Skip to main content

لبنان: موقوفو طرابلس يدّعون تعرّضهم للتعذيب والإخفاء القسري

لا تحاكموا المدنيين أمام المحكمة العسكرية؛ أسقطوا تهم الإرهاب التي لا أساس لها

 

 

قوات الأمن تدفع بالمتظاهرين ضد السلطات خارج ساحة النور في وسط طرابلس، لبنان، 31 يناير/كانون الثاني 2021 وسط مواجهات.  © 2021 فتحي المصري/أ ف ب عبر غيتي إيمجز

 

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن "مخابرات الجيش" اللبنانية أخفت قسرا موقوفين كانوا يشاركون في مظاهرات طرابلس احتجاجا على الإقفال العام بسبب فيروس "كورونا" وتدهور الوضع الاقتصادي، ويُزعم أنها عذبتهم. يبدو أن المحتجين يواجهون تهما لا أساس لها أمام المحاكم العسكرية غير العادلة بطبيعتها، والتي يجب ألا يكون لها سلطة على المدنيين بموجب القانون الدولي.

في 22 فبراير/شباط 2021، اتهمت النيابة العامة العسكرية 35 شخصا على الأقل، بينهم طفلان، بالإرهاب، وتكوين عصابات إجرامية، وسرقة الأملاك العامة خلال احتجاجات مدينة طرابلس الشمالية في الأسبوع الأخير من يناير/كانون الثاني. يواجه المتهمون أيضا تهما أخرى، منها استخدام القوة ضد عناصر القوى الأمنية ومحاولة قتلهم، والحرق، والتخريب، والتظاهر بدون إذن.

قالت آية مجذوب، باحثة لبنان في هيومن رايتس ووتش: "على السلطات اللبنانية معالجة مظالم الطرابلسيين المشروعة، لكنها صعّدت القمع ضد سكان يكافحون من أجل حياة كريمة. يجب أن تُحاسَب السلطات على ارتكاب أي إخفاء أو تعذيب بحق المحتجزين، وعليها أن تُسقط جميع تهم الإرهاب التي لا أساس لها ضدهم".

تحدثت هيومن رايتس ووتش مع خمسة محتجين محتجزين، وعائلات خمسة محتجين، ومحاميين يعملان على القضية، ومصدر قضائي، ومدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان. لم يرد الجيش على طلب هيومن رايتس ووتش للتعليق. قال الأشخاص الذين مقابلتهم إنه حدثت بعض حوادث عنف خلال الاحتجاجات، وإن بعض المشاركين رموا زجاجات "مولوتوف" على القوى الأمنية وأحرقوا أبنية حكومية. لكن الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات قالوا إن المتهمين في قضية الإرهاب لم يشاركوا في أعمال عنف خطيرة ولم يواجَهوا بأي دليل يثبت عكس ذلك. قالت والدة أحد المتهمين إن ابنها )15 عاما( عُذِّب للاعتراف بجرائم لم يرتكبها.

ما يزال أربعة من المتهمين الـ35 محتجزين، بينما أُفرج عن 19 آخرين، بينهم الطفلان. وقال محامون يعملون على القضية لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات ترفض تحديد هوية المتهمين الـ12 الآخرين متذرعة بـ "سرية" التحقيقات. قال أيمن رعد، الذي يمثل ستة من المتهمين، إن قاضي التحقيق العسكري قال له إن "المتهمين سيعلمون بالتهمة عندما يستَدعون إلى التحقيق".

قال المحامون إن 19 شخصا أُوقفوا في منازلهم أو أماكن عملهم أو الشارع، واستُدعي أربعة إلى وزارة الدفاع. وأُخفي معظم المحتجزين قسرا بين يوم وخمسة أيام في مراكو مخابرات الجيش، بحسب المحامين. وقال المحامون إنهم والعائلات حاولوا الحصول على معلومات حول المتهمين في مراكز الأمن الداخلي والجيش في البقاع وطرابلس حيث شوهِدوا للمرة الأخيرة، إلا أن الأجهزة الأمنية نفت امتلاكها أي معلومات حولهم.

