منذ إعلان مجموعة يمنية مسلحة المسؤولية عن مخطط تفجير الطائرة في سماء ديترويت الأميركية عشية عيد الميلاد، أصبح صناع السياسة الأميركية يولون قدراً أكبر من الاهتمام لليمن. ففي مطلع مارس/آذار، شنت اليمن غارة جوية على معاقل مشتبهة للقاعدة، وفي أواسط مارس/آذار اعتقلت قوات الأمن اليمنية رجلاً أميركياً في صنعاء للاشتباه في انتمائه للقاعدة. لقد أصبح تبين ما يجب فعله إزاء هذه القضية أكثر صعوبة. هل على الولايات المتحدة بالأساس أن تساعد قوات الأمن اليمنية على هزيمة الجماعة المسلحة - القاعدة في الجزيرة العربية - بأسر أو قتل أعضاءها؟ أم أن عليها أيضاً أن تقلص من عدم سيادة القانون والإفلات من العقاب في اليمن، وهي الأجواء التي تنتعش فيها الجماعة المسلحة؟

يبدو أن الولايات المتحدة تميل للخيار الأول، نظراً للزيادة السريعة في المساعدات العسكرية المقدمة لليمن. لكن يبدو أن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تقر بأن المساعدات العسكرية وحدها غير كافية. ففي اجتماع رفيع المستوى عن اليمن في لندن بتاريخ 27 يناير/كانون الثاني، دعت إليه بريطانيا لمناقشة المشكلات التي تهدد الاستقرار في اليمن والمنطقة، قالت كلينتون: "الوحدة والاستقرار في اليمن هي أولوية أمن وطني هامة بالنسبة إلينا".

وهنا جوهر المشكلة: فقوات الأمن اليمنية نفسها مسؤولة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وقوانين الحرب في معاركها مع المعارضة السلمية الداخلية، والمتمردين المسلحين، والميليشيات العنيفة. وبدلاً من "تسوية الخلاف وإنهاء العنف" كما تعهدت كلينتون في لندن شهر يناير/كانون الثاني الماضي، فإن مساعدة الولايات المتحدة لجهود مكافحة الإرهاب في اليمن تخاطر بأن تجعلها متواطئة في انتهاكات الحكومة اليمنية لحقوق الإنسان.

وبحوث هيومن رايتس ووتش في كل من النزاع الذي دام خمس سنوات مع الحوثيين في الشمال اليمني (تم إعلان هدنة في 11 فبراير/شباط، لكن الهدنات السابقة لم تدم طويلاً) وفي رد فعل الحكومة على المظاهرات الانفصالية السلمية في الجنوب، تُظهر خطر دعم القوات الأمنية اليمنية دون الاهتمام بتغيير سلوكها إزاء الشعب.

وقد اتفق مساعد وزير الخارجية جيفري فيلتمان ورئيس الأركان الأميركي المركزي الجنرال ديفيد بتريوس، في شهادة بالكونجرس شهري فبراير/شباط ومارس/آذار، على أن هذه النزاعات وعدد اللاجئين الكبير في اليمن يفاقمان من التعامل مع تهديدات القاعدة. لكن يبدو أن الولايات المتحدة لا يمكنها بعد عقد عزمها على منهج محدد. فقد تعهد بتريوس في شهادته بـ "التصدي للأسباب الجذرية لعدم الاستقرار بدلاً من الإصلاحات السريعة لمظاهرها"، لكن كلينتون، في اجتماع لندن في شهر يناير/كانون الثاني، تعهدت بمنهج "عدم التدخل" في الشؤون اليمنية.

ومن محادثاتنا مع الوزراء في اليمن، يتضح أن السياسة القائمة تفضل الإصلاحات قصيرة الأجل وليس علاج المشكلات الجذرية، دون التصدي لمشكلات حقوق الإنسان في إطار نزاعات اليمن الداخلية. لكن الإخفاق في ذلك من شأنه أن يقوض الكفاح طويل الأجل ضد التطرف المسلح، وذلك التعاون المقرب مع الحكومة اليمنية في إجراءات مكافحة الإرهاب يعني المخاطرة بزيادة التطرف المسلح وعدم الاستقرار.

