مسعفون يحاولون إنزال الدكتور محمد الظاهري، أحد المتظاهرين البارز، من مكان الهجوم على المتظاهرين في صنعاء في 18 سبتمبر 2011.

راضية المتوكل © 2011

(نيويورك) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن قوات الأمن اليمنية استخدمت القوة المفرطة عندما فتحت النار على المتظاهرين المعارضين للحكومة في صنعاء في 18 سبتمبر/أيلول 2011، وفي تعز يوم 19 سبتمبر/أيلول، مما أسفر عن مقتل 27 شخصاً على الأقل وإصابة المئات. وقال شهود عيان لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن في صنعاء قامت في البداية برش المتظاهرين بمياه المجاري، وبعد أن رد المتظاهرون برشق قوات الأمن بالحجارة؛ قامت القوات فوراً بإطلاق النار عليهم دون تحذير، وتم إطلاق قذائف آر بي جيه عليهم، وكذلك استخدم الأمن أسلحة آلية ومدافع رشاشة ثقيلة.

بدأت هذه الهجمات بعد ستة أيام من تفويض الرئيس علي عبد الله صالح لنائبه بتولي مسؤوليات المفاوضات القائمة برعاية مجلس التعاون الخليجي، والتي تدعمها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبموجبها يتنحى الرئيس مقابل حصانته من الملاحقة القضائية عن أية جرائم. من المقرر أن تمتد الحصانة إلى أقارب صالح الذين يسيطرون على وحدات هامة من قوات الأمن، ومنها الأمن المركزي. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على المفاوضين ضمان ألا يشمل اتفاق التنحي الحصانة من الجرائم الدولية، ومنها الجرائم ضد الإنسانية، لا سيما على ضوء الهجمات المميتة غير المبررة المستمرة والتي شنتها قوات الأمن على المتظاهرين المعارضين للحكومة، السلميين في الأغلب الأعم.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "أعمال القتل الأخيرة التي ارتكبتها قوات الأمن اليمنية تُظهر لماذا يجب ألا يُمنح المسؤولين عن ارتكابها ضمانات بعدم الملاحقة الجنائية. لا يمكن لمجلس التعاون الخليجي والحكومات الأخرى المشاركة في التفاوض على تنحي الرئيس صالح أن تقدم الحصانة في حال ارتكاب جرائم دولية".

قالت هيومن رايتس ووتش إن الهجمات كانت وبكل وضوح غير متناسبة مع أي تهديد قائم لأرواح أفراد الأمن أو آخرين كانوا في مرمى الحجارة التي راح يرميها المتظاهرون. وقال الشهود إن قوات الأمن كانت تحمل دروعاً وترتدي معدات وقائية، شملت الخوذات، وأن المتظاهرين لم تكن معهم أسلحة نارية، دعك من استخدامها.

وقعت أعمال القتل في أثناء بحث مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف في أمر تقرير عن اضطرابات اليمن هذا العام، وانتهى التقرير إلى أن قوات الأمن ردت بالقوة المفرطة والمميتة على التظاهرات السلمية، مما أودى بحياة المئات. تقرير الأمم المتحدة – الذي تمت مناقشته في جنيف في 19 سبتمبر/أيلول – دعا إلى البدء في تحقيق دولي مستقل في انتهاكات حقوق الإنسان، وطالب اليمن بالتعاون مع مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وقد اعترضت الحكومة اليمنية على مقترحات المفوض السامي بإنشاء مكتب له في صنعاء. ويتضح من الهجمات الأخيرة ضد المتظاهرين خطورة أوضاع حقوق الإنسان في اليمن، والحاجة وبسرعة بالغة لهذا التواجد للأمم المتحدة في صنعاء، على حد قول هيومن رايتس ووتش. من المتوقع أن تتقدم هولندا بقرار عن اليمن للعرض على مجلس حقوق الإنسان نهاية هذا الأسبوع.

وقال جو ستورك: "يجب ألا يكتفي مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بمشاهدة صنعاء تحترق". وتابع: "لن ينهي مكتب لحقوق الإنسان في اليمن أعمال العنف، لكن من الممكن أن يُحدث اختلافاً كبيراً".

اندلعت المصادمات في الشوارع بين قوات عسكرية موالية للمعارضة والقوات الحكومية في صنعاء بعد الهجمات الأولى على المتظاهرين.

وبدأت هجمات 18 سبتمبر/أيلول حوالي الساعة الخامسة مساءً، مع بدء عشرات الآلاف في مسيرة على امتداد الشوارع المحيطة بميدان التغيير، وهو مقر المتظاهرين القريب من جامعة صنعاء، وقد خرجوا بدعوى أن الرئيس يماطل لا أكثر. تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى 18 شاهداً على الأحداث، قالوا إن المتظاهرين راحوا يرددون شعارات مناهضة لصالح ويرددون عبارة: "هذه مسيرة سلمية".