قالت والدة طارق بدوية (28 عاما)، وهو أحد المحتجين، "لم أترك شخصا أو مكانا لم أسأل فيه. لكن لم يكن  أحد يعلم... اعتقدت أن أحدهم قد ضربه أو قتله، تعرفون وضع البلد. عشت في الجحيم مدة ثلاثة أيام. اعتقدت أن ولدي لن يعود".

الاختفاء القسري، أي عندما تحتجز سلطات الدولة شخصا وترفض الكشف عن مكانه أو مصيره، يشكل جريمة خطيرة بموجب القانون الدولي وهي محظورة في جميع الظروف. يتضمن الحظر واجب التحقيق في مزاعم الاختفاء القسري ومقاضاة المسؤولين عنه.

قال محامو وعائلات المتهمين إن جميع المحتجزين، باستثناء الأربعة الذين استُدعوا إلى وزارة الدفاع، خضعوا للتحقيق بدون حضور محام، ما يشكل مخالفة للمادة 47 من قانون "أصول المحاكمات الجزائية". قال المحامون إن التحقيق مع 13 محتجزا جرى من قِبل عناصر من مخابرات الجيش، وإن اثنين استجوبا من  "شعبة المعلومات" التابعة لـ الأمن الداخلي، بحسب اللواء عثمان. توثّق هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى بانتظام انتهاكات المادة 47، خصوصا خلال تحقيقات مخابرات الجيش.

قال علي هاشم (34 عاما) إن عناصر من مخابرات الجيش فرع شتورة أقدموا على ضربه وصفعه وركله بينما كان معصوب العينين ومكبل اليدين، وانهالوا عليه بالشتائم: "قالوا لي، ’بدك حرية؟"، ثم شتموه بعبارة نابية بحسب قوله. وقال هاشم إنه شرح تفاصيل تعذيبه لقاضي التحقيق العسكري.

قال موقوف آخر إن عناصر مخابرات الجيش ضربوه في أحد فروعهم وفي وزارة الدفاع. في وزارة الدفاع، "هددوني وانهالوا علي ضربا قائلين لي سنعذبك حتى تورط [محتجا آخر]. وقالوا سنعلقك على البالانكو"، وهي طريقة تعذيب عبر تعليق الضحية من المعصمين المكبلين خلف الظهر. قال الموقوف إنه أخبر قاضي التحقيق العسكري أنه ورّط محتجا آخر زورا تحت التعذيب.

قالت والدة محتج عمره 15 عاما أُوقف بينما كان يملأ غالون بنزين من محطة محروقات، إنه اقتيد إلى فرع مخابرات الجيش في القبة حيث تعرض للضرب والفلقة (الضرب على أسفل القدمين)، والتهديد بالصعق بالكهرباء. وقالت إن ابنها أجاب بـ "نعم" على جميع أسئلتهم، حتى في الأمور التي لا يعلم شيئا عنها. وإن عنصرا ركله لاحقا في وزارة الدفاع ولكمه على معدته. أضافت إنه أمضى عيده الـ 16 في الحجز.

أقر لبنان قانون مناهضة التعذيب في 2017. إلا أن هيومن رايتس ووتش استمرت في توثيق تقارير ذات مصداقية حول التعذيب في لبنان. لم تحقق السلطات كما يجب في الادعاءات، وما تزال العدالة بمواجهة التعذيب خلال الاحتجاز بعيدة المنال.

