(بروكسل) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على ليبيا التعجيل بتسليم سيف الإسلام القذافي إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. سيف الإسلام، وهو أحد أبناء معمر القذافي، مطلوب على ذمة جرائم ضد الإنسانية.

عقدت السلطات الليبية جلسة في محكمة جنوب طرابلس بتاريخ 19 سبتمبر/أيلول 2013، لتفتتح بهذا المرحلة التمهيدية للمحاكمة (أو مرحلة "توجيه الاتهام") في الدعوى المقامة بحق سيف الإسلام القذافي، علاوة على رئيس المخابرات السابق والذي تشتبه به المحكمة الجنائية الدولية؛ عبد الله السنوسي، وغيرهما من كبار المسؤولين في عهد القذافي. بموجب القانون الليبي، يتعين على القاضي مراجعة أدلة الادعاء من حيث الكفاية والموثوقية، وتحديد التهم على وجه الدقة. في المذكرة المرفوعة إلى المحكمة الجنائية الدولية، قالت ليبيا إنها تتصور احتواء لائحة الاتهام بحق الشخصين الذين تشتبه بهما المحكمة الجنائية الدولية، على تهم القتل والتعذيب والقتل العشوائي؛ أثناء الانتفاضة التي أدت إلى خلع معمر القذافي.

قال ريتشارد ديكر، مدير قسم العدل الدولي في هيومن رايتس ووتش: "إنه لخطأ جسيم أن تستمر إجراءات المحاكمة الوطنية بحق سيف الإسلام القذافي، رغم صدور أمر من المحكمة الجنائية الدولية بتسليمه إلى لاهاي. لقد أكدت ليبيا لمجلس الأمن أنها تنوي التعاون مع المحكمة، وعليها إذن تسليم سيف الإسلام القذافي إلى لاهاي دون إبطاء".

في 18 يوليو/تموز، رفضتدائرة الاستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية طلب ليبيا بتأجيل تسليم القذافي إلى المحكمة الجنائية الدولية لحين صدور حكمها في الاستئناف الليبي الرامي إلى محاكمته داخلياً، وهو ما رفضته المحكمة الجنائية الدولية. وخلص قضاة المحكمة الجنائية الدولية في قرارهم إلى أن نقل القذافي إلى لاهاي ليس من شأنه أن يعوق التحقيقات الوطنية في ليبيا.

يلزم القرار 1970الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي أحال الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ يلزم السلطات الليبية بالتعاون التام مع المحكمة، وهو التزام وجوبي بموجب ميثاق الأمم المتحدة، حتى رغم عدم انضمام ليبيا للمعاهدة المنشئة للمحكمة. ويشمل هذا التعاون الالتزام بقرارات المحكمة وطلباتها، علاوة على التقيد بإجراءات المحكمة.

وعدت ليبيا بالتقيد بالتزاماتها، وفي مذكرة حديثة مرفوعة إلى المحكمة الجنائية الدولية، قالت ليبيا إنها "لا تنازع في تقيدها بالقرار 1970 الصادر عن مجلس الأمن". قالت هيومن رايتس ووتش إن على أعضاء مجلس الأمن، الذين أجمعوا على منح المحكمة الجنائية الدولية اختصاص التحقيق في الوضع في ليبيا، أن يرسلوا رسالة قوية إلى السلطات الليبية تفيد بضرورة التعاون مع المحكمة.

في 23 يوليو/تموز طلب فريق الدفاع عن القذافي أمام المحكمة الجنائية الدولية من قضاة المحكمة أن يحكموا بإخفاق ليبيا في التعاون مع المحكمة عن طريق رفض تسليم القذافي. والمادة 87 من المعاهدة المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية تتيح لها إصدار أحكام بعدم التعاون.

ولأن المحكمة الجنائية الدولية مختصة بليبيا نتيجة إحالة من مجلس الأمن فإن حكماً كهذا من شأنه أن يرسَل إلى مجلس الأمن للمتابعة. وفي تلك الحالة تتاح لمجلس الأمن عدة خيارات، بما فيها إصدار قرارات أو فرض عقوبات أو الإدلاء بتصريحات رئاسية لهيئة المحكمة. في 14 أغسطس/آب طلبت ليبيا من المحكمة رفض طلب الدفاع على أساس حسن النية الذي أبدته ليبيا في جهودها للتواصل والتعامل مع المحكمة.

ألقت قوات مناوئة للقذافي القبض على سيف الإسلام القذافي يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، في جنوب ليبيا، وتقوم باحتجازه في الزنتان. ورغم إشارة الحكومة الليبية منذ يناير/كانون الثاني 2012إلى أنها تنوي نقل القذافي إلى مقر احتجاز في طرابلس، إلا أن هذه الجهود تبدو متوقفة. قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات الليبية أن تعتبر استرداد القذافي من عهدة الجماعة المسلحة التي تحتجزه أولوية لها، بحيث يتسنى تسليمه سريعاً إلى المحكمة الجنائية الدولية.

قدمت ليبيا مذكرتها القانونية المطالبة بملاحقة القذافي وطنياً إلى المحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 1 مايو/أيار 2012، وقيل لها في البداية إن بوسعها تأجيل تسلميه إلى المحكمة لحين اتخاذها لقرارها. وفي 31 مايو/أيار 2013، رفض قضاة المحكمة الجنائية الدولية طلب ليبيا، كما ذكروا السلطات الليبية بالتزامها بتسليمه.

ارتأت المحكمة أن ليبيا لم تقدم أدلة كافية للبرهنة على أنها تحقق في نفس القضية المنظورة أمام المحكمة الجنائية الدولية، وهو شرط في مثل تلك الطعون تفرضه المعاهدة المنشئة للمحكمة، وأنها غير قادرة بالفعل على إجراء تحقيق مع القذافي. خلص القضاة إلى أن السلطات الليبية عجزت عن تأمين تمثيل قانوني للقذافي، وكذلك عن تسهيل نقله إلى عهدة الحكومة.

تدرس المحكمة الجنائية أيضاً طعنا منفصلا تقدمت به ليبيا في اختصاص المحكمة بمحاكمة السنوسي، وقد منحت السلطات إذناً بإرجاء تسليمه لحين صدور الحكم. ومع ذلك فقد أوضح قضاة المحكمة أن على ليبيا ألا تتخذ أثناء فترة الإرجاء أي إجراء من شأنه عرقلة التسليم السريع للسنوسي إلى لاهاي إذا لم يكلل طلبها محاكمته وطنياً بالنجاح. وقد قام المحامون الموكلون عن السنوسي أمام المحكمة الجنائية الدولية منذ ذلك الحين بإيداع استئناف للقرار، يتيح لليبيا تأجيل تسليم رئيس المخابرات السابق.

تقول ليبيا إنها تجري تحقيقاً نشطاً في الدعوى المقامة بحق السنوسي والموصوفة في أمر توقيفه من قبل المحكمة الجنائية الدولية. كما تدفع ليبيا بأن مجال تحقيقها مع السنوسي يرتد إلى ثمانينيات القرن العشرين، ويشمل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تم ارتكابها أثناء حكم القذافي، ومنها مقتل ما يزيد على 1200 سجين بسجن أبو سليم في طرابلس في يونيو/حزيران 1996. وكان مجلس الأمن قد أعطى المحكمة الجنائية الدولية اختصاص النظر في الوقائع في ليبيا بدءاً من 15 فبراير/شباط 2011؛ بما يغطي فترة الاحتجاجات التي أدت إلى خلع القذافي.