© 2011 Human Rights Watch

(تونس) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على المجلس الوطني التأسيسي في تونس تعديل فصول في مشروع الدستور تُمثل تهديدًا لحقوق الإنسان. قامت هيومن رايتس ووتش بتحليل مسودة الدستور لتحديد بواعث القلق المتعلقة بحقوق الإنسان.

ومن بين الفصول الأكثر إثارة للقلق عدم الاعتراف بكونية حقوق الإنسان إلا إذا كانت تنسجم مع "الخصوصيات الثقافية للشعب التونسي"، وعدم التأكيد على حرية الفكر والضمير، والصياغة الفضفاضة للقيود المسموح بفرضها على حرية التعبير. إضافة إلى ذلك، لا ينصّ مشروع الدستور بشكل واضح على أن اتفاقيات حقوق الإنسان التي انضمت إليها تونس مُلزمة للبلاد والسلطات.

وقال إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يتعين على المجلس الوطني التأسيسي سدّ الثغرات الموجودة في مشروع الدستور التي قد تسمح للحكومة المقبلة بسحق المعارضة أو الحدّ من الحقوق الأساسية التي كافح من أجلها التونسيون".

في 25 أبريل/نيسان قدّم المجلس نسخة ثالثة لمشروع الدستور، بعد أن ناقش وراجع نسختين سابقتين كان قد قدمهما في أغسطس/آب وديسمبر/كانون الأول 2012. ويُنتظر أن يشرع المجلس في التصويت على الدستور في مايو/أيار.

ورغم أن النسخة الأخيرة لمشروع الدستور تكفل العديد من الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتتضمن بعض التحسينات مقارنة بالمشاريع السابقة، إلا أن هيومن رايتس ووتش خلُصت إلى أن هذه النسخة أيضًا تحتوي على العديد من الفصول التي تتعارض مع التزامات تونس في مجال حقوق الإنسان من شأنها تقويض حماية هذه الحقوق.

ويخلق الفصل 21، الذي ينصّ على أن "المعاهدات الدولية الموافق عليها من قبل مجلس نواب الشعب ثم المصادق عليها أعلى درجة من القوانين وأدنى درجة من الدستور"، خطر استخدام الدستور لتجاوز الحماية التي توفرها بعض حقوق الإنسان الأساسية المنصوص عليها في الاتفاقيات التي انضمت إليها تونس، أو الحدّ منها.

من مبادئ القانون الدولي ضرورة أن يضمن كل بلد أن دستوره يتطابق مع الالتزامات التي قطعها تجاه المعاهدات الدولية. ويتعين على المجلس التأسيسي إدراج فصل في الدستور يعترف بأن حقوق الإنسان المكفولة في المعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس تنطبق بشكل مباشر أن تأويل الدستور والقانون سيتم بصورة مطابقة مع هذه الاتفاقيات.

ومن بين الأحكام الأخرى التي تبعث على القلق:

  • التوطئة التي تضع أسس الدستور على "مبادئ حقوق الإنسان الكونية بما ينسجم مع الخصوصيات الثقافية للشعب التونسي". هذه الجملة قد ينتج عنها عدم التزام المُشرعين والقضاة بالمعايير العالمية للحقوق الأساسية.
  • الفصل 5 الذي ينصّ على أن "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية" دون أن يتطرق إلى حرية الفكر والضمير، بما في ذلك تغيير دين بآخر أو الإلحاد. وستكون حقوق الإنسان محمية بشكل أفضل في وجود ضمانات صريحة لحرية الفكر والضمير.
  • عدم وجود تعريف دقيق للقيود التي يُمكن فرضها على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، حيث تحدد العديد من الفصول في النسخة الثالثة لمسودة الدستور مجال حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات من خلال السماح للسلطة التشريعية بتمرير قوانين تحد من هذه الحقوق، دون تحديد واضح لهذه القيود.
  • وجود حُكم قانوني تمييزي ينص على أنه لا يحق لغير المسلم أن يُصبح رئيسًا للجمهورية. هذا الحكم يتعارض مع الفصل 6 الذي ينصّ على أن "المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز". إضافة إلى ذلك، مازال مشروع الدستور يحدّ من المساواة أمام القانون لصالح المواطنين التونسيين.

