في هذه الصورة المأخوذة بتاريخ 22 فبراير/شباط 2009، تقف الشرطة اللبنانية في حراسة متظاهرين يحملون لافتات أثناء اعتصام للمثليين والمثليات في بيروت. في فبراير/شباط، نظّم أكثر من عشرين مثلياً ومثلية اعتصاماً نادراً ما يتكرر، لدى تقاطع سوديكو المهم في بيروت، احتجاجاً على ما وُصف بأنه واقعة ضرب رجلين مثليين على يد رجلي شرطة بثياب مدنية. أنكر رجال الشرطة تعرض الرجلين للضرب على يد الشرطة.

© 2009 AP Photo/Hussein Malla

(بيروت) ـ قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته اليوم إن قوى الأمن الداخلي بلبنان تهدد متعاطي المخدرات والعاملات بمجال الجنس والمثليات والمثليين والثنائيات والثنائيين ومتحولي الجنس، وتسيء معاملتهم وهم بعهدتها. تم نشر التقرير في يوم الأمم المتحدة العالمي لدعم ضحايا التعذيب.

يستند التقرير المكون من 66 صفحة، "جزء من عملنا: إساءة معاملة وتعذيب الفئات المستضعفة في مخافر الشرطة اللبنانية"، إلى أكثر من 50 مقابلة تم إجراؤها مع أشخاص اعتقلوا للاشتباه في تعاطيهم للمخدرات أو العمل بمجال الجنس أو المثلية على مدار السنوات الخمس الماضية، وأفادوا بأن أفراد قوى الأمن الداخلي أخضعوهم للانتهاك والتعذيب وإساءة المعاملة. واجه الجميع من أعضاء تلك الفئات الاجتماعية المهمشة، والذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش مقابلات، واجهوا عقبات في الإبلاغ عن الإساءات والحصول على تعويضات، مما ترك المسيئين بلا محاسبة عن أفعالهم.

قال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: " الانتهاكات  أمر شائع في مخافر الشرطة اللبنانية، لكن الوضع أسوأ بالنسبة لمن على شاكلة متعاطي المخدرات أو العاملات بمجال الجنس. ولن يتوقف انتهاك السجناء، وخاصة المنتمين إلى أكثر فئات المجتمع استضعافاً، حتى يضع لبنان حداً لثقافة الإفلات من العقاب وسط شرطته".

اتخذ لبنان، بمساعدة كبيرة من بعض البلدان المانحة، عدداً من الخطوات لتوسيع وإصلاح قوى الأمن الداخلي في السنوات الخمس الأخيرة. وتشمل الإصلاحات ميثاقاً سلوكياً جديداً يحدد معايير السلوك والالتزامات المتجذرة في القانون اللبناني والمبادئ الدولية لحقوق الإنسان. لكن هذه الجهود تظل غير كافية، وقد أخفقت في معالجة الانتهاكات المستمرة من قبل أفراد [الشرطة]، بحسب هيومن رايتس ووتش.

على السلطات اللبنانية أن تنشئ آلية مستقلة للشكاوى للتحقيق في مزاعم التعذيب، وعلى الدول المانحة أن تضمن توجيه المساعدات المخصصة لقوى الأمن الداخلي نحو إنشاء آليات جادة للمحاسبة.

أفاد محتجزون سابقون بالتعرض للتعذيب وإساءة المعاملة في كافة المنشآت التي حققت فيها هيومن رايتس ووتش، بما في ذلك مخفر حبيش في بيروت، ومخفر الجميزة، ومخفر بعبدا، ومخفر المصيطبة، ومخفر زحلة، ومخفر الأوزاعي، ومخفر صيدا، وفرع المعلومات في الجديدة، ومقر الحجز على ذمة المحاكمات بسجن النساء في بعبدا.

قال "محمد"، الذي اعتقل لحيازة مخدرات: "لقد أخذوني للاستجواب عارياً، وسكبوا فوقي الماء البارد، وقيدوني إلى مكب بسلسلة، وعلقوني في وضع الفروج"، وكان يصف تعليقه من قدميه مع تقييد يديه إلى قضيب حديدي يمر أسفل الركبتين. "كسروا أنفي وكل أسناني، وضربوني بمسدس حتى انخلع مفصل كتفي".

كانت أكثر أشكال التعذيب التي تم الإبلاغ عنها انتشاراً هي الضرب بالقبضتين أو بالأحذية أو بأدوات من قبيل العصي والقضبان والمساطر. قال 17 محتجزاً سابقاً إنهم حرموا من الطعام أو ماء الشرب أو الأدوية عند احتياجهم إليها، أو أن أدويتهم صودرت. وأفاد تسعة منهم بتقييد أيديهم في الحمامات أو إبقائهم في أوضاع شديدة الإجهاد لساعات متتالية في المرة الواحدة.  وقال 11 محتجزا إنهم أرغموا على الاستماع إلى صرخات محتجزين آخرين لإخافتهم ودفعهم إلى التعاون أو الاعتراف.

من أصل 25 سيدة أجريت معهن المقابلات وتم اعتقالهن للاشتباه في تعاطي المخدرات أو العمل بمجال الجنس، قالت 21 منهن لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة أخضعتهن للعنف أو الإكراه الجنسي، المتراوح من الاغتصاب وحتى تقديم "الترضيات" ـ السجائر أو الطعام أو تحسين الظروف في زنازينهن أو حتى تحرير محضر شرطة أكثر تساهلاً ـ في مقابل الجنس.

تم استخدام العنف البدني لانتزاع اعترافات أو على سبيل العقاب أو إصلاح سلوك المحتجز. قال تسعة أشخاص احتجزوا لتعاطي المخدرات أو مثلية الجنس إن أوضاعهم الاجتماعية الاقتصادية بدا وأنها تؤدي دوراً كبيراً في تحديد كيفية تعامل الشرطة معهم.

كما كانت إساءة المعاملة والتعذيب مصحوبة بانتهاكات أساسية أخرى، فقد قال من أجريت معهم المقابلات إنهم حرموا من الاتصال هاتفياً بذويهم، ومن التواصل مع المحامين، وكانوا بحاجة لرعاية طبية. ورغم أن المادة 47 من قانون الإجراءت الجنائية اللبناني تقصر الاحتجاز دون اتهام على 48 ساعة، مع إمكانية تمديده مرة واحدة بإذن من النائب العام، إلا أن هذا الحد يتعرض للانتهاك في أحيان كثيرة.

وجدت هيومن رايتس ووتش أن ممارسة الشرطة للتعذيب وإساءة المعاملة ترتكز على نقص الحماية القانونية أو سوء تنفيذها، وتركيز القضاء على الاعترافات دون غيرها من أنواع الأدلة، وثقافة الإفلات من العقاب، وغياب آليات الإشراف السليمة.

أما الآليات القائمة بالفعل، مثل لجنة حقوق الإنسان التابعة لقوى الأمن الداخلي، فهي تعاني من نقص الموظفين ولا تمارس أية سلطة حقيقية. لدى وزارة الداخلية آلية منفصلة للشكاوى، لكنها معيبة ويصعب التعامل معها ومتابعتها. تكفل ميثاق سلوكي أصدرته قوى الأمن الداخلي في يناير/كانون الثاني 2011 بتوضيح المعايير السلوكية والالتزامات المتجذرة في القانون اللبناني والمبادئ الدولية لحقوق الإنسان، لكنه لم يلق التنفيذ الكامل.

وجدت هيومن رايتس ووتش أن القضاء  تجاهل بانتظام الشكاوى الواردة بحق رجال الشرطة. في 3 حالات فقط أمر قاضي التحقيق بفتح تحقيقات في مزاعم انتزاع اعترافات بالإكراه. قال 5 محتجزين سابقين لـ هيومن رايتس ووتش إن قضاة التحقيق أسقطوا مزاعمهم بالتعرض لإساءة المعاملة والترهيب والانتهاك بالكامل، بينما قال 12 إن قضاة التحقيق لم يأخذوا مزاعمهم بالتعذيب والاعترافات القسرية في الحسبان.