قال محامون والمصدر القضائي إن المدعي العام العسكري اتهم جميع المشتبه فيهم بالجرائم نفسها، بما فيها الإرهاب والسرقة، بدون تحديد الدليل ضد كل فرد. وقالوا إن موكليهم لم يشاهدوا أي مقاطع مصورة أو أدلة أخرى تورطهم في هذه الجرائم، وإن المزاعم كانت مبنية فقط على "معلومات" أو "مخبرين واعترافات أخرى". بموجب القانون اللبناني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، يملك المتهمون الحق في معرفة التهم الجنائية الموجهة إليهم والدليل الذي تُبنى عليه هذه التهم، بما فيها أدلة البراءة.

قالت مجذوب: "إذا كانت السلطات اللبنانية تعتقد أن لهذه الاتهامات أي أساس، فعليها أن تحيل القضية إلى المحاكم المدنية، وتضمن حصول المتهمين على محاكمة عادلة، وأن تحقق في الادعاءات الخطيرة المتعلقة بالإخفاء القسري، والتعذيب، والحرمان من الإجراءات القانونية الواجبة. على الدول التي تدعم الأجهزة الأمنية اللبنانية ضمان أنها لا تمول انتهاكات خطيرة".

انتهاكات أصول المحاكمات

قال متهمون ومحاموهم وعائلاتهم إن محاميا كان حاضرا خلال التحقيق الأولي فقط مع المحتجزين الأربعة الذين سلموا أنفسهم إلى وزارة الدفاع. حُرم المحتجزون الـ19 الآخرون من هذا الحق وادّعت القوى الأمنية أن المتهمين قالوا إنهم لا يريدون محاميا، وهو ما لم يكن صحيحا.

قالت شقيقة موقوف استجوبه عناصر مخابرات الجيش إن أول ما قاله للعائلة، عندما اتصل لإعلامهم بمكانه بعد أكثر من يوم من احتجازه، إنه يريد محاميا. وقال موقوف آخر إن عناصر مخابرات الجيش في وزارة الدفاع أرغموه على توقيع تصريح أنه لا يريد محاميا.

قال موقوفان من الأربعة الذين سلموا أنفسهم إلى وزارة الدفاع إنهم جميعا خضعوا "لتحقيق غير رسمي" بدون محاميهم. قال إبراهيم بسط )25 عاما(: "نادونا في منتصف الليل. كان تحقيقا، لكن ليس من النوع العادي حيث تُوقّع... لم نتمكن من رؤية أي شيء في الداخل. عصبوا أعيننا وكبلوا أيدينا. نصحونا بالانسحاب من الشارع وإننا أُوقفنا هذه المرة وكانت المعاملة حسنة لكنها قد تختلف المرة القادمة... في اليوم التالي، أخذونا إلى [مركز الشرطة العسكرية في] الريحانية لإجراء التحقيق الرسمي في حضور المحامي، لكن في الحقيقة كان التحقيق قد انتهى". قال محامون إنه لا يمكن استخدام ما قاله المتهمون خلال "التحقيق غير الرسمي" ضدهم في المحكمة.

عدل البرلمان المادة 47 في 30 سبتمبر/أيلول 2020 لتضمن حق المتهمين بحضور محام خلال التحقيقات الأولية لدى الأجهزة الأمنية. تضمن المادة 47 أيضا حق المتهمين الالتزام بالصمت؛ والاتصال بشخص يختارونه، فرد من العائلة أو محام أو موظِّف؛ والخضوع لفحص على يد طبيب شرعي. على العناصر الذين يجرون التوقيف إبلاغ جميع المشتبه فيهم المحتجزين بهذه الحقوق فورا بعد التوقيف. بموجب القانون اللبناني، العناصر الذين يخالفون ضمانات المادة 47 هم عرضة للمحاكمة بسبب الاحتجاز غير القانوني.

