عشر سنوات على انضمامالمملكة المتحدة لعملية غزو العراق، وما زالت التداعيات تضرب قلب المؤسسة. لقد شهد هذا الأسبوع قيام شركة محاماة بالاشتراك مع منظمة عدالة دولية رائدة بإرسال مذكرة مكونة من 250 صفحة إلى المحكمة الجنائية الدولية، لمطالبة المدعي العام بفتح تحقيق في جرائم حرب مزعومة من قبل مواطني المملكة المتحدة في العراق، من بينها المسؤولية المُحتملة لكبار الشخصيات العسكرية والعسكرية. رفض ويليام هيج هذا التحرك، بالقول إن القوات المسلحة البريطانية هي "الأفضل على مستوى العالم". لكن التاريخ الحديث يكشف أن البريطانين على أقل تقدير يخفقون في ممارسة ما يحاولون إقناع بقية العالم به، وهو محاسبة كبار الشخصيات عن جرائم الحرب.

مازلنا لا نعرف مدى الانتهاكات التي وقعت في السنوات الست التي قضتها القوات البريطانية في جنوب العراق. رفض مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق عام 2006، لأنه وجد أن العدد القليل من جرائم الحرب المزعومة والمنسوبة إلي المملكة المتحدة في ذلك الوقت، لم يكن كافياً للمحكمة الجنائية الدولية لاتخاذ الإجراءات اللازمة. ولكن المحكمة العليا البريطانية قالت إنها تلقت في العام الماضي حوالي 150 قضية تزعم وقوع قتلى على يد القوات البريطانية بشكل غير قانوني، وأكثر من 700 ادعاء بالتعذيب أوالمعاملة اللاإنسانية أوالمُهينة للعراقيين. إذا كان هذا صحيحا، فإن معظم أوكل هذه المزاعم يمكن أن تكون جرائم حرب.

ولكن كلاً من الحكومة الائتلافية الحالية وحكومة حزب العمل السابقة حاربتا بضراوة لعرقلة عمل تحقيقات عامة في تلك الانتهاكات، وهذا يعني أننا ما زلنا لا نعرف ما حدث، ومن الذي كان دراية به.لقد أقرت الحكومة في السنوات الأخيرة بالكثير من الانتهاكات من خلال الموافقة على التسويات المالية مع الضحايا أوأسرهم، مُقابل صمتهم. وبعد سنوات من الإصرار على التقاضي، اعتماداً على قانون حقوق الإنسان، اضطرت الحكومة إلى الاعتراف باثنين من لجان التحقيق العامة، وعلى الأخص في ما يتعلق بقضية بهاء موسى، وهو موظف استقبال في فندق، كشف التحقيق وفاته رهن الاحتجاز البريطاني بعد أيام من الانتهاكات الجسيمة.

ما هو واضح أن القضاء العسكري البريطاني لم يظهر أنه مؤهل للتعامل مع جرائم الحرب التي يتم ارتكابها خارج المملكة المتحدة. حتى في قضية بهاء موسى، أدين شخص واحد فقط، برتبة عريف، بعد اعترافه بأنه مذنب في جريمة الحرب المتمثلة في المعاملة اللاإنسانية، وقضى عاماً واحداً في السجن. . ولقد وجهت محكمة عسكرية الاتهام لجنود آخرين، كانوا موجودين في القاعدة العسكرية وقت التعذيب، كما أكدت لجنة التحقيق العامة الاعتداء، ولكن لا يبدو أن هناك أي تحركات جادة لإعادة فتح تحقيقات جنائية مع المتورطين الآخرين في القتل.لقد شكلت الحكومة في نهاية المطاف "فريق ادعاءات العراق التاريخية"، ولكن المحكمة العليا قضت العام الماضي أنه لم يكن قادراً على التعامل مع التحقيقات الجنائية بشكل سريع وفعال.

