ولي ولي العهد السابق الأمير محمد بن سلمان يحضر حفل تخرّج في "كليّة الملك فيصل الجوية" بالرياض، السعودية، 25 يناير/كانون الثاني 2017.  

© 2017 رويترز

في أواخر العام 2006، سافرتُ إلى السعودية بالنيابة عن "هيومن رايتس ووتش" لمناقشة حقوق الإنسان مع الأمير محمد بن نايف الذي كان آنذاك مساعدا لوزير الداخلية للشؤون الأمنية. أوضح لي الأمير مزايا مشروع بلده لإعادة تأهيل المتطرفين من خلال احتجاز آلاف السعوديين حتى يعلن رجال الدين أنهم أصلحوا.

لم يكن يعتبر الاعتقالات التعسفية والخارجة عن القانون، أو حتى عدم وجود أدلة على ارتكابهم مخالفات أمام القضاء، مشكلا. فالجميع يعرف أن المحتجزين ضالعون في التطرف، وأن هذا يصب في مصلحة البلاد. بل إن الأمير أشرف شخصيا على احتجاز مئات السعوديين الآخرين الذين كان يشعر أنهم يشكلون خطرا على البلاد.

لكن هذه السنة، انقلب السحر على الساحر. فقد أفادت تقارير بأن محمد بن نايف صُدم بمنعه من السفر في يونيو/حزيران، ثم وُضع قيد الإقامة الجبرية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أفيد بتجميد حساباته المصرفية.

كما هو الحال بالنسبة لحملته ضد المتطرفين، فإن هذه القيود لم تنتج عن أي إجراءات قانونية، بل جاءت استجابة لرغبة ابن عمه، ولي العهد محمد بن سلمان.

قد يقول البعض إن الأمير نال جزاءه. ولكن في أعقاب الاعتقالات والاحتجازات الأخيرة التي طالت أكثر من 200 سعودي بتهم فساد غامضة - ومنهم رجال أعمال ومسؤولون حكوميين وأمنيون بارزون وأعضاء من الأسرة المالكة – يعتبر هذا إنذار لجميع المواطنين السعوديين، نافذين وبسطاء على حد سواء. لقد أدركت النخب السعودية، ربما للمرة الأولى، أنها قد تخضع أيضا لنفس المحاكمات الجائرة وغير القانونية التي كانت مخصصة في الغالب للمنشقين السياسيين والإرهابيين المشتبهين.

كانت النخب السعودية مُحصّنة منذ زمن من أسوأ العيوب في هذا النظام الغاشم. سمحت لهم ثرواتهم وحريتهم في السفر - في بعض الأحيان بجواز سفر ثان من دولة غربية – بالتحرر من القيود الاجتماعية والسياسية والدينية المفروضة عليهم في ديارهم في الرياض. أما الآن، فيعرفون ألا أحد آمن حقا في غياب قوانين أو مؤسسات تحميهم.

يبقى بعض المدافعين عن الأمير محمد والملكية السعودية أقل قلقا بشأن حقوق المتهمين، واثقين من أنهم لن يضطروا أبدا لمواجهة العدالة هناك. وأشادوا بالاعتقالات الجماعية كدليل على جدية الأمير محمد في تناول الفساد، بل إن البعض يشبّه مصادرة مليارات الدولارات من أصول المعتقلين مقابل حريتهم بالمساومات القضائية في أمريكا. (أفادت تقارير أنه تم إطلاق سراح غريم ولي العهد، الأمير متعب بن عبد الله، الذي كان على رأس الحرس الوطني هذا الأسبوع بعد دفعه مليار دولار).

خارج السعودية، نستخدم مصطلحا أفضل لمثل هذه المصادرة بدون أوامر اعتقال أو أدلة أو تمثيل قانوني أو رقابة قضائية: إنه "الابتزاز".

ليس صدفة أن من تم القبض عليهم يمثلون مراكز السلطة القليلة المتبقية خارج سيطرة الأمير محمد. ومن ضمنهم رؤساء لمؤسسات إعلامية بارزة في البلاد، ورئيس قوة الأمن الوحيدة المتبقية خارج سيطرته، وممثلين عن أغنى عائلات المملكة. كما أنه ليس من الصدفة أن تأتي هذه الاعتقالات في أعقاب أخرى في سبتمبر/أيلول ضد أصوات مؤثرة ومستقلة، منها مثقفون وناشطون حقوقيون ورجال دين شعبيون.

إذا كانت الحكومة جادة في التصدي للفساد، كان بإمكانها سنُّ قانون تضارب مصالح لمعالجة التعامل الذاتي بين المسؤولين الحكوميين. وبدلا من ذلك، أقرّت في 1 نوفمبر/تشرين الثاني "قانون مكافحة الإرهاب" الذي يعزز سلطة النيابة العامة، المنشأة حديثا، و"رئاسة أمن الدولة"، وهما هيئتان تقدمان تقاريرهما مباشرة إلى الملك، وبالتالي إلى الأمير محمد بن سلمان، المستشار الذي يحظى بأكبر قدر من الثقة.

بموجب هذا القانون، يمكن سجن أي سعودي بتهمة الإرهاب من 5 إلى 10 سنوات لوصف الملك أو ولي العهد "بأي وصف يطعن بالدين أو العدالة". فإذا كتب سعودي هذا المقال داخل البلاد، قد يقبع في السجن سنوات عديدة بتهمة "الإرهاب".

لا شك أن الأمير محمد استغل رغبة يائسة من السعوديين في الإصلاح. لقد أتاحت له شعبيته وثقته المزعومة أن يعد بتغييرات - مثل إنهاء بعض جوانب ولاية الرجل التي تفرضها الحكومة على النساء والسماح لهن بالقيادة - والتي تهنئه عليها حتى المنظمات الحقوقية مثل منظمتي.

لكن قراراته المزاجية لن تحدّ من التجاوزات في السعودية، كما أنها لن تمنح السعوديين الثقة بأن بلادهم ملتزمة بالإصلاح وسيادة القانون. من المؤكد أن العديد من السعوديين يلتزمون الصمت الآن ويطأطئون رؤوسهم متسائلين عمّا هو قادم.