ذكرت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" اليوم أنه ينبغي على الحكومة المغربية إجراء تحقيق جدي بشأن ما أدلى به عميل سابق في الشرطة من تصريحات تتهم مسؤولين أمنيين بالتورط في اختطاف وتعذيب منتقدي الحكومة.

وفي خطاب لوزير العدل المغربي عمر عزيمان، أشارت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" إلى أن توقيع عقوبة السجن لمدة سنة وغرامة باهظة على أحمد البخاري في 29 أغسطس/آب، بزعم تورطه في مخالفات مالية، يستهدف إسكاته فيما يبدو.
كما يبدو أن القصد من وراء هذا الحكم القضائي هو منعه من الإدلاء بشهادته في السابع من سبتمبر/أيلول أمام قاضٍ فرنسي تولى التحقيق في حادث اختطاف زعيم المعارضة المغربي البارز المهدي بن بركة في باريس عام 1965. وقد أودع البخاري أحد سجون الدار البيضاء، وترفض السلطات المغربية منحه جواز سفر.

وقال هاني مجلي، المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة "مراقبة حقوق الإنسان":
"يجب على السلطات المغربية أن تسارع بالتحقيق في الاتهامات التي أدلى بها البخاري، وتسمح له بالمثول أمام القاضي الفرنسي". ومضى مجلي قائلاً: "أياً كانت حقيقة التهم الموجهة إليه، فقد يكون شاهداً رئيسياً على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان؛ والدولة ملزمة بأن تيسِّر، لا أن تعوق، تعاونه مع التحقيق الفرنسي".
وكان البخاري قد كشف في تصريحات نشرتها وسائل الإعلام الفرنسية والمغربية في يونيو/حزيران ا لماضي، عن أسماء عملاء في أجهزة الأمن المغربية قال إنهم أعدوا لاختطاف بن بركة في باريس، حيث عذبوه حتى الموت؛ ثم عادوا بجثمانه إلى المغرب، حيث أذابوه في حوض من الحمض.
وقال مجلي: "
إن معاملة السلطات المغربية لأحمد البخاري حتى الآن تتناقض فيما يبدو مع التصريحات الرنانة العديدة التي تطلقها الحكومة بشأن احترام حقوق الإنسان، ومعالجة انتهاكات الماضي بصورة نزيهة؛ ونحن سوف نرصد هذه المعاملة عن كثب".
للاطلاع على نص الخطاب الموجه لوزير العدل المغربي، يرجى الرجوع للموقع التالي على شبكة الإنترنت:
https://www.hrw.org/press/2001/08/morocco-0830-ltr.htm
--------------------------------------------------------------------------------
نص الخطاب

30 أغسطس/آب 2001
السيد عمر عزيمان
وزير العدل
قصر المأمونية
الرباط - المملكة المغربية
سيادة الوزير

إن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" تكتب إليكم هذه الرسالة للإعراب عن قلقها البالغ إزاء المعاملة التي يلقاها ضابط الاستخبارات السابق أحمد البخاري على أيدي السلطات المغربية؛ ففي أواخر يونيو/حزيران الماضي، أدلى البخاري بتصريحات كشف فيها عن تورط قوات الأمن المغربية في انتهاكات منظمة لحقوق الإنسان ضد مواطنين مغربيين خلال الستينيات والسبعينيات، بما في ذلك اختطاف زعيم المعارضة المهدي بن بركة، ثم تعذيبه وقتله عام 1965. ويُعدُّ السيد البخاري أول ضابط شرطة مغربي على الإطلاق يميط اللثام عن الأساليب الوحشية التي استخدمها زملاؤه إبان أسوأ حقبة من القمع في تاريخ البلاد منذ استقلالها. وتتفق هذه الاتهامات التي وجهها لزملائه مع نتائج تحقيقات المنظمات الدولية لحقوق الإنسان.

ولم تصدر عن الحكومة أي بادرة توحي بأنها تعتزم فتح تحقيق جاد في هذا الأمر؛ فقد كانت المبادرة الوحيدة التي اتخذتها الحكومة، إزاء المعلومات المفصلة والجديرة بالتصديق التي كشف عنها البخاري، فيما يتعلق بأعمال الاختطاف والتعذيب التي اقترفتها أجهزة الشرطة والاستخبارات، هي إلقاء القبض عليه في 13 أغسطس/آب بتهمة إصدار شيكات بدون رصيد. وفي 29 أغسطس/آب، أدين البخاري بهذه التهمة، وحُكم عليه بالسجن سنة واحدة، وبغرامة قدرها 150 ألف درهم (حوالي 13500 دولار).
ويقول عبد الرحيم الجامعي، محامي البخاري، إن موكله سبق أن حوكم وأدين عام 1998 بالتهمة الرئيسية الموجهة إليه في هذه القضية الجديدة؛ وعلى أقل تقدير، فإن توقيت اعتقال البخاري وإدانته يرجح بقوة أن الدوافع الرئيسية التي دفعت السلطات لذلك هي معاقبته وإسكاته.

كما أننا نلاحظ أن هذه الإجراءات ربما كان المقصود منها منع البخاري من تلبية استدعاء وجهه إليه قاضي التحقيق الفرنسي المسؤول عن التحقيق في حادث اختطاف المهدي بن بركة واختفائه في باريس في أكتوبر/تشرين الأول 1965؛ فقد دعاه القاضي الفرنسي جان بابتيست بارلوس للمثول أمامه في 7 سبتمبر/أيلول في باريس للإدلاء بشهادته في هذا الشأن.

