلك متجراً للملابس من جبل محسن، لـ هيومن رايتس ووتش إنه قرر إغلاق متجره في طرابلس بصفة نهائية في أعقاب اشتباكات مايو/أيار وما تلاها من اعتداءات على متاجر العلويين. في 2012 قام متطرفون سنيون بمهاجمة وتدمير متجره في شهر رمضان، ومنذ ذلك الحين اضطر لإفراغ متجره بالكامل مرتين لمنع نهبه وإحراقه ثانية. قال مالك، "متاجرنا [نحن العلويون] تُستهدف دائماً مع بدء القتال. حتى إذا كان القتال بعيداً عن المتاجر فإنهم يأتون ويحددون أماكنها ويحرقونها عند اشتداد القتال. لقد أغلقت المتجر الآن لأنني أخشى أن يعودوا لمهاجمته وعندها أخسر كل الملابس وكل استثماراتي".

قال أصحاب متاجر في التل لـ هيومن رايتس ووتش إن أربعة مسلحين على دراجات نارية، في ليلة 6 يونيو/حزيران، هاجموا أحد أكبر المتاجر المملوكة لعلويين في طرابلس، متجر "جست سبورت"، الذي كانت بداخله ملابس وسلع رياضية تساوي 200 ألف دولار أمريكي. يقع المتجر قرب أحد مخافر الشرطة. فتح الرجال النار على المتجر المغلق من بنادق آلية. وقال عباس، وهو علوي يعمل في متجر قريب، لـ هيومن رايتس ووتش إن دورية مارة للجيش تصدت للمسلحين، مما أدى إلى تبادل لإطلاق النيران نتج عنه وفاة أحد المسلحين واعتقال مسلح ثان.

وفي جميع الحالات الأخرى التي وثقتها هيومن رايتس ووتش، قال أصحاب متاجر أو جيرانهم أو عاملون عندهم إن قوات الأمن لم تحاول وقف الاعتداءات الجارية. وحكى أحد أصحاب المتاجر لـ هيومن رايتس ووتش عن حادثة أخرى، قام الجيش فيها بمرافقة صاحب المتجر إلى متجره لنقل بضاعته أثناء اشتباكات، حتى لا يتعرض مخزونه للدمار إذا هوجم متجره.

في اثنتين من الحالات السبع الموثقة التي تم فيها استهداف متاجر، قال شهود إن قوات الأمن حققت في الاعتداء بعد وقوعه. وفي حالة واحدة من الحالات التي لم يجر فيها تحقيق، شرح عباس لـ هيومن رايتس ووتش ما حدث بعد تعرض المتجر الذي كان يعمل فيه للهجوم: "قلت للمخابرات العسكرية إن [المعتدين] حاولوا إحراق المكان فقالوا إنه ليس بوسعهم فعل شيء". لم تكن هناك حالة واحدة قال الضحايا فيها إن الحكومة قدمت تعويضات عن خسائرهم أو إن أي شخص حوسب على الاعتداءات.

تحدث عمر، صاحب متجر الهواتف الخلوية السني، الذي اعتقد أن متجره استهدف بطريق الخطأ اعتقادا أن صاحبه علوي، تحدث عن غياب التعويضات والمحاسبة فقال:

لقد ضربوا المكان حين لم يكن هناك أحد. وهم [الجناة] بالطبع ليسوا من جبل محسن. إنني أعرف من يكونون لكنني لن أخبرك ... لقد اضطررت لدفع مبلغ يتجاوز 4500 دولار أمريكي لإصلاح المكان، وما زال يتطلب المزيد من العمل. خسرت الكثير من البضائع. يمكنك أن ترى أنه [مدمر]. لم تساعدنا الهيئة العليا للإغاثة في شيء. ومن ضربوا المكان لا يملكون المال اللازم لطعامهم، ناهيك عن تعويضي. المسؤولون عن الاعتداء لا يأخذون الأوامر من أحد.