قال محامون ومحتجون إن عناصر القوى الأمنية فتشوا في محتوى هواتف المتهمين واستخدموا المعلومات التي وجدوها لإضافة تهم، بما فيها تهم خارج سلطة المحكمة العسكرية. فقال رعد "هذا غير قانوني. ينص القانون على أن من حق الأجهزة الأمنية البحث عن أدلة مرتبطة مباشرة بالجرائم التي تحقق فيها". وأضاف، وجد عناصر الأمن في أحد الهواتف رسالة على "واتساب" زعموا أنها مهينة للرئيس فأضافوا تهمة "تحقير الرئيس" ضد جميع المتهمين.

في 4 فبراير/شباط، قدمت نقابة المحامين في طرابلس شكوى إلى النيابة العامة التمييزية متعلقة بجرائم إخفاء قسري، وحرمان تعسفي من الحرية، وانتهاك المادتين 32 و47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية خلال توقيف المحتجين.

ظروف الاحتجاز

قال خمسة من المتهمين كانوا محتجزين في مركز الشرطة العسكرية في الريحانية إن السجن كان باردا جدا، ووسخا، وسيئ التهوئة. وقالوا إنهم لم يحصلوا على المواد اللازمة لتنظيف أنفسهم أو زنزاناتهم أو حماماتهم، ما يشكل ظروفا مؤاتية لانتشار فيروس كورونا. سُمح لهم بالاستحمام مرة أو مرتين في الأسبوع. والأكل كان غير صالح للأكل وغير كاف – كانت صواني الأكل معفنة ولون المياه غريب. قالوا إن الحراس أهانوهم وكانوا ينادونهم "يا حيوان".

قال عمر بقاعي، الذي نُقل لاحقا إلى مركز فخر الدين للشرطة العسكرية، إنه "شعر أنه إنسان من جديد". وقال إن السجن كان نظيفا جدا، الأكل كافيا، والعناصر يتعاملون باحترام.

تشترط المعايير الدولية المتعلقة بظروف السجون، "قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء" (قواعد نيلسون مانديلا) أن "توفَّر لجميع الغرف المُعَدَّة لاستخدام السجناء، ولا سيما حجرات النوم ليلا، جميع المتطلبات الصحية، مع الحرص على مراعاة الظروف المناخية، وخصوصا من حيث حجم الهواء والمساحة الدنيا المخصَّصة لكل سجين والإضاءة والتدفئة والتهوية". وتنص قواعد مانديلا على أنه "يجب أن تكون المراحيض كافية لتمكين كل سجين من قضاء حاجاته الطبيعية عند الضرورة وبصورة نظيفة ولائقة. وأن تتوفر مرافق الاستحمام والاغتسال".

اتهامات بالإرهاب

هذه القضية هي الأولى منذ انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، التي عمت مختلف أنحاء البلاد، التي تتهم فيها السلطات اللبنانية متظاهرين بالإرهاب. انطلقت مظاهرات أكتوبر/تشرين الأول 2019 المناهضة للحكومة إثر إعلان الحكومة عن ضرائب جديدة. لكن المظاهرات سرعان ما تحولت إلى تعبير عن الغضب تجاه النظام السياسي بأكمله الذي حمّله المتظاهرون مسؤولية الوضع الاقتصادي المتردي.

 قالت هيومن رايتس ووتش إن تهم الإرهاب هذه، التي طُبِقت بإجراءات موجزة على المتهمين الـ 35 كلهم، قد يكون لها تأثيرا محبطا على حرية التعبير والتجمع.

قال المحامون والمصدر القضائي إن المدعي العام العسكري ادعى على الموقوفين بموجب المادة 335 من قانون العقوبات، المتعلقة بالجمعيات الإجرامية، والمادتين 5 و6 من قانون 1958 الجائر الذي صدر كإجراء طارئ خلال الأزمة السياسية في 1958 ولم يُلغَ. بموجب المادة 5 من القانون، يُعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة من يرتكب جرائم مثل استخدام المتفجرات لتنفيذ انتفاضة مسلحة، وبموجب المادة 6 كل عمل إرهابي يستوجب الأشغال الشاقة المؤبدة أو الإعدام. أوقف لبنان عقوبة الإعدام بشكل غير رسمي، إذ لم يُعدم أي شخص منذ 2004، لكن المحاكم لا تزال تصدر أحكاما بالإعدام.

