جهاز التعذيب المعروف باسم "بساط الريح" الذي عثر عليه داخل مقر أمن الدولة في الرقة، سوريا، في أواخر أبريل/نيسان 2013.

© 2013 Bryan Denton

(نيويورك) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إثر زيارة إلى مدينة الرقة إن فروع الأمن التابعة للحكومة بمدينة الرقة تحتفظ بوثائق وأدلة مادية محتملة تشير إلى احتجاز السجناء تعسفاً وتعذيبهم في مقار الأمن حين كانت المدينة تخضع لسيطرة الحكومة. زار باحثو هيومن رايتس ووتش في أواخر أبريل/نيسان 2013 مقار لأمن الدولة والمخابرات العسكرية في الرقة، التي أصبحت حالياً وفعلياً تحت سيطرة جماعات المعارضة المسلحة.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على قيادات المعارضة المحلية، بدعم من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وخبراء دوليين محايدين أن يقوموا بحماية أدلة التعذيب وأدلة الاحتجاز التعسفي المحتمل وجودها في مراكز قوات الأمن بالمناطق الخاضعة للمعارضة.

وقال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "ما رأينا من وثائق وزنازين وحجرات استجواب وأجهزة تعذيب في مقار الأمن الحكومية، تتفق مع أقوال السجناء السابقين الذين وصفوا لنا ما تعرضوا له منذ بداية الانتفاضة في سوريا. إن على من يسيطرون على الرقة الآن أن يقوموا بحماية هذه المواد المتواجدة بالمقار حتى يمكن التوصل إلى الحقيقة وحتى يُحاسب المسؤولون عمّا حدث".

فحص باحثو هيومن رايتس ووتش الدور الأرضي والغرف الداخلية لمقر أمن الدولة التي بدت كزنازين للاحتجاز. من بين الوثائق التي تم العثور عليها ما يبدو أنها قوائم بأفراد الأمن الذين كانوا يعملون في المقر. كما رأى باحثو هيومن رايتس ووتش جهاز تعذيب "بساط الريح" داخل المقر، الذي قال المحتجزون السابقون إنهم وُضعوا عليه وكان يُستخدم لشل حركتهم وتمديدهم عليه بشكل مؤلم للغاية أو لثني أطرافهم للتسبب في الألم.

وصف عدد من السجناء السابقين في مقار أخرى للمخابرات في سوريا لـ هيومن رايتس ووتش كيف استخدم حراس الأمن "بساط الريح" في مختلف مراكز الاحتجاز بشتى مناطق سوريا، فكانوا يقومون بربط المُعتقل على لوح منبسط، أحياناً على هيئة صليب، بحيث لا يمكنه أن يتحرك للدفاع عن نفسه. في بعض الحالات، قال محتجزون سابقون إن الحراس مددوهم أو شدّوا أطرافهم أو قاموا بطيّ اللوح إلى نصفين بحيث تواجه وجوههم أقدامهم، مما يتسبب في ألم وفي إحكام شلّ حركتهم تماماً.

من بين الوثائق والملفات التي رآها باحثو هيومن رايتس ووتش في مقر المخابرات العسكرية في الرقة بعض الأوراق التي يبدو أنها قائمة بجميع الطلاب الجامعيين في الرقة، بما يوحي بأنهم – الطلاب – كانوا مهمين لفرع الأمن لمجرد أنهم يتلقون التعليم الجامعي. كما لاحظ الباحثون وجود ثلاث زنازين حبس انفرادي وزنزانة جماعية في النصف الأيمن من الطابق الأول للمنشأة.

قابل باحثو هيومن رايتس ووتش خمسة أشخاص كانوا فيما سبق معتقلين على يد المخابرات العسكرية في الرقة، وقالوا إن قوات الأمن احتجزتهم واستجوبتهم هناك. قالوا إن أجهزة الأمن سألتهم عن أنشطة مشروعة، مثل المشاركة في مظاهرات سلمية، وتوصيل المساعدات الإنسانية إلى عائلات المُهجرين، والدفاع عن المعتقلين أمام القضاء، وتوفير مساعدات للمتظاهرين المصابين. وهم يرون أنهم خضعوا للاعتقال جراء هذه الأنشطة القانونية، مما يعني أنهم تعرضوا للاحتجاز التعسفي.