وسوف يقوم المجلس بالتصويت على كل فصل بشكل منفصل بالأغلبية المُطلقة، كما تنص على ذلك قوانين المجلس. وبعد ذلك، يتعين عليه تمرير المشروع بأكمله في تصويت منفصل.

وإذا لم يحظ المشروع بموافقة أغلبية الثلثين، يتعين على لجنة الصياغة تقديم نسخة مُعدلة للمجلس. وإذا فشل هذا النص أيضًا في الحصول على موافقة أغلبية الثلثين، يتم بعد ذلك اللجوء إلى استفتاء وطني بأغلبية مُطلقة من الأصوات.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على المجلس الوطني التأسيسي إدخال تعديلات على المشروع الحالي للدستور لتدعيم حماية الحقوق وسدّ الثغرات الموجودة فيه.

وقال إريك غولدستين: "يتعين على المجلس التأسيسي الآن معالجة الأحكام القانونية المثيرة للقلق، قبل أن يُصبح الدستور أمرًا واقعًا. لقد قاد التونسيون المنطقة بأكملها للمطالبة بحقوقهم الأساسية، ويجب أن لا يُفرطوا فيها الآن".

فصول وصياغات تهدد حقوق الإنسان

تعريف حقوق الإنسان العالمية بالإشارة إلى الخصوصيات الثقافية
تنص توطئة المشروع الجديد على أن الدستور يتأسس على "ثوابت الإسلام ومقاصده المتسمة بالتفتح والاعتدال، وعلى القيم الإنسانية السامية ومبادئ حقوق الإنسان الكونية بما ينسجم مع الخصوصيات الثقافية للشعب التونسي". يُعطي تعريف حقوق الإنسان العالمية في هذه الصيغة الفضفاضة للسلطة التنفيذية والمُشرّعين والمحاكم صلاحية واسعة لاستخدام مفهوم "الخصوصيات الثقافية" كأساس لتقويض وتقييد حقوق الإنسان كما هي معترف بها دوليًا.

إضافة إلى ذلك، ينصّ الفصل 136 في الباب الأخير من أبواب الدستور، على أنه "لا يُمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من الإسلام بصفته دين الدولة". وبينما لا ينتهك مفهوم دين الدولة القانون الدولي، إلا أنه لا يجب أن تستخدم الدولة هذا الحكم القانوني بطريقة من شأنها تقويض الحقوق والحريات، بما في ذلك المساواة.

تنصّ لجنة حقوق الإنسان، المسؤولة عن تأويل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في تعليقها العام رقم 22 على "أن الاعتراف بديانة ما باعتبارها دين الدولة أو الدين الرسمي أو التقليدي، أو باعتبار أن أتباعها يُشكلون أغلبية السكان، يجب أن لا يؤدي إلى إعاقة التمتع بأي حق من الحقوق المنصوص عليها في العهد [...]، كما يجب ألا يؤدي إلى أي تمييز ضدّ أتباع الديانات الأخرى أو الأشخاص غير المؤمنين بأي دين".

وقال المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الدين والمعتقد "وإن كان مفهوم ديانات الدولة ليس محظورًا في حدّ ذاته بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، فان على الدول أن تكفل أن لا يؤدي ذلك إلى تمييز بحكم القانون أو بحكم الواقع ضدّ أعضاء الديانات أو المعتقدات الأخرى". كما قال "في ما يتعلق بمفهوم دين دولة رسمي، يبدو من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تصور تطبيق هذا المفهوم تطبيقًا ليست له في الممارسة آثار ضارة على الأقليات الدينية، ومن ثم تمييزية ضدّ أتباعها". 

كما قال المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الدين والمعتقد إنه "عندما تعلن الدولة نفسها عن دينها في الدستور، يُمكن القول إن القانون لم يعد يعكس التنوع الاثني والديني للمجتمع، مما يفتح المجال واسعًا أمام الإجراءات التعسفية والتعصب الديني... وسواء فيما يتعلق بديانات الدول آو غيرها من الطوائف الدينية أو العقائدية، ينبغي للدولة أن لا تحاول أبدًا التحكم في الدين بتحديد محتواه ومفاهيمه أو بفرض حدود، فيما عدا تلك التي تدعو لها الضرورة القصوى بموجب الفقرة 3 من المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية".