ولدى نهاية شارع الزراعة، على حد قول عدد من شهود العيان، قام كردون من قوات الأمن، أغلبهم من الأمن المركزي وبينهم بعض العناصر من الأمن الوطني، بإيقاف المسيرة، وقاموا برش المتظاهرين بسائل يحتوي على مياه المجاري. كما أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وحاولوا إعادة المتظاهرين الذين تقدموا منهم، عن طريق توجيه فوهات البنادق إليهم. رد المتظاهرون بإلقاء الحجارة، وفي هذه اللحظة أطلقت القوات النار عليهم مباشرة دون تحذير، باستخدام أسلحة آلية ومدافع رشاشة ثقيلة سريعة الطلقات، طبقاً لخمسة شهود كانوا في الخط الأمامي للمتظاهرين.

المتظاهر مبخوت المهدي، 25 عاماً، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن أطلقت أسلحتها على مستوى الرأس والصدر وأنه رأى عدة متظاهرين يسقطون أرضاً.

قال: "رأيت مخ أحدهم بعد أن أصيب في الرأس".

انتقل بعض المتظاهرين من شارع الزراعة إلى تقاطع طرق معروف باسم تقاطع كنتاكي على مسافة 250 متراً تقريباً. وهناك، على حد قول خمسة شهود، واجهوا كردوناً آخر من قوات الأمن المركزي، إذ أطلق الجنود الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية عليهم بعد أن رفضوا التراجع. وانطلقت بعض الطلقات من اتجاه بنايات حكومية ومن جسر قريب، على حد قول الشهود. وقال ثلاثة شهود إن قوات الأمن المركزي عند تقاطع كنتاكي أطلقت أيضاً قذائف آر بي جيه.

وقال نائب مدير العيادة الميدانية الخاصة بالمتظاهرين لـ هيومن رايتس ووتش إن العيادة استقبلت 24 قتيلاً. وقال طبيب آخر إن رأس اثنين من الضحايا كانت قد هُشمت تماماً، على ما يبدو بعد الإصابة بقذائف آر بي جيه. ورصدت هيومن رايتس ووتش وجود 16 جثماناً في العيادة بعد الهجوم مباشرة، أغلبها مصابة برصاصات في الرأس والصدر. وقال نائب المدير إن هناك أكثر من 400 مصاب آخرين، و324 شخصاً منهم مصابين بالذخيرة الحية، وهناك أكثر من 200 آخرين يعانون من آثار الغاز المسيل للدموع.

وبعد إطلاق النار، اندلعت مصادمات متفرقة في الشوارع في مختلف أنحاء المدينة بين القوات الحكومية والمعتدين المؤيدين للحكومة في ثياب مدنية من جهة، والمعارضين لصالح من جهة أخرى، طبقاً لشهود قابلتهم هيومن رايتس ووتش. أفادت وسائل الإعلام اليمنية والدولية بوقوع أعمال عنف من هذا النوع أيضاً.

كما اندلعت أعمال العنف في 18 سبتمبر/أيلول بين قوات الأمن المركزي والفرقة المدرعة الأولى، التي انشقت وانضمت للمعارضة في مارس/آذار. استمرت هذه المصادمات في 20 سبتمبر/أيلول، لتسفر عن مقتل أكثر من 35 شخصاً آخرين، بينهم العديد من المتظاهرين غير المسلحين ومدنيين آخرين، على حد قول الأطباء. وقالوا إن القتلى بينهم رضيع، وطبيب أصيبت سيارة الإسعاف التي كان يستقلها بصاروخ آر بي جيه فيما كان في طريقه لأخذ مصابين من عند تقاطع كنتاكي.

ولقي العديد من المتظاهرين العُزّل مصرعهم في 20 سبتمبر/أيلول إثر سقوط قذيفة هاون على موقع اعتصامهم، بحسب وكالة أنباء أسوشيتد برس.

وشهد يوم 19 سبتمبر/أيلول أيضاً احتلال قوات الأمن المركزي للمستشفى الجمهوري، الواقع في شارع الزبيري، من شوارع صنعاء الرئيسية، وبدأوا في إطلاق النار على أهداف للفرقة المدرعة الأولى من موقع محصن بأكياس الرمل، قاموا بتهيئته فوق سطح المستشفى، على حد قول طبيبين من المستشفى لـ هيومن رايتس ووتش. هددت قوات الأمن الأطباء الذين اعترضوا على احتلال المستشفى، مما دفع الطاقم الطبي إلى إغلاق حجرة الطوارئ وهرب العديد من الأطباء والمرضى، على حد قول الأطباء.

يعتبر احتلال المستشفيات وإساءة معاملة العاملين بالمجال الطبي من قبل القوات الحكومية انتهاك لواجب احترام وحماية المنشآت الطبية والعاملين بالمجال الطبي في أي ظرف من الظروف.