وفي تقرير عن نزاع صعدة أصدرته هيومن رايتس ووتش مؤخراً، عرضت تفصيلاً مزاعم عن كيفية قصف الجيش اليمني بشكل عشوائي لمناطق مأهولة بالسكان في الشمال، في إطار الحرب على الحوثيين، مما أدى لوقوع خسائر مدنية. كما خرقت القوات الحوثية قوانين الحرب بتورطها في أعمال إعدام بمعزل عن القضاء، واستخدام غير المقاتلين لردع الهجمات، والنهب والسلب، ومنع المدنيين من الفرار من مناطق النزاع، بما في ذلك اللجوء لأماكن الرعاية الطبية. وقد استخدم الطرفان الجنود الأطفال في القتال. لكن لم يُحمل أي من الطرفين المسؤولية لمن ارتكبوا هذه الجرائم، مما يعمق من ثقافة عدم سيادة القانون والإفلات من العقاب التي يتسم بها هذا النزاع، ثم وبعد تدخل سعودي في النزاع من على الحدود ضد المتمردين، أدى هذا لفتح طرق أمام القاعدة إلى المنطقة.

وبالمثل، فإن تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر في ديسمبر/كانون الأول، يعرض تفصيلاً كيف استخدمت قوات الأمن المركزية التابعة لوزارة الداخلية القوة المميتة غير القانونية ضد المتظاهرين السلميين جنوبي اليمن، مما أسفر عن مقتل 11 شخصاً على الأقل. ولم يتم تحميل أحد المسؤولية، ومنذ بداية العام، تصاعد العنف في المظاهرات، لتتحول منطقة جنوب اليمن أكثر وأكثر إلى منطقة يصعب الدخول إليها بالنسبة للمسؤولين الحكوميين، ومنطقة متاحة بيسر أمام القاعدة. لكن، فيلتمان في زيارة سابقة أوائل مارس/آذار لليمن أعلن أن احتجاجات الحراك الجنوبي الانفصالي هي شأن "داخلي".

لقد حاولت القاعدة حشد الدعم لصالحها بتعبيرها عن التضامن مع ضحايا انتهاكات الحكومة اليمنية ضد الانفصاليين. ومن جانبها، أدت إجراءات مكافحة الإرهاب ضد القاعدة في المناطق الجنوبية إلى حشد التعاطف مع القاعدة، لا سيما عندما أسفرت تلك الإجراءات عن ضحايا مدنية. تعليقات فيلتمان جاءت في نفس يوم اعتذار نائب رئيس الوزراء اليمني لشؤون الدفاع والأمن، رشاد العليمي، لأهالي 42 مدنياً قتلوا في غارة جوية بمساعدة أميركية استهدفت المشتبهين بالعمل المسلح في منطقة أبين الجنوبية بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2009.

كما قامت قوات الأمن اليمنية مراراً باختطاف و"إخفاء" مشتبهين بالعمل ضمن صفوف المتمردين ومشتبهين بالإرهاب ومنتقدين للسياسات الحكومية، مما يقوض من إجراءات مكافحة الإرهاب عبر خلق حالة من التضامن مع ضحايا الانتهاكات الحكومية اليمنية، ومنهم عناصر من القاعدة.

إن على الولايات المتحدة أن تعالج انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن - كجزء من إستراتيجية مكافحة الإرهاب في اليمن - بدعوة المسؤولين اليمنيين إلى التحقيق في انتهاكات قوانين الحرب وحقوق الإنسان، وعبر الضغط من أجل مقاضاة المسؤولين عنها. كما أن على الولايات المتحدة دعم نشر بعثة من مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تتولى مراقبة أوضاع حقوق الإنسان في اليمن ورصدها في تقارير.

تحت أعين طرف مستقل، سيكون من الأصعب بكثير على جميع الأطراف في النزاعات تهديد المدنيين أو إلحاق الضرر بهم. ومثل هذا التواجد الأممي من شأنه أن يعزز من آليات المحاسبة بجعل تجاهل الانتهاكات متى وقعت أمر أصعب وأصعب.

والأهم، أن مواجهة انتهاكات صنعاء لحقوق الإنسان ستجعل من المستحيل على الحكومة اليمنية الزعم بانتصارها على الإرهابيين القتلة عبر مهاجمة المدنيين الأبرياء.

كريستوف ويلكى هو باحث معني بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش.