(نيويورك 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2010) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن قوات الحكومة السودانية شنّت منذ أغسطس/آب 2010 سلسلة من الهجمات على المدنيين في "جبل مَرّة"، معقل التمرد في منطقة وسط دارفور. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة السودانية وقف الهجمات والسماح للأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الإنسانية بالوصول إلى المدنيين في كل المناطق.

وطبقاً لإفادات موثوق فيها من شهود عيان على الهجمات، فإن قوات الحكومة السودانية ارتكبت انتهاكات مخالفة لقوانين الحرب في سياق الهجمات التي شنّتها خلال شهور أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول في المناطق الآهلة بالسكان في كل من دريبات وجاوا وسوني بمنطقة "جبل مَرّة". وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل وجرح مدنيين، وتسبّبت في عمليات نزوح جماعي وتدمير للممتلكات. وواصلت قوات الحكومة السودانية خلال الأسبوع الأول من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري استهداف القرى الواقعة جنوبي ساني، مما تسبّب في المزيد من الدمار وعمليات النزوح.

وقالت رونا بيليغال، مديرة قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "لا يجب إغفال هجمات الحكومة السودانية على المدنيين في دارفور بسبب الانشغال بالاستفتاء على تقرير مصير جنوب السوداني في يناير/كانون الثاني المقبل. على الحكومة السودانية وقف هذه الهجمات فوراً والسماح لمنظمات الإغاثة الإنسانية بالوصول إلى المدنيين لتقديم المساعدات اللازمة، بما في ذلك المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين".

وتخضع المناطق التي تعرّضت لهجمات القوات الحكومية لسيطرة فصيل "جيش تحرير السودان"، بقيادة عبد الواحد النور، إذ ظل هذا الفصيل يستخدم منطقة "جبل مَرَة" كقاعدة له خلال النزاع الدائر في دارفور.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن حرمان المدنيين من المساعدات الإنسانية لأسباب سياسية أو عرقية من الممكن أن يُعتبر جريمة حرب.

شنّت مروحيّات وطائرات القوات الحكومية، من طراز أنتونوف، هجمات بالقنابل والصواريخ على مدينة جاوا. وأبلغ شهود عيان هيومن رايتس ووتش بأن الهجوم تسبّب في نشوب حريق في سوق المدينة وأدّى لمقتل ستة مدنيين، بمن في ذلك إمام المسجد، وأسفر أيضاً عن مقتل سيدة وطفليها، أحدهما عمره ستة شهور. وفي نفس اليوم اقتحم المدينة جنود تابعون للقوات الحكومية وأفراد ميليشيات وحاصروا قرى في المنطقة ونهبوا ممتلكات المدنيين.

وأورد شهود عيان أيضاً أن جنوداً تابعين للقوات الحكومية اعتقلوا خمسة مزارعين من جاوا، من بينهم مسنّون وأشخاص يعانون من أمراض نفسية، واحتجزوهم لمدة أسبوعين في قواعد عسكرية في المنطقة. وتعرّض هؤلاء خلال فترة الاعتقال لضرب مبرّح بواسطة الجنود الذين طالبوهم بمعلومات عن مواقع المتمردين بمنطقة "جبل مَرّة".

كما أبلغ شهود عيان هيومن رايتس ووتش بأن قوات الحكومة السودانية قصفت خلال الأسبوع الأول من شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي  العديد من القرى على الطريق بين دريبات وسوني، بما في ذلك قرية فينا، وتسبّب الهجوم في تدمير منازل مئات المدنيين. ومنع جنودُ القوات الحكومية المدنيين من العودة إلى مزارعهم. وطبقاً لإفادات شهود قتل جنود تابعون للقوات الحكومية في 25 أكتوبر/تشرين الأول امرأة كانت في طريق عودتها إلى مزرعتها بالقرب من سوني بصحبة إبنتيها.

وتسبّبت الهجمات، التي لا تزال مستمرة حتى الآن، في فرار آلاف المدنيين من ديارهم، إذ يقيم هؤلاء حالياً في مناطق متفرّقة تخضع لسيطرة المتمرّدين منعت الحكومة منظمات المساعدات الإنسانية من الوصول إليها. وقالت مصادر في هذه المناطق لــ هيومن رايتس ووتش إن الأوضاع الصحيّة للنازحين في تدهور مستمر، في ما لا يُعرف على وجه التحديد العدد الكلي لضحايا الهجمات الأخيرة.

