(جوبا) – قالت هيومن رايتس ووتش إن قوات الحكومة السودانية قامت بعمليات قصف عشوائي وارتكبت انتهاكات بحق المدنيين في منطقة جبال النوبة بولاية جنوب كردفان. وأضافت أيضاً ان هذه الهجمات ربما ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما انها تسببت في مأساة إنسانية فاقمها رفض الحكومة دخول المنظمات الإنسانية إلى المدن غير الخاضعة لسيطرة قواتها.

 

وكانت هيومن رايتس ووتش قد أجرت خلال رحلة بحثية في منتصف أبريل/نيسان الماضي مقابلات مع شهود في ثلاث مناطق، حيث كشف الشهود تفاصيل القصف الجوي شبه اليومي بواسطة القوات الحكومية وتدمير مصادر الحبوب الغذائية والمياه، وكلاهما من الضروريات الحياتية للسكان، والاعتقال التعسفي والعنف الجنسي ضد النساء.

 

وقالت ليزلي ليفكو، نائبة مدير قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، والتي شاركت في البعثة البحثية إلى منطقة جنوب كردفان في منتصف أبريل/نيسان: "عانى المدنيون في جنوب كردفان من 11 شهراً من الرعب والفزعتعرض الأطفال للتشويه وتعرضت النساء للاغتصاب، وكثير من سكان المنطقة لا يعرفون ما إذا كان أفراد أسرهم الذين تحتجزهم قوات الحكومة السودانية أحياء أم أموات". 

 

ويدور نزاع مسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال في ولاية جنوب كردفان وولاية النيل الأزرق المجاورة، اللتين تقعان شمال الحدود الفاصلة بين السودان ودولة جنوب السودان، التي حصلت على استقلالها في يوليو/تموز 2011. وكان هناك من انحاز من سكان الولايتين إلى المتمردين الجنوبيين خلال الحرب الأهلية السابقة التي استمرت 22 عاماً.

 

وقالت هيومن رايتس ووتش ان الأعمال التي ارتكبتها قوات الحكومة السودانية تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني. وقالت أيضاً أن الحكومة السودانية ينبغي أن توقف فوراً الهجمات العشوائية على مناطق المدنيين وتكبح انتهاكات قواتها وتطلق سراح المدنيين المعتقلين الذين تحتجزهم قواتها حالياً.

 

وكان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد أجاز في 2 مايو/أيار الجاري قراراً يدين أعمال العنف في المناطق الحدودية بين السودان ودولة جنوب السودان، لكن القرار لم يتضمّن إدانة للقصف العشوائي الذي تقوم به قوات الحكومة السودانية داخل الأراضي السودانية في مناطق مثل جنوب كردفان. وقالت هيومن رايتس ووتش ان على كل من مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي إصدار إدانة واضحة لهذه الهجمات والتشديد على الخرطوم لإطلاق سراح المدنيين المحتجزين بلا مسوغ قانوني وتسهيل دخول منظمات المساعدات الإنسانية.

 

وأشارت نتائج الرحلة البحثية التي أجرتها هيومن رايتس ووتش إلى أن غالبية حالات القتل والإصابات في صفوف المدنيين بسبب عمليات القصف الجوي حدثت في مناطق يقطنها أصلاً مدنيون، حيث أشار شهود إلى عدم وجود أهداف عسكرية أو وجود للمتمردين في هذه المناطق عند وقوع الهجمات.

 

القتال بين القوات السودانية وقوات دولة جنوب السودان خلال الأسابيع الأخيرة في منطقة هجليج المنتجة للنفط ألقى بظلاله على الأزمة المستمرة في جنوب كردفان، حيث اندلع القتال بين قوات الحكومة السودانية وبقايا قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان في يونيو/حزيران 2011، وفي النيل الأزرق، التي انتقل إليها النزاع في سبتمبر/أيلول 2011. وكانت هيومن رايتس ووتش قد قامت بزيارة بحثية إلى ولاية النيل الأزرق في أبريل/نيسان.

