مقاتلو الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) يحرسون نقطة أمنية بمدينة الموصل شمال العراق، بتاريخ 11 يونيو/حزيران 2014.

© 2014 رويترز

(بغداد،) ـ استولت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مناطق عديدة من العراق، تضم أجزاء من الموصل وبلدات في محافظة صلاح الدين.

وقد سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق جرائم ارتكبتها داعش في مناطق أخرى من العراق وسوريا، تشمل هجمات انتحارية وبسيارات مفخخة في مناطق مدنية، وعمليات إعدام ميداني بإجراءات موجزة، وتعذيب أثناء الاحتجاز، وتمييز ضد المرأة، وتدمير ممتلكات دينية. كما وجدت هيومن رايتس ووتش أن بعض تلك الأفعال قد يرقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية.

قال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "إن احتمالية تكرار داعش للفظائع التي ارتكبتها في أجزاء أخرى من العراق، وفرضها لحكم مسئ وعديم التسامح كما فعلت في سوريا، تبعث على الانزعاج الشديد. لكن الحكومة العراقية بحاجة إلى التصدي للموقف دون اللجوء إلى الأساليب الوحشية التي دفع المدنيون في أجزاء أخرى من البلاد ثمناً باهظاً في مقابلها".

يتعين على الحكومة العراقية أثناء قتالها لداعش والسعي إلى استعادة السيطرة على الموصل وغيرها من المناطق التي فقدتها أن تتخذ كافة الإجراءات المعقولة لحماية المدنيين، بما في ذلك الامتناع عن الهجوم العشوائي عديم التمييز على المناطق المدنية، وضمان توفير طرق آمنة لفرارهم. وبينما يفر العديد من سكان الموصل من المدينة فإن أربعة أشخاص على الأقل قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن منعتهم من المغادرة.

في 10 يونيو/حزيران 2014، بعد استيلاء داعش على أجزاء محورية من المدينة، ظهر نوري المالكي رئيس الوزراء على شاشة قناة العراقية الحكومية ليطلب من البرلمان إعلان الأحكام العرفية. كما دعا كافة العراقيين إلى "حمل السلاح ومحاربة داعش" بعد تقارير تفيد بفرار مئات الجنود وبـ"انهيار" قوات الأمن. وفي 11 يونيو/حزيران أعلن المالكي عن تشكيل جيش "احتياط" لمحاربة داعش، وافتتاح مراكز في البصرة والنجف وغيرها من المناطق ذات الأغلبية الشيعية لاستقبال المتطوعين.

في 9 يونيو/حزيران، بعد أربعة أيام من القتال مع قوات الحكومة، استولت داعش على المنطقة الغربية من الموصل، ثاني كبرى المدن العراقية، بما فيها المطار ومكتب المحافظ. ومنذ ذلك الحين أكملت داعش الاستيلاء على بلدة الشرقاط بمحافظة صلاح الدين، وأجزاء من بيجي تشمل ثكنة للجيش، ومخفراً للشرطة، ومحطة كهرباء تخدم بغداد وصلاح الدين وكركوك.

لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التحقيق في تصرفات داعش في المناطق التي سيطرت عليها منذ 10 يونيو/حزيران، لكن التقارير الإعلامية تشير إلى قيام داعش باختطاف قنصل تركي، و24 من أفراد طاقمه القنصلي في الموصل، ومحافظ صلاح الدين، وقتل 15 جندياً في كركوك.

قال أحد سكان الموصل لـ هيومن رايتس ووتش: "لا أشعر بالأمن على الإطلاق. إنني أخشى داعش فقد يقتلونني لأي سبب؛ لأنني كنت أعمل كموظف حكومي... إذا لاحظوا أنني لا أذهب للمسجد لأصلي كما يريدون من الجميع، [أو] إذا لم تكن لحيتي بالطول الكافي".