منعت الحكومة السودانية قوات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي المشتركة من زيارة المناطق المتأثّرة، على الرغم من موافقة الحكومة في وقت سابق على السماح بوصول هذه القوات إلى مختلف مناطق دارفور. وتقيم قوات الحكومة السودانية نقاط تفتيش على المداخل الرئيسية لمنطقة "جبل مَرّة"، ورفضت هذه القوات دخول الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة للمناطق الخاضعة لسيطرة المتمرّدين، حيث تتركّز تجمّعات المدنيين.

وعلمت هيومن رايتس ووتش من شاهد عيان على الهجمات التي استهدفت جاوا وساني أن الحكومة أبلغت سكان جنوب دارفور بأن من يريد الحصول على مساعدات عليه الخروج من المناطق الجبلية التي يسيطر عليها المتمرّدون.

ويحظر القانون الإنساني الدولي، وهو قانون ينطبق على الحكومة السودانية والمتمردين، الهجمات الموجّهة ضد المدنيين، كما يحظر أيضاً الهجمات العشوائية التي لا تفرق بين الأهداف العسكرية والمدنية. وتخضع كل أطراف النزاع المسلح في دارفور لالتزام يجب أن تسمح بموجبه بوصول المساعدات الإنسانية للمدنيين أينما كانوا، دون أي عرقلة.

إلا ان ازدياد حدة القتال في دارفور يلقي بظلال من الشك على الإستراتيجية الجديدة للحكومة السودانية تجاه دارفور، التي تم إعلانها رسمياً في سبتمبر/أيلول، بشأن تسريع عودة النازحين إلى قراهم. إذ أن خطة الحكومة في هذا الشأن لا تشتمل على أية ضمانات لتأكيد حق النازحين في العودة الطوعية بموجب القانون الدولي.

وقالت رونا بيليغال: "الحديث عن عودة النازحين إلى قراهم أمر سابق لأوانه في ظل استمرار القتال". وأضافت: "على الحكومة السودانية وقف الهجمات على المدنيين والتأكيد من التزامها بتطبيق متطلّبات معاملة النازحين وفقاً للمبادئ الإنسانية الدولية. "

تدعو هيومن رايتس ووتش الحكومة السودانية والهيئات الحكومية العاملة في السودان إلى الضغط بهدف المساءلة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور. وعلى الرغم من أن الحكومة السودانية قد أعلنت أنها ستجري تحقيقات بشأن الهجمات التي شنّتها قوات موالية لها في 2 سبتمبر/أيلول الماضي على سوق طبرات، شمالي دارفور، فإن الجهات المعنيّة لم تقدّم حتى الآن أياً من المسؤولين عن شن هذه الهجمات للمحاكمة. كما أن الحكومة السودانية رفضت أيضاً التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرات اعتقال بحق ثلاثة مسؤولين سودانيين، بمن فيهم الرئيس عمر البشير، على خلفية الجرائم التي تم ارتكابها في دارفور.

خلفية

الهجمات على السكان المدنيين شرقي جبل مرة جزء من الازدياد في حدة العنف بصورة عامة في دارفور خلال العام الحالي، بما في ذلك الاشتباكات بين جماعات التمرد والجماعات العرقية المسلّحة، فضلاً عن أحداث عنف أخرى.

وكانت هجمات القوات الحكومية شرقي "جبل مَرّة" قد بدأت في فبراير/شباط الماضي. كما أن الهجمات الأخيرة، التي بدأت في أغسطس/آب قبل موسم الحصاد، تشكّل جزءاً من موجة عمليات ضد متمرّدي "جيش تحرير السودان"، بقيادة عبد الواحد النور. وتزامنت عمليات القوات الحكومية في منطقة "جبل مَرّة" مع هجمات شنّتها ميليشيات موالية للحكومة على سوق مدينة طبرات، في منطقة "جبل مَرّة" شمال دارفور، وأسفرت عن مقتل 37 شخصاً على الأقل، وتسبّبت أيضاً في جرح العشرات ونزوح آلاف المدنيين.