 

وارتكزت آخر رحلة بحثية لـ هيومن رايتس ووتش في جنوب كردفان على نتائج رحلة بحثية سابقة بالمنطقة في أغسطس/آب 2011. شملت الرحلة البحثية في أبريل/نيسان محليات برام وام دورين وهيبان، التي شهدت قصفاً جوياً عنيفاً وباتت في حاجة ماسة للمساعدات الإنسانية. وزارت هيومن رايتس ووتش بعض المناطق التي تأثرت بشدة من جراء القتال خلال شهري ديسمبر/كانون الأول وفبراير/شباط الماضيين، مثل مدينتي طروجي والتيس، حيث دمر جنود الحكومة الآبار ومصادر مياه أخرى، ودمروا كذلك مخزون الحبوب الغذائية خلال انسحابهم.

 

وكشفت هيومن رايتس ووتش ان حملة القصف في مختلف مناطق جبال النوبة قد أسفرت عن مقتل وجرح عشرات المدنيين على مدى الـ11 شهراً السابقة. وأسفر هجوم بطائرة أنتونوف في مارس/آذار عن تدمير منزل حليمة كافي عندما كان شقيقها بداخله، في التيس، بمحلية برام. وقالت حليمة: "سقطت القنبلة على المنزل ولم نعثر على قطعة واحدة من شقيقي". أسفر الهجوم كذلك عن مقتل آسيا، إبنة حليمة التي تبلغ من العمر 9 سنوات، وفقد إبنها خميس يده نتيجة للهجوم، في ما تعرضت إبنتها نفيسة، التي تبلغ من العمر 14 عاماً، لإصابات بشظايا في مختلف اجزاء جسدها.

 

اضطر آلاف المدنيين للاحتماء بالكهوف في الجبال هرباً من القصف والقنابل والصواريخ، وباتوا يخشون العودة إلى ديارهم. وقال كثير من النازحين الذين تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش إن منازلهم قد دمرت نتيجة للقصف والقتال، وقالوا كذلك إنهم فقدوا كل متعلقاتهم وممتلكاتهم، بما في ذلك الماشية وحيوانات أخرى نهبها جنود الحكومة. ويحول الخوف من القصف الجوي للقوات الحكومية دون ممارسة هؤلاء السكان لحياتهم اليومية العادية، بما في ذلك إعداد الحقول للزراعة.

 

فقدان حصاد العام الماضي، فضلاً عن رفض الحكومة السودانية السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى مناطق جبال النوبة، تسببا في نقص حاد في الغذاء واضطر الكثير من المدنيين للفرار من مناطقهم.

 

ويقدر عدد النازحين داخل جنوب كردفان بما يزيد على ثلاثمائة وخمسين ألفاً، حسبما أعلنت منظمات إنسانية ومنظمات تعمل في مجال المجتمع المدني في السودان، كما فر 2500 شخص على الأقل إلى معسكرات للاجئين في جنوب السودان. ووفقاً لما أوردته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، فإن متوسط عدد الذين كانوا يصلون يومياً إلى معسكر ييدا للاجئين خلال شهر أبريل/نيسان تجاوز الـ200 شخص، وكانت هناك زيادة ملحوظة في حالات سوء التغذية وسط اللاجئين الذي وصلوا إلى المعسكر في الآونة الأخيرة.

 

سمحت الحكومة السودانية لموظفين في منظمة الأمم المتحدة بدخول كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، والدمازين والرصيرص، بولاية النيل الأزرق، لكنها منعت دخول المساعدات الإنسانية إلى غالبية المناطق المتأثرة بشدة والمناطق التي يسيطر عليها المتمردون في الولايتين منذ بداية النزاع.