قال أربعة أشخاص إن الضباط والحراس في المقر قاموا بتعذيبهم. وقد تعرفوا جميعا على محمد الأحمد، المعروف أيضاً باسم أبو جاسم، كونه الشخص المسؤول عن عمليات الاستجواب، وفي بعض الحالات، عن الانتهاكات. قابلت هيومن رايتس ووتش بعض أهالي الرقة، الذين قالوا إن مقاتلي المعارضة قتلوا أبو جاسم أثناء معركة للسيطرة على الرقة، التي خضعت لسيطرة المعارضة خلال الأسبوع الأول من مارس/آذار.

بالإضافة إلى مقار أمن الدولة والمخابرات العسكرية، هناك ثلاثة مقار أخرى في مدينة الرقة – كانت   تدار من قبل الأمن الجنائي والأمن السياسي والمخابرات الجوية – وهي الآن تخضع لسيطرة جماعات المعارضة المسلحة.

وثقت هيومن رايتس ووتش أكثر من مرة الانتهاكات المتفشية التي ارتكبتها قوات الأمن ومسؤولي الأمن السوريين، بما في ذلك أعمال الاختفاء القسري والتعذيب والحبس التعسفي وبمعزل عن العالم الخارجي، بحق متظاهرين سلميين ونشطاء وعمال مساعدة إنسانية وأطباء.

بناء على معلومات جمعتها هيومن رايتس ووتش من محتجزين ومنشقين، سبق أن قمنا بالتعرف على مواقع لـ 27 مركز احتجاز تديرها أجهزة المخابرات السورية على امتداد سوريا حيث تم توثيق أعمال تعذيب، بالإضافة إلى التعرف على الأجهزة المسؤولة عن هذه المراكز وأساليب التعذيب فيها وفي حالات كثيرة القادة المسؤولين عنها. تشير الأنماط الممنهجة للمعاملة السيئة والتعذيب التي وثقتها هيومن رايتس ووتش إلى وجود سياسة انتهجتها الدولة، تتلخص في تعذيب وإساءة معاملة الأفراد، ومن ثم فهي ترقى لكونها جريمة ضد الإنسانية.

ما زالت السلطات في المناطق الخاضعة للمعارضة تواجه تحديات وأولويات عديدة. ما زالت بعضها تتعرض لهجمات القوات النظامية وتناضل من أجل توفير الخدمات للسكان. غير أن ثمة حاجة ملحة إلى حماية الأدلة المحتملة في هذه المواقع وفي مقار الأمن السابقة الأخرى، بما أن هذه الأدلة ضرورية لا غنى عنها من أجل عمليات المحاسبة الداخلية والدولية في المستقبل، على حد قول هيومن رايتس ووتش. يمكن أيضاً أن تساعد هذه الأدلة في توضيح دور قوات المخابرات في الانتهاكات التي شهدتها سوريا.

 قد تختفي أو تُدمر الوثائق والمواد في هذه المنشآت ما لم يتم تأمينها على الفور. من شأن تدمير أو إساءة التعامل مع هذه الوثائق والمواد أن يضعف من احتمالات إحقاق العدالة ضد المسؤولين عن الجرائم الجسيمة. كما أن خسارتها قد تعيق جهود السعي لكشف الحقيقة في المستقبل وقد تمنع التوثيق الشامل للجرائم التي ارتكبتها الحكومة السورية. يمكن أن تصبح لجان الحقيقة ذات أهمية بالغة كونها تكمل دور العدالة الجنائية في حفظ الذاكرة التاريخية، وفي توضيح مجريات الأحداث، وفي تحديد المسؤوليات السياسية والمؤسسية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات الفعلية وقادة المعارضة المحليين في الرقة أن ينسقوا جمع وتخزين هذه الأدلة المحتملة الكائنة في فروع أجهزة الأمن التي تخضع لسيطرتهم حالياً. عليهم أن يسعوا إلى الحصول على الدعم من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ومن خبراء دوليين محايدين، بمن فيهم من لديهم خبرة في جمع وتصنيف الأدلة الجنائية وسبق لهم العمل أمام محاكم جنائية.