المادة 314 من قانون العقوبات تعرّف الإرهاب على أنه "جميع الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر" بوسائل كالأدوات المتفجرة أو المواد الملتهبة "التي من شأنها أن تحدث خطرا عاما". هذا التعريف فضفاض للغاية لأنه لا يتطلب، من بين عناصر أخرى، نية التسبب في وفاة أو أذى جسدي خطير لأفراد من العامة أو لدوافع إيديولوجية أو سياسية. يترك ذلك للسلطات حرية إسناد صفة "إرهابية" إلى الأعمال التي قد تكون جرائم خطرة لكن من الأفضل تصنيفها على أنها تخريب أو إلحاق الضرر أو تدمير الممتلكات أو أعمال الشغب أو الحرق المتعمد.

تعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في كافة البلاد وتحت كافة الظروف. الإعدام عقوبة تتفرد في قسوتها وكونها لا رجعة عنها ويشوبها التعسف والتحيز والخطأ. ألغت معظم البلاد هذه الممارسة في حين تبنت عشرات البلدان الأخرى إيقافها فعليا.

محاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية

تستخدم السلطات والأجهزة الأمنية اللبنانية الولاية الواسعة للمحكمة العسكرية للترهيب والانتقام من الخطاب والنشاط السياسيين. وثّقت هيومن رايتس ووتش قضيتَي متظاهرَين مثلا أمام المحاكم العسكرية منذ انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 بتهم تتعلق بمشاركتهم في المظاهرات. 

كشف تقرير لـ هيومن رايتس ووتش في 2017 الانتهاكات العديدة للإجراءات القانونية الواجبة والقانون الدولي الملازمة لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في لبنان. 

نظام المحاكم العسكرية في لبنان هو نظام قضائي استثنائي خاضع لسلطة وزارة الدفاع. قد يمثل مدنيّون أمام المحاكم العسكرية بسبب أي تفاعل مع الأجهزة الأمنية أو موظفيها. حوكم أطفال متهمون بهذه الجرائم أمام المحاكم العسكرية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن هيكلية المحاكم العسكرية ونظام تعيين القضاة فيها يقوّضان كفاءتها، واستقلاليتها، وحيادها. فوزير الدفاع هو من يعيّن القضاة العسكريين، وهو غير ملزمين بالحصول على شهادات أو تدريب في القانون. يبقى ضباط الجيش العاملون كقضاة تابعين لوزارة الدفاع خلال خدمتهم. ويخضع حضور المحاكمات العسكرية لقيود، وبالتالي يصعب على المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام مراقبتها بحرية.

وصف أشخاص خضعوا لمحاكمات عسكرية ومحامون انتهاكاتٍ متعددة للحق في أصول المحاكمات العادلة، عانوا منها هم وموكلوهم في المحاكم العسكرية. شملت الاستجواب بغياب المحامي، وسوء المعاملة والتعذيب والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، استخدام الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، والحبس الاحتياطي المطوّل، القرارات الصادرة بدون شرح، والأحكام التي تبدو تعسفية، والحق المحدود بالاستئناف.

مظاهرات طرابلس

خلال الأسبوع الأخير من يناير/كانون الثاني، اجتاحت المظاهرات طرابلس بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل سريع، والتي تفاقمت نتيجة إجراءات الإقفال بسبب تفشي فيروس "كورونا". طرابلس هي من أكثر المدن اللبنانية فقرا، لكن الحكومة لم توزع المساعدات التي وعدت بها، ما دفع أغلبية سكان المدينة نحو الفقر المدقع.

معظم المتظاهرين والعائلات التي أجريت معها مقابلات عزوا مشاركتهم في المظاهرات إلى الأوضاع الاقتصادية التي لا تحتمل. 

