متظاهر من دوما يُظهر آثار على ظهره للضرب بسلك كهربي والعصي أثناء احتجازه طرف الأمن والاستخبارات السورية، يُشار إلى هذه الأجهزة عادة باسم المخابرات.

© 2011 Private

(نيويورك، 15 أبريل/نيسان 2011) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن قوات الأمن والمخابرات السورية قامت بالاحتجاز التعسفي لمئات المتظاهرين في شتى أنحاء سوريا، وعرضتهم للتعذيب والمعاملة السيئة، منذ بدء التظاهرات المعارضة للحكومة في أواسط مارس/آذار 2011. وقالت هيومن رايتس ووتش إن أجهزة الأمن والاستخبارات، التي يُشار إليها عادة باسم المخابرات، اعتقلت محامين ونشطاء وصحفيين أيدوا المظاهرات أو دعموها.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات السورية أن تكف فوراً عن استخدام التعذيب وأن تطلق سراح المحتجزين تعسفاً من متظاهرين ونشطاء وصحفيين. وعلى حكومة الرئيس بشار الأسد أن تأمر بتحقيقات فورية ونزيهة في الانتهاكات الجسيمة لحقوق المحتجزين وضمان تقديم جميع المسؤولين عن هذه الانتهاكات للعدالة.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "لا يمكن الحديث عن إصلاحات حقيقية في سوريا بينما قوات الأمن تنتهك حقوق الناس ثم تفلت من العقاب. على الرئيس الأسد أن يحكم السيطرة على قواته الأمنية وأن يحملهم مسؤولية الاعتقالات التعسفية وأعمال التعذيب".

قابلت هيومن رايتس ووتش 19 شخصاً تعرضوا للاعتقال في درعا ودمشق ودوما والتل وحمص وبانياس، وكذلك عائلات لمحتجزين. من أجريت المقابلات معهم تعرضوا للاحتجاز، بينهم سيدتين وثلاثة في سن المراهقة، تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عاماً. كما جمعت هيومن رايتس ووتش معلومات من نشطاء سوريين عن عشرات الأفراد المحتجزين في درعا وبانياس وراجعت مقاطع فيديو لبعض المحتجزين الذين أفرج عنهم في درعا، وتظهر على أجسامهم آثار تعذيب. من تمت مقابلتهم تم احتجازهم في مختلف فروع المخابرات، ومنها أمن الدولة والأمن السياسي والأمن العسكري.

جميع المحتجزين - عدا اثنين - الذين تم اعتقالهم أثناء التظاهرات قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن ضباط المخابرات ضربوهم أثناء القبض عليهم وأثناء احتجازهم، وأنهم شهدوا تعرض عشرات المحتجزين للضرب وسمعوا صراخ أشخاص يتعرضون للضرب. بالإضافة إلى الأطفال الثلاثة الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش، أفاد شهود عيان رؤية أطفال محتجزين ويتعرضون للضرب في المنشآت التي تم احتجازهم فيها.

قال الكثير منهم لـ هيومن رايتس ووتش إنهم ومعهم محتجزين آخرين تعرضوا لأشكال أخرى من التعذيب، منها الصعق بالكهرباء والضرب بالكابلات والسياط. قال أغلبهم إنهم تعرضوا للاحتجاز في زنازن مزدحمة، وحرم الكثير منهم من النوم والطعام والمياه وفي بعض الحالات استمر هذا الحرمان عدة أيام. قال البعض إنهم تم تغمية أعينهم وتقييد أيديهم طوال مدة الاحتجاز.

أغلب المحتجزين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش أفادوا إجبارهم على توقيع اعترافات دون السماح لهم بقراءتها، وكذلك تعهدات بعدم المشاركة في أي تظاهرات مستقبلية. كما اضطر بعضهم لتوفير معلومات شخصية تفصيلية عن أنفسهم وعن أسرهم، منها عناوين أفراد الأسرة وأماكن عملهم. لم يُسمح لأي منهم بالاتصال بالأقارب أو المحامين إطلاقاً أثناء الاحتجاز، ولم يتم إخبار أسرهم بمكان احتجازهم أو مصيرهم.