يتعين على جماعات المعارضة المسلحة التي سيطرت على هذه المقار أن تؤمنها مع السماح لقيادات المعارضة المدنيين – بدعم خارجي – بتنظيم إخراج المواد وتصوير الأدلة المادية التي لا يمكن نقلها.

كما ينبغي على السلطات أن تعدّ مخزناً مركزياً في موقع آمن وسرّي لتلقي وتخزين هذه الأدلة المحتملة إلى حين يصبح متاحاً فتح تحقيقات جنائية. وإذا أمكن، لابد من توفير نسخ من المواد ذات الصلة وتخزينها في موقع منفصل في حال تم إتلاف أو فقدان ما هو موجود في موقع التخزين الأصلي.

لقد تكررت دعوة هيومن رايتس ووتش لمجلس الأمن بإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية. ينبغي على الدول الأخرى أن تنضم إلى الدعوات المتزايدة بالمحاسبة، عن طريق دعم إحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية، كونها المحفل الأكثر قدرة على الملاحقة الجنائية الفعالة لمن يتحملون أكبر المسؤولية عن الانتهاكات في سوريا. في 14 يناير/كانون الثاني تم إرسال رسالة إلى مجلس الأمن بالنيابة عن 58 دولة تدعو فيه إلى الإحالة للمحكمة الجنائية الدولية. لم يتحرك مجلس الأمن بناء على هذه الرسالة.

وقال نديم حوري: "معرفة حقيقة دور أجهزة الأمن في التجسس على السوريين وإرهابهم سوف تمكّنهم من حماية أنفسهم من الانتهاكات في المستقبل". وأضاف: "لكن حتى يعرف السوريون الحقيقة ما إن ينتهي النزاع، من المهم للغاية في ظروف الحرب الصعبة هذه أن يتم حفظ الأدلة المحتملة على دور قوات الأمن".

 

معتقلون سابقون يصفون التعذيب في الرقة
قابل باحثو هيومن رايتس ووتش خمسة معتقلين سابقين مقابلات شخصية وجهاً لوجه في مدينة الرقة. أجرى المقابلات باحثون يتحدثون العربية وقد أجريت كلما أمكن على انفراد. لحماية الشهود، تم حجب أسمائهم في أربع حالات. في الحالة الخامسة، طلب من أجريت معه المقابلة ذكر اسمه، وهو محامٍ بارز والرئيس الحالي للمجلس المدني المحلي.

"أحمد" طالب جامعي سابق من الرقة يبلغ من العمر 24 عاماً، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن في 7 أبريل/نيسان 2012 قبضت عليه قوات المخابرات العسكرية هو وشقيقه وتم إيداعهما فرع المخابرات العسكرية بالرقة، جراء تورطهما في المظاهرات السلمية. بعد الإفراج عنه انضمّ إلى جماعة معارضة مسلحة تقاتل حالياً إلى جانب كتيبة من كتائب المعارضة، هي جبهة الوحدة والتحرير الإسلامي بمدينة الرقة.

قال لـ هيومن رايتس ووتش إن ضباط المخابرات احتجزوه هناك خمسة أيام قبل إحالته إلى مقر المخابرات العسكرية في دير الزور، تحت إدارة جامع جامع. قال أحمد إن ضباط المخابرات العسكرية والحراس عذّبوه هو وشقيقه في فرع المخابرات العسكرية بالرقة وأن صوت صراخ شقيقه وهو يتعرض للتعذيب تسبب له في ألم ممض. قال إن أبو جاسم، الضابط المسؤول عن الاستجواب، ضربه حتى يعترف بالمشاركة في المظاهرات وحتى يعترف على المتظاهرين الآخرين:

بدأ التعذيب بالتناوب بيني وشقيقي. بدأوا في تعذيبه بالكهرباء ثلاث إلى أربع ساعات، ثم يرموه في الحبس الانفرادي... كانوا يريدون منه إخبارهم بمن الذين كان يذهب معهم للتظاهر... وكانوا يُسمِعوني صرخات أخي. كان هذا [الضغط] أشد من الضرب، وكانوا يجبرونه على سماعي [وأنا أُعذَّب].