 

وتلزم قوانين الحرب أطراف النزاع، بما في ذلك السلطات السودانية، بأن تسمح وتسهل المرور السريع وبدون عرقلة للإغاثة الإنسانية إلى المدنيين الذين يحتاجون إليها. وعلى الرغم من أن لدى السلطات السودانية الحق في السيطرة على توصيل المساعدات، فلا يجوز لها ان تمنع بطريقة تعسفية دخول منظمات العون الإنساني، ويجب أن تسمح لهذه المنظمات بتوفير الغوث على نحو محايد وعلى أساس غير قائم على التمييز في حال تعرض حياة وبقاء السكان للخطر.

 

وكانت هيومن رايتس ووتش قد ناشدت مراراً كلاً من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بالمطالبة بوضع نهاية للقصف العشوائي لمناطق المدنيين وبالسماح لدخول المساعدات الإنسانية للسكان الذين يحتاجون إليها في كل من جنوب كردفان وولاية النيل الأزرق المجاورة، وإجراء تحقيق مستقل في الجرائم الخطيرة بحق المدنيين في الولايتين.

 

وقالت ليفكو: "يبدو أن حملة القصف العشوائي التي تقوم بها الخرطوم وتدمير مصادر المياه وإمدادات الحبوب الغذائية والمنع المستمر لدخول المساعدات الإنسانية تهدف إلى تجويع المدنيين في جبال النوبة"، وأضافت: "الاشتباه في وجود متمردين في المنطقة لا يبرر بأي حال القتل الوحشي وتجويع السكان وتدمير منازلهم وسبل عيشهم."

 

يمكن الإطلاع على تفاصيل الهجمات على المدنيين وعلى سبل حياتهم وبقائهم والاحتجاز التعسفي أسفل معلومات وأرقام الاتصال أدناه.

القصف العشوائي

قالت هيومن رايتس ووتش أن القوات المسلحة السودانية ظلت تقوم بحملة قصف جوي عشوائية مستمرة منذ مطلع يونيو/حزيران 2011 على مناطق يقطنها مدنيون في جبال النوبة، ما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى.

 

حققت هيومن رايتس ووتش في الضربات الجوية في محليات برام وام دورين وهيبان. وتدل إفادات الشهود الذين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش، والأدلة المادية، بما في ذلك شظايا القنابل والمفرقعات التي لم تنفجر والحُفر التي أحدثتها الانفجارات، على أن القوات الحكومية اسقطت قنابل من على متن طائرات أنتونوف وأطلقت صواريخ من طائرات مقاتلة على مناطق يقطنها مدنيون.

 

لقي عدد من المدنيين مصرعهم واصيب آخرون داخل منازلهم أو خلال محاولاتهم الاختباء في الكهوف في المناطق الجبلية هربا من القصف، أو خلال رعيهم للماشية. وقال كل المدنيين الذي تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش ان لديهم اصدقاء أو جيران أو أفراد اسرة لقوا مصرعهم نتيجة للقصف أو اصيبوا. وقال عاملون في مستشفى بالقرب من كاودا لـ هيومن رايتس ووتش ان المدنيين يشكلون غالبية ما يقرب من مائة شخص تم علاجهم من اصابات القصف خلال الـ11 شهراً السابقة.

 

زارت هيومن رايتس ووتش منزلاً خارج ام سردبة، بمحلية أم دورين، حيث لقي خمسة أفراد من اسرة واحدة مصرعهم بعد ان تعرض منزلهم للقصف وشبّت فيه النيران مساء 17 فبراير/شباط. ولم تكن هناك أهداف عسكرية واضحة في المنطقة المحيطة. ولقيت اربع شقيقات مصرعهم وهن نائمات بعد ان اندلعت النيران في المنزل عقب القصف، وتوفي والدهن، صامويل ديلامي، بعد وقت قصير.

