(القدس) ـ  على القوات الإسرائيلية أن توقف الأعمال التي تقوم بها في تجمع سكني للبدو في الضفة الغربية، والتي تهدف على ما يبدو إلى تهجير السكان دون مبرّر قانوني. في 16 سبتمبر/أيلول 2013 قام الجيش الإسرائيلي بهدم جميع المنازل في هذا التجمع السكني، ومنع أربع محاولات قامت بها منظمات إنسانية لتوفير ملاجئ. كما استخدم الجنود القوة ضدّ السكان وضدّ عمال الإغاثة ودبلوماسيين أجانب في 20 سبتمبر/أيلول. وعملا بالقانون الدولي الإنساني المفعّل في الضفة الغربية المحتلة، يُعتبر التهجير القسري المتعمد وغير القانوني للسكان جريمة حرب.

كانت محكمة إسرائيلية قد رفضت في أغسطس/آب شكوى تقدم بها سكان بلدة مكحول وتجمعات سكنية بدوية أخرى ضدّ أوامر الهدم العسكرية لأسباب إجرائية. وفي 24 سبتمبر/أيلول، بعد أكثر من أسبوع من الهدم في مكحول، قضت المحكمة بتعليق أي عمليات هدم أخرى بشكل مؤقت.

قال جو ستورك، القائم بأعمال المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "ينبغي على الجيش الإسرائيلي الكف عن محاولات إزالة تجمع سكني قائم منذ عقود. لم تكتفِ القوات الإسرائيلية بالاعتداء على دبلوماسيين، بل قامت أيضاً بهدم جميع المباني في مكحول، وأمرت السكان بالرحيل وعدم العودة إلى هناك".

استنادًا إلى تقارير الأمم المتحدة، قامت القوات الإسرائيلية في 16 سبتمبر/أيلول بهدم 58 بناية، وتسببت في ترحيل ما لا يقل عن 48 ساكنًا. كما قال بعض السكان والعاملين في المجال الإنساني إن الجنود منعوا بعد ذلك محاولتين لإيصال مساعدات، وصادروا هذه المساعدات، وقاموا بهدم ملاجئ أنشأتها منظمة إنسانية أخرى على الأنقاض التي خلفتها عمليات الهدم الأولى.

وقال العديد من الشهود إن القوات الإسرائيلية ألقت في 20 سبتمبر/أيلول "قنابل صوتية"، وهي قنابل يدوية غير قاتلة تتسبب في الإرباك بسبب الصوت العالي الذي تُصدره، على دبلوماسيين وعمال إغاثة كانوا يحاولون إيصال خيام ومساعدات أخرى. كما قال الشهود إن القوات الإسرائيلية اعتدت على اثنين من السكان البدو، نُقلا بعد ذلك إلى المستشفى، واعتقلت ثلاثة آخرين، وقامت بمصادرة شاحنة وحمولتها.

وفي 24 سبتمبر/أيلول، أصدرت المحكمة العليا في إسرائيل أمرًا قضائيًا مؤقتًا يقضي بمنع الجيش من "ترحيل السكان من قريتهم وهدم المباني فيها" ما لم تكن عمليات الهدم "ضرورية بسبب احتياجات عسكرية قائمة ولاعتبارات أمنية وعملية واضحة". وأمهل الحكم القضائي السلطات الإسرائيلية حتى 8 أكتوبر/تشرين الأول لتقديم سبب قانوني يبرر هدم المباني في القرية.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن بالإضافة إلى وقف عمليات الهدم في مكحول، يتعين على الجيش الإسرائيلي السماح بوصول المساعدات الإنسانية، والسماح لسكان التجمع السكني بالبناء من جديد.

وكانت المحكمة قد رفضت في 25 أغسطس/آب شكوى ضدّ قرارات الهدم في مكحول وتجمعات سكنية بدوية أخرى، وقضت بأن مطالب أصحاب العريضة للحصول على تراخيص بناء لم تثبت علاقتهم بالأرض حسب مقتضيات الأوامر العسكرية الإسرائيلية، ولأن جميع الموقعين لا يشتركون في مطلب قانوني موحد. كما قضت المحكمة بفرض غرامة مالية قدرها عشرة آلاف شيكل (2825 دولار أمريكي) يدفعها الموقعون على العريضة، وعددهم 21، للسلطات الإسرائيلية.

قال بعض السكان إن مسؤولين عسكريين طلبوا منهم بشكل متكرر منذ 16 سبتمبر/أيلول مغادرة المكان وعدم العودة إليه. وتسبب منع القوات الإسرائيلية وصول المساعدات الإنسانية إلى مكحول لأكثر من أسبوع في حرمان السكان من الحصول على مأوى ملائم وتوفير الأعلاف لأغنامهم التي يعتمدون عليها للعيش في بيئتهم الصحراوية.

وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة "النقل الجبري الجماعي أو الفردي" للمدنيين في المناطق المحتلة "بصرف النظر عن الأسباب"، إلا إذا تم ذلك من أجل سلامة المدنيين أثناء الأعمال العدائية أو لأسباب عسكرية قاهرة. وحتى في الحالات التي يُسمح فيها بهذا التهجير القسري، يجب أن يكون ذلك بشكل مؤقت، وأن يُسمح للسكان بالعودة في أسرع وقت ممكن. ويُعتبر انتهاك هذا الحظر خرقاً لاتفاقيات جنيف، ويُمكن ملاحقته بصفته جريمة حرب.

لا يبرر المسؤولون الإسرائيليون عمليات هدم المباني الفلسطينية بأسباب أمنية أو من واقع أسباب تتعلق بأمن السكان، ولكن لأسباب إدارية مفادها أن المباني بُنيت دون تراخيص في مناطق غير مخصصة للمباني السكنية.

قال سكان مكحول إنهم يسكنون هناك منذ 1967، وإنهم استأجروا الأراضي من أصحابها الفلسطينيين. كما قال السكان إن الإدارة المدنية في الجيش الإسرائيلي، التي تراقب استخدام الأرض والتخطيط في "المنطقة ج"، أصدرت في 2009 أوامر بـ "وقف العمل" لمنع تشييد مباني أخرى في مكحول. وفي 2013، وكّل السكان محاميًا أعلمهم أن الجيش الإسرائيلي قال إنه قد سلمهم أوامر الهدم في 2012. ولكن السكان قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم يستلموا أبدًا هذه الأوامر.

قامت هيومن رايتس ووتش بتوثيق حالات في تجمعات سكنية أخرى في الصفة الغربية قامت فيها الإدارة المدنية بترك قرارات وقف العمل على الصخور، أو قامت بتعليقها على أغصان الأشجار بدل تسليمها إلى أصحاب المنازل.

قال "ب"، أحد سكان مكحول، إن محامي السكان تحصّل على قرار بتأجيل عمليات الهدم لعشرة أيام، انتهت صلاحيته في 16 سبتمبر/أيلول، وأضاف: "وصل الجيش إلى هنا على الساعة الخامسة والنصف صباحًا. وعلى الساعة العاشرة، كان قد فرغ من هدم جميع المباني".

كما قال ثلاثة من سكان مكحول لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات الإسرائيلية قامت بإغلاق تقاطعين قريبين من مكحول، ودخلوا إلى القرية في خمس عربات رباعية الدفع، والعديد من الجرافات، وخمس عربات عسكرية، وناقلة جنود. وقال "ي"، وهو أحد السكان، إن القوات غادرت المكان بعد هدم منزله، ولكن على الساعة الواحدة والنصف ظهرًا عاد إلى هناك أحد الضباط و"طلب منا مغادرة المكان وعدم العودة إليه، ولما ابتعدت عنه وسرت بغنمي نحو المرعى، لحق بي وألقى عليّ قنبلة صوتية".

وقال متحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر لـ هيومن رايتس ووتش إنهم حاولوا ذلك اليوم إيصال مساعدات عاجلة لإيواء المتضررين، ولكن القوات الإسرائيلية قامت بمصادرتها، وإن عمال الإغاثة تمكنوا فقط من توزيع بعض لوازم النظافة والطهي. وفي 17 سبتمبر/أيلول، عادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على الساعة الثامنة والنصف صباحًا بشاحنة تحمل الخيام، والأفرشة، والأغطية، وغيرها من اللوازم.

قال "ي" لـ هيومن رايتس ووتش:

انتهوا من وضع خيمتين، وبعد ذلك جاءت قوات الدفاع الإسرائيلية. قال أحدهم إن اسمه حمودي وإنه المسؤول عن المنطقة. جلسنا داخل الخيام فقام الجنود بهدمها على رؤوسنا، ولم تستطع اللجنة الدولية للصليب الأحمر منعهم من ذلك. ثم أخذوا الخيام ووضعوها في ناقلة الجنود، وأجبروا لجنة الصليب الأحمر على الانصراف بالخيام الأخرى.

وقال المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن القوات الإسرائيلية قامت بمصادرة ملاجئ الطوارئ ومنعتهم من تسليمها.

وفي 18 سبتمبر/أيلول، أرسلت منظمة إنسانية فلسطينية عمالها فساعدوا سكان مكحول على بناء ملاجئ من المعادن المتوفرة من عمليات الهدم الأولى. وقال بعض السكان إن القوات الإسرائيلية عادت على الساعة السابعة مساءً وقامت بهدم ثلاثة ملاجئ جديدة.

في 19 سبتمبر/أيلول، قام دبلوماسيون أجانب بزيارة المنطقة للإطلاع على الموقع الذي شهد عمليات الهدم. واستنادًا إلى شهود وتقارير إخبارية، قدم في اليوم التالي دبلوماسيون من أستراليا، والبرازيل، والاتحاد الأوروبي، وفرنسا، واليونان، وأيرلندا، وإسبانيا، والسويد، والمملكة المتحدة، وممثلون عن مكتب الشؤون الإنسانية في المجموعة الأوربية ومعهم عمال إغاثة لمحاولة تقديم مساعدات لسكان مكحول. ولكن القوات الإسرائيلية جاءت بسرعة إلى المكان، وأمرت عمال الإغاثة بعدم إفراغ حمولة المواد.

