© 2011 هيومن رايتس ووتش

(بنغازي) - بعد زيارة إلى المنطقة دامت خمسة أيام، قالت هيومن رايتس ووتش إن القوات الحكومية قامت بهاجمة مدن جبل نفوسة غرب ليبيا بشكل عشوائي ويومي.

وأوضحت هيومن رايتس ووتش أن صواريخ غراد، التي تُعتبر أسلحة عشوائية عندما تُستعمل في المناطق الآهلة بالسكان، تهدد حياة المدنيين، تدمر البنية التحتية، وتمنع عودة عشرات آلاف اللاجئين إلى المنطقة بعد أن فرّوا إلى تونس منذ فبراير/شباط.  وكثيرا ما تسقط هذه الصواريخ على المنازل الخاصة وقرب المستشفيات والمساجد، وهو ما أجبر الناس على الهروب من المنطقة والعيش في كهوف.

وقالت سارة ليا ويتسون، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "تُطلق صواريخ الغراد بشكل شبه يومي على التجمعات السكانية دون وجود أهداف عسكرية قابلة للتمييز. فمالذي يدفع الحكومة إلى الاعتقاد بوجود هدف وراء وابل الشظايا التي تسقط على المنازل أو المساجد والمستشفيات؟" 

وعلى سبيل المثال، سقط يوم 1 مايو/أيار ما يبدو أنه صاروخ غراد على مطبخ في منزل عمر يوغس في مدينة الزنتان فخلّف كومة رماد واسمنت وهشم الثلاجة والموقد. وكان عمر يوغس، البالغ من العمر 45 سنة، وزوجته وأحد الأبناء نائمين في الغرفة المجاورة ولم يُصبهم أذى. ومنذ ذلك الوقت قام عمر بإرسال عائلته إلى مخيم للاجئين في تونس. وفي الجوار، دُمّر الجدار المحيط بمنزل طاهر أحمد منصور، البالغ من العمر 62 عاما، بشكل جزئي بعد أن سقط فوقه صاروخ أيضا.

وفي الزنتان أيضا، وهي أكبر مدن السلسلة الجبلية، شهدت هيومن رايتس ووتش على هجمات صاروخية استهدفت وسط المدينة أيام 22 و23 مايو/أيار. فقد انفجر صاروخ على مسافة تقدر ب100 متر من مستشفى الزنتان يوم 23 مايو/أيار فأصاب وابل الشظايا جدارا خارج منزل خاص قبالة الشارع الرئيسي. كما أصاب صاروخ آخر في نفس اليوم شارع سكني وبلغت شظاياه شاحنة فضلات كانت واقفة بالمكان. إلا أن هيومن رايتس ووتش لم تلاحظ في كلتا الحالتين وجود أشخاص أو معدات عسكرية في الجوار.

وتجولت هيومن رايتس ووتش في ما يقارب 20 موقعا أصابتها ذخائر الحكومة في الزنتان منذ منتصف فراير/شباط، تاريخ بداية القتال بين القوات الموالية للقائد الليبي معمر القذافي والمتمردين المناوئين للحكومة في جبال نفوسة. وشاهدت هيومن رايتس ووتش ثلاثة منازل بأسقف مثقوبة ومسجد أصابته الشظايا، وجدار مدرسة مدمر، وسيارات مهشمة وشجرة زيتون مقتلعة بعد أن سكن صاروخ غراد جذورها، ومقبرة وقد تناثرت فيها بقايا الصواريخ. ولكن هيومن رايتس ووتش لم تلاحظ أي هدف عسكري قرب أو داخل جميع هذه الأماكن.

كما انه يوجد ثقبان في مأوى السيارات الخاص بمستشفى الزنتان وثقب آخر في الشارع المقابل للبوابة الرئيسية في ما بدا أنه نتيجة لسقوط صواريخ غراد، وقد أكد أطباء المستشفى أن تلك الصواريخ سقطت يوم 27 أبريل/نيسان.

وقال الأطباء أن الذخيرة التي أطلقتها القوات الحكومية في شهر مايو/أيار لم تصب أي مدني ولكن لاجئين من المنطقة إلى تونس أكدوا لهيومن رايتس ووتش بداية شهر مايو/أيار أن الهجمات الحكومية تسببت في قتل مدنيين خلال شهر أبريل/نيسان.

وتؤكد هذه الأدلة المادية نتائج سابقة نشرتها هيومن رايتس ووتش يوم 9 مايو/أيار حول الهجمات العشوائية في جبال نفوسة اعتمادا على شهادات تم جمعها من لاجئين فارين إلى تونس.

وقال بعض المسؤولين من المتمردين أن عدد سكان الزنتان قبل بداية الصراع كان يقُدر ب40 ألف نسمة ولكن ما يقارب 30 ألف شخص فروا إلى تونس خلال الأشهر الثلاثة الماضية. كما قام المئات من المدنيين بالاختباء في كهوف في المناطق المجاورة لحماية أنفسهم من هجمات القوات الحكومية.

