تتراوح نتائج الانتفاضات الشعبية التي اندلعت عام 2011 في الشرق الأوسط بين المحزنة والكارثية، مع قتامة الأخبار القادمة من مصر وسوريا واليمن وليبيا.

رباح دشراوي من القصرين، تصف أمام جلسة "لجنة الحقيقة والكرامة" العامة الأولى في تونس المقامة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، كيف قتلت الشرطة ابنها صلاح خلال الاحتجاجات في يناير/كانون الثاني 2011.

حتى في تونس، البلد الذي اندلعت فيه الشرارة، دفع التراجع الاقتصادي المستمر والهجمات الإرهابية والانحدار الواضح للخدمات العامة بعض المواطنين إلى الاشتياق إلى عصر الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، الذي حكم البلاد بقبضة حديدية. يحدث ذلك رغم تبني تونس بعده دستورا قويا يحفظ الحقوق، وإجراء انتخابات عادلة تعددية، وزيادة حرية التعبير.

لكن شكّلت أخبار يومي 17 و18 نوفمبر/تشرين الثاني بادرة أمل، مع إقامة "هيئة الحقيقة والكرامة" في تونس أولى جلساتها العامة في بث مباشر على التلفزيون الوطني. في هذه الجلسات، روى إسلاميون، ويساريون، ومثقفون، وأمهات شبان قتلوا بالرصاص خلال أحداث عام 2011 الانتهاكات التي تعرضوا لها بسبب عزم زين العابدين بن علي وسلفه الحبيب بورقيبة على قمع المعارضة.

روت أم كمال المطماطي كيف ادعت شرطة بن علي هروب ابنها، بينما كانت قد أُلقت القبض عليه عام 1991 ليُقتل تحت التعذيب. تعرضت الأسرة لمضايقات طوال سنوات مع تظاهر الشرطة بالبحث عنه. جالت فاطمة كل السجون باحثة عن ابنها. قالت: "غرق حجابي بالعرق صيفا وبالوحل شتاء". لم تُبلغهم السلطات بوفاة ابنهم كمال إلا عام 2009، ولم يحصلوا على شهادة وفاته إلا بعد الانتفاضة.

تواجه هيئة الحقيقة والكرامة معارضة في تونس والدول المجاورة. هناك من يرغب في تعثرها لسعيها إلى محاكمة بعض الجناة على الأقل.

تتطرق الهيئة إلى موضوع ليس بالهيّن – إطلاق أول عملية وطنية علنية يقوم بها بلد عربي ذو ماضي دموي، توفر مجالا ما لمحاسبة الجناة. تعتزم الهيئة التي تمولها الدولة إقامة جلسات إضافية في مدن أخرى في البلاد.

تعتبر المغرب الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك نوعا من لجنة تقصي حقائق باسم "هيئة الإنصاف والمصالحة". لكن قيام اللجنة في هذا البلد بفتح ملفات القمع الماضي هدف إلى استمرار النظام وليس تغييره، كما لا تملك اللجنة صلاحية تسمية الجناة، ناهيك عن تحويلهم إلى المحاكمة.

بعض التونسيين يذكرهم الاستماع إلى شهادات مروعة لآخرين بالأسباب التي ثاروا لأجلها قبل 6 سنوات، في الانتفاضة العربية الوحيدة التي لم تنحرف عن مسارها. تلك الشهادات هي أيضا تحذير لمن يحن إلى ذاك الماضي القريب.