وفي 20 سبتمبر/أيلول، صرّح مكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن "عشرات الفلسطينيين والنشطاء الأجانب" في المنطقة "اعتدوا على النظام العام وقاموا باستفزازات أثناء محاولتهم تنصيب خيام غير قانونية بشكل عنيف" و"هاجموا قوات الأمن بالحجارة بعد مجيئها للحفاظ على القانون والنظام وتفريق التجمع العنيف باستخدام وسائل غير عنيفة".

ولكن أحد الشهود قال لـ هيومن رايتس ووتش:

لم يحدث ما من شأنه أن يُشعل الوضع. كان أمام الجيش الكثير من الوقت، فأعدوا قنابل الصوت وألقوها على مجموعة من الدبلوماسيين وعمال الإغاثة الذين كانوا قرب الشاحنة... لم يكن هنالك أي مبرر لاستخدام القوة.

وتم نقل اثنين من سكان مكحول إلى المستشفى بعدما تعرضوا لإصابات على يد الجنود أثناء المواجهات. وقال "ب" لـ هيومن رايتس ووتش إن العديد من الجنود قاموا بدفع أحمد خلف سلام بني عودة، في بداية السبعينات من عمره، من أعلى سطح إحدى السيارات التي صعد فوقها أثناء المواجهة. والى حدود 22 سبتمبر/أيلول، مازال الرجل في المستشفى.

كما اعتدى جنود بالضرب على محمد علي محمود بشارات، واحد من السكان الآخرين في الخمسين من العمر، على مستوى وجهه وبطنه أثناء محاولته التدخل لدى الجنود الذين كانوا يعتقلون ابنيه منذر، وعمره 22 سنة، وعاصم، وعمره 33 سنة، اللذان مازالا إلى الآن رهن الاحتجاز. كما تم نقل بشارات إلى المستشفى وخرج منه في اليوم التالي. واعتقلت القوات الإسرائيلية أيضًا يوسف بشارات، وعمره 35 سنة. ورغم أن أسباب اعتقال هؤلاء الأشخاص ليست واضحة، إلا أن مقاطع فيديو أظهرت بعض الرجال يحاولون التمسك بالشاحنة التي تحمل المواد الإنسانية لمنع مصادرتها.

وفي 20 سبتمبر/أيلول أيضًا، قال "ب" إنه حاول بناء ملجئ صغير لخروف حديث الولادة "لأنه لم يكن من الممكن تركه في الخارج دون مكان يحتمي فيه، وكانت بالقرب مني سيارتي جيب عسكريتين فجاءتا إلي وطلبتا مني التوقف عن ذلك، فقلت للجنود: ماذا تفعلون؟ هذا مكان للخرفان، ولكنهم لم يهتموا".

قال "ي" لـ هيومن رايتس ووتش:

أصبحت أغنامنا دون مأوى منذ أيام، وهي تواجه خطر الموت. هم يقومون بخنقنا، وأنا لا أشعر بالأمن هنا. وكلما تغرب الشمس، يعاودني الخوف من عودة الجيش.

كما قال بعض السكان إن الجيش قام في مايو/أيار بإحراق حقول شرق مكحول، فأصبح من المستحيل رعي الأغنام هناك كما كانوا يفعلون في السنوات الماضية. والجيش بصدد النظر في جعل المنطقة المحيطة بـ مكحول منطقة عسكرية مغلقة يُمنع دخولها.

تقع مكحول في منطقة في الضفة الغربية تخضع بالكامل لمراقبة السلطات العسكرية الإسرائيلية تُسمى المنطقة ج. وقامت السلطات الإسرائيلية بتقسيم الأراضي في المنطقة ج، التي تشمل أكثر من 60 بالمائة من الضفة الغربية، بطرق فيها تمييز غير قانوني ضدّ الفلسطينيين. وعلى أرض الواقع، لا يسمح الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين بالبناء إلا في واحد بالمائة من المنطقة ج. وفي مقابل ذلك، منحت السلطات العسكرية 63 بالمائة من نفس المنطقة للمستوطنات، بحسب منظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية.

وفقًا لسجلات الأمم المتحدة، قامت القوات الإسرائيلية منذ بداية 2013 بهدم 524 مبنى مملوكًا لفلسطينيين في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وتسببت في تهجير 862 شخصًا. ويُعتبر التدمير الواسع والمتعمد للملكية المدنية، باستثناء الحالات التي يكون فيها ضرورة قصوى للقيام بعمليات عسكرية، انتهاكًا خطيرًا لاتفاقية جنيف الرابعة.