قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير جديد لها صدر اليوم إن الحكومة التونسية تحتجز عشرات السجناء السياسيين في ظروف غير إنسانية رهن الحبس الانفرادي.

وفي تقريرها الذي يقع في 33 صفحة، والصادر تحت عنوان: "تونس: الحبس الانفرادي الطويل الأمد للسجناء السياسيين"، توثق المنظمة المدافعة عن حقوق الإنسان كيف تواصل السلطات التونسية احتجاز نحو 40 من السجناء السياسيين، الذين يربو عددهم الإجمالي على خمسمائة، في عزلة طويلة الأمد في مختلف السجون التونسية، وهي سياسة تشكل انتهاكاً للقانون التونسي، فضلاً عن المعايير الجنائية الدولية، وتقوض ما تدعيه الحكومة من إصلاح السجون.

وقد قضى بعض هؤلاء السجناء السياسين 13 عاماً في عزلة، باستثناء فترات قليلة أخرجتهم فيه السلطات من عزلتهم؛ ولا يتاح لهم أي اتصال بشري مباشر إلا بموظفي السجن، وأثناء الزيارات العائلية القصيرة. ويُحتجز معظم السجناء في زنزاناتهم طيلة 23 ساعة أو أكثر يومياً، وتوضع قيود بالغة الصرامة على حرية اطلاعهم على الكتب وغيرها من وسائل الإعلام.
وقالت سارة ليا ويتسون، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
"إن تونس تستخدم الحبس الانفرادي الطويل الأمد لسحق السجناء السياسيين، والأفكار التي يمثلونها"؛ ومثل هذه السياسية اللاإنسانية لا تخدم أي أهداف جزائية مشروعة"
. وجدير بالذكر أن جميع السجناء المحتجزين في عزلة طويلة الأمد هم من الإسلاميين، ومعظمهم من زعماء حزب "النهضة" المحظور. ولم تبلغهم السلطات بسبب عزلهم، أو تتيح لهم أي سبيل للطعن في قرار حبسهم على هذا النحو. وقد تساهل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مع حزب "النهضة" في السنوات الأولى من حكمه، ثم انقض على الحزب عام 1990، ولا تزال حملته عليه مستمرة حتى هذا اليوم.

ويحظر القانون التونسي عزل السجناء فترة طويلة باعتباره شكلاً من أشكال العقاب؛ وتنص المعايير الجزائية الدولية على عدم جواز استخدام الحبس الانفرادي إلا لفترات قصيرة، وفي كل حالة على حدة، وتحت إشراف صارم (يشارك فيه طبيب)، ولأسباب جزائية مشروعة تتعلق بالانضباط أو الأمن الاحترازي. ولا يجوز فرض العزل لمنع السجناء من تبادل الآراء السياسية والمعلومات.
وقالت ويتسون
"بالرغم من إصلاحات السجون الأخيرة في تونس، فلا يزال النزلاء المعزولون يواجهون ظروفاً بشعة".
ويحتجز السجناء السياسيون في زنازين ضئيلة الحجم تفتقر إلى النوافذ والإضاءة والتهوية الكافيتين؛ ويحصل معظمهم على أقل من ساعة من التدريبات الرياضية خارج الزنزانة؛ وغياب الحافز الذهني المعقول والتفاعلات الاجتماعية الطبيعية من شأنه أن يعرض صحتهم العقلية للخطر؛ وقد قام الكثير من السجناء بإضرابات عن الطعام لأجل غير محدد للمطالبة بإنهاء عزلتهم وتحسين ظروف اعتقالهم.

غير أن الحكومة التونسية ما برحت تؤكد أن "النهضة" حركة متطرفة تسعى لإقامة دولة أصولية في تونس؛ وفي عام 1992، حصلت على أحكام إدانة من المحكمة العسكرية ضد 265 من زعماء حركة "النهضة" وأنصارها بدعوى التآمر للإطاحة بالحكومة؛ وجدير بالذكر أن الكثيرين من السجناء المعزولين حالياً هم من هذه المجموعة.

غير أن منظمات حقوق الإنسان التي رصدت الإجراءات القضائية استنكرت المحاكمات التي جرت عام 1992 بوصفها جائرة، وخلصت إلى أن تهمة القيام بمؤامرة لقلب نظام الحكم لم تثبت على المتهمين. ولم تتم إدانة المدعى عليهم في هذه المحاكمات بالقيام بأي أفعال عنف؛ ومنذ ذلك الحين، لم يثبت وجود أي صلة بين حركة "النهضة" وأي أنشطة عنف، ولم تنشر أي أدلة توحي بأن السجناء المعزولين منذ أمد طويل قد أتوا أثناء وجودهم في السجن أي سلوك يسوغ اتخاذ مثل هذا التدبير المتطرف ضدهم.
وقالت ويتسون
"إن السجناء يدانون بأفعال تتعلق بحرية التعبير أو حرية تكوين جمعيات أو الانضمام إليها، ولا تنطوي على أي عنف؛ وإلى أن تعلن تونس عفواً عن السجناء، يتوجب عليها وضع حد فوري لسياستها المتمثلة في إيداع السجناء السياسيين في عزلة طويلة الأمد".
وقد رحبت منظمة هيومن رايتس ووتش بتصريحات وزير العدل وشؤون حقوق الإنسان التونسي بشير التكاري، في 20 أبريل/نيسان، ألمح فيها إلى أن تونس قد توافق على زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للسجن؛ وإذا ما فتحت السلطات أبواب السجون بالفعل أمام منظمات الرصد المستقلة، فلا بد أن تكون على رأس أولوياته زيارة النزلاء الخاضعين للعزلة لفترات طويلة.

ومن بين ما يستند إليه تقرير هيومن رايتس ووتش المقابلات التي أجرتها المنظمة مع أقارب السجناء المعزولين؛ ولم ترد الحكومة على طلب المنظمة السماح لها بزيارة السجون، والحصول على معلومات بشأن سياسات العزل.

شهادة من تقرير "تونس: الحبس الانفرادي الطويل الأمد للسجناء السياسيين"
وصفت وحيدة طرابلسي، زوجة حمادي الجبالي، وهو أحد زعماء "النهضة" المسجونين، لمنظمة هيومن رايتس ووتش الوسائل التي تلجأ إليها السلطات لتقييد اتصالاته البشرية؛ كما وصفت ما يحدث حينما تصل إلى السجن في يوم الزيارة قائلةً:
كل شيء يتوقف؛ تغلق جميع الأبواب، ولا يرى زوجي، ولا أنا، أي سجناء آخرين؛ يكون هناك دائماً أربعة حراس على الأقل، واحد منهم على الأقل خلفي، وثلاثة خلفه. وهناك حاجز من القضبان المعدنية يفصل بيننا، وتكون بيننا مسافة تزيد على متر؛ من المفترض أن تستغرق الزيارة 15 دقيقة، ولكن بمقدور الحراس أن يختصروها إن لم يعجبهم حديثنا؛ وبالتالي فإن ما نتحدث عنه يقتصر على أمور من قبيل "أنا بخير"؛ "كل شيء على ما يرام"، وما إلى ذلك.