(غزة) ـ إسرائيل وقف الهجمات التي تتسبب في خسائر في أرواح المدنيين وممتلكاتهم وتنتهك قوانين الحرب. أجرت هيومن رايتس ووتش تحقيقًا في 7 غارات جوية إسرائيلية، نُفذت قبل بداية الهجوم البري في 17 يوليو/تموز 2014، ويبدو أنها انتهكت قوانين الحرب. وزادت النتائج التي تم التوصل إليها والتقارير المتعلقة بسقوط العديد من الضحايا المدنيين من مخاوف متعلقة بسلامة المدنيين أثناء الهجوم البرّي.

تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قتلوا منذ أن شرعت إسرائيل في الهجوم البرّي مائتي شخص. واستنادًا إلى تقارير صادرة عن وكالات تابعة للأمم المتحدة، تجاوز عدد القتلى 500 شخص منذ بداية القتال في 7 يوليو/تموز، أغلبهم من المدنيين الفلسطينيين.

قال إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "بعد أن تسببت صواريخ إسرائيلية في قتل أطفال على أحد الشواطيء وقصفت بشكل متكرر مستشفى واضحا للعيان، لا يسعنا إلا أن نشعر بقلق عميق إزاء سلامة المدنيين المحاصرين في الهجوم البرّي. على إسرائيل أن لا تكتفي بمحاولة تبرير هجماتها غير القانونية، بل عليها أن تكف عن شنّ هذه الهجمات".

من بين الهجمات التي قامت هيومن رايتس ووتش بالتحقيق فيها، هجوم صاروخي تسبب في مقتل أربعة أطفال وإصابة ثلاثة آخرين على شاطئ مدينة غزة، والعديد من الهجمات التي استهدفت بشكل متكرر، على امتداد عدة أيام، مستشفى لمرضى مشلولين ومسنين، وهجوم استهدف سيارة لشخص من العاملين بقطاع الإعلام، إضافة إلى أربع غارات تم توثيقها سابقًا. وفي العديد من الهجمات، إن لم يكن في جميعها، لم تتوصل هيومن رايتس ووتش إلى أدلة على وجود أهداف عسكرية. ويُعتبر إخفاق القوات الإسرائيلية في توجيه هجماتها إلى أهداف عسكرية انتهاكا لقوانين الحرب. وربما قامت القوات الإسرائيلية، مع علمها المسبق وبشكل متعمد، بمهاجمة أشخاص كان من الواضح أنهم مدنيون، مثل الأطفال الصغار والمباني المدنية، بما في ذلك مستشفى، وهي انتهاكات لقوانين الحرب تشير إلى حدوث جرائم حرب.

كما واصلت مجموعات فلسطينية مسلّحة إطلاق صواريخ تُعتبر عشوائية عندما توجه إلى تجمعات سكنية إسرائيلية، في انتهاك لقوانين الحرب. وفي 19 يوليو/تموز، قُتل عودة لافي الوج، وعمره 32 سنة، وتعرض أربعة آخرون من عائلته إلى جروح عندما سقط صاروخ على منزلهم في تجمع بدوي "غير معترف به" قرب بلدة ديمونة جنوبي إسرائيل. كما تسبب صاروخ في إصابات بالغة لفتاتين بدويتين في قرية أخرى "غير معترف بها" في 17 يوليو/تموز.

وفي 16 يوليو/تموز، عثر موظفون في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) على 20 صاروخًا مُخزنًا في مدرسة خالية. وقامت الأونروا بإزالتها على الفور، وأخطرت جميع الأطراف،  وأدانت الاستخدام العسكري لمنشآتها من قبل مجموعة فلسطينية مسلحة مجهولة الهوية. ويتعين على المجموعات الفلسطينية المسلحة وقف الهجمات غير المشروعة التي تستهدف تجمعات سكنية إسرائيلية، وتفادي نشر قوات واستخدام ذخائر في أماكن تكون فيها حياة المدنيين معرضة إلى الخطر دون داع.