قال أحمد إن الحراس عذبوا شقيقه بالكهرباء في الحجرة المجاورة لحجرة حارس السجن. قال إنه رأى أيضاً أجهزة التعذيب في مكتب أبو جاسم بالطابق الثاني، حيث كان يتم استجوابه. قال أحمد إن المخابرات العسكرية احتجزت شقيقه في أحد زنازين الحبس الانفرادي في الطابق الأرضي بالمقر، في حين احتجزوه في زنزانة جماعية قريبة.

قال أحمد لـ هيومن رايتس ووتش إنه اعترف بحضور المظاهرات بعد أن هدد أبو جاسم بجلب أمه إلى مركز الاحتجاز:

قال لي أن أعترف بالمظاهرات التي شاركت فيها وإلا جلب أمي [إلى الفرع]. قلت: "أيا كان ما تريده أنا معك..." قلت: "سوف أبصم على ورقة بيضاء، وأكتب أنت ما شئت".

في اليوم الخامس، على حد قوله، نقل الحراس أحمد وشقيقه إلى دير الزور، حيث تم احتجازهما 15 يوماً في مقر المخابرات العسكرية، قبل نقلهم إلى منشأة للشرطة العسكرية، ثم إلى مركز ترانزيت في البالونةفي حمص، وأخيراً استقر به المقام في فرع فلسطين في دمشق. احتجزته قوات الأمن في فرع فلسطين عشرين يوماً ومن هناك نقلوه إلى القابون، ثم إلى البالونة مرة أخرى، وأخيراً إلى حلب، لمحاكمته هو وشقيقه أمام المحكمة العسكرية. كانت محطته الأخيرة في سجن مدني بالرقة، ومن هناك أفرجت عنه السلطات أخيراً في 8 يونيو/حزيران 2012، بعد أن حكمت عليه المحكمة بالمدة التي قضاها رهن الاحتجاز بالفعل.

"زياد" – مواليد 1964 – قال إن قوات الأمن احتجزته بدوره في فرع المخابرات العسكرية في الرقة، وقد تم القبض عليه في 12 أبريل/نيسان 2012، وهناك استجوبه أبو جاسم قبل أن يتم نقله إلى دير الزور بعد يومين. قال لـ هيومن رايتس ووتش إن أبو جاسم احتجزه وعذبه لأنه كان يوفر المساعدات الإنسانية للأسر المُهجّرة من حمص في الرقة، وجراء مشاركته في المظاهرات:

أنا أعمل في الإغاثة الإنسانية، لهذا احتجزوني. كنت أساعد العائلات القادمة من حمص المتواجدين هنا [في الرقة] بعد أن شُردوا عن ديارهم في حمص. كما كنت أذهب للتظاهر. كانت هناك اتهامات عديدة موجهة إليّ، مثل أنني أعمل مع الأجانب. كانت الاتهامات جاهزة لاستخدامها ضدي، لكن دون أدلة. بدأ محمد الأحمد، المعروف بـ أبو جاسم، باستجوابي. بدأ الاستجواب بالإهانات، وبدأ مسؤول آخر بضربي بالأيدي. قال لي: "أنت خائن" وإهانات من هذا النوع.

جاء مسؤولان آخران بعد ذلك، أحدهما معه هراوة كهربية، وضرباني بها عدة مرات مع صعقي بالكهرباء... كان يريد أن أعترف بأشياء لا علاقة لي بها، مثل أنني أتقاضى الأموال مقابل الاسلحة، إلخ... وهذا لم يحدث... كل ما فعلته هو توفير المساعدات للنازحين القادمين من حمص بعد أن دُمرت حمص... [أثناء الاستجواب] استخدموا الهراوة الكهربية، وعصا، وأعتقد أنها كانت من السيليكون [لضربي]. ظلت العلامات وآثار الضرب على جسدي لمدة طويلة.

