(القدس) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية الأخيرة تهدف إلى إضفاء الشرعية على انتهاكات واضحة لالتزامات القانون الدولي المترتبة على إسرائيل. في أحد الأحكام، تجاهلت المحكمة مبادئ القانون الدولي التي تحظر التمييز، وفي حُكم آخر تجاهلت القانون الدولي الخاص باستخدام موارد الأراضي المحتلة. إن على غسرائيل أن تلغي القوانين التي تمنع المواطنين الإسرائيليين من الإقامة مع أزواج وزوجات فلسطينيين وفلسطينيات، وأن تضع حداً للسياسات التي تسمح للشركات الإسرائيلية الخاصة بأخذ الأحجار وغيرها من مواد البناء من محاجر في الضفة الغربية المحتلة من أجل تربح هذه الشركات.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "في ظل هذه الأحكام، حادت المحكمة العليا الإسرائيلية كثيراً عن مسار كونها الملاذ الأخير لكفالة حقوق الإنسان. انهيار نظام الضوابط القانونية ضد انتهاك الحقوق هكذا يعتبر مؤشر آخر على سقوط تدابير حماية الحقوق والحريات في إسرائيل".

قانون الجنسية وتنظيم الدخول إلى إسرائيل

في 11 يناير/كانون الثاني 2012 أيدت المحكمة دستورية قانون الجنسية والدخول إلى إسرائيل، الذي يحظر على الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة، أو أفراد من سوريا أو لبنان أو إيران أو العراق أو أي "مكان يشهد عمليات تمثل تهديداً على دولة إسرائيل" الدخول إلى إسرائيل بغرض لم شمل الأسرة بأزواج وزوجات من إسرائيل.

يؤثر القانون بالأساس على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل وأزواجهم وزوجاتهم من الفلسطينيين والفلسطينيات، وهم ممنوعون من الإقامة معاً في إسرائيل. نحو 20 في المائة من المواطنين الإسرائيليين من أصول فلسطينية عربية، والكثير منهم متزوجين من فلسطينيين وفلسطينيات من الضفة الغربية وغزة.

في البداية منعت وزارة الداخلية الإسرائيلية لم شمل الأسرة بين المواطنين الإسرائيليين والفلسطينيين في عام 2002، في ذروة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وفعّل الكنيست هذه السياسة على هيئة قانون في عام 2003، وعدّله في عام 2005 ثم 2007.

قال مقدمو الدعوى أن القانون يخرق الحق في الحياة الأسرية وحرية المرء الشخصية، ويميز على أساس من الجنسية ضد الأفراد. أشار مركز عدالة إلى أنه على النقيض من ذلك، يمكن لليهود من جنسيات أخرى الحصول على الجنسية الإسرائيلية تلقائياً بموجب قانون العودة (1950)، ويمكن للأجانب من غير اليهود الذين يتزوجون يهوداً من المواطنين، الحصول على الإقامة في إسرائيل أو الجنسية على مدار أربع سنوات، وهذا القانون يؤدي إلى تصنيفات بناء على الهوية القومية.

حُكم المحكمة أيد الحظر المعمم على أساس أن الأزواج والزوجات الفلسطينيين والفلسطينيات المتزوجين إلى مواطنين إسرائيليين، يمثلون خطراً أمنياً محتملاً بما أن بعضهم نفذوا هجمات على مواطنين إسرائيليين. أغلبية هيئة المحكمة رأت أن المواطنين الإسرائيليين لهم الحق في الحياة الأسرية، إلا أنه ليس من الضروري أن يتحقق لهم هذا الحق في إسرائيل.

ورد في الحُكم أنه من عام 2001 إلى 2010، قام 54 فلسطينياً ممن تلقوا وضع الإقامة في إسرائيل أو تلقى آبائهم هذا الحق، "تورطوا في أعمال إرهابية"، لكن الدولة لم توفر معلومات محددة عن هذه الحالات أو إن كان أي من "المتورطين" في هذه الأنشطة قد أدين أو اتُهم في أي جريمة. أثناء جلسات القضية في عام 2011، أقرت الدولة بأنه منذ عام 2001 أدين سبعة فلسطينيين فقط ممن حصلوا على حق الإقامة وحُكم عليهم في جرائم أمنية، ومنهم اثنين تم الإفراج عنهما بالفعل. طبقاً للحُكم فإن 135 ألف فلسطيني تقريباً حصلوا على الجنسية الإسرائيلية أو سُمح لهم مؤقتاً بدخول إسرائيل، من واقع الزواج إلى إسرائيليين وإسرائيليات بين 1994 و2002.