أغلبهم تم الإفراج عنهم بعد أيام قليلة دون نسب اتهامات إليهم، فيما تم الإفراج عن آخرين بكفالة مع استمرار توجيه تهم إليهم. عدد المتبقين رهن الاحتجاز يستحيل استيضاحه، لكن هناك عدة أفراد قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن بعضاً من أبناء مناطقهم وبلداتهم قد اعتقلوا أثناء الاحتجاجات ثم لم يعودوا إلى أسرهم، ولا توجد معلومات عن مصيرهم أو أماكنهم.

الضرب والتعذيب أثناء الاحتجاز

الكثير ممن تمت مقابلتهم بعد الإفراج عنهم بقليل كانت على أجسادهم ما زالت آثار كدمات على الوجوه والرؤوس. أحدهم، 17 عاماً، لم يكن قادراً على الحركة بيسر ويحتاج للمساعدة أثناء جلوسه ووقوفه. راجعت هيومن رايتس ووتش مقطع فيديو يُظهر تعرض طفل آخر للضرب المبرح على الوجه والذراعين، وبحسب الفيديو فهذا الطفل يبلغ من العمر 12 عاماً وهو من دوما، قرب دمشق.

قال متظاهر تم احتجازه في 25 مارس/آذار بعد أن شارك في تظاهرة في التل، بالقرب من دمشق أيضاً، إن قوات الأمن ضربته ووضعته على متن حافلة مع خمسة أو ستة محتجزين آخرين ومضت بهم إلى دمشق. قال إنه نُقل أولاً إلى فرع فلسطين من المخابرات العسكرية ثم إلى فرع أمن الدولة بشارع بغداد فيما بعد:

[في أمن الدولة]، وضعونا صفاً واحداً في ردهة، لصق الجدار، وضربونا. ثم جرجرونا إلى القبو. فقدت الوعي لوهلة، ضربوني بقوة بالغة على رأسي. في البداية أبقوا علينا جميعاً - 17 شخصاً - في حجرة واحدة، ونقلونا للاستجواب منها - كانوا يضربونا بسلك كهربي ويتهمونا بأننا جواسيس لإسرائيل ولبنان. كنت مغطى الرأس طوال الوقت.

متظاهر آخر تم اعتقاله في التظاهرة نفسها قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه تعرض للضرب والتعذيب بقسوة على يد ثلاث وكالات استخباراتية: أمن الدولة والأمن السياسي وفرع فلسطين من المخابرات العسكرية. وصف تعرضه للمعاملة السيئة على يد الأمن السياسي، حيث أمضى 4 أيام:

أخذنا عملاء الأمن للاستجواب في حجرة أمام الزنزانة. كنا نسمع طوال الوقت أصوات الضرب بالسياط والصرخات المنبعثة من تلك الحجرة. عندما نقلوني إليها وضعوا وجهي لصق الأرض، وبدأوا في ضربي بسلك كهربائي على قدمي وعلى ساقي وظهري. راحوا يسألون: "لماذا ذهبت للتظاهرة؟ من دفع لك؟ من أقنعك؟" كانوا يريدون مني الاعتراف بشيء، ولا يهم ما هو.

وصف متظاهر آخر من التل كيف أن الضباط من فرع فلسطين التابع للمخابرات العسكرية استخدموا الكهرباء لتعذيبه وآخرين محتجزين معه:

ضربونا في الفناء، ثم نقلونا إلى القبو. كانت حجرة كبيرة، فيها نحو 100 محتجز، من مختلف البلدات. جردونا من ثيابنا حتى لم يبق علينا إلا الثياب التحتية وصبوا ماء بارداً علينا جميعاً، وضربونا بأسلاك الكهرباء، وصدمونا بالهراوات المكهربة - عصي اسطوانية تشبه الشعلة يضغطوها على أذرعنا وبطوننا لمدة 3 إلى 4 ثوان في كل مرة. قام الجنود منخفضي الرتبة بأعمال الضرب، واستخدم الضباط الأعلى رتبة أجهزة الصعق بالكهرباء. كانوا يرتدون الزي الرسمي لكن دون أي شيء يدل على هوياتهم.