ووفقاً للمعلومات التي كشف عنها البخاري، والتي نشرتها الصحف الفرنسية والمغربية لأول مرة في 29 يونيو/حزيران، فإن عملاء جهاز الاستخبارات المغربية دبروا عملية خطف بن بركة، وقاموا بتعذيبه حتى الموت، ثم نقلوا جثمانه إلى المغرب حيث أذابوه في حوض ممتلئ بالحمض. وقد رفع العديد من الجناة المزعومين، الذين لا يزالون على قيد الحياة ويعيشون في المغرب، دعاوى تشهير ضد البخاري، ولكن لم تُنشر أي معلومات تدحض روايته.

وقد أعلن البخاري استعداده للسفر على فرنسا للإدلاء بشهادته أمام القاضي بارلوس، غير أنه محتجز حالياً في أحد سجون الدار البيضاء، ورفضت السلطات الاستجابة للطلب الذي قدمه في 17 يوليو/تموز للحصول على جواز سفر.
وفي المقابلات التي أجرتها معها الصحف منذ الشهر الماضي، قدم البخاري معلومات عن حالات أخرى، من بينها خطف الزعيم العمالي عبد الحق الرويسي عام 1964، واغتيال الصحفي والناشط الاشتراكي عمر بن جلون عام 1975.
ومما يُحسَب للسلطات المغربية أنها قد بدأت في الاعتراف بالانتهاكات الفادحة لحقوق الإنسان التي اقترفها عملاء الدولة ضد الأشخاص المشتبه في معارضتهم للحكومة والنشطاء السياسيين إبان الستينيات والسبعينيات، وفي تقديم تعويضات عنها. بل إن العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني كلف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان باستجلاء العشرات من حالات "الاختفاء" التي تعود إلى تلك الفترة، ولم يُحسَم أمرها بعد. ولقد سبق لسيادتكم، بصفتكم وزير العدل، أن تحدثتم أكثر من مرة وبكل نزاهة عن ضرورة إصلاح القضاء.
ولهذه الأسباب، فإن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" تعرب عن خيبة أملها بوجه خاص لأن القضاء المغربي لم يشرع في التحقيقات الجنائية بشأن حالات "الإخفاء" القسري والقتل، أو بإعادة فتح ملفات التحقيق فيها، استناداً للأدلة الجديدة الواردة في أقوال البخاري. ونحن نحث الحكومة المغربية على القيام بذلك دون إبطاء؛ كما نطلب منكم التحقق من أن البخاري بوسعه السفر إلى باريس للإدلاء بشهادته بناء على طلب القاضي بارلوس.

فالمبادئ الأساسية للقانون الدولي تؤكد أن الجرائم الجسيمة التي وصفها البخاري في تصريحاته لا يجوز أن تكون خاضعة لأي قوانين للتقادم قائمة في المغرب؛ إذ تنص المادة 17 من "إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري" (الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 47/133 المؤرخ في 18 كانون الأول/ديسمبر 1992) على أن "يعتبر كل عمل من أعمال الاختفاء القسري جريمة مستمرة باستمرار مرتكبيها في التكتم علي مصير ضحية الاختفاء ومكان إخفائه، وما دامت هذه الوقائع قد ظلت بغير توضيح". أما المادة 13(6) من الإعلان فتستوجب أن "يكون من الممكن دائماً إجراء التحقيق، وفقا للطرق المذكورة أعلاه، ما دام مصير ضحية الاختفاء القسري لم يتضح بعد".
أما فيما يتعلق بجرائم القتل وغيرها من الانتهاكات الفادحة المرتكبة في الستينيات والسبعينيات، فهنا أيضاً لا يجوز الاستشهاد بقانون للتقادم في هذا الوقت؛ فخلال جانب كبير من الفترة التي انقضت منذ ارتكاب هذه الجرائم، ظل المغرب يفتقر إلى قضاء مستقل يتيح السبل القانونية المعقولة للتحقيق في هذه الجرائم وتقديم المسؤولين عنها إلى ساحة العدالة.
ومنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" لا تزعم أن البخاري ينبغي أن يكون فوق القانون، وإنما تعتقد أنه يجب أن يُعامل على نحو لا يخل بحقوقه المعترف بها دولياً، ومنها حقه في حرية التعبير، وفي تلقي محاكمة عادلة، وفي المساواة في المعاملة أمام القانون. وحيث أن البخاري قد يكون شاهداً مهماً على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فالواجب على الدولة أن تيسر له فرص الإدلاء بشهادته أمام الهيئات المناسبة، لا أن تعوقه عن ذلك. وتنص المادة 13 من "إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري" على اتخاذ "الإجراءات التي تكفل لجميع المشاركين في التحقيق [في حالة "اختفاء"]، بمن فيهم الشاكي والمحامي والشهود والذين يقومون بالتحقيق، الحماية من سوء المعاملة أو التهديد أو الانتقام".
ومجمل القول أننا نعدُّ قضية البخاري محكاً لما تعلنه السلطات المغربية من التزامها باحترام حقوق الإنسان، والتصدي بنزاهة لانتهاكات الماضي. ونحن نحثكم مجدداً على ضمان إجراء تحقيق دقيق ونزيه في التهم الموجهة للبخاري من جانب السلطات المغربية، والتحقق من أن الحكومة سوف تيسِّر له التعاون مع التحقيق القضائي الفرنسي في مصير المهدي بن بركة.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير
هاني مجلي
المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
منظمة "مراقبة حقوق الإنسان"