قال زياد لـ هيومن رايتس ووتش إن بعد استجوابه الأول، نقلته المخابرات العسكرية بين الزنزانة الجماعية والزنازين الانفرادية في الطابق الأول للفرع، حيث كان يسمع صرخات السجناء الآخرين، ومنهم سجناء يعتقد أنهم أطفال.

ومن فرع الرقة، أخذت المخابرات العسكرية زياد إلى فرع المخابرات العسكرية في دير الزور، على حد قوله، حيث تم احتجازه هناك 14 يوماً، ثم أرسلوه إلى فرع فلسطين الخاص بالمخابرات العسكرية في دمشق. إجمالاً، على حد قوله، احتجزته القوات النظامية نحو 3 شهور قبل أن تفرج عنه بكفالة في النهاية، وذلك بعد أن مثل أمام محكمة عسكرية في حلب.

أما عبد الله خليل، وهو مدافع عن حقوق الإنسان منذ فترة طويلة وهو حالياً رئيس المجلس المدني المحلي التابع للمعارضة بمحافظة الرقة، فقد تحدث إلى باحثي هيومن رايتس ووتش عن الفترة التي أمضاها رهن الاعتقال في مقر المخابرات العسكرية بالرقة. قال لـ هيومن رايتس ووتش إن مسؤولي الأمن أوقفوه في 1 مايو/أيار 2011 واحتجزوه في المقر لمدة يوم قبل نقله إلى دير الزور. كان أبو جاسم مسؤولاً عنه بدوره في الرقة، على حد قوله، لكن خليل محامٍ وقد عامله المحققون معاملة أفضل من المحتجزين الآخرين في المقر:

في المساء بعد احتجازي بساعتين، بدأوا في استجوابي... أثناء الاستجواب كانوا يسألون أو يحاولون أن يسألوا عن علاقاتي بالمقاتلين، لكن لم يكن هذا الأمر حقيقياً، [إذ لم تربطني علاقات بهم]. أنا أعمل في الشق المدني، أعمل من منظور حقوق الإنسان، لكن كانوا يطرحون هذه الأسئلة لأنني كنت أدافع عن المحتجزين... [أثناء الاستجواب] كانوا لا يتعرضون لي بالضرب لكن هددوني بقولهم إنهم سينقلونني إلى دمشق أو يحتجزوني لفترة طويلة إن لم أعترف. عذبوا وضربوا محتجزين آخرين. كما نزعوا ثيابي تماماً. كان أسلوباً القصد منه الإهانة.

قال خليل إن ضباط الأمن السوريون أحالوه إلى 17 فرعاً للأمن في شتى أنحاء سوريا أثناء احتجازه. يعتقد أنه بينما لم تضربه القوات النظامية بسبب مكانته كمحامي على صلة بالمنظمات الدولية، فقد حاولوا تعذيبه نفسياً بكثرة التنقلات على هذه الشاكلة.

شملت اتهامات الحكومة المنسوبة إليه الاتهام بالاتصال بمنظمات حقوق إنسان أجنبية، منها هيومن رايتس ووتش، وكشف معلومات للمراسلين، ودعم الثورة، والدفاع عن السجناء، وتلقي الدعم المالي من خارج البلاد لهذا الغرض، وتشجيع الناس على قتل قوات الأمن وأفراد الجيش. أفرجت الحكومة عن خليل بموجب أمر عفو عام.

قال "سامح" إن دورية للمخابرات العسكرية في مدينة الرقة قبضت عليه في 16 مارس/آذار 2012، وكان في طريقه إلى العمل. قال لـ هيومن رايتس ووتش إن أبو جاسم استجوبه وضربه واحتجزه في الحبس الانفرادي لمدة يوم قبل نقله إلى مقر الأمن الجنائي في الرقة:

[عندما وصلت إلى فرع المخابرات العسكرية]... وضعوني في الحبس الانفرادي. الزنزانة الانفرادي مساحتها 1.4 في 2.2 متراً. يمكنك رؤية الدم على جدران الزنزانة. يأتي حارس السجن ويفتح النافذة الخاصة بالزنزانة لمجرد أن يكيل لي الإهانات... حوالي الساعة 12 صباحاً أخذوني إلى الاستجواب. صعدت إلى أبو جاسم الذي سألني: "لماذا تساعد [المتظاهرين] الجرحى... هؤلاء إرهابيون".