غياب الحق في حرية الفكر والضمير، وتأكيد غامض لحرية المعتقد
ينصّ باب المبادئ العامة على أن "الدولة كافلة لحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية". ولكن هذه الصياغة تتغافل عن مفاهيم أشمل من قبيل حرية الفكر والضمير التي تتضمن بشكل أوضح حق الأشخاص في تغيير دين بآخر، أو عدم اعتناق أي ديانة، أو الإلحاد. إن الاعتراف الصريح بالحق في حرية الفكر والضمير من شأنه توفير حماية أفضل للتونسيين من اعتماد قوانين داخلية قد تُجرّم الإلحاد أو عدم اعتناق دين معين.

ويُصنف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي حرية الفكر والضمير والدين معًا. وتعتبر لجنة حقوق الإنسان أن المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تشمل حرية الفكر في جميع المسائل مثل الاقتناع الشخصي والالتزام بأي دين أو معتقد. إضافة إلى ذلك تنصّ اللجنة على أن "حرية كلّ شخص في أن "يكون له أو يعتنق" أي دين او معتقد" تنطوي بالضرورة على [...] الحق في التحول من دين أو معتقد إلى آخر أو في اعتناق آراء الحادية، فضلا عن الحق في الاحتفاظ بدينه أو معتقده".

يُشير الدستور إلى حرية المعتقد فقط في باب المبادئ العامة وليس في باب الحقوق والحريات. وينصّ الفصل 5 على أن "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد دور العبادة عن التوظيف الحزبي". وتربط هذه الصياغة حرية المعتقد بممارسة شعائر دينية، وبذلك فهي تحصر المعتقدات التي يمكن حمايتها.

صياغة فضفاضة للقيود التي يمكن فرضها على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات
يبدو أن النسخة الثالثة لمشروع الدستور تقيّد مجال حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات من خلال السماح للسلطة التشريعية بتبني قوانين تُقيّد هذا الحق دون أن تحدد بشكل واضح طبيعة القيود التي يمكن فرضها. وينصّ الفصل 40 على أن "حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة... لا يُمكن ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات". ولكن مشروع الدستور ينص أيضًا على أنه "لا يُمكن الحد من حرية التعبير والإعلام والنشر إلا بموجب قانون يحمي حقوق الغير وسمعتهم وأمنهم وصحتهم". وكذلك ينصّ الفصل 34 على أن "الحق في النفاذ إلى المعلومة مضمون في حدود عدم المساس بالأمن الوطني أو المصلحة العامة أو المعطيات الشخصية للغير". كما ينصّ الفصل 30 على أن "حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات مضمونة. ويضبط القانون الإجراءات لتكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات على أن لا ينال من جوهر هذه الحرية". وينطبق الشيء نفسه على الحق في التجمع السلمي والتظاهر الذي يجب أن يكون مضمونًا وأن "يُمارس طبق ما يُقره القانون من ضوابط إجرائية لا تمس من جوهر هذا الحق".

وتُعطي هذه القيود للسلطة التشريعية هامشًا واسعًا لاعتماد قوانين تقيّد هذه الحقوق دون أن تستجيب القيود بشكل محدد إلى الاختبار الثلاثي الذي ينص عليه القانون الدولي. وطبقًا للقانون الدولي، فإن أي قيود تُفرض على حقوق الإنسان يجب أن تكون: أولا مذكورة في قوانين، وثانيًا لها غاية شرعية، مثل احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة، وثالثًا ان تكون ضرورية ومتناسبة.

على سبيل المثال، يؤكد إعلان مبادئ حرية التعبير في أفريقيا (الإعلان الأفريقي)، الذي تبنته اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في 2002، على أن أي قيود تُفرض على حرية التعبير يجب أن تكون مُحددة بالقانون، وتخدم مصلحة شرعية، وتكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي. كما ينص الإعلان أيضًا على أنه لا يجب تقييد حرية التعبير بسبب النظام العام أو الأمن القومي إلا في حالة وجود تهديد كبير لتعريض مصلحة مشروعة إلى الخطر، أو وجود علاقة سببية بين الخطر والتعبير.

وقالت لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام على المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إن القيود التي يُمكن فرضها على حرية التعبير يجب أن تكون خاضعة إلى الشروط التالية: ضرورة أن تكون محددة بالقانون، وضرورة أن تكون لها غاية شرعية، وأن تمتثل إلى اختبارات الضرورة والتناسب.

