(نيويورك) ـ  قالت هيومن رايتس ووتش إن قرار رئيسة مكتب الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية، المتخذ في 16 يناير/كانون الثاني 2105، بفتح دراسة أولية للوضع في فلسطين هو خطوة أولى محتملة نحو تقليص الإفلات من العقاب في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني الذي خلف آلاف الضحايا بغير عدالة.

وقد جاء قرار المدعية بعد تحركات متأخرة وإن كانت إيجابية من جانب السلطات الفلسطينية للانضمام إلى المحكمة وقبول اختصاصها في الجرائم المرتكبة على الأراضي الفلسطينية وانطلاقاً منها منذ 13 يونيو/حزيران 2014. وعلى الحكومات التي انتقدت قرار فلسطين بتفويض المحكمة، أو التي تحركت لفرض جزاءات انتقامية على فلسطين، أن تنهي ضغوطها وأن تؤيد التصديق العالمي على المعاهدة المنشئة للمحكمة، بحسب هيومن رايتس ووتش.

وقالت بلقيس جراح، مستشارة العدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش: "بينما يقرر مكتب الادعاء ما إذا كان هناك مسوغ لاتخاذ الخطوة التالية وهي فتح تحقيق رسمي، فإننا نتوقع أن يتولى فحص الجرائم المزعومة بحياد وبغض النظر عن هوية المسؤول. وعلى سائر الدول الامتناع عن محاولة التدخل في عملية الفحص، وترك المدعية تقوم بعملها".

أثناء مرحلة الدراسة الأولية، يحدد مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية مدى توافر الشروط لمتابعة تحقيق رسمي. وتقوم المدعية دائماً بفتح دراسة أولية كسياسة متبعة بعد تسلم الإعلانات التي تقبل اختصاص المحكمة. وكانت حكومة فلسطين قد قامت في الأول من يناير/كانون الثاني 2015 بإيداع إعلان كهذا، يفوض المحكمة منذ 13 يونيو/حزيران 2014. وتجري مدعية المحكمة ثماني دراسات أولية أخرى في أوضاع دول حول العالم، وبينها أفغانستان وأوكرانيا وجورجيا وكولومبيا ونيجيريا.

وعقب إعلان المدعية عن فتح الدراسة، قال وزير الخارجية الإسرائيلي  أفيغدور ليبرمان إنه سيوصي بعدم تعاون حكومته مع المحكمة. كما أعلنت إسرائيل، وهي ليست طرفاً في معاهدة المحكمة، عن خطوات للتأثير في الدول الأعضاء بالمحكمة لقطع التمويل عنها. وأصدرت الخارجية الأمريكية بياناً يدين قرار المدعية. ومع ذلك فإن بعض أكبر ممولي المحكمة، ومنهم المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، تعهدوا بمواصلة دعمها.

وقد جاء قرار مدعية المحكمة الجنائية الدولية بعد اتخاذ السلطات الفلسطينية لخطوات الانضمام إلى المحكمة في وجه اعتراضات قوية أبدتها بعض البلدان، ومنها الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي 2 يناير/كانون الثاني 2015 نقلت السلطات الفلسطينية نسخة من وثيقة انضمام فلسطين إلى المحكمة إلى أمانة الأمم المتحدة. وقد قام الأمين العام للأمم المتحدة، بوصفها هيئة إيداع المعاهدة المنشئة للمحكمة، بقبول الوثيقة رسمياً في 6 يناير/كانون الثاني، وأصدر إخطاراً يشير إلى دخول معاهدة المحكمة حيز التنفيذ في فلسطين اعتباراً من الأول من أبريل/نيسان، مما يجعلها العضو رقم 124 في المحكمة.

والآن صار اختصاص المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بفلسطين يغطي الجرائم الخطيرة، بما فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، المرتكبة منذ 13 يونيو/حزيران 2014 على الأراضي الفلسطينية أو انطلاقاً منها. وتتضمن تلك الجرائم الهجمات العشوائية عديمة التمييز على المدنيين، سواء ارتكبها إسرائيليون أو فلسطينيون ـ بما فيها الانتهاكات المرتكبة أثناء نزاع 2014 في غزة.  قالت هيومن رايتس ووتش إن عضوية فلسطين في المحكمة قد تضيق هوة المحاسبة على الجرائم الدولية الخطيرة، وتساهم في تحقيق العدالة لضحايا الانتهاكات.

وقد وثقت هيومن رايتس ووتش هجمات غير مشروعة، بما فيها بعض الهجمات التي قد ترقى إلى مصاف جرائم الحرب، أثناء الأعمال العدائية عام 2014 في غزة.

قامت القوات الإسرائيلية بقصف مكثف لقطاع غزة من الجو والبر والبحر، فأصابت السكان المدنيين بأضرار جسيمة. وبحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، قتل أكثر من 2250 فلسطيني، منهم 1563 مدنياً، وكان بين هؤلاء 538 طفلاً و306 سيدة. وبعد خمسة أشهر من انتهاء الأعمال العدائية، تظل آلاف من مخلفات الحرب غير المنفجرة منتشرة في أنحاء قطاع غزة، ويبقى نحو مئة ألف شخص مشردين، إذ تم تدمير 22 ألف منزل أو إصابته بأضرار جسيمة أثناء النزاع.