وعلى وجه الخصوص، يبدو أن سلطات المملكة المتحدة قد أخفقت في أن تأخذ في الاعتبار (أو تجاهلت بشكل واضح) أحد المبادئ الأساسية للقانون الجنائي الدولي، وهو مسؤولية القيادة.إن هذا المبدأ محدد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كما تم إدراجه في قانون المملكة المتحدة في عام 2001، لذلك ينطبق على ما حدث في العراق. يعتبر هذا المبدأ القادة العسكريين مسؤولين جنائياً عن جرائم الحرب التي ارتكبها مرؤوسزهم عندما كانوا على علم أوكان ينبغي أن يكونوا على علم بأن الجرائم كانت ترتكب أوعلى وشك أن ترتكب، وأخفقوا في اتخاذ جميع التدابير اللازمة والمعقولة لمنع أوإنهاء الجرائم. وتنطبق هذه المسؤولية الجنائية أيضاً على المسؤولين المدنيين الذين لديهم سلطة على القوات التي ترتكب جرائم حرب (ويكون المحك في تلك الحالة هو ما إذا كانوا يعرفون أو"تجاهلوا عن عمد معلومات" بأن مرؤوسيهم كانوا على وشك ارتكاب جرائم حرب).

لا يتطلب هذا قيام القادة بإصدار أوامر بارتكاب الجرائم، أوأن لا تتم الجرائم بشكل منهجي، ولكن يكفي ان يستمر ارتكاب جرائم الحرب ولا يتدخل القادة، أولا يبذلون من الجهد ما يكفي لوقفها. وعلى الرغم من الأدلة التي تشير إلى ارتكاب جرائم حرب استمرت لسنوات في العراق، في مراكز الاحتجاز البريطانية، إضافة إلى تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن الانتهاكات، والتي وصلت إلى مكاتب الوزراء وكبار القادة العسكريين، لم يحدث تحقيق جنائي، عدا دعوة قضائية وحيدة.

وثمة مشكلة رئيسية هي أن القرارات بشأن التحقيقات الجنائية العسكرية والمدنية البريطانية والملاحقات القضائية لا تتم بشكل مستقل عن نفوذ كبار الشخصيات السياسية والعسكرية.وعلى الرغم من أن أحد المدنيين يرأس حاليا نظام النيابة العسكرية في المملكة المتحدة، فلا تزال التحقيقات الجنائية العسكرية تتم بمعرفة أفراد من القوات المسلحة، يخضعون لتراتبية القيادة. كما أنالنائب العام في انجلترا، وهو نفسه سياسي وعضو في الحكومة، يحتاج إلى الموافقة على محاكمة أي شخصية سياسية.

قد تكون المشكلة الأساسية مجرد مسألة تاريخ وإرادة. فكما أظهر إيان كوبين وغيره، تاريخياً، عندما كانت المؤسسة البريطانية تواجه أدلة على التعذيب قامت بها القوات المسلحة في الخارج، فإن رد فعلها المتوقع كان بإنكار  مثل تلك الانتهاكات في البداية، ثم يتبعه إلقاء اللوم على حفنة من "الأفراد الفاسدين". ولم يتم أبدا توجيه المسؤولية الجنائية للشخصيات البارزة. إن آخر قائد عسكري انجليزي تمت مُعاقبته جنائياً على انتهاكات قامت قواته بارتكابها، كان إيرل ديربي عام 1651، حين ارتكبت قواته مذابح بحق سكان بولتون أثناء الحرب الأهلية الإنجليزية.

إن ما تم تقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية يسلط الضوء على تقاعس السلطات البريطانية، لأكثر من عقد من الزمن، عن التحقيق في جرائم الحرب المزعومة وتقديمها إلى القضاء، بما في ذلك مسؤولية القيادة، سواء كبار القادة العسكريين أو السياسيين.وهذا الفشل هو نقيض مؤسف لالتزام المملكة المتحدة المعلن بالعدالة في أي مكان آخر، كما هو الحال في الدعم القوي والهام لعمل المحكمة الجنائية الدولية في سوريا. لقد حان الوقت لكي تقوم السلطات بتغيير موقفها واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تحقيق العدالة.

كلايف بالدوين هو مستشار قانوني أول في هيومن رايتس ووتش. لمتابعته على تويتر @cliveabaldwin