Judith Sunderland

 

كنزة دريدر أم لأربعة أبناء، تبلغ من العمر 32 عاما، خالفت القانون في باريس، في يوم 11 أبريل/نيسان 2011 لأنها كانت ترتدي النقاب في مكان عام. كانت قد سافرت بالقطار من منزلها في أفينيون إلى باريس للتظاهر ضد القانون الجديد الذي يحظر ارتداء النقاب الإسلامي في أي مكان عام في فرنسا.

أما لويز (اسم مستعار) التي تبلغ من العمر 25 عاما، فقد أُطلِق عليها طلقات من بندقية كرات الطلاء من مسافة قريبة، بسبب عدم ارتدائها للحجاب أثناء سيرها في أحد شوارع غروزني بالشيشان، في يونيو/حزيران 2010، وخلال ذلك الصيف تعرضت العديد من السيدات للتحرش أو العنف في جمهورية الشيشان أثناء  "حملة الفضيلة" لإجبار السيدات على ارتداء الحجاب.

إن ما يجمع ما بين الواقعتين السابقتين هو التدخل، أحيانا بقسوة، وعن خطأ على الدوام، في حقوق الإنسان الأساسية للمرأة تحت مسمى الدين أو العادات والتقاليد أو نزعة الحماية المُضَلَلة.

تُجبر السيدات على ارتداء النقاب أو الحجاب في كل من إقليم آتشيه الأندونيسي، وفي المملكة العربية السعودية، وإيران، وأفغانستان تحت حكم طالبان، و كذلك أجزاء من الصومال وغزة والشيشان. وفي الوقت نفسه، قامت حكومات محلية ومركزية في أوروبا بمنع السيدات والفتيات من ارتداء الحجاب في المدارس والمصالح الحكومية، كما سنت فرنسا قانونا وطنيا في أبريل/نيسان 2011، يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة بلا استثناء؛ بالإضافة إلي بلجيكا التي سنت قانونا مماثلا في يوليو/تموز 2011، وتم طرح نفس القانون – على المستوى الوطني – في العديد من البلدان أوروبية، وهناك عدة مدن في بلجيكا وإسبانيا وإيطاليا تُفعل حظراً من هذا النوع.

 

المفارقة المحزنة

من المفارقات المؤسفة والمُحزنة أنه يتم ممارسة التمييز ضد النساء سواء كان الإكراه يستهدف حملهن على ارتداء الحجاب أو الامتناع عنه. حيث أن حظر ارتداء الحجاب – وهو غطاء الرأس التقليدي الإسلامي– أو الإجبار على ارتدائه، هو تجريد للمرأة من حقوقها الأساسية؛ وهي حرية الفرد في بدنه؛ وحرية التعبير؛ وحرية الفكر و العقيدة.

ورغم أن الرجال بدورهم يخضعون لممارسات دينية وتقليدية، منها أوجه الحظر على بعض أشكال الملبس التي تتعارض مع حرياتهم، فإن النساء في جميع أنحاء العالم أكثر عرضة من الرجال بكثير لإملاء الاختيارات عليهن بموجب المعايير الرسمية والمجتمعية، التي تنال حتى من سلامتهن البدنية وتهدد حياتهن.

لطالما قال النشطاء في مجال حقوق المرأة، داخل وخارج المجتمعات الإسلامية، أن الحجاب والنقاب ما هو إلا رمز قوي علي ظلم و قهر المرأة. أما البرقع، فهو غطاء كامل للوجه والجسد، ارتبط دائما بحركة طالبان التي انتهكت حقوق وحريات المرأة الأساسية في أفغانستان، وهو البلد صاحب أدنى متوسط للأعمار في المنطقة وفيه أحد أعلى معدلات وفيات بسبب الحمل والولادة في العالم.

 

حرية الاختيار

نظراً للأدلة على أن الحجاب الإجباري يعتبر مشكلة جسيمة في إطار حقوق المرأة في مناطق كثيرة من العالم؛ فربما ليس من المدهش أن مؤيدي حظر النقاب يرون أنفسهم يحررون المرأة ويحمون النساء والفتيات من الضغوط المجتمعية من أجل الالتزام بالحجاب.كما أن حظر ارتداء الحجاب في المدارس للمعلمات والتلميذات وموظفات الحكومة وحظر ارتداء أي نوع من الرموز الدينية أو أي غطاء كامل للوجه، يُبرر على أنه ضمانة للأسس العلمانية في مؤسسات الدولة، أو لأسباب أمنية. وعلي الرغم من أن بعض أوجه الحظر (وليس كلها) مُصاغة ومنحوتة باصطلاحات حيادية، إلا أن النقاش السياسي حول إجراءات الحظر هذه في أوروبا يتواشج مع أحاسيس القلق التي طفت إلى السطح مع تزايد ظهور الأقليات المسلمة، ومن واقع المخاوف إزاء دمج "الأوروبيين الجُدد" في المجتمعات الأوروبية مع الحفاظ على ما يُدعى بـ "القيم الأوروبية".

أما الحجج المؤيدة للحظر والمتعلقة بحقوق المرأة فهي ذات الصدى الأوسع. إلا أن حرمان المرأة من الحق في تغطية نفسها خطأ كبير مثلما يُعد إجبارها على تغطية نفسها خطأ كبيراً. فالمرأة المسلمة، مثل جميع النساء، لابد أن يترك لها حق اختيار ملبسها وحق اتخاذ قرارات تتعلق بحياتها وكيفية التعبير عن إيمانها وهويتها وقيمها الأخلاقية. ولا بد ألا يجبرها أحد على الاختيار ما بين معتقداتها الدينية وحياتها المهنية التي تختارها.

أما التعميم عن "قهر المرأة" فإنه يؤدي إلى خلل في مبادئ المساواة الأساسية بين الجنسين: من حيث الحق في تقرير المصير وحرية المرء في بدنه، أي حق المرأة في اتخاذ القرارات الخاصة بحياتها وجسدها دون أدني تدخل من الدولة أو من الغير. هناك بلا شك سيدات أُجبرن علي ارتداء النقاب وهو ضد قناعاتهن الشخصية، أو شعرن بضغوط كبيرة كي يرتدينه ضد قناعاتهن الشخصية، ولكن هنالك أيضا نساء مسلمات في أوروبا – بعضهن اعتنقن الإسلام حديثاً – قلن إن النقاب قرار شخصي وتعبير عن العقيدة ورغبة للتأكيد علي هويتهن.

الحجاب قرار.. هذه جملة قد يراها البعض في أوروبا غريبة، إلا أن الحجاب قرار، تماماً مثلما يعبر المرء عن هويته في أوروبا بناء على قناعات وسلوكيات نحتتها مؤثرات وعوامل مجتمعية أو أسرية أو دينية.

 

جوديث سوندرلاند باحثة أولى معنية بغرب أوروبا في قسم أوروبا وآسيا الوسطى في هيومن رايتس ووتش. هي معنية بقضايا التمييز والهجرة وسياسات اللجوء ومكافحة الإرهاب في غرب أوروبا.