قالت منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم إن العمال الأجانب، الذين يشكلون ثلث تعداد سكان المملكة العربية السعودية، يواجهون صنوف التعذيب وأساليب انتزاع الاعترافات منهم قسراً والمحاكمات الجائرة، عندما يتهمون بارتكاب الجرائم؛ جاء هذا في تقرير جديد أصدرته المنظمة المدافعة عن حقوق الإنسان اليوم، يقدم لمحة نادرة عن نظام القضاء السعودي.

ويلقي التقرير الجديد الذي يقع في 135 صفحة، والصادر تحت عنوان: "أحلام مزعجة: استغلال العمال المهاجرين وانتهاك حقوقهم في السعودية"، أول نظرة شاملة على الانتهاكات المتفشية على نطاق واسع التي يكابدها العمال الأجانب في السعودية؛ كما يسلط الضوء على الأوضاع المزرية والاستغلالية التي يقاسيها الكثير من العاملين الأجانب، والفشل الذريع لنظام القضاء في تحقيق العدل والإنصاف للضحايا.

وقد وثقت هيومن رايتس ووتش حرمان الأجانب المعتقلين في السعودية من زيارات ممثلي قنصلياتهم، وإرغامهم على توقيع اعترافات لا يستطيعون قراءتها. ويتضمن التقرير حالات أعدم فيها المدانون بقطع رؤوسهم، ولم تبلغ السلطات السعودية سفارات بلدانهم ولا عائلاتهم إلا بعد إعدامهم.
وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش:
"إن مشكلات السعودية أعمق بكثير من الهجمات الإرهابية التي تودي بحياة المدنيين الأبرياء؛ وما اكتشفناه من انتهاكات لحقوق العاملين الأجانب يظهر المثالب المروعة التي تشوب نظام القضاء الجنائي في مجمله؛ وإذا كانت السعودية جادة بشأن الإصلاح، فما أحراها أن تبدأ بهذا المجال".
وفي العام الماضي، دعت الحكومة السعودية وفداً من هيومن رايتس ووتش لزيارة المملكة لإجراء محادثات مع المسؤولين، ولكنها لم تستجب للطلبات العديدة التي تقدمت بها المنظمة للسماح لها بالقيام بأبحاث ميدانية، بما في ذلك إجراء مقابلات مع ضحايا الانتهاكات. وجدير بالذكر أن معظم المقابلات الشخصية التي يستند إليها هذا التقرير قد أجريت في الهند وبنغلاديش والفلبين، مع عاملين عادوا من السعودية مؤخراً.

ويوثق تقرير المنظمة تقاعس الحكومة السعودية عن إعمال قوانينها العمالية تصدياً للانتهاكات الخطيرة التي يقاسيها العمال الأجانب على أيدي أصحاب عملهم.
وقالت ويتسن
"لقد وجدنا رجالاً ونساءً يرزحون تحت وطأة ظروف أشبه بحياة الرقيق؛ وتظهر الحالة تلو الأخرى أن السعوديين يغضون الطرف عن الانتهاكات المنهجية المرتكبة ضد العمال الأجانب".
كما فحصت هيومن رايتس ووتش قضية التمييز بين الجنسين على ضوء معلومات مستقاة مباشرة من نساء آسيويات عملن مؤخراً في السعودية؛ ويسلط التقرير الضوء على أسلوب إرغام النساء على البقاء حبيسات وراء أبواب مغلقة طوال اليوم في ظروف غير مأمونة، وهو أسلوب يُمارس على نطاق واسع في السعودية.