وبينما يتوفر الماء لأهالي الزنتان، فان المواد الغذائية يقع جلبها من تونس. ويوفر الأطباء الليبيون والأجانب بالمستشفى الرعاية الصحية الأساسية ولكن المرضى الذين هم في حالات حرجة والمصابين بجروح يقع نقلهم إلى تونس.

وقالت الأمم المتحدة أنها سجّلت قرابة 40 ألف لاجئ ممن فروا من جبال نفوسة إلى تونس. ولكن مسؤولين عن المتمردين أكدوا لهيومن رايتس ووتش أن آلاف اللاجئين الآخرين يوجدون الآن في تونس ويسكنون منازل خاصة هناك.

وأثبتت بقايا صواريخ جمّعها الثوار وتفحصتها هيومن رايتس ووتش في الزنتان أنها تشبه غلاف أنبوب الصلب الخاص بصاروخ الغراد، وقد التوى وتجزّأ بعد الانفجار، والذي يُطلق من قاذفات متعددة الأفواه. وبينما لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد مصدر الهجمات، أكد قادة الثوار أن مصدرها القوات الموالية للقذافي المتمركزة على بعد 10 كيلومترات شمال المدينة. وصواريخ الغراد هي روسية الصنع ويبلغ مداها من 4 إلى 40 كيلومتر، وبما أنها لا تتوفر على جهاز توجيه فأنها تكون بالضرورة عشوائية عندما يتم إطلاقها على المناطق المدنية.

وأضافت سارة ليا ويتسون: "لا يمكن استهداف صواريخ الغراد ولذلك فان إطلاقها على الأماكن المأهولة حيث لا توجد أهداف عسكرية واضحة يُعد انتهاكا لقوانين الحرب."

ورغم أن هيومن رايتس ووتش لاحظت وجود ما يبدو أنه أهداف عسكرية في الزنتان، مثل المقر الرئيسي للمجلس العسكري وسلاح مضاد للطائرات هو بصدد الإصلاح وثكنات مؤقتة تُستعمل لتوفير الحماية لمقاتلين من مدن أخرى، فان جميع هذه الأهداف لم تُصب بأذى. وقالت هيومن رايتس ووتش أنه بالرغم من أن القانون يسمح للقوات الحكومية استهداف مواقع عسكرية، فان إطلاق صواريخ الغراد غير المتحكّم فيها على مدينة يسكنها المدنيون يُعتبر انتهاكا لالتزامات قوانين الحرب التي تفرض التفريق بين المدنيين والمقاتلين.

وفي نفس الوقت، قالت هيومن رايتس ووتش انه ينبغي على قوات المتمردين في ليبيا أن تعمل قدر المستطاع على تفادي تركيز أهداف عسكرية في أماكن ذات كثافة سكانية عالية وأن تُبعد المدنيين عن المناطق المجاورة للأهداف العسكرية.

وفي إحدى الضواحي الغربية لمدينة الزنتان قال مفتاح مصطفى ميلاد، البالغ من العمر 47 سنة، أنه قام منذ فبراير/شباط بنقل زوجته وأطفاله الستة إلى كهف للاحتماء بداخله.

وأضاف مفتاح ميلاد لهيومن رايتس ووتش: "لقد صارت الكهوف مألوفة، وإذا ما صادف أن كان أحد ما في الخارج عند إطلاق الصاروخ، فانه يهرب إلى الكهف وليس إلى المنزل."

وأضاف أن خمس عائلات، وعدد أفرادها 29، صارت تتقاسم ثلاثة كهوف تحت مجموعة من المنازل بعد أن وصلتها بسلك للكهرباء تم ربطه بمنزل هناك.

ويسكن علي عبدالبهاء، البالغ من العمر 41 سنة، صحبة زوجته ووالده وخمسة أطفال كهفا مجاور لمنزله. وقال، وهو يشير إلى جهاز التقاط فضائي ركّزه في الخارج ووصله بجهاز التلفزة داخل الكهف، "هذا المكان يبلغ من العمر ما يناهز 100 عام."

وأضاف علي عبدالبهاء أن آخر هجوم صاروخي على المكان تم يوم 6 مايو/أيار عندما ضربت خمس صواريخ جانبا من التل الذي لا يبعد سوى 200 متر عن الكهوف. كما أكد لهيومن رايتس ووتش أن أحد الصواريخ انفجر على مسافة 25 مترا من والده المسن عندما كان عائدا من الصلاة وقد تسبب له ذلك في فقدان حاسة السمع.

وعلى مسافة ميل واحد من الزنتان، تبرز الحكمة من استعمال الكهوف في منطقة تتكون من بنايتين اثنتين. فقد أصاب صاروخ منزل عبدالسلام نقاص، البالغ من العمر 39 سنة، ليلة 27 أبريل/نيسان، ما تسبب في سقوط سقف مستودعه وانفجار سيارته التي كان يركنها بداخله وسقط صاروخ آخر أمام جدار حديقته. وقال عبدالسلام نقاص أنه كان نائما داخل المنزل ساعة الانفجار ولكنه لم يُصب بأذى بينما كانت زوجته الحامل وابنيهما في كهف لأحد الأصدقاء.