 

سمعت حليمة تية توركان، التي تسكن قرية اونجولو، صوت طائرة انتونوف عندما كانت في طريقها لدفن شقيقها الذي لقي مصرعه إثر القصف. اختبأت حليمة في كهف ومعها إبنتها عائشة، إلا ان قنبلة انفجرت عند مدخل الكهف واصابتها بشظايا في منطقة البطن. تقول حليمة: "لم أعرف ما إذا كنت سأبقى على قيد الحياة أم لا"، نقلت حليمة إلى المستشفى في 18 فبراير، حيث ظلت، حتى أبريل، تتلقى العلاج.

 

كان الصبي دانيال عمر يرعى ماشية عمه بمنطقة الدار في محلية برام صباحاً في أحد أيام شهر مارس/آذار عندما سمع صوت طائرة انتونوف. استلقى دانيال أرضاً وسقطت قنبلة على بعد عشرة أمتار منه، ما تسبب في قطع ذراعه فوراً نتيجة الإنفجار، وتعرضت يده الأخرى لإصابة بالغة وتم بترها في وقت لاحق. وقال دانيال في حديث له مع أعضاء فريق الرحلة البحثية التي أجرتها هيومن رايتس ووتش في المنطقة: "لا أزال اشعر بالألم في الجروح التي اصبت بها."

 

كان الطفل كالو سما، 10 سنوات، يلعب مع شقيقيه بالقرب من شجرة مانجو في حقل بمنطقة كاودا حوالي الساعة العاشرة من صباح 11 أبريل/نيسان عندما ألقت طائرة انتونوف قنبلة بالقرب منهم أصابت شظية منها الجانب الأيسر من وجهه. وقالت والدة كالو لـ هيومن رايتس ووتش إن إصابة ابنها كانت بالغة إلى درجة انها لم تتعرف عليه عندما وجدته في المستشفى. لا يزال رأس كالو ملفوفا بالضمادات ويجد صعوبة في تحريك الجزء الأيسر من جسده.

 

تسبب القصف أيضاً في إلحاق إضرار بالكنائس والمستشفيات والمدارس. وزارت هيومن رايتس ووتش كنيسة في القنايا، بمحلية برام، تم تدميرها بقنبلة اسقطتها طائرة انتونوف في 13 يناير. وتعرض منزل مجاور لأضرار إثر تعرضه للقصف في نفس اليوم. وقال قس من منطقة ام دورين لـ هيومن رايتس ووتش ان كنيسة في المنطقة تعرضت لقصف أسفر عن جرح صبي يبلغ من العمر 15 عاماً.

 

تعرض مستشفى مدينة برام لأضرار واضحة نتيجة لشظايا القذائف التي استخدمت في القصف. وقال مراقبو حقوق إنسان سودانيين إن عمليات القصف ألحقت أضراراً بكنيسة في دارية، بمحلية دلامي، في 31 ديسمبر. وتعرضت للقصف أيضاً مدرسة انجيلية بمدينة هيبان في 1 فبراير، وعيادة في كورشي، بمحلية ام دورين، في 6 فبراير، ومدرسة ابتدائية في ام سردبة في 17 فبراير.

 

وقال كثير من المدنيين لـ هيومن رايتس ووتش انهم على الرغم من معاناتهم المستمرة من القصف، الذي يحدث بصورة يومية تقريباً، خلال الشهور السابقة، فإن حدة القصف تراجعت خلال أول اسبوعين من شهر أبريل، وهي الفترة التي شهدت المواجهات المسلحة بين القوات السودانية وقوات دولة جنوب السودان بمنطقة هجليج.

 

وأوردت هيومن رايتس ووتش مراراً ان الاسلوب الذي تنتهجه القوات الحكومية السودانية في القصف وإسقاط المتفجرات على نحو غير موجّه من على متن طائرات الأنتونوف يتم بطريقة عشوائية، إذ ان الهجمات لا تكون موجّهة بدقة إلى أهداف عسكرية.