أحكام تمييزية
ينصّ الفصل 6 من مشروع الدستور على أن "المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز". هذا الحكم القانوني يتعارض مع الفصل الذي ينص على أنه لا يُمكن لغير المسلم أن يُصبح رئيسًا للجمهورية. ورغم أن هذا الفصل يبدو أنه يخصّ وضعية محددة، إلا أن وجوده في الدستور يقوض مبدأ عدم التمييز.

إضافة إلى ذلك، يتضمن الدستور صياغة ضعيفة في ما يتعلق بعدم التمييز والمساواة أمام القانون، فالفصل 6 الذي يربط حماية الحقوق بالمواطنين فقط، لا يتطابق مع المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أن تضمن الدولة لكل شخص على أراضيها وخاضع لولايتها، وليس فقط مواطنيها، الحقوق المذكورة في العهد. كما يجب على الدستور تحديد الأسس التي يُمنع على أساسها التمييز والتي تشمل، إضافة إلى الجنس، الأصل واللون واللغة والدين والرأي سياسيًا وغير سياسي، والأصل القومي أو الاجتماعي، والثروة والولادة أو أي وضع آخر. أما الصياغة الحالية، فهي توحي بان عدم التمييز علي اساس جنسي هو فقط المشمول بهذه الحماية. 

وبالنظر الى المساواة بين الجنسين، ينص الفصل 42 على أن "تضمن الدولة حماية حقوق المرأة وتدعم مكتسباتها". كما ينص الفصل 42 على أن "تضمن الدولة تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في تحمل مختلف المسؤوليات. تضمن الدولة القضاء على كل أشكال العنف ضدّ المرأة". وتُعتبر هذه الأحكام القانونية إيجابية لأنها متطورة مقارنة بالصياغة السابقة التي تحدثت عن مفهوم "التكامل" بين الجنسين الذي شكل خطرًا على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.

ولكن هذه الأحكام أيضًا تجسّد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة بشكل جزئي فقط لأنها تتحدث عن تكافؤ الفرص في "مختلف المسؤوليات" وليس في حق المساواة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

وضعية اتفاقيات حقوق الإنسان التي انضمت إليها تونس
لا يُحدد مشروع الدستور بشكل واضح ما إذا كانت اتفاقيات حقوق الإنسان التي انضمت إليها تونس، بما في ذلك معاهدات وبروتوكولات الأمم المتحدة وأفريقيا، تنطبق بشكل مباشر كقوانين في تونس وهي مُلزمة لمؤسسات الدولة والأشخاص. وينص الفصل 21 من مشروع الدستور على أن "المعاهدات الدولية الموافق عليها من قبل مجلس نواب الشعب ثم المصادق عليها أعلى درجة من القوانين وأدنى درجة من الدستور". وبينما تُعتبر هذه الصياغة مراجعة للصياغة الماضية التي كانت تنص على أن "احترام المعاهدات الدولية واجب فيما لا يتعارض مع هذا الدستور"، إلا أنها مازالت تضع الدستور فوق معاهدات حقوق الإنسان التي انضمت إليها تونس.

وينتهك ذلك اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، وتونس طرف فيها، التي تنص المادة 27 منها على أنه "لا يجوز لطرف في معاهدة أن يحتج بنصوص قانونه الداخلي كمبرر لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة". وهذا يعني أن على تونس أن تضمن تطابق قوانينها مع التزاماتها الدولية. وقد ينتج عن صياغة الفصل 21 تجاهل القضاة والمشرعين في التزامات تونس الدولية على أساس أنها تتعارض مع الدستور الجديد. كما لا يُشير مشروع الدستور إلى القانون العرفي الدولي، الذي هو مُلزم لتونس أيضا. 

كما لا يتطرق مشروع الدستور إلى الطريقة التي يعتمدها القضاة وغيرهم في تأويل حقوق الإنسان المذكورة في الدستور والمعاهدات الدولية، أو إلى كيفية التعامل مع الوضعيات التي يوجد فيها تضارب بين قانون حقوق الإنسان وفصول محددة في الدستور، أو القوانين العادية التي تتعارض معه. وعلى سبيل المثال، يوجد في دساتير جنوب أفريقيا وكينيا حكم قانوني ينص على أنه يجب على القضاة تأويل القانون، بما في ذلك الدستور، بطريقة تعزز تطبيق الحقوق والحريات العامة، وتؤكد على أن يأخذوا في عين الاعتبار تأويل معاهدات حقوق الإنسان التي تقدمها أي جهة تابعة لها، بما في ذلك المحاكم واللجان.