قالت والدة طارق بدوية، وهو سائق تاكسي عمره 28 تم إيقافه: "لو رأيتم منظر ابني عند توقيفه. كان يضع حذاءا ممزقا... كان بالكاد يملك القدرة على الأكل والشرب وارتداء ثيابه... قلبي يحترق. حرمونا من كل شي... لم يتركوا لنا شيئا لنعيش... لكن إن طالبت بحقوقك، يقررون أنك إرهابي".

قالت والدة ربيع شمالي، وهو كهربائي عمره 22 عاما، إنه "كان عاطلا عن العمل لحوالي سنتين. أنا وهو نعيش وحدنا في المنزل. من سيطعمنا؟... هذه هي حقيقة البلاد، ليس لديهم [الحكام] أي ضمير. لا فساد أكثر من ذلك".  

عند حوالي ظهيرة 25 يناير/كانون الثاني، بدأ المتظاهرون الغاضبون من إجراءات الإقفال القاسية بسبب فيروس كورونا بالتجمع حوالي ساحة النور وقطع الطرقات بالإطارات المشتعلة. بحلول الليل، اندلعت اشتباكات بين القوى الأمنية والمتظاهرين الذين رشقوا الحجارة باتجاه سرايا طرابلس، وهو مبنى إداري.

ضربت شرطة مكافحة الشغب التابعة لقوى الأمن الداخلي المتظاهرين بقسوة، من بينهم صحفي من إذاعة "صوت بيروت إنترناشونال"، وأطلقوا الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي على المتظاهرين في ساحة النور. عند حوالي 10 ليلا، كانت وحدات الجيش انتشرت بكثافة والمتظاهرون تفرقوا. بحسب ما ورد، اعتُقِل عدة أشخاص من بينهم طفل. عالج "الصليب الأحمر اللبناني" 29 شخصا في الميدان ونقل 12 إلى مستشفيات قريبة.

في 26 يناير/كانون الثاني، تجمع المتظاهرون أمام السرايا، مطالبين بإطلاق سراح الذي أوقفوا الليلة الماضية. أفادت وسائل إعلامية محلية أن المتظاهرين رشقوا حجارة باتجاه السرايا، وحاولوا إزالة الشريط الشائك خارج المبنى وإحراق سيارة. أطلقت القوى الأمنية الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق المتظاهرين. عالج الصليب الأحمر اللبناني 17 شخصا في الموقع ونقل ستة إلى المستشفيات القريبة.

في الليلة الثالثة، تزايد عنف المتظاهرين. أفادت تقارير إعلامية أن أشخاصا أضرموا النار في حاويات النفايات في ساحة النور، ورشقوا مجددا السرايا بالحجارة، وأحرقوا غرفة الحرس عند مدخلها. أفيد أن بعض المتظاهرين اخترقوا موقف السيارات التابع لقصر العدل، خلف السرايا، وقال اللواء عثمان لـ هيومن رايتس ووتش إن بعض الأشخاص من بين المتظاهرين أطلقوا الذخيرة الحية.

 قالت قوى الأمن الداخلي في بيان صباح اليوم التالي إن بعض الأشخاص رموا مفرقعات نارية وحجارة وزجاجات مولوتوف على القوى الأمنية داخل السرايا، الذين بدورهم أطلقوا الغاز المسيّل للدموع وخراطيم المياه. كما زعمت قوى الأمن الداخلي أن ثلاث قنابل يدوية رُميت باتجاه مدخل السرايا، انفجرت منها إثنتان.

قال اللواء عثمان لاحقا إنه بين 25 و30 يناير/كانون الثاني، رميت 17 قنبلة يدوية باتجاه قوى الأمن، وانفجرت جميعها ما عدا ثلاث. زود اللواء عثمان هيومن رايتس ووتش بصور تظهر الأضرار التي سببتها بحسب الزعم القنابل اليدوية.