 

يحظر القانون الإنساني الدولي شن الهجمات بصورة عشوائية لا تفرّق بين الأهداف المدنية والعسكرية. ويحظر القانون أيضاً شن الهجمات التي من المتوقع ان تلق أضراراً مدنية على نحو عشوائي بدلاً عن توجيهها إلى أهداف عسكرية محددة. قوات الجيش السوداني وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال، التي تعمل كمعارضة مسلحة في جبال النوبة، ملزمة باتخاذ كل التدابير الممكنة لتقليل الأضرار على المدنيين.

 

الاعتقال التعسفي والاحتجاز

قال أشخاص تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش في كل من التيس وطروجي ان جنود الحكومة السودانية اعتقلوا المئات من الرجال والنساء والأطفال وأجبروهم على المغادرة مع القوات الحكومية عندما انسحبت إلى مدن يسيطر عليها الجيش مثل كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان. ولا يعرف مكان احتجاز مئات من هؤلاء المدنيين. 

 

قال ثمانية شهود من التيس لـ هيومن رايتس ووتش ان القوات المسلحة السودانية اعتقلت مطلع العام الجاري عدداً يتراوح بين 400 و500 مدني. وكانت التيس تخضع تارة لسيطرة القوات الحكومية ثم تسولي عليها قوات المتمردين لتسقط بعد فترة تحت سيطرة قوات الحكومة لفترة وجيزة قبل أن تعود مجددا لسيطرة المتمردين. وكان فريق الرحلة البحثية لـ هيومن رايتس ووتش قد زار مدينة التيس أواخر أبريل/نيسان الماضي.

 

وقالت فتحية كوشي أنها عندما كانت مختبئة في مناطق الجبال شاهدت جنود الحكومة وهو يتسلقون التلال ويقتادون أشخاصاً بالقوة إلى مركبات عسكرية قبل مغادرة هذه القوات إلى مدينة كادوقلي. وقالت فتحية: "اقتاد جنود من القوات المسلحة السودانية والدتي وأربعة من أطفالي. إبنتي الكبرى كانت من بين هؤلاء، وكانت حبلى. ولا أعرف ما إذا كانت ميتة أم على قيد الحياة. وقالت حنان كافي رحال، التي تسكن في مدينة التيس، أنها رأت جنود القوات الحكومية وهم يملأون حوالي عشرة مركبات بالمعتقلين.

 

ووصف ستة مدنيين من مدينة طروجي اسلوب اعتقال مماثل واحتجاز قسري واختفاء في وقت لاحق. فر  رجال ونساء وأطفال للاختباء في كهوف الجبال عندما استولت القوات الحكومية على مدينة طروجي في ديسمبر. واعتقلت هذه القوات عشرات من المدنيين خلال محاولتهم جمع ما تبقى من الحصاد إثر الدمار الذي تعرضت له حقولهم أو عندما كانوا بصدد البحث عن مصدر للمياه، كما ان بعضهم تم اقتياده من أماكن التجأوا إليها في الجبال.

 

ويقول المزارع بطرس كوكو جهابية: "كنا في الجبال ورأينا كثيرين يتم اعتقالهم. جنود القوات المسلحة السودانية يهاجمون أحياناً الجبال بالبنادق وعندما يهم البعض بالفرار يعتقلونهم. السكان الذين اختبأوا في الجبال يعترضون للجوع، والسبيل الوحيد للحصول على الغذاء النزول من الجبال، ولكن عندما يفعلون ذلك يعتقلهم جنود القوات الحكومية." وذكر بطرس أسماء 11 شخصاً يعتقد ان القوات الحكومية اعتقلهم، ويقول إن ما يزيد على 200 شخص اعتقلهم هذه القوات.

 

وقال أشخاص تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش انهم يعتقدون ان هؤلاء المدنيين قد تم اقتيادهم إلى كادوقلي أو خرسانة، وهي مدينة أخرى تحت سيطرة القوات الحكومية.