في مايو/أيار، قبل سيطرة داعش على الموصل، كانت هيومن رايتس ووتش قد وثقت انتهاكات عديدة بحق مدنيين محليين من جانب الجماعة في المدينة والمناطق المحيطة بها على مدار الشهور الستة الماضية. وتشمل تلك الانتهاكات 10 عمليات إعدام ميداني بإجراءات موجزة، وعمليتي اختطاف، وعدة اعتداءات على صحفيين، وفرض إتاوات على أنشطة تجارية محلية. وفي العمليات التي تقودها داعش في سوريا، وثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات ممنهجة للحقوق تشمل الاستهداف العمدي للمدنيين وخطفهم. كما وثقت هيومن رايتس ووتش فرض قواعد صارمة وتمييزية ضد السيدات والفتيات في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة داعش، إضافة إلى التجنيد النشط لأطفال من خلال حملات في المدارس وفعاليات عامة. وفي 29 مايو/أيار، بحسب روايات أوائل المستجيبين ومسؤولين أكراد محليين، دخلت قوات داعش إلى قرية التليلية قرب راس العين في شمال سوريا دون مقاومة، وأعدمت ما لا يقل عن 15 مدنياً، بينهم 7 أطفال.

كما وثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات عديدة من جانب القوات الحكومية في معركتها مع داعش وغيرها من الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة في محافظة الأنبار ومناطق أخرى في أرجاء البلاد. وكانت قوات الأمن الحكومية والمليشيات الموالية لها قد استهدفت أعياناً مدنية واستخدمت القنابل البرميلية للهجوم على مناطق سكنية، كما احتجزت وعذبت وأعدمت خارج نطاق القضاء ودون وجه حق عدداً غير معروف من الأشخاص منذ بدء النزاع في الأنبار في يناير/كانون الثاني.

وقال سكان الموصل لوسائل إعلامية محلية بأن قوات الأمن شنت على ما يبدو هجمات عشوائية عديمة التمييز على مناطق سكنية شملت أرجاء المدينة في أيام 6 و7 و8 يونيو/حزيران، بعد أن بدأت داعش محاولة الاستيلاء على المدينة في الساعات الأولى من صباح 6 يونيو/حزيران.

قالت هيومن رايتس ووتش إن  إنشاء المالكي لجيش احتياط، ودمج المليشيات الشيعية في قوات الأمن، يخاطر بتصعيد الانتهاكات. واستناداً إلى مقابلات هيومن رايتس ووتش مع أكثر من 20 من سكان البلدات المحيطة ببغداد في المنطقة المعروفة بحزام بغداد، شنت تلك المليشيات وبينها عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، شنت هجمات عشوائية عديمة التمييز على مناطق مدنية، ونفذت العديد من عمليات الاختطاف والإعدام ميداني بإجراءات موجزة ضد السكان السنة في بلدات بوحريز ومدائن والهيتاوي، ضمن أخريات.

وقال مقاتل من كتائب حزب الله لـ هيومن رايتس ووتش في 10 يونيو/حزيران إن أعضاء المليشيا يشاركون في القتال في الموصل، وإن ثلاثة من أعضاء المليشيا قد لقوا حتفهم. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التحقق على نحو مستقل مما إذا كانت مليشيات تقاتل في الموصل، أو من هوية الذي أمر بنشرها في حالة صحة ذلك. إلا إنه لا ينبغي للحكومة دعم أو استخدام جماعات مسلحة مسؤولة عن انتهاكات ممنهجة أو واسعة النطاق، وهي تخاطر بالتواطؤ في أية انتهاكات إضافية إن فعلت.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات العراقية حماية المدنيين من الهجمات العشوائية عديمة التمييز، ومن الاعتقال التعسفي والإعدام الميداني بإجراءات موجزة.

وعلى كافة الأطراف، بما فيها داعش وسلطات الحكومة وقوات الأمن في شمال العراق وإقليم كردستان، أن تسمح بحق الوصول الإنساني السريع دون معوقات إلى المدنيين المحتاجين. كما ينبغي لكافة الأطراف اتخاذ جميع الخطوات المعقولة لإجلاء السكان المدنيين عن محيط الأهداف العسكرية.

وعلى الولايات المتحدة، التي كانت من أهم داعمي الحكومة العراقية بما في ذلك بتوفير السلاح للجيش العراقي، أن تضمن عدم استخدام دعمها العسكري في انتهاك القانون الإنساني الدولي أو في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بحسب هيومن رايتس ووتش. وينبغي للولايات المتحدة التأكد من عدم استخدام معداتها في هجمات عشوائية عديمة التمييز أو هجمات تستهدف المدنيين، أو في دعم مليشيات موالية للحكومة سبق لها ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق ضد مدنيين أثناء هجمة حكومية لاستعادة مناطق في محافظتي الأنبار وبغداد.

وعلى بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق أن تنشر في أقرب موعد ممكن نتائجها المبدئية بشأن أية انتهاكات ارتكبت على خلفية الهجمة الأخيرة، بهدف التعرف على المسؤولين عنها كوسيلة لتعزيز المحاسبة.

وعلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة دعوة جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي وتوجيه إنذار إلى منتهكي حقوق الإنسان من كافة الأطراف بأنهم قد يواجهوا عقوبات. كما يتعين على مجلس الأمن مطالبة الحكومة العراقية بالتوقف عن الأساليب المسيئة ومحاسبة المسيئين.

قال نديم حوري: "لقد أظهر العقد الماضي في العراق، مرة تلو مرة، أن الهجمات التي تنفّر السكان المدنيين إنما تمهد الأرض لمعارك مقبلة".

للمزيد من المعلومات عن استيلاء داعش على الموصل وغيرها من المناطق، يرجى مواصلة القراءة أدناه.

استيلاء داعش على الموصل وغيرها من المناطق         
قال سكان لـ هيومن رايتس ووتش إن 400 أو 500 من مقاتلي داعش حاولوا الاستيلاء على الموصل في 6 يونيو/حزيران، فانتشروا في المناطق الغربية من المدينة، وقتلوا ما لا يقل عن 4 من أفراد شرطة مكافحة الشغب وثلاثة من الجنود، وفي الجنوب حيث انقض خمسة انتحاريين على مستودع للسلاح فقتلوا 11 جندياً، وهذا بحسب رواية قدمتها مصادر أمنية حكومية إلى وكالة رويترز للأنباء. وفي مساء 6 يونيو/حزيران، بحسب تقرير رويترز، زعمت تلك المصادر أن "90 بالمئة من الموصل عاد إلى سيطرة الحكومة".

وأعقب هذا ثلاثة أيام من الاشتباكات بين المتطرفين والقوات الحكومية، شملت هجمة على إحدى مدارس الموصل في 7 يونيو/حزيران، تعرضت فيها المدرسة لـ"استهداف مباشر بنيران الهاون"، بحسب اليونيسيف في بيان لم يحدد الطرف الذي أطلق الهاون على المدرسة. وأفاد مسؤولو الصحة العراقيون بأن 17 شخصاً قتلوا في الهجوم، لكنهم لم يحددوا عدد الأطفال بينهم، أو ما إذا كانوا قد قتلوا داخل المدرسة.

راجعت هيومن رايتس ووتش مقطع فيديو يبين جثث ما لا يقل عن 10 رجال وسيدات وأطفال. وبحسب تقرير شبكة "سي إن إن" فقد تم التقاط الفيديو مباشرة عقب الهجوم على المدرسة الذي نقلته اليونيسيف. ويقول صوت متحدث غير ظاهر إنهم توفوا في هجمة حكومية بالهاون، ثم يصيح "أظهروهم.. أترون هؤلاء الأطفال؟ أترون ما تبقى من هجمة الهاون؟ إنهم يستهدفون النساء وهؤلاء الأطفال الموتى".

في الساعات الأولى من صباح 10 يونيو/حزيران استولت داعش على مناطق المدينة الغربية، وقال أحد سكان الموصل لـ هيومن رايتس ووش، كما أشار تقرير نشره معهد دراسات الحرب، إن مقاتلي داعش استولوا على مصارف ومبان بلدية، وفتحوا سجن بدوش مفرجين عن 2000 إلى 3000 سجين. وقال أحد سكان شرق الموصل لـ هيومن رايتس ووتش إن أصدقاء له يسكنون غربي الموصل وشهدوا عملية الاستيلاء أخبروه بأن مقاتلي داعش كانوا "يحمون المصارف وغيرها من المرافق الحكومية مثل المستشفيات ومحطات الماء والكهرباء... إنهم يتصرفون كما لو كانوا دولة حقيقية". استولت داعش أيضاً على منطقة الشرقاط وستة قرى أخرى في محافظة صلاح الدين، بحسب قوله.

وقال صحفي متمركز في الرمادي لـ هيومن رايتس ووتش إن داعش بعد الاستقرار في الجزء الغربي من المدينة أعلنت أنها "تقبل متطوعين" وعرضت تقديم سلاح لكل متطوع "للحفاظ على النظام" في الموصل بينما تمضي الجماعة في خطتها المعلنة للاستيلاء على محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك، وفي النهاية بغداد. وقال ستة من سكان بيجي، إحدى مدن محافطة صلاح الدين، لـ هيومن رايتس ووتش، إنهم فروا من المدينة يوم 10 يونيو/حزيران عند وصول داعش وتأهبها الظاهر للاستيلاء على مصفاة نفط بالمدينة. وأفاد معهد دراسات الحرب باستيلاء داعش على محطة كهرباء في بيجي تخدم بغداد وصلاح الدين وكركوك.