كما قامت جماعات فلسطينية مسلحة بإطلاق الآلاف من الصواريخ العشوائية على تجمعات سكانية إسرائيلية، وبتخزين الصواريخ في مباني المدارس الخالية، وبإعدام فلسطينيين ميدانياً بزعم "التعاون مع إسرائيل، وبنشر قواتها على ما يبدو بدون اتخاذ كافة الاحتياطات المعقولة لمنع الإضرار بالمدنيين، في مخالفة للقانون الدولي. قتل 67 جندياً إسرائيلياً و5 مدنيين في إسرائيل، منهم طفل واحد.

وفي 23 يوليو/تموز شكل مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لجنة لتقصي الحقائق، للتحقيق المحايد في مسلك جميع الأطراف أثناء الأعمال العدائية في غزة، إضافة إلى العمليات العسكرية في الضفة الغربية بدءاً من 13 يونيو/حزيران. رفضت إسرائيل منح اللجنة حق دخول غزة، التي عجزت اللجنة أيضاً عن بلوغها عن طريق مصر.

كما أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصنف ضمن جرائم الحرب نقل المدنيين "المباشر أو غير المباشر" على يد قوة احتلال إلى أراض محتلة ـ وهو التصنيف الذي من شأنه أن يشمل تسهيل الحكومة الإسرائيلية لنقل مواطنيها إلى مستوطنات في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. ومن جرائم الحرب الأخرى بموجب النظام الأساسي "النقل القسري" لأشخاص محميين في أراض محتلة ـ فلسطينيين في هذه الحالة ـ من أراضيهم، مثلما عن طريق هدم منازلهم ومنعهم من العودة.

ومنذ أن صار بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في 2009، بدأت إسرائيل في بناء أكثر من 10400 وحدة سكنية استيطانية. وأدت أعمال الهدم الإسرائيلية في الضفة الغربية في الفترة نفسها إلى تشريد أكثر من 5333 فلسطيني. وخلفت أعمال الهدم 1103 فلسطينياً مشرداً في 2013 و1177 في 2014.

وقام عدد من البلدان بإدانة القرار الفلسطيني بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، بزعم أنه سيعرقل العودة إلى مفاوضات السلام. كما وصفت الولايات المتحدة التحرك بأنه "يأتي بأثر معاكس" وصرحت باستمرارها في "معارضة التحرك ضد إسرائيل في المحكمة من حيث أنه يأتي بأثر معاكس لقضية السلام". وهدد بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي بقطع المعونات عن السلطة الفلسطينية إذا استغلت عضوية فلسطين في المحكمة لتوجيه تهم جنائية إلى مسؤولين إسرائيليين في المحكمة. وأوقفت إسرائيل تحويل ما يزيد على 120 مليون دولار أمريكي من عوائد الضرائب التي تحصّلها إسرائيل نيابة عن السلطات الفلسطينية. كما استنكرت كندا، وهي دولة طرف في المحكمة، القرار الفلسطيني لكونه "تطور خطير ومثير للقلق" و"خطأ هائل". وقامت جميع البلدان بإيداع مراسلات لدى الأمم المتحدة تقرر موقفها المتمثل في أن فلسطين غير مؤهلة للانضمام إلى المحكمة على أساس أنها لا تستوفي شروط الدولة بموجب القانون الدولي.

وخلال السنوات السابقة على قرار فلسطين بمنح المحكمة الجنائية الدولية الاختصاص، أبدت أبرز دول الاتحاد الأوروبي، ومنها المملكة المتحدة وفرنسا، المعارضة العلنية لأي تحرك فلسطيني يلتمس الوصول إلى المحكمة. وقد مثّل هذا الموقف انتهاكاً لالتزامات تلك الدول كأطراف في المحكمة بدعم الغرض منها، ألا وهو ضمان عدم إفلات الجرائم الدولية الخطيرة من العقاب، بحسب هيومن رايتس ووتش.

قالت بلقيس جراح: "إن إشراك المحكمة الجنائية إن ساعد في شيء فقد يساعد في ردع جرائم الحرب التي تغذي العداوة اليوم وتقوض الثقة اللازمة لعقد اتفاق سلام. وعلى الدول التي تطالب، عن حق، بالعدالة للجرائم الدولية المرتكبة في سوريا وكوريا الشمالية وغيرها ألا تصر على ترك فلسطين كمنطقة خالية من المحاسبة".

وفلسطين هي العضو الخامس بجامعة الدول العربية الذي ينضم إلى المحكمة الجنائية الدولية، فقد انضمت تونس إلى المحكمة في 2011، وصدق الأردن على معاهدة المحكمة في 2002، كما أن جزر القمر وجيبوتي دولتان عضوان. قالت هيومن رايتس ووتش إن قرار فلسطين بالانضمام إلى المحكمة قد يساعد على بناء قوة دفع نحو عضوية المزيد من الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية.

وإضافة إلى معاهدة المحكمة الجنائية الدولية، انضمت فلسطين أيضاً إلى 15 معاهدة أخرى، منها اتفاقية الذخائر العنقودية، واتفاقية قانون البحار، واتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، واتفاقية الحقوق السياسية للمرأة. وفي أبريل/نيسان 2014 كانت فلسطين قد انضمت إلى 20 معاهدة واتفاقية دولية أخرى، يتعلق معظمها بحقوق الإنسان وقوانين الحرب.

قالت بلقيس جراح: "إن انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية هو خطوة إيجابية للعدالة وسيادة القانون، وعلى البلدان التي يفترض اشتراكها في تلك القيم أن تُشيد بها".