قال نديم حوري: "لا ينبغي لحالة الشلل السياسي المستمرة في لبنان أن تتخذ ذريعة لتجنب الإصلاحات الضرورية في قطاع الشرطة. إن كان للأزمة السياسية الراهنة من أثر فهو أنها تسلط الضوء على الحاجة إلى قوات أمن تخضع للمحاسبة وتحترم الحقوق".

رغم صعوبة التوصل إلى تعويض عن انتهاكات الشرطة بصفة عامة، إلا أن التقرير قد وجد أن الأمر يتسم بتحد خاص بالنسبة للعاملات بمجال الجنس ومتعاطي المخدرات والمثليات والمثليين والثنائيات والثنائيين ومتحولي الجنس. إن طريقة إنفاذ القوانين التي تجرم العمل بمجال الجنس والمثلية الجنسية وتعاطي المخدرات للاستخدام الشخصي تفاقم من المشكلة وتمثل عقبة كبرى أمام الإبلاغ عن انتهاكات الشرطة.

يجب على لبنان تلبية التزاماته الدولية بتعديل تعريفه للتعذيب، وإنفاذ الأحكام التي تعهد بتعزيزها عند توقيعه اتفاقية مناهضة التعذيب وملحقها الاختياري. وبوجه خاص، يجب عليه إنشاء "آلية وقائية وطنية"، أو هيئة مستقلة مكلفة بمراقبة مراكز الاحتجاز.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه يتعين على لبنان ضمان محاسبة قوى الأمن الداخلي على الانتهاكات عن طريق آلية فعالة وفي المتناول للشكاوى، وإجراءات شفافة. وعليه مراجعة قانون الإجراءات الجنائية لتحسين صيانة حقوق المحتجزين وإلغاء القوانين التي تجرم المثلية الجنسية وتعاطي المخدرات والعمل بمجال الجنس.

استثمرت الدول المانحة، مثل الولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي و المملكة المتحدة و فرنسا، مبالغ كبيرة من المساعدات في تجهيز وتدريب وتحسين قوى الأمن الداخلي. وعلى هذه الدول أن تضمن توجيه مساعداتها لتطوير آليات الإشراف الداخلي والمحاسبة، بما في ذلك [إنشاء] هيئة مستقلة للتحقيق في مزاعم التعذيب وإساءة المعاملة. وعليها الامتناع عن تمويل الوحدات التي يثبت ارتكابها لانتهاكات لحقوق الإنسان، وجعل استئناف تمويل مثل تلك الوحدات مرهوناً بتنفيذ إصلاحات تضمن إنهاء الانتهاكات والمحاسبة على المخالفات السابقة.

قال نديم حوري: "تحتاج الدول المانحة لزيادة التشديد على تطوير آليات الإشراف والمحاسبة على التعذيب والانتهاكات من قبل قوات الأمن، فسوف يتم الحكم على قوات الأمن اللبنانية في النهاية لا بجودة معداتها، وإنما بسلوك أفرادها".

للاطلاع على شهادات منتقاة، يرجى متابعة القراءة أدناه.

شهادات منتقاة من "جزء من عملنا"

قال "محمد"، 30 سنة، لـ هيومن رايتس ووتش إنه قضى 11 يوماً رهن الاحتجاز في مخفر زحلة في 2007 بعد أن اعتقلته الشرطة لحيازة مخدرات. وقال إن الشرطة ضربته بعنف حتى اعترف بتعاطي المخدرات:

أخذوني للاستجواب عارياً، وسكبوا فوقي الماء البارد، وقيدوني إلى مكتب وعلقوني في وضع الفروج [وهي طريقة للتعذيب يعلق فيها الضحية من قدميه مع تقييد اليدين إلى قضيب حديدي يمر أسفل الركبتين]. كسروا أنفي وكل أسناني، وضربوني بمسدس حتى انخلع مفصل كتفي.