المعاملة [في الاستجواب كانت سيئة]... كنت مقيد اليدين، معصوب العينين... كنت أجلس على الأرض... في المرة الأولى كان هناك محقق واحد... بعد الاستجواب أخذوني إلى حجرة التعذيب في الأسفل، وكانوا يعذبون شخصين وقالوا: "هل تريد أن تعترف أم تريد أن تُعذب مثل هذين؟" [كنت أرى] الدم ينزف من جسديهما وأرجلهم. كانوا على "بساط الريح". قلت: "ليس عندي ما أقوله". [ثم] مضيت إلى أبو جاسم [مرة أخرى] وقلت: "كنت أساعد الجرحى، هؤلاء ليسوا إرهابيين، بل أشخاص مقموعين"... أمضيت هناك 24 ساعة ثم أخذوني إلى الأمن الجنائي.

قال سامح إن القوات الحكومية احتجزته 32 يوماً قبل أن يدفع لهم عشرة آلاف ليرة (143 دولاراً) ليخرج بكفالة. لم يُعرض على قاضٍ قط.

أما "بلال" البالغ من العمر 22 عاماً فهو طالب جامعي بمدينة الرقة، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن ضباط المخابرات العسكرية احتجزوه في ديسمبر/كانون الأول 2011 بسبب مشاركته في المظاهرات السلمية وتوزيع المساعدات الإنسانية. قال إنهم احتجزوه في فرع الرقة يومين وخلال هذه المدة وضعوه في الحبس الانفرادي. قام أبو جاسم باستجوابه، واتهمه باتهامات على صلة بالإرهاب وتعرض له بالضرب:

ذهبت إلى المخابرات العسكرية. ذهب أبي ورائي إلى هناك طبعاً [بعد أن عرف أنني احتجزت من العمل]. أول شخص نجلس معه كان أبو جاسم... عندما رأيناه للمرة الأولى قال... "أخبر أبيك عن المتفجرات التي تخبئها". لم أصدق أنني بصدد هذه الاتهامات: متفجرات وأسلحة! بدأ في اتهامات أكبر منّي، لم أسمع بها من قبل قط.

ضحكت على ما كان يقوله: كانت ضحكة بريئة. كانت ضحكتي الأخيرة في المخابرات العسكرية... [بعد ذلك]، أخذوني إلى الحبس الانفرادي. كانت السماء تمطر بالخارج، والطقس بارد، وكنت أشعر بالخوف الشديد... مكثت هناك نحو ساعتين في الحبس الانفرادي. ثم طرقت على الباب. كان الطقس بارداً. فتح أحد الحراس الباب وقلت له أريد بطانيات... جلب ماء وسكبه عليّ، ونزع حزامه وبدأ يضربني به. بعد ثلاثين دقيقة [من الضرب]، لم أعد أشعر بالبرد.

[بعد ذلك] مكثت في الزنزانة خمس ساعات تقريباً، وبعد خمس ساعات صعدت لأقابل أبو جاسم... كان يريد مني الاعتراف بالمتفجرات واتهامات أخرى... [لكن] أكبر شيء فعلته منذ بداية الثورة إلى الآن كان التظاهر ومساعدة الناس... في نهاية المطاف تحول إلى موضوع أخي... وفهمت أن هذه الاتهامات كانت لإخافتي حتى أعترف بسرعة [وأوفر معلومات عن شقيقي]... لم يستخدم [أبو جاسم] الكهرباء، هناك اقتصر الأمر على الصفعات والضرب.

بعد يومين، على حد قول بلال، أحالته المخابرات العسكرية إلى فرع الأمن الجنائي في الرقة حيث احتجز عشرة أيام وتعرض للتعذيب. قال إن مصعب أبو ركبة كان المسؤول عن هذا الفرع. قال إنهم احتجزوه إجمالاً 28 يوماً قبل إخلاء سبيله.