وتسببت غارات جوية وقصف مدفعي إسرائيليين في إصابة مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي على امتداد ثلاثة أيام بين 11 و17 يوليو/تموز، فنتج عن ذلك إصابة أربعة أشخاص بين مرضى وموظفين بجروح. ورغم أن إسرائيل أطلقت العديد من التحذيرات قبل تنفيذ الهجمات، إلا أنه لم يكن من الممكن نقل الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، والمسنين، والمشلولين ـ الذين لم يكن أي واحد منهم قادرا على الحركة ـ بشكل سريع، أو دون تعريض حياتهم إلى خطر كبير.

تنصّ قوانين الحرب على أن تلتزم جميع الأطراف بضمان رعاية طبية للمصابين والمرضى. وتتمتع المستشفيات بحماية قانونية خاصة، ولا يجب مهاجمتها إلا إذا كانت تستخدم لتنفيذ أعمال تجعل العدو معرّضًا للخطر. لم تكن المزاعم الإسرائيلية المتعلقة بإطلاق مجموعات مسلحة الصواريخ من مكان يبعد مائة متر عن المستشفى كافية لتبرير استهدافه بشكل متكرر. ولا يمكن للتحذيرات أن تبرر عدم مشروعية استهداف المستشفى بشكل متكرر دون وجود موجب عسكري لذلك. وتُوحي حقيقة استخدام إسرائيل لصواريخ دقيقة، ولقصف مدفعي مباشر تسبب في إصابة المستشفى، بأن هذه الهجمات كانت متعمدة ومتهورة، ولذلك تُعتبر جرائم حرب.

في 16 يوليو/تموز، أصاب صاروخ خيمة على شاطئ غزة، وتسبب في مقتل أربعة أطفال من عائلة بكر كانوا يلعبون هناك. وبعد ثوان، سقط صاروخ ثان فأصاب صيادا وثلاثة أطفال آخرين بجروح بينما كانوا في سبيلهم للفرار من المكان. وقال الجيش الإسرائيلي إنه هاجم الخيمة لأنها "تابعة لحماس"، واستهدف على وجه الخطأ الأطفال، وأعمارهم تتراوح بين عشر سنوات و13 سنة، لأنه اعتقد أنهم "مقاتلين فارين". ولم يوضح الإسرائيليون الأسباب التي جعلتهم يعتبرون الخيمة هدفًا عسكريًا مشروعًا لأن القول بأنه "تابع لحماس" لا يجعل منه هدفًا عسكريًا ما لم يُستخدم لأغراض عسكرية. وتُعتبر الهجمات التي لا تستهدف أهدافا عسكرية محددة غير قانونية، كما لا يجب استهداف أي شخص يُعتقد أنه فار واعتباره مقاتلا. وفي حالة وجود شك، يجب أن يُفترض أنه مدني، وبالتالي حمايته من الهجوم.

تبرز أدلة جُمعت على عين المكان أن الهجوم نُفذ بصواريخ سبايك المجهزة بأجهزة استشعار تسمح لمن أطلقها برؤية الهدف بعد إطلاقها، وتغيير وجهتها في منتصف الطريق إذا لم يثبت أن الهدف عسكري.

وفي 9 يوليو/تموز، تسببت غارة إسرائيلية في مقتل حامد شهاب، وهو سائق لدى وكالة "ميديا 24" الفلسطينية للأنباء، وإصابة عشرين آخرين بجروح في منطقة مكتظة بالناس قرب مسجد. وكانت السيارة تحمل علامة " TV" بالخط العريض على غطاء المحرك، وتم استهدافها بينما كان حامد شهاب يقودها جنوبي مدينة غزة ليقل أحد زملائه الإعلاميين. وقال زملاء شهاب إنه لم يكن منتميًا إلى أي مجموعة مسلحة. وعلى حد علم هيومن رايتس ووتش، لم يقدم الجيش الإسرائيلي أي تبرير للهجوم. وفي غياب أي تفسير، يبدو أن الهجوم كان هجوما غير مشروع استهدف مدنيًا، وكان يتوقع له أن يتسبب في خسائر بشرية كبيرة في منطقة مكتظة بالناس.

