عاملان وافدان يوضحان كيف أجبرهما الجنود اللبنانيون على الركوع متجاورين. بيروت في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2012.

© 2012 Nadim Houry/Human Rights Watch

 (بيروت) - على القضاء في لبنان التحقيق مع أفراد الجيش والمخابرات المسؤولين عن الاعتداء على ما لا يقل عن 72 عاملاً وافداً وانتهاك حقوقهم مساء 7 أكتوبر/تشرين الأول في بيروت بمنطقة الجعيتاوي، وملاحقتهم قانونياً. حسب أقوال الضحايا وشهود آخرين، يشمل المعتدى عليهم على الأقل 45 سورياً و20 مصرياً و7 سودانيين من العمال الوافدين.

التقت هيومن رايتس ووتش بـ25 رجلاً كلهم من الوافدين، وقالوا جميعاً إنهم تعرضوا لضرب مبرح، وكانت بأجسادهم جميعاً تقريباً كدمات ظاهرة تتفق مع أقوالهم. حسب أقوال هؤلاء الرجال، قام أفراد يرتدون زي الجيش اللبناني باقتحام الغرف التي يسكنونها وبدأوا في ركلهم وضربهم بقسوة، قبل توجيه أية أسئلة. تم الإمساك بأحد الرجال في الشارع بينما كان عائداً إلى بيته سيراً. لم يقم الجنود، الذين كان بعضهم فيما يُزعم يرتدي قمصاناً تعلوها شارة "المخابرات العسكرية"، باستجواب الرجال حول أية واقعة أو جريمة محددة، لكنهم اتهموهم بـ"التحرش بالنساء".

قال نديم حوري، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "بالاعتداء على هؤلاء العمال الأجانب بهذه الطريقة العنيفة، والمتسم ربما بالعداء للأجانب، فإن عناصر الجيش تصرفوا أقرب لتصرفات عصابة منه لمؤسسة وطنية".

قال كل من أجرت معهم هيومن رايتس ووتش مقابلات إنهم يحملون أوراق إقامة سارية المفعول في لبنان.

رحل الجنود بعد الاعتداء بـ4 ساعات، ولم يتضح ما إذا كان الجيش قد احتجز أياً من الوافدين. لم يعلم أي ممن أجريت معهم المقابلات بحدوث توقيفات، لكن السكان المحليين أخبروا هيومن رايتس ووتش بأنهم شاهدوا مجموعة من سبعة وافدين، بوجوه مغطاة، يجلسون داخل سيارة جيب عسكرية. أكد الجيران اللبنانيون للوافدين روايتهم عن اعتداء الجيش وقالوا إنهم لم يواجهوا أية مشاكل مع العمال، الذين يقيم بعضهم في منطقة الجعيتاوي البيروتية منذ سنوات.

لم يصدر الجيش اللبناني أي تصريح عن الاعتداءات.

قال نديم حوري: "الجيش اللبناني ليس فوق القانون، وعلى القضاء أن يحقق فوراً في هذا الاعتداء وأن يحاسب المسؤولين".

لم يكن هذا أول اعتداء حديث على الوافدين من جانب الجنود، ففي 1 أكتوبر/تشرين الأول قام بعض الجنود بتجميع المهاجرين من إحدى أحياء الأشرفية الأخرى، وفق أقوال سكان محليين، شاهدوهم يداهمون موقع بناء يعمل فيه الوافدون وينامون، وسمعوا صرخات صادرة من المبنى.

وقع الاعتداء الأخيرة مساء 7 أكتوبر/تشرين الأول. انتشر الجنود بكثافة في منطقة الجعيتاوي، وهي منطقة للطبقة الوسطى يسكنها أيضاً العمال الوافدون الذين يعمل معظمهم في مجال البناء. في نحو الثامنة والنصف مساءً أغار الجيش على شقة سكنية يسكنها ثلاثة عمال وافدين مصريين بالقرب من حديقة اليسوعيين. وحسب أقوال العمال، شرع الجنود على الفور في إهانتهم وضربهم بدون تقديم أي تفسير للمداهمة أو حتى طلب أوراقهم الثبوتية. بعد ذلك داهم الجيش بيوتاً مجاورة يسكنها عمال مصريون وسوريون آخرون، واحتجزوا مصرياً كان يسير في الجوار. ثم أرغم الجنود كافة العمال على الانتقال إلى سطح منزل مجاور، وأمروهم بالرقاد على الأرض، وشرعوا في ضربهم.