وفي تعز، فتح الحرس الجمهوري وقوات الأمن المركزي النار في 19 سبتمبر/أيلول على مسيرة سلمية في مجملها، للاحتجاج على أعمال القتل في صنعاء، مما أودى بحياة ثلاثة وأدى لإصابة نحو 20 آخرين بالذخيرة الحية، على حد قول طبيب يعالج المتظاهرين، وثلاثة من نشطاء تعز، لـ هيومن رايتس ووتش.

وقد نفى مسؤولون يمنيون استخدام قوات الأمن للأسلحة، واتهموا السكان والمتظاهرين بتبادل إطلاق النار. وقالت وكالة الأنباء الرسمية اليمنية ،سبأ، إن المتظاهرين ألقوا قنابل حارقة على محطة وقود قرب جامعة صنعاء. وقال ثلاثة شهود عيان لـ هيومن رايتس ووتش إن متظاهرين ألقوا قنابل حارقة على سيارات أمن مركزي في شارع الزراعة، لكن هذا حدث بعد ساعة ونصف من إطلاق قوات الأمن النار على المتظاهرين هناك وعند تقاطع كنتاكي.

تنص مبادئ الأمم المتحدة الأساسية الخاصة باستخدام القوة والأسلحة النارية على أن مسؤولي إنفاذ القانون ملزمين "قدر الإمكان، باستخدام الوسائل غير العنيفة قبل اللجوء إلى استخدام القوة". وعندما يصبح استخدام القوة ضرورياً لا بديل عنه، فعلى قوات إنفاذ القانون "ممارسة ضبط النفس أثناء الاستخدام للقوة وأن تكون متناسبة مع درجة جسامة الاعتداء". أما الاستخدام المميت للأسلحة النارية فليس مسموحاً به إلا عندما لا يكون هناك أي حل آخر لحماية الأرواح.

أما اللجوء لأعمال القتل غير القانوني بشكل ممنهج أو على نطاق واسع، إذا تم بصفته من سياسات الدولة، فهو يعتبر من الجرائم ضد الإنسانية. وقالت هيومن رايتس ووتش إن القانون الدولي يقضي بعدم منح الحصانة للضالعين في ارتكاب جرائم جسيمة ضد حقوق الإنسان، مثل الجرائم ضد الإنسانية. وتطالب المواثيق الدولية الدول الأطراف فيها بضمان الملاحقة القضائية للمزعوم بتورطهم في الجرائم الجسيمة، بمن فيهم من أمروا بارتكاب هذه الجرائم، وأصحاب المناصب القادرين على منع هذه الجرائم ولم يمنعوها.

يعتبر الحرمان من الرعاية الطبية من أشكال المعاملة اللاإنسانية، وربما يكون خرق للحق في الحياة المكفول بموجب القانون الدولي، بما أنه يهيئ لتهديد حياة المصابين إصابات جسيمة. مبادئ الأمم المتحدة الأساسية الخاصة باستخدام القوة والأسلحة النارية تنص أيضاً على أنه حتى في الظروف التي يكون فيها استخدام الأسلحة النارية قانونياً ولا بديل عنه "فعلى مسؤولي إنفاذ القانون... ضمان توصيل المساعدة والرعاية الطبية لأي مصابين أو متأثرين بالأحداث في أسرع وقت ممكن".

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه بالإضافة إلى ضمانها عدم منح أي حصانة من الملاحقة عن الجرائم الدولية، فعلى الحكومات الأجنبية أن تجمد أصول صالح وكبار مسؤوليه الأمنيين، وأن تجمد رسمياً كل المساعدات الأمنية ومبيعات الأسلحة المقدمة لليمن، حتى تكف السلطات عن هذه الهجمات، وحتى تجري تحقيقات نزيهة لمعرفة المسؤولين عنها، ومحاسبتهم. كما ينبغي على الحكومات الأجنبية أن تدعو مجلس الأمن الدولي إلى النظر سريعاً في الأزمة اليمنية، وأن تدعم الضغط من أجل إنشاء مكتب رقابي حقوقي في اليمن.

وقال جو ستورك: "لابد ألا تشتت أحداث هذا الأسبوع في الجمعية العامة للأمم المتحدة الأنظار عن المأساة الإنسانية التي يشهدها اليمن". وتابع: "لقد تم تجاهل دعوة مجلس الأمن في 9 أغسطس/آب بممارسة أقصى درجات ضبط النفس في اليمن، من ثم فعلى المجلس أن يضمن توقف حكومة صالح عن هذه الانتهاكات".

وتأكدت هيومن رايتس ووتش من وقوع 219 وفاة في هجمات شنتها قوات الأمن ومسلحون موالون للحكومة على تظاهرات سلمية في مجملها، بدأت في فبراير/شباط ضد حُكم صالح القائم منذ 33 عاماً. وأصيب أكثر من 1000 متظاهر بالذخيرة الحية أو الغاز المسيل للدموع، ويتم إطلاق الغاز عادة من عبوات غاز مسيل للدموع أمريكية الصنع ومنتهية الصلاحية ، من مسافات قريبة.