أعلن الجيش الإسرائيلي أن الهجوم البري على غزة يهدف إلى تدمير الأنفاق والصواريخ والبنية التحتية التي تستخدمها مجموعات فلسطينية مسلحة، والتي لم تتمكن الغارات الجوية من تدميرها. وكان آخر هجوم بري على غزة، في ديسمبر/كانون الأول 2008 ويناير/كانون الثاني 2009 قد تسبب في مقتل مئات المدنيين الفلسطينيين، كما قتل الكثير من الأشخاص بسبب الغارات الجوية والهجمات المدفعية غير المشروعة، وبسبب تدمير الممتلكات المدنية بشكل غير مشروع. وقامت إسرائيل بمحاكمة أربعة جنود فقط بسبب جرائم ارتكبت أثناء القتال، وكانت أقصى عقوبة هي السجن لمدة سبعة أشهر ونصف بسبب سرقة بطاقة ائتمان بنكي، وهو ما يزيد من المخاوف المتعلقة بتواصل الإفلات من العقاب في القتال الدائر الآن.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على فلسطين وإسرائيل المطالبة بولاية المحكمة الجنائية الدولية لتفادي مزيد من الانتهاكات والإفلات من العقاب. ويتعين على الحلفاء تعليق تقديم أي عتاد لأطراف النزاع التي توجد مزاعم ذات مصداقية بأنها استخدمت هذا العتاد بطريقة تنتهك قوانين الحرب، وكذلك كل تمويل أو دعم لهذا العتاد. كما يتعين على الدول مساعدة مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في إنشاء بعثة لتقصي الحقائق مهمتها إجراء تحقيقات محايدة، وإعداد تقارير عاجلة وعلنية عن الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف، وإصدار توصيات لهذه الأطراف وللأمم المتحدة.

قال إريك غولدستين: "إذا كان المجتمع الدولي يرغب في منع معاناة المدنيين، فإن عليه إعلام جميع الأطراف بأن جرائم الحرب التي ترتكب خلال التصعيد الحاصل في غزة لن تمر دون محاسبة. ويتعين على الولايات المتحدة والدول الأخرى الكف عن الضغط على فلسطين كي لا تلتجئ إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو ضغط مضلل ومتعارض مع الحاجة الملحة إلى تحقيق العدالة، مع تزايد الأدلة المتعلقة بوقوع انتهاكات خطيرة".

الهجوم على مستشفى الوفاء
قامت القوات الإسرائيلية باستهداف مستشفى الوفاء في حي الشجاعية، شرق مدينة غزة، على امتداد ثلاثة أيام على الأقل في الفترة الممتدة من 11 إلى 17 يوليو/تموز. وكانت القوات الإسرائيلية قد استهدفت هذا المستشفى أيضًا قبل بداية هجومها البري في ديسمبر/كانون الأول 2008.

وقبل فجر 11 يوليو/تموز 2014، ربما أصاب صاروخ "تحذيري" الطابق الرابع من المستشفى دون أن ينفجر. وفي وقت لاحق من نفس اليوم، تم استهداف المستشفى بعدة غارات صاروخية ألحقت به أضرارا مادية جسيمة. وبعد هجوم جدّ حوالي الساعة الرابعة أو الخامسة مساءً، جاء اتصال هاتفي للدكتور بسمان العاشي، مدير المستشفى، من شخص يتحدث "العربية بلكنة عبرية، وسأل ما إذا أصيب أي شخص بجروح، وما إذا كنا سنخلي المكان". كما قال: "ولكننا لم نستطع إخلاء المكان لأنه لا يوجد أي مستشفى آخر مُجهز بما يحتاجه مرضانا". يُذكر أن 17 مريضًا يؤويهم المستشفى يعانون من أمراض مزمنة، أو هم متقدمون في السن، أو مشلولون وغير قادرين على الحركة.

وتبرز صور للأسلحة المستخدمة في ضرب المكان في 11 يوليو/تموز، قام بالتقاطها أحد المتطوعين، وعرضها على هيومن رايتس ووتش، أن صواريخ ذات وقود صلب، بقطر قدره 170 ملم، اخترقت درج المستشفى وألحقت أضرارًا بغرف في الطابق العلوي. وكانت العديد من الصواريخ التي استخدمتها القوات الجوية والبرية الإسرائيلية مجهزة بأنظمة توجيه متطورة، وقادرة على ضرب أهدافها بدقة.