دفعت القوى الأمنية الناس من مدخل السرايا حتى ساحة النور. قال عثمان إن عناصر الأمن الداخلي أطلقوا الذخيرة الحية في الهواء "دفاعا عن النفس". قال إن أحد عناصر الأمن الداخلي الذين هوجموا من قبل المتظاهرين أطلق النار على الأرض.

في 27 يناير/كانون الثاني، أظهر النقل المباشر على "قناة الجديد" عند حوالي الساعة 9:50 ليلا أشخاص وهم يرمون شرطة مكافحة الشغب بالحجارة بينما كانت تتراجع باتجاه السرايا. يطلق عنصر عيارات نارية تحذيرية من مسدسه فوق رؤوسهم، ويبدو العديد من المتظاهرين وهم يهربون. يستمر بعض المتظاهرين برشق الحجارة والعنصر يطلق النار على الأرض على بعد أمتار منهم، ثم يصوب نحو الحشد. يطلق عنصر آخر النار مباشرة من بندقية كلاشنيكوف على متظاهرين وهم يهربون.    

يظهر مقطع الفيديو شخصَين مستلقين على الأرض، أحدهما يبدو أنه أصيب في وركه الأيسر. يمسك متظاهر بحفنة من خراطيش الرصاص من على الرصيف وعرضها أمام الكاميرا. مؤسسة أوميغا للأبحاث، وهي منظمة مركزها في المملكة المتحدة تحلل تكنولوجيا أمنية، أفادت لـ "مصدر عام"، وهو موقع إعلامي في بيروت، أن الخراطيش التي أمسكها المتظاهر تشبه تلك المستخدمة في بندقية كلاشنيكوف. 

بناء على لقطات تصويرية ومقابلات حللها موقع مصدر عام، يبدو أن عمر طيبة الذي توفي متأثرا بجراحه صباح اليوم التالي، كان أحد المتظاهريْن اللذين وقعا أرضا بعد أن أطلقت قوى الأمن الداخلي النار مباشرة على المتظاهرين.

أفادت "الوكالة الوطنية للإعلام" أن 226 شخصا جرحوا، بينهم 41 عنصرا من قوى الأمن الداخلي.

قال اللواء عثمان لـ هيومن رايتس ووتش إن قيادة المنطقة الشمالية في قوى الأمن الداخلي حققت في هذه الحادثة بإشراف النيابة العامة العسكرية، والتي أظهرت إصابة عمر طيبة بـ "طلق ناري غير محدد" في ظهره. في 30 يناير/كانون الثاني، أجرى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بالإنابة القاضي فادي عقيقي زيارة ميدانية إلى طرابلس وأشرف بنفسه على التحقيق. بناءً على تعليمات القاضي عقيقي، في 8 فبراير/شباط ، أُغلق تحقيق قوى الأمن الداخلي وأُحيل إلى النيابة العامة العسكرية لمواصلة التحقيق والمسار القانوني للقضية، بحسب قوى الأمن الداخلي.

في أبريل/نيسان 2020، وجدت هيومن رايتس ووتش أن الجيش استخدم القوة المفرطة، بما فيها القوة القاتلة،  بطريقة غير مبررة، ضد المتظاهرين في طرابلس، فقتل شخصا وجرح عشرات آخرين. لم تتخذ النيابة العامة العسكرية أي إجراءات جدية للتحقيق في مقتل فواز السمّان في ذلك الحادث. مرت الانتهاكات بحق المتظاهرين، ومنها القتل، بدون عقاب في لبنان بشكل كبير. 