 

يحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الإعتقال التعسفي والاختفاء القسري واحتجاز المدنيين كرهائن والإعدام خارج نطاق القضاء، ويشكل معظمها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. ويحظر القانون كلاً من قوات الحكومة وقوات المتمردين من إصدار تعليمات بحمل المدنيين على النزوح لأسباب تتعلق بالنزاع، إلا إذا بات ذلك ضرورياً لأمن المدنيين أو لدواع عسكرية اضطرارية. إصدار تعليمات بالنزوح القسري للمدنيين لأسباب تتعلق بالنزاع، في ظروف أخرى، يعتبر جريمة حرب.

 

العنف الجنسي

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى ضحايا وعدة شهود على عمليات عنف جنسي ارتكبها جنود في القوات الحكومية بمدينة التيس.

 

وفي هذا السياق قالت امرأة تبلغ من العمر 22 عاماً، وتسكن بمدينة التيس، انها اقتيدت قسراً بواسطة القوات الحكومية إلى خندق حفرته القوات في المنطقة، وأوضحت قائلة: "احدهم هددني ببندقية والآخر اغتصبني."

وقالت أم لسبعة أطفال انها شاهدت من مكان اختبائها في منطقة الجبال جنود تابعين للقوات الحكومية يغتصبون نساء في المنطقة، وأوضحت: "كان هناك عدد من النساء، بعضهن كان مصاباً. بعضهن قُتل ودُفن."

 

اغتصب جنود القوات الحكومية أم وخالة وشقيقة إمرأة شابة من مدينة التيس: "شاهدت خالتي تتعرض للاغتصاب. كنا في الجبال معاً، ثم جاء الجنود واقتادوها. تم اغتصابها بالقرب من الجبل...اقتادوها بعد ذلك إلى كادوقلي." وقالت الضحية انها تعرضت للاغتصاب بواسطة 11 جندياً. وقالت إبنة الضحية أن "والدتها عندما عادت إلى المنزل لم تكن حتى تستطيع الجلوس."

 

وكانت هيومن رايتس ووتش قد وثّقت تقارير تفيد بارتكاب عمليات اغتصاب في كل من كادوقلي وهيبان. تحدث كثيرون أيضاً عن عمليات اغتصاب ارتكبها جنود في القوات الحكومية أو الميليشيات التابعة لها في دلامي وطروجي ودمام، إلا ان هيومن رايتس ووتش لم تستطع الحصول على تأكيد لحالات محددة، كما لم تتحدث إلى شهود بشأن هذه الحالات.

 

الحرمان من الحصول على الضروريات

العمليات التي ارتكبتها قوات الحكومة السودانية، بما في ذلك تدمير المدن في مختلف منطقة جبال النوبة واستمرار القصف العشوائي، تسببت في تدهور الأوضاع الإنسانية. إذ ان هناك مدنيين، غالبيتهم من النازحين ويحتمون حالياً بالكهوف، في حاجة عاجلة إلى مساعدات غذائية ومياه صالحة للشرب ورعاية صحية. إلا ان الحكومة لا تزال تفرض حظراً على وصول المساعدات الإنسانية.

 

يعتمد سكان مناطق جبال النوبة بصورة رئيسية على انتاجهم الزراعي، إذ يزرعون المحاصيل في شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز ويحصدونها في نوفمبر/تشرين الأول. إلا ان الهجمات العشوائية وعمليات القصف حالت دون فلاحة كثير من الأسر لأراضيها خلال العام 2011. وقال كثير من الذين تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش انهم يشعرون بالخوف من العمل في الحقول بسبب استمرار القصف، كما انهم عاجزون عن الوصول إلى المزارع التي تبعد مسافة من ديارهم.