قال "نديم" لـ هيومن رايتس ووتش إنه قضى يومين في مخفر حبيش في أكتوبر/تشرين الأول 2010 بعد اعتقال الشرطة له حين لم تجد أخاه، الذي كانت تشتبه في قيامه بترويج المخدرات. حين لم يجد أفراد الشرطة أدلة على تورط نديم في ترويج المخدرات، كما قال، قاموا بتغيير التهمة إلى المثلية الجنسية. وتعرض نديم مراراً للضرب والتهديد والفحص الشرجي:

لم يتوقف الترهيب والضرب قط [في حبيش]... سألني [أحد الضباط] لماذا يحمل هاتفي رسائل وأسماء رجال مثليين. فسألته إن كان التحدث مع رجال مثليين يخالف القانون. فعاود ضربي بقسوة حتى جرح عيني وبدأت أنزف. توسلت إليه أن يتوقف عن ضرب وجهي لكن هذا استفزه أكثر وضربني بمزيد من القسوة. وأرغمني على توقيع اعتراف بممارستي للجنس مع الرجال، وهو يكيل لي اللكمات طوال الوقت. ثم جعلني أنزع ثيابي كلها ونظر إليّ، وقال إنني مخنث وأهانني وهددني.

في اليوم التالي حضر رجلان آخران واستجوباني ثانية. في ذلك الوقت كانت قضية المخدرات قد أسقطت، وصارت تتعلق بالمثلية.... حين أخبرت ضابط التحقيق بإرغامي على الاعتراف بممارسة الجنس بالإكراه، جاء بسلك كهربي غليظ وجلد به راحة يدي. ثم قال إنه سيحضر طبيباً شرعياً لفحصي، في محاولة لاستدراجي للاعتراف مرة أخرى... جاءت نتيجة الفحص سلبية، فلم يجدوا بداً من الإفراج عني دون اتهام.

قالت "سمية"، وهي عاملة بمجال الجنس كان قد تم احتجازها على ذمة المحاكمة لمدة  تسعة أشهر في سجن بعبدا حين تحدثت مع هيومن رايتس ووتش، قالت إن المتوقع هو أن يحاول ضباط الشرطة ممارسة الجنس مع المعتقلات بتهمة الدعارة:

إنه أمر طبيعي، فهم لا ينظرون إلينا كبشر. إنهم يعرفون أننا فقيرات، وبلا عائلات على الأرجح، ولا يوجد من يسأل عنا. من السهل استغلالنا. اعتقلت 3 مرات في السنوات الخمس الأخيرة. وفي كل مرة كان يحضر أحد الضباط للزنزانة ويحاول معي. في البداية كنت أعترض وأقاوم، ثم أدركت أنه لا فائدة. إذا رغبت في معاملة حسنة فعليك ممارسة الجنس معهم. إذا فعلت هذا سيعتنون بك. وإلا تعرضت للضرب والإهانة، بل الاغتصاب. إذا تركتهم ينامون معك فربما ساعدوك حتى على الخروج بدون اتهام.

قالت "غرام" لـ هيومن رايتس ووتش إن أحد الضباط في مخفر الجميزة اغتصبها في فبراير/شباط 2012. كانت قد اعتقلت بعد احتجاز الشرطة لابنتها للعمل بمجال الجنس، وتم توجيه الاتهام إليها بتسهيل عمل ابنتها بالدعارة:

بقيت في مخفر الجميزة 3 أيام وعوملت أنا وابنتي أسوأ معاملة... أثناء وجودي هناك، جاءني أحد الضباط ليلاً وقال إنني إذا لم أتركه ينم معي سأدخل السجن لمدة 10 سنوات ولن أرى ابنتي لمدة أطول. فشعرت بالخوف لدرجة أنني تركته. في اليوم التالي نقلت إلى مخفر بعبدا حيث قضيت 3 أيام أخرى قبل نقلي إلى سجن بعبدا. لم أخبر أحداً بما حدث. كنت خائفة. كان قد هددني حتى ألتزم الصمت.