في 6 نوفمبر/تشرين الثاني، كتبت هيومن رايتس ووتش إلى الهيئة العليا للإغاثة تطلب معلومات عن برنامجها للتعويضات والجهود المبذولة لتعويض سكان طرابلس بعد الاشتباكات العنيفة، لكنها لم تتلق رداً.
في غياب الرد الحكومي الكافي على العنف، قال ثلاثة من أصحاب المتاجر العلويين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يشعرون بالاضطرار إلى دفع إتاوات لمتشددين سنيين من باب التبانة. ورغم أن هذه المطالب الابتزازية ليست جديدة، إلا أن أصحاب المتاجر قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنها صارت أوسع انتشاراً في صيف 2013. قال مالك، صاحب متجر الملابس العلوي من جبل محسن:

يأتي إلى متجري أشخاص من باب التبانة ويطلبون المال مقابل حماية المتجر. أدفع لهم ما يقرب من 100 ألف ليرة لبنانية (حوالي 67 دولارا أمريكيا) لكل شخص، وهم يأتون نحو مرة في كل شهر ... هناك مجموعتان مختلفتان من باب التبانة أدفع لهما الآن مقابل الحماية. رأيت معهم بنادق ... إذا لم أدفع الآن فكيف سأتمكن من السير في الشارع؟ أنا بحاجة إلى حمايتهم.

وكذلك قال عباس، الذي يعمل في متجر مملوك لعلوي في حي التل، إنه دفع رشاوى منتظمة لمسلحين سنيين:

يأتي أشخاص ويطلبون المال، وقد اعطيتهم مالاً لحماية المكان. والسلطات تعرف بهذا، فقد أبلغتهم. [من يطلبون المال] بلطجية من الشارع. والسلطات تسمح لهم بالقيام بهذا حتى لا يفعلوا ما هو أسوأ. لقد أبلغت المخابرات العسكرية بأن هؤلاء الأشخاص [يطلبون إتاوات مقابل الحماية]. أدفع لهم شهرياً 150-200 دولار. وقادة المجموعات هم من يأتون من أجل المال ... يمكنهم منعي من العمل هنا إذا لم أدفع لهم.

قال وسام، صاحب صالون الحلاقة في حي التل، إن متجره تعرض لهجوم من مسلحين سنيين في ثلاث مناسبات، ثم أحرق بالكامل في 9 أبريل/نيسان، تاركاً إياه غارقاً في الديون وبدون مصدر للدخل.

وقال إن الاعتداء الأخير كان في صيف 2012، حين أطلق مسلحون سنيون نحو 30 دفعة من سلاح "إيه كيه-47" الآلي داخل الصالون أثناء مسيرة جنازة كانت مقامة لمقاتل سني قتل في اشتباكات مع مقاتلي جبل محسن. تكلفت الإصلاحات، التي تمثلت بالأساس في استبدال نوافذ الصالون المهشمة، ما يقرب من ألف دولار أمريكي.

بعد شهر واحد، في أعقاب نهاية جولة أخرى من الاشتباكات، كما قال، جاءت إلى الصالون مجموعة من نحو 5 أو 6 رجال، واعتدوا بالضرب على اثنين من الحلاقين السنيين كانا يعملان فيه، وبدأوا في تدمير المعدات. واضطرت التلفيات الناجمة عن الاعتداء وسام لاقتراض 7000 دولار أمريكي لإصلاح صالونه، كما قال. قال وسام لـ هيومن رايتس ووتش إنه أودع شكوى بحق الرجال الذين هاجموا صالونه، والذين كان هو وغيره في المنطقة يعرفونهم بالاسم، لكن السلطات لم تعتقل أو تلاحق المعتدين.

وفي مارس/آذار عاد مسلحون من باب التبانة مرة أخرى إلى صالون وسام وعرضوا عليه صفقة: إذا دفع لهم 500 ألف ليرة لبنانية (330 دولار أمريكي) شهرياً على سبيل "الإتاوة" التي وصفوها بأنها "جزية" فسوف يبقى صالونه سالماً. رفض وسام مطالبهم التي وصفها بالابتزاز، وشرح للمسلحين أنه لا يستطيع تدبير مبلغ كبير كهذا من صالونه الصغير.

قال وسام لـ هيومن رايتس ووتش إن نفس المسلحين، في 9 أبريل/نيسان، أمروا العاملين بالخروج ثم سكبوا البنزين في أرجاء الصالون وأشعلوا فيه النيران. وبينما كان الصالون يحترق، ظل المسلحون في الشارع، مانعين أصحاب المتاجر المجاورة من محاولة إطفاء الحريق. استغرقت قوات الأمن اللبنانية ما يقرب من ساعة للوصول، وبحلول ذلك الوقت كان الصالون قد تخرب تماماً والمسلحون قد اختفوا.