وقال موظفون ومتطوعون أجانب لـ هيومن رايتس ووتش إن اتصالا هاتفيا آخر ورد في 15 يوليو/تموز، وطلب من الموظفين إخلاء المكان قبل الساعة الثامنة صباحًا من يوم الغد. وفي ذلك المساء، تم استهداف الطابق الثالث لمركز لرعاية المسنين قرب المبنى الرئيسي. واعتمادًا على صور للذخيرة التي تم استخدامها، تمكنت هيومن رايتس ووتش من الاطلاع عليها، بدت البقايا وكأنها لمقذوفات تطلق من دبابات. وكانت الدبابات الإسرائيلية على مرمى البصر، وتطلق النار بشكل مباشر، وهي مجهزة بأجهزة استهداف دقيقة. وقالت هيومن رايتس ووتش إن الهجمات الإسرائيلية المتكررة باستخدام صواريخ دقيقة وقصف مدفعي التي استهدفت المستشفى تؤكد أن الهجمات كانت متعمدة وليست عن طريق الخطأ.

وفي مساء 17 يوليو/تموز، قبيل بداية الهجوم البري، وردت مكالمة هاتفية على عون الاستقبال في المستشفى حوالي الساعة التاسعة ليلا، وطلبت من الموظفين إخلاء المكان على الفور. وقال الدكتور بسمان العاشي: "وبعد خمس دقائق، استهدفت غارة مبنى مجاور، وتسببت في تهشيم نوافذ المستشفى، وأصيب الطابق العلوي بقذيفتين، مما تسبب في حريق ملأ الغرف بالدخان". كما قال إن المستشفى تعرض إلى العديد من الغارات الأخرى بعد ذلك. وقال الدكتور العاشي ومتطوعان أجنبيان اثنان إنهم كانوا بصدد إخلاء المكان عندما تعرض الحي إلى الهجوم. وتسبب الهجوم في فصل اثنين من المرضى بشكل مؤقت عن معدات الأكسجين التي كانوا يحتاجونها للتنفس، وتعرض اثنان من الموظفين إلى الإصابة بجروح، لكن مدى خطورتها لم يكن معلوما.

قال الدكتور بسمان العاشي لـ هيومن رايتس ووتش:

على الساعة التاسعة مساءً، وردت على عون الاستقبال مكالمة هاتفية من الجيش الإسرائيلي. قال له الجندي: "إذا كنتم مهتمين بعائلاتكم ومرضاكم، عليكم مغادرة المستشفى حالا لأننا سنقوم بقصفه". وبعد ذلك بخمس دقائق تقريبًا، تم استهداف الطابق الرابع بصاروخين اثنين. وواصلوا قصف المبنى، فاندلع فيه حريق، وانقطع التيار الكهربائي. كانت الممرضات عاجزات عن الوقوف من شدة الخوف. وتعرض بعض مرضانا إلى الاختناق لأنهم كانوا يحتاجون إلى الأكسجين وانفصلوا عن المعدات الضرورية. امتلأت الغرف بالدخان. قمنا بإخلاء جميع المرضى والموظفين، باستثناء أربعة أشخاص.

وفي وقت لاحق من تلك الليلة، تمكن باقي المرضى والموظفين من مغادرة المكان والذهاب إلى مجمع الصحابة الطبي وسط غزة. وقال المتطوعان الأجنبيان إنهما ساعدا على إنزال المرضى من الدرج، وقاما بقيادة سيارة إسعاف بها مريضان اثنان لما كان الفريق بصدد إخلاء المكان. وقال أحدهما: "لم يتوقفوا عن قصفنا عندما كنا نبتعد بالسيارة من هناك".

وأفادت تقارير أن متحدثا عسكريا إسرائيليا قال لأحد الصحفيين: "شاهدنا العديد من الصواريخ التي أطلقت من مكان قريب جدا من المستشفى، على بعد مائة متر تقريبًا. وبطبيعة الحال لم يكن المستشفى هدفنا". وبالنظر إلى دقة الأسلحة التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي، فإن وجود هدف على بعد مائة متر لا يبرر استهداف المستشفى، وكان يتعين توخي مزيدًا من الحذر وتجنب شن هجمات عليه.

