كان قصف الحكومة السورية يوم الأحد الماضي لسوق مزدحمة في بلدة دوما، القصف الذي قتل ما لا يقل عن 112 من مواطنيها، يشكل واحدة من أكثر الهجمات دموية في نزاع ما فتئ يزداد تدميراً. وقد جاءت الغارات الأربع أثناء فترة منتصف النهار المزدحمة، بغرض تعظيم الدمار. ومرة أخرى نجد أنفسنا بإزاء صور صادمة لغرف مليئة بجثث الضحايا، وكثير منهم من الأطفال، الذين يجري تجهيزهم للدفن.

قبل 20 عاماً بالتقريب، أدى القصف الوحشي لإحدى الأسواق أثناء الحرب البوسنية إلى تغيير مسار النزاع. ففي 28 أغسطس/آب 1995، أثناء محاصرة مدينة سراييفو، قامت قوات جمهورية صرب البوسنة المنشقة "صربسكا" بإطلاق 5 قذائف هاون على سوق مركالي، فقتلت 43 شخصاً وجرحت 75.

Syrian emergency personnel gather around dead bodies wrapped in shrouds following air strikes by Syrian government forces on a marketplace in the rebel-held area of Douma, east of the capital Damascus, Syria on August 16, 2015.

© 2015 Getty Images

وقد أدت فظاعة الهجوم وما ولده من استنكار ـ وكان الثاني على سوق مركالي، في أعقاب ضربة بتاريخ 5 فبراير/شباط 1994 قتل فيها 68 شخصاً ـ إلى توحيد القسم الأكبر من المجتمع الدولي واستنهاضه للتحرك. وفيما بعد حوكم العديد من الضباط الصربيين المتورطين في عمليتي القصف للسوق، بمن فيهم الجنرالات ستانيسلاف غاليتش، ودراغومير ميلوشيفتش، ومومتشيلو بريسيتش، أمام محكمة الجنايات الدولية ليوغوسلافيا السابقة لدورهم في قصف السوق. وحكم على غاليتش بالسجن المؤبد لجرائم ضد الإنسانية أثناء حصار سراييفو.

ومع ذلك فمن غير المرجح، بكل أسف، أن يؤدي الهجوم الأخير على السوق في دوما إلى أي رد فعل دولي فعال. لقد حصل الهجوم على تغطية إعلامية واسعة النطاق، لكنها خبت على الفور تقريباً. وبدلاً من التحول إلى نقطة فاصلة كما فعلت مقتلة سوق مركالي، فإن دوما تبدو مرشحة للتحول إلى مجرد علامة مقبضة جديدة في نزاع تغرقه العلامات المقبضة لدرجة أن متابعيه عن كثب أنفسهم يجدون صعوبة في تذكر العلامات كلها. وفي تلك الأثناء يواصل سكان سوريا المدنيون المعاناة والموت، شبه محرومين من أي أمل يخرجهم من هذا النزاع الذي تتزايد وحشيته على الدوام.

ودعونا نتكلم بصراحة. إن معظم العالم يدير بصره بعيداً عما يحدث في سوريا. فلم يعد الناس يقرأون أخبار الفظائع الأخيرة، كما أنهم ينفصلون شعورياً عند ظهور سوريا في الأخبار المتلفزة. ومعظم المؤسسات الإخبارية على علم بهذا، ومن ثم فهي تقلل تغطيتها لسوريا. إن سوريا وقسماً كبيراً من الشرق الأوسط يبدوان كمكان تسوده نزاعات لا نهائية ولا يمكن حلها، كمقبرة للمحاولات الفاشلة لوقف نزيف الدم.

لكن التبلد وتقبل الإخفاق هما استجابة لا يمكن للعالم تحمل تكلفتها، حينما يتعلق الأمر بالأزمة السورية، والإقليم الأوسع نطاقاً. وعواقب المزيد من الانهيار في الشرق الأوسط لن تقتصر على الإقليم، كما يتضح من تسارع انعدام الأمن والاستقرار، وتزايد تدفقات اللاجئين المغادرين للمنطقة، وتنامي التهديد الذي تشكله التهديدات المستوحاة من داعش.

حقوق الإنسان وقوانين الحرب

لقد حان وقت التركيز على حماية المدنيين وإنهاء الفظائع واسعة النطاق التي تغذي النزاع. ومن المشجع أن ستافان ديميستورا، مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا، صار أعلى صوتاً في إدانة انتهاكات قوانين الحرب من قبيل قصف الأسواق في دوما.