 

وقال أهالي مدينة طروجي لهيومان رايتس ووتش ان جنود حكوميين أضرموا النار في ديسمبر/كانون الأول في عدد من مخازن ومزارع الحبوب ودمروا طواحين للحبوب ونهبوا الماشية. وكانت مدينة طروجي تحت سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال خلال الفترة من يونيو/حزيران حتى نهاية عام 2011، وهي فترة تمكن السكان فيها من زراعة المحاصيل، إلا ان هجمات الحكومة تزامنت مع فترة الحصاد السنوي. وقال واحد من الزعماء  المحللين في طروجي إن القوات الحكومية عندما دخلت المدينة في ديسمبر/كانون الثاني  "خربت الحقول بقيادة الدبابات والمركبات العسكرية فوقها، وأحرق جنود الحكومة أكواماً من الذرة بعد ان سكبوا عليها البنزين."

 

علمت هيومن رايتس ووتش أيضاً، طبقاً لما ذكره سكان المنطقة، أن قوات الحكومة اتلفت عمداً آبار المياه التي تعمل بالمضخات، الأمر الذي تسبب في الحد من توفر المياه الصالحة للشرب لبعض المجموعات السكانية في المنطقة. وشاهد أفراد الرحلة البحثية لـ هيومن رايتس ووتش في التيس دليلاً على ذلك، حيث تعرضت المضخة اليدوية في بئر بمنطقة وسط المدينة لتخريب متعمد بتفكيكها. وقال مدنيون في طروجي ان الآبار التي تعمل بالمضخات لتوفير المياه الصالحة للشرب لم تعد عمل، ونتيجة لذلك اضطروا لشرب مياه الآبار العادية، التي بدا لونها غير عادي. وقال احد سكان طروجي لفريق هيومن رايتس ووتش: "أتلف جنود القوات المسلحة السودانية قبل مغادرتهم المدينة كل الآبار التي تعمل بالمضخات لتوفير المياه الصالحة للشرب، ونحن الآن نشرب مياه الآبار العادية. مياه هذه الآبار ملوثة وتتسبب المرض في بعض الأحيان. كانت هناك ستة آبار تعمل بالمضخات لتوفير المياه الصالحة للشرب في هذه المنطقة، ولكن تم تدميرها جميعاً."

 

وقال سكان تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش انهم كانوا يواجهون صعوبة في الحصول على الغذاء والمياه عندما كانت المدينة تحت سيطرة القوات الحكومية. وكشف سكان في مدينتي طروجي والتيس تفاصيل اختبائهم في الجبال هرباً من القوات الحكومية. وتعرض بعض من حاول العودة لجمع بعض الحبوب الغذائية أو المياه للاعتقال أو القتل.

 

عدم تمكن سكان المنطقة من ممارسة نشاطهم الزراعي المألوف، وإتلاف القوات الحكومية للمحاصيل والحد من حركة السكان جعلت سكان المنطقة يواجهون شبح الجوع ومخاطر المجاعة. وقال كثيرون انهم ظلوا يقتاتون على أوراق الأشجار والفواكه البرية على مدى شهور. اما الذرة، التي تُعتبر الغذاء الرئيسي، فاما انها لم تعد متوفرة في بعض الأسواق، أو ان أسعارها اصبحت مرتفعة للغاية. إذ ان سعر الملوة  من الذرة [نحو 3.5 كيلوجراماً] ارتفع من 2-3 جنيه سوداني إلى 15 جنيهاً سودانياً في كاودا. وتلقت هيومن رايتس ووتش عدة تقارير عن وفاة البعض، خصوصاً كبار السن والأطفال، بفعل الجوع والمرض، ولكن لم يتسن لها التأكد من مدى صحة هذه التقارير.

 

قال صالح تيران طلحة، 32 عاماً، لـ هيومن رايتس ووتش إن طفله البالغ من العمر عامين ووالده توفيا بسبب المرض داخل كهف في الجبال بالمنطقة حول مدينة برام في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. لم يتمكن صالح من الحصول على دواء لابنه واضطر لترك جثمان والده عندما حلقت طائرات انتونوف وهو كان في طريقه لدفن والده.