حالة الطوارئ
تسمح النسخة الثالثة من مشروع الدستور لرئيس الجمهورية بفرض حالة الطوارئ في حالة وجود خطر داهم يهدد وحدة البلاد أو أمنها أو استقلالها. ويتعين على المجلس التأسيسي أن يذكر بوضوح في مشروع الدستور ضرورة احترام حقوق الإنسان في جميع الأوقات، وأن فرض أي قيود يجب أن يكون مطابقًا لمستلزمات حالة الطوارئ التي تحددها المادة 4 من العهد الولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتعليق العام رقم 29. ويجب أن يتضمن ذلك تنصيصًا على أن القيود التي تُفرض على الحقوق في حالات الطوارئ هي فقط تلك الضرورية، لفترة زمنية محددة، والتي تستجيب لمتطلبات الوضع، مع ضرورة عدم تقييد القوانين الدولية التي تُعتبر غير قابلة للانتقاص في إطار سلطات الطوارئ. ويجب إخضاع إعلان حالة الطوارئ والسلطات المنجرة عنها إلى المراجعة القضائية.

التوصيات

  • قالت هيومن رايتس ووتش إن على المجلس الوطني التأسيسي مراجعة عدد من أحكام مشروع الدستور الحالي لتعزيز حماية الحقوق وسدّ الثغرات:
  • يجب إدراج حُكم عام يجعل القانون التونسي يتضمن بشكل مباشر حقوق الإنسان كما تعرفها المعاهدات الدولية التي انضمت إليها تونس، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والقانون العرفي الدولي. ويجب أن تكون هذه المعاهدات والقانون العرفي جزءً لا تجزأ من القانون التونسي وفقا للدستور الجديد. كما يتعين على المجلس إضافة حكم قانوني ينصّ على أن الحقوق والحريات التي يحددها الدستور مُلزمة للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وكل مؤسسات الدولة.
  • يجب أن يتضمن الدستور تأكيدًا على الحق في حرية الدين والفكر والضمير، وأن يشمل هذا الحق تغيير الدين أو المعتقد، وممارسة أي دين بشكل خاص أو عام من خلال العبادة وإقامة الشعائر والعادات، أو عدم ممارسة أي دين.
  • ينبغي توضيح أن ذكر الإسلام كدين الدولة، أو الإشارات إليه في التوطئة، لا يجب تأويلها بطريقة تتعارض مع الحقوق والحريات التي يُحددها الدستور والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها تونس، ولا يجب أن ينتج عن ذلك تمييز ضد معتنقي الديانات الأخرى أو الذين لا يعتنقون أي دين.
    • يجب تضمين حكم عام ينص على أنه لا يجوز تقييد الحقوق والحريات الواردة في الدستور إلا في إطار ما يسمح به القانون الدولي وعندما:
    • تكون محددة في قانون واضح،
    • تكون مسموحًا بها لسبب مذكور في إحدى معاهدات حقوق الإنسان لتقييد حقّ محدد،
    • تكون معقولة ومبررة في مجتمع منفتح وديمقراطي اعتمادًا على كرامة الإنسان والمساواة والحرية،
    • لا تكون تمييزية بشكل مباشر أو غير مباشر،
    • يكون مجال أي تقييد مذكور في الدستور متناسبًا مع المصلحة التي يهدف إلى حمايتها، على أن لا يتم تأويله بما يهدد مضمون ذلك الحق أو بشكل تقييدي.
  • يجب إلغاء الفصل الذي يميز بين المواطنين من خلال اشتراط أن يكون رئيس الجمهورية مسلمًا.
  • يجب أن ينص الدستور على أن جميع المواطنين والأشخاص الذين هم على الأراضي التونسية أو الخاضعين لولايتها يتمتعون بالمساواة أمام القانون ودون تمييز بالاعتماد على العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين آو الرأي سياسيًا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة آو المولد أو أي وضع آخر.
  • يجب أن يتضمن الدستور حُكمًا قانونيًا يحدد أن المرأة والرجل متساويان، وأنهما يتمتعان بالمساواة التامة في القانون والممارسة، والمساواة في الفرص في جميع مناحي الحياة ودون قيود في المجالات المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.