وأضاف عبد السلام: "لقد أرسلت عائلتي إلى تونس. لا أستطيع إبقاءهم هنا ولو كانوا داخل كهف."

ويتحدث اللاجئون في تونس عن هجمات مماثلة على مدن أخرى في منطقة نفوسة. وقال يوسف، الذي رفض الكشف عن اسمه الكامل، أنه غادر نالوت، المدينة القريبة من الحدود التونسية، يوم 14 مايو/أيار بعدما سقطت ما وصفها بالقذيفة قرب منزله ذي الطابق الواحد وتهشمت عدة نوافذ.

وأضاف يوسف، وهو أب لأربعة أطفال: "لن أعود بعائلتي إلى هناك قبل أن أتأكد أن ذلك لن يحدث ثانية."

كما قال أحمد بديدي، البالغ من العمر 45 سنة والذي زار منزله في نالوت يوم 20 مايو/أيار، أن صاروخا انفجر في الشارع الذي يسكنه يوما واحدا قبل زيارته وأنه تسبب في سقوط جانب من أحد الجدران. وتجدر الإشارة إلى أن القوات الحكومية أطلقت أيضا صواريخ على مسلك جبلي بين ليبيا وتونس، كان آخرها يومي 14 و17 مايو/أيار، وأن عددا منها سقط قرب مدينة ذهيبة الحدودية التونسية.

وأضاف أحمد: "أذهب لتفقد منزلي وزوجتي لا ترغب في ذلك. ربما كانت محقة."

نبذة عن الزنتان

يسكن في مدينة الزنتان وسلسلة نفوسة غالبية من البربر، وهي مجموعة غير عربية كثيرا ما أحست بالتهميش في ليبيا. وانطلقت الاحتجاجات ضد القذافي في الزنتان يوم 16 فبراير/شباط، يوم واحد بعد أن بدأت احتجاجات في بنغازي، شرقي ليبيا، على خلفية اعتقال ناشط حقوقي. وقال مسؤول من المتمردين، عرّف نفسه بالعقيد عبدالله، لهيومن رايتس ووتش: "الزنتان أعلنت الحرب على الدكتاتور."

وقام المتمردون يوم 20 فبراير/شباط بمهاجمة مدينة القرافة المجاورة ونهبوا الذخيرة من مركّب حكومي هناك. ويوم 28 فبراير/شباط قامت قوات القذافي بهجوم معاكس على الزنتان ولكن المتمردين، وبعضهم كان يحمل بنادق ايطالية تعود إلى حقبة الثلاثينات، تمكنوا من صدّ الهجوم واستولوا على بعض العتاد بما في ذلك أسلحة مضادة للطائرات كانت تستعملها القوات الحكومية.

وفي 16 مارس/آذار بدأت القوات الحكومية هجوما من جهة جنوب الزنتان وتمكنت من الوصول إلى وسط المدينة ليلة 19 مارس/آذار ولكن قوات المتمردين أجبرتهم على مغادرة المدينة بعد معركة في إحدى الضواحي دامت ثلاثة أيام.

وخلال شهر أبريل/نيسان، لم تتمكن قوات القذافي من معاودة الدخول إلى الزنتان فقامت بمحاصرة المدينة من الشمال والشرق والجنوب. وفرّ السكان إلى تونس خاصة عندما تكثفت الهجمات بالقذائف والصواريخ في نهاية أبريل/نيسان وبداية مايو/أيار. وفي 7 مايو/أيار تمكن سبعة متمردين من صد هجوم للقوات الحكومية قُتل خلاله قائدهم العسكري محمد المدني.

ويبدو المتمردون عير قادرين على شن هجوم مضاد على قوات القذافي شمالا وشرقا وجنوبا لإخراجهم عن مدى سقوط صواريخ الغراد. وفي 11 مايو/أيار، حاول المتمردون تدمير طريق يِؤدي إلى مدينة الرياينة الجبلية الواقعة شمالا والمفتوحة على الصحراء والتي تتمركز بها قوات القذافي وتتحرك داخلها بحرية. ولكن المتمردين لم ينجحوا في ذلك وقُتل منهم 11 عنصرا وصارت مجهوداتهم أكثر تعقيدا مع تحالف عدة مدن في الشمال والشرق تربطها علاقات قبلية بالقذافي وتعارض الانتفاضة.

وفي 19 مايو/أيار، هاجمت القوات الحكومية المحتمية بمدينة زاوية باقول الموالية للقذافي مدينة الرياينة وأجبرت المتمردين على التراجع إلى الزنتان. وسمحت المناورة للقوات الحكومية من التمركز على بعد 10 أميال من الزنتان وأشاعت الخوف من أن تحاول هذه القوات غزو المدينة من جهة الشمال. وتسببت المخاوف من أن تشن قوات القذافي المتمركزة في الرياينة هجوما على الزنتان في 22 مايو/أيار حالة من الهلع وغادرت عديد السيارات التي امتلأت باللاجئين المدينة في اتجاه الشرق. والى غاية اليوم 26 مايو/أيار لم تشن الحكومة أي هجوم بري على الزنتان.