قال محامٍ احتجزه أمن الدولة في دمشق لـ هيومن رايتس ووتش إنه شارك محتجزين اثنين في زنزانة، تعرضوا فيها للتعذيب بأجهزة الصعق بالكهرباء، ومحتجز آخر تعرض للضرب على ساقيه وقدميه بقسوة لدرجة أنه لم يعد قادراً على الحركة. بعد جلسة استجواب، أعاده الحراس إلى الزنزانة وعلقوه من يديه ومنعوا زملائه في الزنزانة من منحه الطعام أو المياه، أو حتى الحديث إليه. يتذكر أحد المحتجزين نزيلاً معه في الزنزانة تعرض للضرب بقسوة على أخمص قدميه لدرجة أن أصابع قدميه سقطت. يقدر شخص آخر تعرض للاحتجاز في منشآة لأمن الدولة في دمشق أنه سمع حوالي 30 شخصاً يتعرضون للضرب ليلة الجمعة بعد أن جلبت قوات الأمن دفعة جديدة من المتظاهرين.

المتظاهرون الذين تم احتجازهم في مناطق أخرى من سوريا أفادوا بالتعرض لخبرات مشابهة. قال رجل تعرض للاحتجاز أثناء تظاهرات 1 أبريل/نيسان لـ هيومن رايتس ووتش إن مجموعة من حوالي 10 ضباط أمن ضربوه على رأسه حتى انهار ثم جرجروه إلى حافلة مع نحو 12 متظاهر آخر، تعرضوا جميعاً للضرب المبرح وكانوا ينزفون. قال:

نقلونا إلى أمن الدولة في دمشق - فأنا أعرف المكان. جلبوا نحو 10 إلى 15 حافلة ممتلئة بالمتظاهرين من دوما إلى هناك. جرجروني والآخرين إلى القبو، وضربونا بالعصي واتهمونا بأننا إرهابيين. كما استخدموا علينا الهراوات المكهربة - وهي عصي سوداء وزرقاء اسطوانية الشكل لها زر يطلق شحنات كهرباء من طرفها. كانوا يضغطون العصي على الجانب الخلفي من أعناقنا، ونتعرض لصدمة تستمر بضع ثوانٍ. وهي مؤلمة لدرجة لا توصف.

وصف شخص يبلغ من العمر 17 عاماً تم احتجازه في بلدة بانياس الساحلية ما تعرض له أثناء احتجازه لمدة 5 أيام في الفرع المحلي للأمن العسكري.

عندما وصلنا إلى الأمن العسكري وضعونا في زنزانة صغيرة... تحفظوا علينا هناك بلا طعام من الجمعة، عندما تم اعتقالنا، وحتى الاثنين. أعطونا زجاجة ماء صغيرة بعد أن رجوناهم جميعاً شربة ماء. قال الحراس "تشاركوا" ولم يشرب بعضنا بالمرة لأن الماء لم يكن كافيً. استجوبوني خمس مرات، مرة كل يوم. أثناء الاستجواب، يضربوني. أعتقد أن الضرب كان بالعصي والسياط لكن لا أعرف، فلم أر شيئاً. ضربوني على رأسي وعلى ظهري وعلى كتفي. وضربوني أكثر شيء على وجهي. مع كل كلمة يضربوني. سألوني لماذا أحاول تدمير النظام، وإن كنت إرهابياً من إسرائيل.

أفاد شاهدا عيان تم احتجازهما في مركز احتجاز شارع بغداد في دمشق سماع امرأة تصرخ وكأنها تصرخ من الألم، لكنهم لم يشاهدوها قط.

الاعترافات القسرية

أغلب المحتجزين إثر الاحتجاجات قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم أُجبروا على توقيع وبصم أوراق دون السماح لهم بقراءتها. قال محتجز في سن المراهقة من دوما تم احتجازه يومين في المخابرات - وكان مغمى العينين ولم يعرف في أي فرع أمني - قال لـ هيومن رايتس ووتش:

سألت، ما هذه الورقة؟ فأمسك أحد رجال الأمن برأسي وفتح فمي وأمسك آخر بلساني بشيء يبدو وكأنه كلابات وبدأ يجذبه للخارج. عندما رفضت التوقيع أمسك أحد المحققين بمطرقة وبدأ يطرق على أصابع قدمي. في الزنزانة ضربوني على وجهي بكعوب الكلاشينكوف.

قال محتجز آخر، وهو عربي غير سوري، إنه وقع وبصم بأصابعه على قطعة ورق، بعد كل استجواب. وقال: "لم أر مطلقاً ما الذي اوقع عليه. كنت مغمى العينين. وكنت خائفاً فلم أجرؤ على القراءة". يتذكر محتجز من الغرب أن قوات الأمن جعلته يوقع قطعتي ورق لكن لم يُسمح له بقراءتها.