إضافة إلى ذلك، حتى وإن كانت قوات عسكرية تستخدم المستشفى لتخزين أسلحة أو توفير مأوى لمقاتلين، وهو ما لم تقله إسرائيل، فإن على الطرف المهاجم إصدار تحذير "يعطي مهلة زمنية معقولة"، ولا ينفذ هجومه إلا "بعد استنفاذ الوقت اللازم"، بحسب دراسة للقانون الإنساني العرفي الدولي أجرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر. واستنادًا إلى مقال صحفي، أكد "مكتب الإعلام" التابع للجيش الإسرائيلي، وهو قسم جديد في مكتب المتحدث الرسمي، أكد بشكل منفصل أنه لم تكن توجد أي أسلحة داخل المستشفى.

عملا بقوانين الحرب، تتمتع المستشفيات بحماية قانونية خاصة. وبينما يُمكن أن تصبح أي مبان مدنية أخرى أهدافا عسكرية إذا تم استخدامها لغايات عسكرية، لا تفقد المستشفيات الحماية من الهجمات إلا إذا تم استخدامها، بعيدًا عن وظيفتها الإنسانية، لتنفيذ أعمال تجعل العدو معرضًا للخطر. ويجب تنفيذ الهجمات التي تستهدف أهدافا عسكرية قريبة من مستشفى بطريقة غير عشوائية ودون أن تتسبب في تهديد غير متناسب للمستشفى أو المرضى. ورغم أن القوات الإسرائيلية حذرت موظفي المستشفى بشكل متكرر بضرورة إخلاء المكان، إلا أن هذه التحذيرات لا تعطي مشروعية لاستهداف المستشفى بشكل متكرر دون وجود مبررات عسكرية قانونية.

مقتل أبناء عم من عائلة البكر
نقل صحفيون عن شهود أن غارة جوية إسرائيلية استهدفت، على الساعة الرابعة مساءً من يوم 16 يوليو/تموز، خيمة صغيرة على رصيف ميناء غزة، وتسببت في مقتل أربعة أطفال كانوا يلعبون هناك. كما تسببت غارة أخرى بعدها بدقيقة واحدة، في إصابة رجل وثلاثة أطفال كانوا على مسافة خمسين مترًا من المبنى وهم في سبيلهم للفرار من الغارة الأولى. وتسببت الغارة في مقتل إسماعيل البكر، وعمره تسع سنوات، وثلاثة من أبناء عمه، هم عاهد، وعمره عشر سنوات، وزكريا، وعمره عشر سنوات أيضًا، ومحمد، وعمره 11 سنة، وكانوا جميعًا قرب المبنى الصغير. وقالت تقارير إخبارية إن الرجل الذي أصيب بجروح هو صياد من عائلة البكر أيضًا.

وفي 16 يوليو/تموز، قال بيان صادر عن الجيش الإسرائيلي إن "هذه الغارات كانت تستهدف "نشطاء حماس"، وإن الخسائر المدنية كانت "مأساوية". ونشر مراسل لصحيفة هآرتس اليومية على موقع تويتر أن مسؤولا عسكريًا إسرائيليًا قال في مؤتمر صحفي إنه تم "تحديد المبنى على انه تابع لـ حماس"، وإن الغارة الثانية أخطأت في اعتبار الأطفال "مقاتلين فارين". وفي 18 يوليو/تموز، قال الكولونيل بيتر ليرنر، المتحدث العسكري الإسرائيلي، للصحفيين إن الجيش بصدد التحقيق في الحادث.

وكان عدد من الصحفيين الأجانب قد شهدوا الهجوم، استنادًا إلى تقارير نشروها. وقالت صحفية، طلبت من هيومن رايتس ووتش عدم الكشف عن اسمها، إنها كانت في غرفتها في فندق الديرة، على بعد مئتي متر من مكان الهجوم، عندما سمعت الانفجار:

ركضت باتجاه المطعم، حيث يوجد فناء كبير مطل على الشاطئ، وشاهدت أطفالا صغار يجرون نحو الفندق وهم يصرخون ويومئون بأيديهم. كان موظفو الفندق يحثون الأطفال على الاختباء، ثم وقعت الغارة الثانية. تصاعد الدخان، ونجح العديد من الأطفال المصابين في الوصول إلى الفناء، بينما دخل ما لا يقل عن ثلاثة منهم إلى الفندق. قدمت مساعدة لواحد منهم كان يعاني من إصابة بشظية على مستوى الصدر، وكان عمره 13 سنة تقريبًا. شاهدت طفلا آخر، أصغر منه بقليل، مصابًا في رأسه. وذهب صحفيون آخرون وموظفو النزل إلى مكان الغارة فوجدوا جثث بقية الأطفال على الشاطئ. وقام أحد زملائي بمرافقة الأطفال المصابين إلى المستشفى، وقال إنهم بقوا على قيد الحياة.