استمرت المظاهرات ليوم رابع في 28 يناير/كانون الثاني، واتخذت سريعا طابعة عنيفا. رمى بعض الأشخاص المفرقعات النارية وقنابل المولوتوف باتجاه السرايا، مشعلين النار في المحكمة الشرعية داخل المبنى حوالي الساعة 9:20 مساء. قبيل الساعة 11 ليلا، أحرق المتظاهرون مبنى بلدية طرابلس. أطلقت القوات الأمنية الغاز المسيّل للدموع لتفريق المتظاهرين. عالج الصليب الأحمر 106 جرحى في الموقع ونقل ستة إلى المستشفيات القريبة.

قالت قوى الأمن الداخلي إنه بين 25 و30 يناير/كانون الثاني، جرح 70 عنصرا من قوى الأمن الداخلي.

تعرّض أحد المحتجزين للتعذيب الشديد، وكان قد أوقف في 28 يناير/كانون الثاني وأخْفيَ قسرا لأربعة أيام، ثم أطلق سراحه من وزارة الدفاع. اطلعت هيومن رايتس ووتش على تقرير طبي يفصّل إصابات في رأسه، وكتفيه، وعنقه، ولاحظت وجود آثار ضرب مبرح على جسمه. هذا الشخص ليس من بين المتظاهرين المتهمين بالإرهاب.

في إحدى القضايا، نشرت قوى الأمن الداخلي بلاغا عن شخص مفقود، لكنه ظهر لاحقا أن المتظاهر، وهو طفل، كان محتجزا في فرع مخابرات الجيش في حي القبة في طرابلس. قال المحامون إن الطفل أطلق سراحه منذ حينها.

قالت هيومن رايتس اليوم إن ممارسات السلطات اللبنانية الموثقة من فساد وعدم معالجتها الأزمات السياسية والاقتصادية الخانقة في البلاد، تسببت بأكبر تدهور حقوقي يشهده لبنان منذ عقود. في 8 مارس/آذار، حذر قائد الجيش العماد جوزيف عون، موبخا الطبقة السياسية، أن "عناصر الجيش يعانون ويجوعون مثل باقي أفراد الشعب". في 11 مارس/آذار، أعلن وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي أن قوات الأمن اللبنانية مستنزفة وغير قادرة على ممارسة 90% من واجباتها.

توصيات

على القوى الأمنية والمدعين العامين احترام الإجراءات القانونية الواجبة المنصوص عليها في القانون اللبناني، بما فيها المادة 47 من قانون الإجرءات الجنائية، بالإضافة إلى القانون اللبناني المناهض للتعذيب. ينبغي للأجهزة الأمنية والقضائية التحقيق في تصرف المسؤولين الذين ينتهكون هذه القوانين ومحاسبتهم.

لمكافحة الإفلات من العقاب وتفادي تأجيج التوترات، ينبغي للسلطات أن تجري تحقيقات فورية وعادلة ومستقلة في مقتل متظاهرين، وإعلان النتائج ومحاكمة من خرق القانون.

يُفترض بلبنان أن عاجلا نظام المحكمة العسكرية عبر إزالة المدنيين والأطفال من ولايتها، وضمان عدم قبول القضاة أي اعترافات ودلائل المأخوذة تحت التعذيب. ينبغي لوزارة العدل إحالة كافة مزاعم التعذيب إلى النيابة العامة ووضع سياسة لا تتسامح مع أي شكل من التعذيب والمعاملة اللإنسانية أو المهينة. كما على لبنان ضمان الاستقلالية الكاملة وعدم تحيز القضاة في الخدمة نهائيا، بما في ذلك ضمان ألا يكون القاضي جزءا من الهيكلية العسكرية.

ينبغي للمحاكم اللبنانية الامتناع عن إنزال عقوبة الإعدام، وعلى مجلس النواب إلغاؤها.

على المانحين الدوليين إلى قوات الأمن اللبنانية، الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضمنا، التحقيق في ما إذ كان دعمهم يذهب إلى وحدات تمارس الانتهاكات، وفي حال ثبُت ذلك، إيقاف الدعم فورا.

 

 

 

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.