Skip to main content

 

التقيت مؤخراً بنور، وهي فتاة إيزيدية عمرها 16 عاماً كانت قد فرت من داعش قبل 6 أشهر. وقد اختطفها التنظيم المتطرف من بلدتها في العراق في أغسطس/آب، وحبسها في منزل مع شابات وفتيات لإرغامهن على الزواج أو بيعهن لمقاتلي داعش.

حاولت نور الانتحار هي وصديقة لها ـ وقد أرتني الندوب على معصمها. لكنهما نجيتا. ثم أخذهما اثنان من مقاتلي داعش وقالا: "لقد تم بيعكما لنا". وقام الرجلان بضرب الفتاتين واغتصابهما لمدة 5 أيام. وتمكنت نور وصديقتها من الفرار فيما كان الرجلان في ميدان القتال.

لقد تحدثت أنا وزملائي مع 20 سيدة وفتاة إيزيدية من الهاربات من داعش، فوصفن لنا عمليات اختطاف وتزويج قسري واسترقاق جنسي واغتصاب.

لكن حكاية نور بالتحديد بقيت معي. لقد ظهر على سائر السيدات والفتيات اللواتي التقيت بهن في دهوك في شمال العراق علامات الكرب الانفعالي الحاد، عندما وصفن تذكرهن المستمر لفظاعة الاختطاف والانتهاك. أما نور فكانت تظهر دلائل التعافي.

وقال لي نشطاء من المجتمع الإيزيدي إن نور عند فرارها في سبتمبر/أيلول كانت مجرد طيف لشخصيتها السابقة، إذ كانت في صدمة عميقة، تبكي طوال الوقت. وقد رتبوا أمر عرضها على معالج نفسي، كما شجعوها، هم وأبواها، على الاستمرار في العلاج. قالت نور إنها تأخذ دروساً في الخياطة وإن بعض العاملين بإحدى المنظمات غير الحكومية كانوا أحياناً يخرجون بها من المخيم إلى المركز التجاري المحلي. ولا شك أن تعافي نور شديد الهشاشة، فما زالت تراودها الكوابيس، لكنها بدأت تشعر بالتحسن. هناك لمعة في عينها، كما أنها كانت تبتسم وتمزح معي. كانت كأي مراهقة، ترسل الرسائل النصية على هاتفها، وترتدي نصف قلادة "أعز الأصدقاء".

ونور مثال إيجابي لتأثير العلاج المناسب ودعم الأسرة والمجتمع على حياة الناجيات من العنف الجنسي. لكن العلاج والدعم للسيدات والفتيات الهاربات من داعش ليس بالتوافر اللازم، كما لا يسهل دائماً إقناع الناجيات بطلب المساعدة. وقد قال لنا مسؤولون محليون وبعض المنظمات في فبراير/شباط إنهم تعرفوا على أقل من 100 سيدة وفتاة من أصل بضع مئات يعتقد أنهن هربن، ويرجع هذا جزئياً إلى الوصمة المرتبطة بالعنف الجنسي.

في النزاعات المنطوية على عنف جنسي، كثيراً ما تعمد المجتمعات إلى التنكيل بالناجيات، فيهجر الأزواج الزوجات، وتتخلى العائلات عن بناتها. ولا يبقى للناجيات ما يذكر من الدعم الاقتصادي، وعند انتهاء النزاع، تعجز بعض السيدات والفتيات عند العودة إلى ديارهن خوفاً من الرفض.

وما يثير القلق بوجه خاص هو احتمالات العنف، بل القتل، من جانب العائلات خلاصاً من "العار". ويشيع هذا العنف والقتل في العراق عبر خطوط التقسيم الدينية والعرقية. وبموجب قانون العقوبات العراقي، يمكن تخفيف العقوبة على القتل في بعض ما يسمى بجرائم "العِرض".

لكن وسط إساءة استغلال الدين، من قبل جماعات مثل داعش، لتبرير الوحشية، قام زعيم ديني إيزيدي، هو بابا شيخ، بإصدار بيان في سبتمبر/أيلول يدعو الطائفة إلى إعادة دمج الناجيات من انتهاكات داعش. ثم أعاد بابا شيخ إصدار بيانه في فبراير/شباط، داعياً الإيزيديين إلى "التعاون مع أولئك الضحايا ودعمهن، بحيث يمكن لهن عيش حياة طبيعية وإعادة الاندماج في المجتمع". ويبدو أن تلك التصريحات ساعدت في حماية السيدات والفتيات الإيزيديات من الأذى، وشجعت العائلات على طلب العلاج لقريباتهم العائدات.

وبوسع حكومة كردستان الإقليمية، التي يعيش تحت سلطتها معظم الفارين من الإيزيديين، إضافة إلى المسؤولين الدينيين والمجتمعيين، أن يبذلوا المزيد من الجهد لتخفيف الوصمة المحيطة بالاختطاف والعنف الجنسي. كما يمكنهم التوعية بضرورة معاملة السيدات والفتيات العائدات كضحايا وناجيات. فهن بحاجة للشعور بالأمن الكافي حتى يتسنى لهن التواصل مع الخدمات والرعاية الضرورية، وينبغي تشجيع العائلات على دعمهن.

وتحتاج السيدات والفتيات من مثيلات نور إلى علاج طبي، يشمل منع الحمل العاجل، وخدمات الإجهاض القانوني والآمن حيثما وجب طبياً، والإجراءات الوقائية وعلاج الأمراض المنقولة بالمعاشرة الجنسية. كما تحتجن إلى خدمات خاصة بصحة الحامل والأم، بجانب العلاج النفسي المستمر. وتحتجن إلى المساعدة المالية، وفرص للتعلم والتدريب على الوظائف، للمساعدة في دمجهن في المجتمع الأوسع نطاقاً.

إن داعش تستعمل الاغتصاب الممنهج لترويع وإذلال سيدات وفتيات الإيزيديين وغيرهم. وقد أظهر المجتمع الإيزيدي استعداده للوقوف بجوار الناجيات من جريمة الحرب الوحشية هذه. لكن الشفاء عملية طويلة، وعلى المسؤولين المحليين، وزعماء الإيزيديين الدينيين والمجتمعيين، أن يثابروا على دعم وحماية الناجيات، والضغط من أجل إتاحة المزيد من الموارد للعلاج، وضمان عدم تحول هؤلاء السيدات والفتيات إلى ضحايا من جديد داخل بيوتهن ومجتمعاتهن نتيجة للوصمة، وبفعل ما يسمى بجرائم "العِرض". وهذا أفضل السبل لمواجهة أهداف داعش الوحشية. 

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.