وتقول زهرة جادين، التي تعيش في الجبال المحيطة بمدينة التيس: "كانت والدتي في الكهوف. كانت مريضة ولا تستطيع الحركة. لم يكن هناك مستشفى لكي ننقلها إليه للعلاج. لم يكن بوسعي ما يمكن أن أفعله تجاهها. كان تشكو من آلام في الظهر بسبب الركض لمسافات وهي تحمل أغراض فوق رأسها. "

 

يحظر القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع المسلح إتلاف الأغراض التي تعتبر مهمة لبقاء وحياة السكان المدنيين وتجويع السكان عمداً.

ظلت الحكومة السودانية تفرض حظراً على دخول المساعدات الإنسانية لجنوب كردفان على مدى الـ11 شهراً السابقة. وتفرض قوانين الحرب على أطراف النزاع، بما في ذلك السلطات السودانية، السماح بمرور المساعدات الإنسانية وتسهيل وصولها دون عرقلة إلى المدنيين المحتاجين إليها.

 

وقالت هيومن رايتس ووتش انه لم تكن هناك استجابة دولية تُذكر للعنف المستمر وانتهاكات حقوق الإنسان في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

 

في الوقت الذي طالب فيه قرار مجلس الأمن، الصادر في 2 مايو، طرفي النزاع بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية لسكان السودان ودولة جنوب السودان المتأثرين بالعنف في مناطق الحدود بين الدولتين، لم يتضمّن القرار إدانة للقصف العشوائي للسكان المدنيين في جنوب كردفان والنيل الأزرق، كما لم ينادي بإجراء تحقيق في الانتهاكات التي حدثت في كليهما.

 

اقترح كل من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية في فبراير/شباط اتفاقاً ثلاثياً يسمح بمرور المساعدات الإنسانية للسكان المتأثرين في كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق، إلا ان الحكومة السودانية رفضت قبول ذلك المقترح.

 

في تقريرها الصادر في أغسطس/آب  2011 أوصت مفوضية حقوق الإنسان بإجراء تحقيق مستقل وشامل وموضوعي في الادعاءات حول انتهاكات قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدوليين في جنوب كردفان، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات. ونادت هيومن رايتس ووتش أيضاً بإجراء تحقيق مستقل بشأن الانتهاكات في كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق

 

الرئيس السوداني عمر البشير مطلوب بواسطة المحكمة الجنائية الدولية على خلفية تهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة في دارفور. وطلب المدعي العام للمحكمة في ديسمبر/كانون الأول إصدار مذكرة اعتقال بحق وزير الدفاع السوداني عبد الرحيم محمد حسن، على خلفية تهم تتعلق بتورطه في نفس النزاع. حاكم ولاية جنوب كردفان الحالي، احمد هارون، مطلوب أيضاً بواسطة المحكمة الجنائية الدولية على خلفية تهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.

 

وقالت هيومن رايتس ووتش إن الإفلات من المحاسبة على الجرائم التي ارتكبت في دارفور سمح للسودان بمواصلة ارتكاب المزيد من الانتهاكات الخطيرة بحق مواطنيه في دارفور ومناطق أخرى.

 

خلفية

اندلع القتال في جنوب كردفان عقب أسابيع من التوتر المتزايد بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان حول انتخابات حاكم ولاية جنوب كردفان والترتيبات الأمنية الواردة في اتفاق السلام الشامل لعام 2005، التي أنهت الحرب الأهلية التي استمرت سنوات طويلة. وانتهت الانتخابات بفوز هارون بمنصب حاكم الولاية بأغلبية ضئيلة.

 

انتقل النزاع مطلع سبتمبر/أيلول إلى ولاية النيل الأزرق، حيث تزايد النزاع بين الحزبين وسط التأخير في تنفيذ المشورة الشعبية التي وردت في إتفاق السلام.