اعتقل سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي السابق، لما يقرب من سنتين تحت حراسة إحدى ميليشيات الزنتان في غرب ليبيا، بينما تتجادل السلطات الليبية الجديدة والمحكمة الجنائية الدوليةبشأن من سيتولى محاكمته. وبعد إخفاقها في محاولة متابعة ادعاءات المحكمة الجنائية الدولية ضد القذافي، فقد حان الوقت لليبيا أن تمتثل لالتزاماتها القانونية وتسلمه للمحكمة الجنائية الدولية.

وقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال في حق كل من نجل القذافي وعبد الله السنوسي، الرئيس الشابق لمخابرات القذافي. إن المخاطر المحيطة بقرار بشأن أية محكمة ستجري أي محاكمة، مرتفعة، ولكن إن أجريت بشكل عادل، فإن هذه الإجراءات توفر إمكانية تحديد الذنب أو البراءة بشأن مزاعم بارتكاب أخطر الجرائم الدولية. إن الإجراءات الموجزة - دون إجراء تحقيقات مناسبة أو دراسة سليمة للحقائق - من شأنها أن تبدد فرصة فريدة لإثبات وتعزيز سلطة القانون.

كيف أصبحت المحكمة الجنائية الدولية معنية بليبيا

في 26 فبراير/شباط 2011، بينما تصاعد عنف الحكومة ضد المتظاهرين السلميين في عدد من المدن الليبية، اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بأغلبية 15-0 صوتا، القرار رقم 1970 القاضي بإحالة الوضع المتدهور في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية. يطلب القرار 1970 من السلطات الليبية التعاون الكامل مع المحكمة، رغم أن ليبيا ليست عضوا فيها. ويشمل هذا الالتزام الامتثال لقرارات المحكمة. وتعهدت ليبيا نفسها بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، واعترفت صراحة بأنها ملتزمة بالقرار 1970.

للأسف، ظل أعضاء مجلس الأمن، الذين دافعوا في البداية عن القرار 1970، صامتين إلى حد كبير عن التزام ليبيا التعاون مع المحكمة. ولكي يكون لقرار هذه الهيئة أي وزن، ينبغي لأعضاء مجلس الأمن أن يبعثوا برسالة قوية إلى طرابلس للالتزام بقرارات المحكمة.

أصدرت لمحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال في يونيو/حزيران 2011، في حق سيف الإسلام القذافي، والسنوسي، وكذلك معمر القذافي. والثلاثة كانوا مطلوبين بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية لدورهم في الاعتداءات على المدنيين، بما في ذلك قتل متظاهرين سلميين، في طرابلس، والزاوية، وبنغازي، ومصراتة، وغيرها من المواقع في ليبيا. في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، اعتقلت قوات مناوئة للقذافي سيف الإسلام القذافي في جنوب ليبيا وأتت به إلى الزنتان، في جبال نفوسة، حيث لا يزال في عهدة واحدة من العديد من الميليشيات المستقلة والمدججة بالسلاح في البلاد

بين المحاكم الوطنية والمحكمة الجنائية الدولية

من المهم أن نعترف بأن المحكمة الجنائية الدولية تعمل وفقا لمبدأ التكامل، وهو ما يعني أنها محكمة الملاذ الأخير، وتتدخل فقط في حالة عدم وجود إجراءات تقاض وطنية حقيقية. تقدمت ليبيا بطعن في 1 مايو/أيار 2012 لمحاكمة القذافي أمام محكمة ليبية. منح قضاة المحكمة الجنائية الدولية في البداية إذنا بتأجيل تسليمه إلى لاهاي، في انتظار صدور قرار بشأن الطعن.

ومع ذلك، في 31 مايو/أيار 2013، بعد تقييمهم للمرافعات الشفوية والمذكرات المكتوبة، رفض قضاة المحكمة الجنائية الدولية طعن ليبيا، وذكروا السلطات بالتزامها بتسليم القذافي. وقرر القضاة أن ليبيا لم تقدم أدلة كافية لإثبات أنها تحقق في القضية نفسها المعروضة أمام المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما ينبغي لها القيام به لإحالة القضية على محاكمة وطنية، و أن ليبيا كانت فعلا قادرة على إجراء تحقيق في قضية القذافي.

وخلص القضاة إلى أن السلطات الليبية لم تكن قادرة لا على تأمين التمثيل القانوني للقذافي ولا على تدبير ترحيله من مكان احتجازه الحالي في الزنتان إلى مكان احتجاز تابع للدولة. واستأنفت السلطات الليبية هذا القرار. ولكن قضاة المحكمة الجنائية الدولية رفضوا في 18 يوليو/تموز طلب ليبيا بتعليق تسليمه للمحكمة في انتظار نتيجة استئنافهم. ثم في 27 أغسطس/آب، أعلن المدعي العام في ليبيا أن المرحلة السابقة على المحاكمة المحلية للقذافي، والسنوسي وغيرهم من كبار المسؤولين في عهد القذافي، ستبدأ في 19 سبتمبر/أيلول. ومع ذلك، ينبغي على السلطات الليبية أن تجعل من الحصول على عهدة القذافي من ميليشيا الزنتان أولوية، وإعطائه الأولوية حتى يمكن تسليمه على الفور للمحكمة الجنائية الدولية. والقيام بخلاف ذلك من شأنه أن يبعث إشارة بأن السلطات ليست في واقع الأمر ملتزمة بليبيا جديدة موسومة بسيادة القانون.

ذكرت هيومن رايتس ووتش التحديات العديدة التي تواجه النظام القضائي الليبي، بما في ذلك إساءة المعاملة أثناء الاحتجاز، والحرمان من الوصول إلى محام، وعدم وجود مراجعة قضائية. وثؤثر هذه القضايا على قدرة ليبيا على ضمان احترام الحقوق الأساسية. وبالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من بعض الخطوات الإيجابية، فقد ناضلت السلطات الليبية من أجل تأسيس قوة جيش وشرطة فعالة. إنها تعتمد بشكل كبير على الميليشيات المتعاقدة من أجل القانون، والنظام، والأمن. إن المناخ الأمني الهش الناتج عن ذلك يثير مخاوف جدية حول ما إذا كانت ليبيا قادرة على ضمان سلامة أي شخص تشمله المحاكمة.

تعتزم ليبيا المضي قدما في استئنافها بشأن القذافي، بينما تسير قضية السنوسي في مسار منفصل، ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن تفي بوعدها بالتعاون مع المحكمة. مفهوم أن ترغب ليبيا في رؤية المسؤولين عن جرائم الماضي أمام العدالة. وبينما تسير طرابلس إلى الأمام في طلبها للمحكمة الجنائية الدولية، فإنه ينبغي لها أن تثبت نيتها بالالتزام بحكم القانون في الداخل واحترام التزاماتها الدولية، على حد سواء.