الحظر الشامل الذي يمنع جميع الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة "والدول المعادية" من العيش مع أزواج إسرائيليين وزوجات في إسرائيل، دون تقييم فردي لما إذا كان الشخص المعني يمثل تهديداً أمنياً، يعتبر حظر غير مبرر، على حد قول هيومن رايتس ووتش، ويفرض ضرراً غير متناسباً على حق المواطنين الفلسطينيين والإسرائيليين في العيش مع أسرهم. ومع قياس القانون بآثاره على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل مقارنة بالمواطنين اليهود، يعتبر القانون تمييزياً على هذا الحظر الشامل.

بموجب القانون يمكن لوزير الداخلية الإسرائيلي منح العفو للرجال الفلسطينيين أكبر من 35 عاماً والسيدات أكبر من 25 عاماً، من العمل في إسرائيل، أو لأسباب إنسانية، إذا كانوا من الضفة الغربية، لكن الفلسطينيين من غزة أو "الدول المعادية" غير مستحقين لهذه الإعفاءات. إلا أن القانون ذكر أن كون المواطن الإسرائيلي انفصل عن "زوجها أو زوجته، وإن كان لديهما أطفال، فهذا في حد ذاته لا يمثل سبباً إنسانياً". منذ عام 2005 حصل نحو 4118 فلسطينياً على تصاريح إقامة في إسرائيل بموجب إعفاءات القانون، بما في ذلك 33 حالة بناء على أسباب إنسانية.

أيدت المحكمة العليا القانون في عام 2006، في حُكم صدر بأغلبية 6 إلى 5 أصوات. القضاة الذين قرروا الرفض قالوا بأن القانون يساوي بين القضايا الأمنية والاعتبارات السكانية الخاصة بالحفاظ على الأغلبية اليهودية لإسرائيل. أشار أحد القضاة إلى أن القانون يستند إلى حُكم محكمة (رقم 1813) لسنة 2003، والذي نص على أن الحكومة عليها فحص "احتمالات تحديد كوتة لعدد الموافقات على طلبات لم شمل الأسرة". بما أن الكوتة "لا صلة لها بالاعتبارات الأمنية"، حسبما كتب، يبدو أن هذا الجزء من القرار "يستند فقط على اعتبارات سكانية ديمغرافية". هناك قاضٍ آخر في حُكم عام 2006 أشار إلى أن "القضية السكانية" هيمنت على بعض مناقشات البرلمان عن تعديل القانون في عام 2005. رئيس الكنيس على سبيل المثال، "حذر من لم شمل الأسر كآلية مخصصة لتنفيذ حق العودة من حيث الممارسة".

القانون يخرق التزامات إسرائيل بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، التي لا تنطبق على التمييز العنصري فحسب، بل التمييز بناء على الأصل القومي أو الإثني وغيرها من التدابير الحمائية لـ "الحق في الزواج واختيار الزوج(ة)". في عام 2007، ذكرت اللجنة التي تراقب الالتزام بالاتفاقية أن على إسرائيل إلغاء القانون لأنه "يؤثر بشكل غير متناسب على المواطنين العرب الإسرائيليين الراغبين في لم شمل أسرهم في إسرائيل"، وأشارت إلى أن القيود "التي تستهدف فئة قومية أو إثنية معينة" هي خرق لـ "الالتزام... بمنح الجميع المساواة أمام القانون". أوصت اللجنة بأن تقوم إسرائيل "بإعادة النظر في سياستها بهدف تيسير لم شمل الأسرة على أساس غير تمييزي" و"ضمان أن القيود على لم شمل الأسرة تقتصر فقط على حالات الضرورة وتكون محدودة في التطبيق، ولا تنطبق على أساس قومي أو سكني أو من واقع الانتماء إلى مجتمع معين".

وقالت سارة ليا ويتسن: "كان يجب على المحكمة ألا توافق أبداً على قانون يُعامل رغبة الفلسطينيين في الزواج من إسرائيليين والإقامة مع أسرهم في إسرائيل، وكأنه أمر ينطوي تلقائياً على تهديد أمني".

المحاجر التي يملكها إسرائيليون في الضفة الغربية

في 26 ديسمبر/كانون الأول 2011، رفضت محكمة العدل العليا دعوى بوقف عمليات محاجر من تشغيل إسرائيليين في الضفة الغربية، وغاية الدعوى أن هذا يخرق التزامات إسرائيل بصفتها قوة محتلة. الشركات الإسرائيلية تدير حالياً ثماني محاجر لاستخراج مواد البناء، وجميعها فتحت في إسرائيل بعد أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية في عام 1967. تصدر هذه المحاجر 94 في المائة من إنتاجها إلى إسرائيل دون تعويض سكان الأراضي المحتلة على هذا المورد الطبيعي المستغل.

أنظمة لاهاي لسنة 1907 التي تحدد أصول القواعد الدولي لأعمال الاحتلال العسكري، تطالب القوى المحتلة بـ "حماية أصول" أراضي الدولة وبناياتها في الأراضي المحتلة، وإدارتها فقط بما يناسب احتياجات السكان المحتلين أو بما يفي بضرورات الجيش المحتل.