ففي إحدى الحالات، كانت نحو 300 امرأة من الهند وسري لنكا والفلبين يعملن في نوبات طول كل منها 12 ساعة، لمدة ستة أيام كل أسبوع، حيث يقمن بتنظيف المستشفيات في جدة. وفي نهاية كل يوم عمل، تُعاد هؤلاء النسوة إلى مساكن مكتظة شبيهة بالمهاجع أو عنابر النوم، حيث تحشر 14 امرأة في غرفة صغيرة تحتوي على أسرَّة كالأرفف متراصة بعضها فوق بعض؛ وتوصد أبواب هذه الغرف من الخارج، مما يحرم النسوة من أي حرية للحركة طيلة مدة تعاقدهن التي تبلغ سنتين أو ثلاث سنوات. وقالت هيومن رايتس ووتش إن مثل هذا الاحتجاز القسري للعاملين، ولا سيما العاملات، يجب اعتباره جريمة جنائية بموجب القانون السعودي.

ويشمل التقرير أربع حالات لنساء وقعن ضحايا للاحتجاز القسري والإيذاء الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب؛ وفي هذه الحالات الأربع جميعاً، لم يواجه الجناة أي تحقيقات أو دعاوى جنائية، ومن بينهم ثلاثة زُعم أنهم اقترفوا جريمة الاغتصاب. كما يتضمن التقرير معلومات عن نساء وجدتهن منظمة هيومن رايتس ووتش في أحد سجون الرياض، حيث يقضين عقوبة السجن بتهمة "الحمل غير الشرعي".
وقالت ويتسن
"إن التمييز يبن الجنسين المتفشي في النظام القانوني السعودي - مصحوباً بتجاهل الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون لشكاوى المرأة - يجعلها نهباً لمخاطر جسيمة؛ وإذا ما أضيف لهذا المزيج ما تكابده العاملات من احتجاز قسري، فإن ذلك يزيد من خطر تعرضهن للعنف الجنسي".
وقد كشف وزير العمل السعودي الدكتور غازي القصيبي في مايو/أيار الماضي أن هناك 8,8 مليون أجنبي في السعودية، وهو رقم أعلى بكثير من الأرقام التي ذكرتها الحكومة من قبل؛ ونظراً لأن عدد السكان الأصليين يبلغ نحو 17 مليوناً، فإن معنى ذلك هو أن نسبة الأجانب إلى المواطنين السعوديين تناهز واحداً إلى اثنين.

وتشمل أكبر جاليات المغتربين في السعودية ما يتراوح بين مليون ومليون ونصف مليون نسمة من كل من بنغلاديش والهند وباكستان، فضلاً عن 900 ألف آخرين من كل من مصر والسودان والفلبين. وهناك أيضاً 500 ألف عامل من إندونيسيا، و350 ألفاً آخرين من سري لانكا، معظمهم من النساء.

ويورد التقرير ما يربو على 25 توصية محددة لشتى المسؤولين الحكوميين السعوديين، بما في ذلك ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ووزراء الداخلية والعدل والعمل. وفيما يلي طائفة من هذه التوصيات:

اتخاذ إجراءات فورية لإحاطة جميع الأجانب العاملين في المملكة بحقوقهم في ظل القانون السعودي والقانون الدولي.
وقف تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة ضد المواطنين السعوديين والأجانب إلى أن يتسنى التحقق بصورة مستقلة من عدم استخدام التعذيب وعدم انتزاع الاعترافات بالإكراه. وتعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في جميع الظروف والأحوال بسبب القسوة المتأصلة فيها ولأنها عقوبة نهائية لا رجعة فيها.
وضع حد لاعتقال وحبس النساء اللاتي يحملن بمحض إرادتهن أو بسبب وقوعهن ضحايا للاغتصاب.
وضع حد فوري للاحتجاز القسري للعاملين، وتوقيع عقوبات كبيرة على اصحاب العمل الذين يواصلون استخدام هذا الأسلوب، وتقديم تعويض منصف ومتكافئ للضحايا.
التحقق من اتفاق ممارسات وزارة الداخلية مع أحكام اتفاقية فيينا بشأن العلاقات القنصلية، وهي المعاهدة الدولية التي ترسي حق المسؤولين القنصليين في أن يتم إبلاغهم على وجه السرعة باعتقال مواطنيهم.