وربما يبدو التشديد على احترام حقوق الإنسان وقوانين الحرب، أثناء نزاع بوحشية الحرب الأهلية السورية، خيالاً بعيد المنال، لكنه في الواقع قاعدة أساسية للانطلاق نحو إنهاء النزاع المسلح المستعر في المنطقة. ولا سبيل إلى الخروج من دوامة العنف العدمي إلا بإقرار مجتمع يشعر فيه كل فرد ـ بغض النظر عن عرقه أو دينه أو آرائه السياسية ـ بالأمن وبوجود أمل معقول في مستقبل أفضل له ولأبنائه.

ومن السبل الملموسة لمساعدة المتضررين جراء النزاع السوري أن يتحرك مجلس الأمن بناءً على قراراته هو نفسه، المطالِبة بوقف الهجمات العشوائية عديمة التمييز. وعلى مجلس الأمن فرض حظر للتسلح على الحكومة السورية وغيرها من الأطراف المتحاربة التي ترتكب انتهاكات ممنهجة وواسعة النطاق، كما أن عليه إحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية بحيث يخشى المسؤولون عن جرائم من قبيل غارات دوما في الأسبوع الحالي أن ينتهي بهم الحال إلى قفص الاتهام. وينبغي لنظام الرصد وتحديد المسؤولية الذي أقره مجلس الأمن للتثبت من المسؤولية عن أية هجمات بأسلحة كيميائية في سوريا أن يخضع للتوسعة بحيث يشمل رصد جميع الهجمات العشوائية في النزاع وتحديد المسؤولين عنها. وأخيراً فإن على مجلس الأمن فرض جزاءات مستهدفة على الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب، مما ينذرهم بأنهم سيحاسبون على جرائمهم.

وعلى سائر البلدان أيضاً أن توفر للسوريين الفارين الملاذ الآمن الذي يستحقونه خارج بلدهم الممزق. وبدلاً من استخدام العبارات التهييجية عن "جحافل" المهاجرين ـ وهو الوصف الذي أطلقه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مؤخراً على الوضع ـ الجحافل التي تجتاح أوروبا، فإن على أوروبا وبقية العالم أن تقبل التزاماتها القانونية والأخلاقية نحو أولئك المضطرين للفرار من منازلهم بسبب نزاع مسلح أو انتهاكات جماعية، وأن تنشئ نظام لجوء عادلاً ويمكن الوصول إليه، يقتسم هذه المسؤولية فيما بين الدول بإنصاف.

إن أوروبا، ناهيك عن العالم، لا تتعرض لاجتياح اللاجئين. صحيح أن العالم يواجه أزمة غير مسبوقة من الفرار والنزوح، ناجمة عن نزاعات أخفق المجتمع الدولي في حلها، أو كان له في بعض الحالات دور مباشر في إيجادها. لكن أعداد طالبي اللجوء الوافدين على أوروبا ـ 138 ألف سوري في أوروبا كلها في 2014 ـ تشحب بالمقارنة مع العبء الذي تتحمله البلدان المجاورة: فقد لجأ إلى لبنان وحده أكثر من 1,1 مليون سوري.

ومن المخزي لأوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان، ببساطة، أن ترفض تحمل المسؤولية الجماعية عن مساعدة أناس ملهوفين، وأن تضطرهم للمخاطرة بأرواحهم لبلوغ أوروبا، للعيش في أغلب الأحيان في ظروف مروعة، عند وصولهم إلى القلعة الأوروبية.

إن تعقيد النزاع في سوريا ليس مبرراً لإشاحة الأنظار عنه، فالمدنيون في دوما، مثلهم مثل بقية المدنيين العالقين في نزاع، سواء كان في سراييفو أو غزة أو النقب أو بغداد، يستحقون الحماية. وقد لا تكون هناك حلول سهلة لكل نزاع، لكن هناك دائماً إجراءات يمكنها تخفيف معاناة المدنيين.

وعلى القادة الدوليين أن يتذكروا أنه منذ 20 عاماً كانت انتهاكات البلقان بدورها تبدو مستعصية على الإنهاء. ومع ذلك فإن بعض مرتكبي تلك الفظائع الرئيسيين هم اليوم خلف القضبان جزاءاً على جرائمهم. ولعل جراح البلقان لم تلتئم كلها، ويبقى الكثيرون عاجزين عن العودة إلى منازلهم بعد 20 عاماً. لكن إراقة الدماء توقفت، وعاد الكثيرون لممارسة حياتهم الطبيعية.

ومع الإقرار بأن نطاق النزاع في سوريا والشرق الأوسط أكبر بكثير من حروب البلقان، فإن عواقب الإخفاق الدولي في إنهاء الجرائم ستكون أكبر بدورها. وكما كان الحال في البلقان قبل 20 عاماً، هناك حاجة إلى جهد دولي أشد تصميماً بكثير.