تعد إسرائيل ملزمة بعدم مهاجمة أهداف مدنية، مثل المبنى الصغير على رصيف البحر، ما لم توجد أسباب معقولة لاعتباره هدفًا عسكريًا. ويتعين على كل طرف مهاجم أن لا يعتبر أي شخص فار من هجوم معين مقاتلا، وفي حالات الشك يُفترض اعتباره مدنيًا، وبالتالي حمايته. وتعتبر الهجمات التي لا تستهدف هدفا عسكريًا محددًا غير قانونية.

وتبرز صور أخرى التقطها صحفي آخر لشظايا موجودة في مكان الغارة أن القوات الإسرائيلية استخدمت صواريخ سبايك أثناء الهجوم. ولا يمكن إطلاق صواريخ سبايك، التي تصنعها شركة رافائيل لصنع الأسلحة الإسرائيلية، من السفن او الطائرات أو القوات البرية. وهذا الطراز من الصواريخ مجهز بجهاز كاميرا يسمح للشخص المتحكم فيه بالتثبت من الهدف منذ لحظة إطلاقه، وبتغيير مساره إذا وجد شكا حول الهدف. وإذا كان الصاروخ الذي استخدم في هذا الهجوم مجهزا بهذه التقنية البصرية، لا بد أن المتحكمين فيه كانوا قادرين على التمييز بين المقاتلين والأطفال الصغار، وعلى التراجع عن إطلاقه إذا لم يتم التأكد بشكل واضح من وجود مقاتلين.

هجوم تسبب بمقتل حامد شهاب، العامل في قطاع الإعلام، وإصابة 20 آخرين بجروح
تسببت غارة إسرائيلية جدت ظهر 9 يوليو/تموز في مقتل حامد شهاب، وعمره 32 سنة، ويعمل سائقًا لدى وكالة ميديا 24، وهي وكالة أنباء محلية، بينما كان يقود سيارته في حي الرمال جنوبي مدينة غزة، بحسب ما قاله زميل له كان شاهدًا على الحادث. وكان شهاب قد اشترى السيارة، وهي من نوع سكودا رمادية اللون، وكتب كلمة "TV"  بخط عريض على غطاء المحرّك.

وقال خالد الأشقر، وعمره 34 سنة، وهو مدير الوكالة، إن شهاب عمل معهم كسائق منذ افتتاح الوكالة في أكتوبر/تشرين الأول 2013. وأضاف: "كان يتصل بنا ونتصل به كلما احتجنا إلى مزيد من المساعدة، وخاصة أثناء التصعيد، وعندما نكون منشغلين جدًا:

قام بهذا العمل لمدة عدة أشهر، وأصبح يعمل معنا وقتا كاملا قبل أن يُقتل بثلاثة أيام. في ذلك اليوم، بدأ عمله معنا حوالي الساعة السابعة صباحًا في المستشفى، ولم يغادر ذلك المكان طوال اليوم، ثم ذهب إلى منزله لتغيير ملابسه. لا أفهم لماذا تم استهدافه، لم يكن منتميًا إلى حماس.