الحُكم الصادر من رئيس القضاة دوريت بينيش، يرى أن المُحتل يمكنه بموجب القانون أن "يستخدم بشكل معقول" الموارد الطبيعية المملوكة للدولة في الأراضي المحتلة، إن لم يتم استنفاذها بشكل مدمر. إلا أن المحكمة تجاهلت الحظر القانوني على استغلال الموارد، بشكل مدمر أو غير مدمر، لأجل المكاسب الاقتصادية للقوة المحتلة، وليس لاحتياجاتها العسكرية أو لصالح السكان المحتلين، على حد قول هيومن رايتس ووتش. وكما ورد في دعوى ييش دين، فإن أرباح المحاجر تفيد الاقتصاد الإسرائيلي وليس الاقتصاد الفلسطيني، لأن إسرائيل أعطت حق استغلال المحاجر لشركات إسرائيلية وليس شركات فلسطينية دون فتح الباب لتقديم العطاءات.

قضت المحكمة بأن "الظروف الفريدة من نوعها" لـ "الاحتلال الإسرائيلي المطول" للضفة الغربية "تستدعي تعديل قوانين الاحتلال" رغم أنها ذكرت أن هذا حسب الزعم لفائدة السكان المحتلين. عمليات استغلال المحاجر الإسرائيلية، على حد قول المحكمة، ساعدت على منع تدهور حال البنية التحتية الخاص بالعمل بمجال المحاجر وركود الاقتصاد المحلي، لأن الشركات الإسرائيلية التي تدير المحاجر توظف نحو 200 عامل فلسطيني. إلا أن كون المحتل يدفع لأعضاء من السكان المحتلين لمساعدته على استغلال والتربح من الموارد الطبيعية الخاصة بهم لا يمكن اعتباره بموجب أي تفسير معقول لقانون الاحتلال "حماية للموارد الطبيعية" للأراضي المحتلة، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه بالإضافة إلى السماح باستغلال الموارد الطبيعية في أراضي محتلة لتحقيق مصالح اقتصادية للقوة المحتلة، فإن عرض المحكمة لحقائق القضية فيما يخص تربح السكان الفلسطينيين أحياناً فيه تبسيط مُخل. المحاجر تدفع حقوق انتفاع وأجور للإدارة المدنية، وهي سلطة إدارية عسكرية إسرائيلية في الضفة الغربية. وصفت المحكمة الإدارة المدنية بأنها تعمل "لصالح السكان في المنطقة [الضفة الغربية"، على النقيض مما توصلت إليه هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى من أن ممارسات وسياسات الإدارة المدنية تضر بالفلسطينيين على طول الخط، بينما تفيد المستوطنين. على سبيل المثال، في عام 2011 هدمت الإدارة المدنية عدداً غير مسبوقاً من البيوت الفلسطينية، وهجّرت قسراً نحو 500 شخص، طبقاً للأمم المتحدة، بينما بدأ المستوطنون الإسرائيليون في نفس المنطقة في تشييد 1850 بيتاً جديداً، طبقاً لمنظمة "السلام الآن" الإسرائيلية.

كما ذكرت المحكمة وجود أسباب إجرائية لرفض الدعوى، بما في ذلك أن المسألة مسألة "سياسية" وبعيدة عن اختصاصها. اتفاقات أوسلو لعام 1995 بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية – حسبما جاء في الحكم – تسمح لإسرائيل باستمرار تشغيل محاجر الضفة الغربية أثناء فترة انتقالية، وبعدها تُنقل لسيطرة الجانب الفلسطيني. إلا أن الاتفاقات المحلية مثل اتفاقات أوسلو، والتي كان المفترض انتهاء نفاذها في 1999، لا تبرر تصرفات إسرائيل التي تخرق القانون الدولي على حد قول هيومن رايتس ووتش. اتفاقيات جنيف تنص على أن سكان الأراضي المحتلة لا يمكنهم الموافقة على التنازل عن حقوقهم.

في يناير/كانون الثاني، تقدمت منظمة ييش دين بدعوى لقضاة المحكمة الـ 11 لإعادة النظر في حُكم صادر من هيئة قضائية قوامها 3 قضاة، على أساس أن الحُكم اعتمد على أخطاء في الحقائق والقانون.

وقالت سارة ليا ويتسن: "بالإضافة  إلى باقة الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل في احتلالها للضفة الغربية، أصبح لدينا الآن تأييد من المحكمة الإسرائيلية العليا على أعمال استغلال الشركات الإسرائيلية". وتابعت: "ليس من المتاح لهذه المحكمة أو أي محكمة محلية تجاهل القواعد الحاكمة للاحتلال منذ أكثر من مائة عام".