ورغم المحضر الذي حرره وسام، وتأكيده أن هوية الرجال الذين دمروا صالونه معروفة جيداً، إلا أن السلطات لم تحتجز أو تتهم الرجال بأية جريمة تتعلق بهذه الأحداث. مع تقدير الخسائر بـ25 ألف دولار، يأس وسام من محاولة إعادة الافتتاح. ما زال وسام يسدد القرض السابق بـ7000 دولار الذي أخذه لإصلاح متجره، وقد قال:

قبل هذه الوقائع كنت أتجول حراً، بل وأبقى في حي التل إلى ساعة متأخرة. لكنني الآن أشعر بخوف مستمر عند مغادرة [جبل محسن]. لا يوجد من يعتدي عليّ لفظياً، وأصحاب المحال المجاورة متعاطفون. لكن هناك الكثير من المسلحين في كل مكان. بالأمس فقط، كنت أساعد في صالون الحلاقة الخاص بأبي [في حي التل] فتوقف رجل بدراجة نارية وبدأ يطلق النيران في الهواء دون سبب ... لقد فقدت عملي، وليس عندي مال لدفع مصاريف أبنائي، ويعولني الآن أبي الذي يبلغ من العمر 80 عاماً ويعاني من المرض، لكنه يصر على الذهاب للعمل يومياً حتى يعولنا.

خلفية
تجد الانقسامات والاشتباكات بين علويي جبل محسن وسنيي الأحياء المحيطة، بما فيها باب التل، تجد جذورها في حرب لبنان الأهلية (1975-1990)، إضافة إلى التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي تعاني منه الطائفتان على السواء. وقد ظلت الاشتباكات العنيفة بين مسلحين من الطائفتين تندلع دورياً في اشتباكات مسلحة منذ مايو/أيار 2008، واشتدت حدتها منذ تطور الانتفاضة السورية في مارس/آذار 2011 إلى نزاع مسلح. أدت الحرب السورية إلى زيادة حدة الانقسامات بين الأقلية العلوية صغيرة الحجم في طرابلس، والتي لها روابط بعيدة الأمد مع الحكومة السورية، وبين مجتمعها السني الأوسع نطاقاً، والذي يتعاطف كثير من أفراده مع المعارضة السورية.

ويبدو أن القتال في طرابلس كان في بعض المناسبات يأتي كرد مباشر على هزائم وانتصارات أحد الجانبين أو الآخر في الحرب الأهلية السورية. فعلى سبيل المثال، عند اندلاع قتال شرس بين المعارضة السورية والجيش السوري مدعوماً بحزب الله للسيطرة على بلدة القصير في مايو/أيار، حاول مسلحون سنيون من طرابلس مساعدة المعارضة السورية، لكن بعض التقارير أفادت بأن قوات حزب الله تصدت لهم. فهاجم المسلحون السنيون جبل محسن بدلاً من هذا. وقد شرح أحد القادة السنيين تصرفاتهم لأحد الصحفيين قائلا: "طالما حوصرت القصير سيحاصر جبل محسن".

في جبل محسن تخضع الجماعات المسلحة مباشرة لسيطرة الحزب العربي الديمقراطي، رغم إبداء بعض القادة في الأحياء لقدر من الاستقلالية. لكن مثل هذه السيطرة المركزية لا توجد في باب التبانة والأحياء السنية المحيطة، حيث تعمل وفرة من الجماعات المسلحة تحت رئاسة قادة مستقلين، بأيديولوجيات وولاءات متباينة.

ورغم أن تقارير إعلامية اتهمت بعض رجال السياسة اللبنانيين بتوفير الدعم المالي المباشر للمسلحين السنيين في طرابلس، إلا أن الطبيعة السرية لمثل هذه العلاقات تجعل توثيقها صعباً. حين استعلمت هيومن رايتس ووتش من مسلح محلي في باب التبانة عن مصادر دعمه، أفادت إجابته بأن جماعته تعتمد على مواردها الخاصة. قال الرجل لـ هيومن رايتس ووتش: "نحن لا نحصل على أموال من رجال السياسة. هذا كله مجرد كلام".