النشطاء والصحفيون

كما لجأت أجهزة الأمن السورية إلى الاعتقال التعسفي والتعذيب للنشطاء والكُـاب والصحفيين الذين كتبوا عن أو أعربوا عن الدعم للتظاهرات المعارضة للحكومة، واحتجزت سبعة صحفيين سوريين وأجانب على الأقل منذ بدء التظاهرات في 16 مارس/آذار.

وصف كاتب سوري كيف "اختطفته" قوات الأمن من شوارع دمشق بعد أن تحدث عن الاحتجاجات السورية ورد الحكومة عليها في الإعلام. قال: "رأيت شاحنة بيضاء بلا لوحات أرقام في الشارع، وعندما أصبحت إلى جوارها تماماً انفتح بابها الجرار وأمسك بي ثلاثة رجال ضخام الجثة". في الطريق لما عرف بعد ذلك أنه مبنى أمن الدولة، ضربه آسروه وركلوه. أثناء الاستجواب ضربوه أيضاً: "جلبوا سوطاً وبدأوا بضرب كتفي ورجلي وذراعي. راحوا يسبوني ويتهموني بمختلف الاتهامات".

قال صحفي عربي غير سوري لـ هيومن رايتس ووتش إنه تعرض للضرب أثناء الاستجواب. كما قبضت أمن الدولة على أحد المحامين الذين يمثلون المتظاهرين المحتجزين في تظاهرات 16 مارس/آذار للمطالبة بالإفراج عن النشطاء السياسيين. أمضى أسبوعاً في مركز احتجاز أمن الدولة في دمشق، حيث تعرض للضرب عدة مرات، والتهديد والإهانات. أمضى أغلب وقته مقيد اليدين مغطى الرأس. قبل نقله إلى زنزانة، تم احتجازه أربعة أيام في ممر بارد، ربما لأن الزنازن كانت ممتلئة. قال المحامي إن طوال احتجازه سمع الضرب والصراخ من المحتجزين الآخرين.

وقال جو ستورك: "إسكات أولئك الذين كتبوا عن الأحداث، ينبع من أمل السلطات السورية في إخفاء قسوتها". وتابع: "لكن هذه الحملة القمعية على الصحفيين والنشطاء لم تزد عن إلقاء الضوء على سلوك السلطات الإجرامي".

ظروف الاحتجاز

جميع المحتجزين السابقين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش وصفوا ظروف الاحتجاز المروعة، والزنازن المزدحمة التي لم يتمكن المحتجزون فيها من النوم أحياناً إلا بتبادل الأدوار، مع المعاناة من مختلف أصناف الإهانات والسباب. قال محتجز في أمن الدولة بدمشق إنه تشارك في زنزانة بمساحة 30 متراً مربعاً مع 75 شخصاً آخرين.

قال عدة أفراد لـ هيومن رايتس ووتش إنهم وضعوا في زنازن الحبس الانفرادي الصغيرة، بمساحة 1 إلى 1.5 متر مربع - صغيرة حتى على الرقاد. قام الضباط أحياناً بإجبار اثنين أو ثلاثة محتجزين على المشاركة في زنزانة واحدة من هذا النوع. أحد المحتجزين في دمشق قال إنه تشارك في زنزانة مساحتها حوالي نصف متر في 1.75 متراً مع شخص آخر لمدة 4 أيام. وقال: "عندما كنا ننام، يجب أن ننسق حركاتنا أثناء التقلب". متظاهر آخر تعرض للاحتجاز في أمن الدولة بشارع بغداد في دمشق قال إنه شارك في زنزانة مساحتها حوالي ثلاثة أربع المتر في 1.8 متراً مع رجلين آخرين.

أمضينا أربعة أيام هناك، لكن لا نعرف تحديداً المدة، فلا توجد نوافذ والمصباح الكهربي مضاء ليلاً نهاراً، وفقدنا الإحساس بالزمن... لم نكن قادرين على النوم إلا بالتبادل. يرقد أحدنا ثم يقف الاثنان الآخران كي يتسع المكان.

وقال جو ستورك: "الرمي بالمتظاهرين السلميين إلى الأقبية والدهاليز السفلية وضربهم وحرمانهم من الاتصال بالعالم الخارجي لن يؤدي إلا لاتساع الهوة بين حكام سوريا والشعب السوري". وتابع: "أساليب التعذيب المروعة التي تلجأ إليها المخابرات لابد أن تتحول إلى ذكرى من ذكريات الماضي".