وقال حاتم سالمي، وعمره 28 سنة ويعمل مصورًا لوكالة ميديا 24، إنه عمل بشكل متواصل مع شهاب على امتداد الأيام الثلاثة السابقة، وفي مناسبات عديدة في الماضي، وأضاف: "كان صديقا جيدا، ولم يكن منتميًا إلى أي فصيل من فصائل المقاومة". وفي 9 يوليو/تموز، اتصل بهم مدير المحطة ليعلمهما أنهما يستطيعان العودة إلى منازلهما، فقررا العودة لتغيير ملابسهما ثم التوجه إلى المكتب. وقال حاتم سالمي لـ هيومن رايتس ووتش:

سار بي إلى منزلي في حي الرمال، واتفقنا على أن يعود لي بعد ذلك. كان حامد يحمل معه أفرشة نستطيع النوم عليها في المكتب. وكان يأتي ببعض الطماطم والبطاطا حتى نفطر عليها بعد صيام رمضان. وبعد ساعة ونصف اتصلت به، فقال "أنا في الأسفل". نظرت من الشباك، وقلت له "أنا لا أراك". فقال إنه قريب من المكان، وشاهدت سيارته، فنزلت إلى الطابق السفلي لأودع والدتي، ثم خرجت من المنزل. وما إن سرت خطوتين حتى سمعت الانفجار.

عدت مسرعًا للاختباء في الداخل، واعتقدت أن الهجوم استهدف مكانا مجاورًا، ولم أكن اعلم أنه كان أمامي بالضبط. صاحت زوجتي: "هذا انفجار في الخارج"، فأسرعت لأطمئن على حامد. شاهدت السيارة التي تحمل علامة “TV” ، إنها سيارة حامد، وبدأت أسأل الناس حولي: "هل رأيتم السائق؟" وبعد قليل، قال لي أحدهم إنه يوجد شخص بداخلها. اعتقدت أن حامد فرّ من السيارة، وبعد ذلك أعدت النظر، فشاهدت فقط نصف جسمه. لم أر نصفه العلوي، وكانت رجلاه تحت السيارة. وإلى الآن، لا أستطيع النوم، وكلما أغمض عيناي، أشاهد رجلاه تحت السيارة.

وقال حاتم سالمي، ووسائل إعلام، ومنظمات حقوقية محلية إن الهجوم تسبب في إصابة عشرين شخصًا بجروح، بمن فيهم أطفال. وأطلعت أسماء الغول، وهي صحفية أخرى تعمل في مكاتب ميديا 24، هيومن رايتس ووتش على مقطع فيديو على شبكة الانترنت قالت إنه يصور فترة ما بعد الهجوم، وفيه تقارب كبير مع روايات الشهود للغارة.

كما قال حاتم سالمي لـ هيومن رايتس ووتش:

كان يوجد أطفال قد غادروا لتوهم مسجدًا في المنطقة، وكان أصغرهم يبلغ من العمر ست سنوات. وتعرض ثلاثة من أبناء عمي إلى إصابات خطيرة، وكان عمر أصغرهم 12 سنة، بينما كان الآخران يبلغان 17 سنة و18 سنة، وتم نقلهما إلى مصر [لتلقي العلاج].

بحسب ما توفر من معلومات لـ هيومن رايتس ووتش، لم يوضح الجيش الإسرائيلي سبب مهاجمة السيارة. وتعتبر الهجمات التي لا تستهدف أهدافا عسكرية غير قانونية. ويجب أن لا تتعرض أي سيارة مدنية، وخاصة إذا كانت تحمل علامة "TV" ، إلى أي هجوم. وحتى لو كان الهدف عسكريًا أو كان شهاب هو الشخص الوحيد الذي قتل، فإن تنفيذ الهجوم قرب مسجد في وقت يغص فيه المكان بالمدنيين، بمن فيهم الأطفال، يعد عملا غير متناسب، وإخفاقا في اتخاذ الخطوات الكفيلة بتقليص الخسائر المدنية.

تصويب: في البيان الصحفي المنشور في 22 يوليو/تموز، ذكرت هيومن رايتس ووتش على نحو غير صحيح أن جميع أفراد عائلة غنام الخمسة الذين قتلوا في غارة جوية على منزلهم في رفح في 11 يوليو/تموز، كانوا مدنيين، بحسب أقارب وسكان محليين. ومع هذا، فقد زعمت جماعة مسلحة، هي سرايا القدس، أن أحد الضحايا، وهو محمود غنام، 28 عاما، كان عضوا بها. ولأن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من تحديد رتبته أو دوره في سرايا القدس، فإنه لا يمكن تحديد أهميته العسكرية، وهي أمر ضروري لتقرير مدى مشروعية الهجوم بموجب قوانين الحرب – ومن ثم فقد تم حذف حالته من البيان الصحفي.