قال ساكن الموصل لـ هيومن رايتس ووتش: "لا أشعر بالأمن على الإطلاق. إنني أخشى داعش، فقد يقتلونني لأي سبب؛ لأنني كنت أعمل كموظف حكومي .. إذا لاحظوا أنني لا أذهب للمسجد للصلاة كما يريدون من الجميع، [أو] إذا لم تكن لحيتي بالطول الكافي". لم يعرف الرجل إن كانت داعش قد قتلت أي مدنيين أو جنود منذ استيلائها على القسم الغربي من المدينة.

وقال آخر من سكان الموصل لـ هيومن رايتس ووتش إنه سمع حتى 10 يونيو/حزيران بأن داعش قتلت "5 أو 6 أشخاص فقط" ممن سرقوا عربات الشرطة لبيعها لاحقا أو بيعها كقطع غيار، وقتلوا عقيداً في الجيش يدعى ريان، وكان ضابطاً سابقاً في القوات الخاصة يتمركز في الموصل.

وقال اثنان آخران من سكان الموصل لـ هيومن رايتس ووتش إنهما خشيا من رد فعل الحكومة. بين 6 و8 يونيو/حزيران، بحسب سكان من الموصل وتقارير إعلامية محلية؛ شنت الحكومة ما بدا وكأنه سلسلة من الهجمات العشوائية عديمة التمييز، فأطلقت المروحيات النيران على أحياء سكنية في المدينة باستخدام قذائف الهاون والصواريخ، وقتلت عدداً غير معروف من المدنيين، وبينهم سيدات وأطفال بحسب تقرير لشبكة "سي إن إن". لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التأكد مما إذا كان هناك مقاتلون لداعش في المناطق التي هاجمتها القوات العراقية.

وقالت وكالة "رووداو" الإخبارية الكردية المعارضة إن "مسؤولي [الموصل] أفادوا بأن.. وحدات الجيش العراقي تقصف مناطق مأهولة على غير هدى منذ أيام" بينما "تشن داعش معظم هجماتها .. على ضفة الموصل الغربية ووسط المدينة". في 10 يونيو/حزيران قال اثنان من سكان الموصل لـ هيومن رايتس ووتش إنهما فرا من المنطقة الغربية للمدينة بعد استيلاء داعش عليها لأنهما خشيا القصف العشوائي الوشيك من جانب القوات الحكومية.

واستناداً إلى أقوال ثلاثة من السكان لـ هيومن رايتس ووتش والعديد من التقارير الإعلامية، قامت قوات الأمن بمنع أناس من الفرار من الموصل. وقال أحد سكان شرق الموصل لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن "احتجزت" عائلته مع عشرات من الآخرين عند نقطة تفتيش العاشق بالقرب من تل عفار، لمدة ساعات حتى استسلمت العائلات وقررت محاولة البحث عن طريق آخر للخروج. وقال: "قالوا لنا إنهم لن يسمحوا لنا بالمرور ‘حتى تصلهم أوامر بشأن كيفية التصرف معنا‘".

وفي تغريدة بتاريخ 10 يونيو/حزيران، عرضت "رووداو" صورة لما قالت الوكالة إنه "عدد من جنود الجيش العراقي وأهل الموصل" وهم يغرقون بينما يحاولون عبور الفرات إلى إقليم كردستان.

قال ساكن الموصل لـ هيومن رايتس ووتش إن آلاف الأشخاص قد فروا إلى الجزء الشرقي من المدينة، بينما حاول آخرون ليست لهم روابط عائلية في الشرق مغادرة الموصل:

رأيت آلاف الأشخاص عالقين قرب سد الموصل، ويعيشون في العراء أو على الطريق... منعتني قوات الأمن أنا وعائلتي، وآخرين كثيرين، من عبور سد الموصل. بعد هذا عقدنا العزم على الاتجاه إلى مدينة دهوك [القريبة] لكن أناساً أخبروني على الطريق بأن دهوك لا تسمح لأحد بالدخول... فاتفقنا جميعاً على العودة إلى بيوتنا، وأن الأفضل لنا أن نموت هناك وليس على الطريق.