في 8 أكتوبر/تشرين الأول زارت هيومن رايتس ووتش سطح المنزل الذي قال الوافدون إنهم أُخذوا إليه، والتقت بـ12 مصرياً. قال هؤلاء لـ هيومن رايتس ووتش إن الجنود ركلوهم ولكموهم، وضربوهم بكعوب بنادقهم، وساروا فوق أجسادهم، وأهانوهم. وكان لم يزل ظاهراً على أجساد أغلبيتهم العظمى كدمات تتفق مع الضرب. قدر الوافدون عددهم على السطح بنحو 40 وافداً: 14 مصرياً وأغلبية الباقين من السوريين. قال أحد المصريين لـ هيومن رايتس ووتش،

إنني أعيش في لبنان منذ 17 عاماً ولم يسبق لي المرور بشيء كهذا. كل  أهالي المنطقة بيعرفوني. لم أواجه مشكلة مع أحد قط، ولم أنظر لامرأة نظرة غير لائقة. كلما حاولت أن أسأل الجيش عما يحدث، كانوا يأمرونني بإغلاق فمي ويضربونني. كانوا يريدون إذلالي فقط.

في النهاية طلب الجنود من العمال الوافدين أوراقهم الثبوتية وبيانات الاتصال بأصحاب أعمالهم. لم يتم استجواب أحد بشأن واقعة تحرش بنساء. قال الجميع إن أوراقهم القانونية كانت معهم، وتم السماح لهم بمغادرة السطح في نحو الحادية عشرة والنصف مساءً، ولم يبلغ إلى علمهم تعرض أحد للتوقيف.

في نحو التاسعة والنصف من مساء نفس اليوم، في جهة أخرى من الجعيتاوي، أقرب إلى الدرج المؤدي إلى منطقة مار ميخائيل، داهم الجنود تسعة غرف يستأجرها وافدون سوريون وسودانيون في مبنى من طابقين. زارت هيومن رايتس ووتش المكان في اليوم التالي والتقت بـ13 من الوافدين، ووفق شهادات متكررة، استخدم الجيش العنف ضد الوافدين من البداية. وكما حكى أحد العمال الذي تقع غرفته في الطابق الأرضي،

كنت أخرج من الحمام حين اقتحم الجنود المكان وهم يصيحون. نحن حوالي 10 عمال، نسكن الغرفة. كنا نسترخي بعد يوم من العمل. بدأوا على الفور في إهانتنا والصياح فينا بأن نرقد على الأرض. ركلونا بأحذيتهم العسكرية وضربونا بالأسلاك وبعصا مكنسة أخذوها من حمامنا. حين حاول أحدنا أن يستفسر عما يجري، كانوا يضربوننا ويأمروننا بإغلاق أفواهنا. قالوا "أنتم تتحرشون بالفتيات" لكن حينما حاولنا الاحتجاج ضربونا.

بعد نحو الساعة، جمع الجنود كل السوريين في المبنى وكذلك مجموعة من السودانيين في غرفة بالطابق الأرضي. قال الوافدون لـ هيومن رايتس ووتش إنهم أُرغموا على الركوع الواحد فوق الآخر، وعند تلك النقطة بدأ أحد الجنود في المشي فوقهم. أعاد الوافدون تمثيل الوضع لـ هيومن رايتس ووتش في الغرفة التي تم تجميعهم فيها.

كان هناك اثنان على الأقل من القصّر في المجموعة، حسب رواية الشهود. ورغم أن هيومن رايتس ووتش لم تستطع إجراء مقابلة معهما، إلا أن العمال الآخرين قالوا إن الجنود ضربوهما في البداية بدورهما، لكنهم نقلوهما جانباً فور أن عرفوا بعمريهما.

قال أحد الوافدين السوريين إنه تعرض للضرب بقسوة على وجه الخصوص. كان الجنود قد عثروا على حاسب محمول في الغرفة التي يستأجرها مع آخرين، فطلبوا منه تشغيل الحاسب، لكنه قال إنه لا يخصه ولا يعرف كيف يشغله، فشرع الجنود في إلقاء الماء عليه وضربه بعصا خشبية. شاهدت هيومن رايتس ووتش الكدمات على ظهره. تعرض سوري آخر، وهو عامل بناء في الثالثة والأربعين، تعرض للضرب المبرح لدرجة أنه خشي أن يكون أحد ضلوعه قد كسر. قال كل العمال إنهم لا يملكون تكاليف الذهاب إلى طبيب، لكنهم ذهبوا إلى عيادة محلية تابعة للصليب الأحمر، فأعطتهم رذاذاً لرشه على الكدمات.

قال كافة الوافدين الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش مقابلات إن الجنود لم يحققوا في أية واقعة محددة ولا سألوا عن أشخاص بعينهم. رغم الاتهام الأوليّ بالتحرش بالنساء، لم يسأل الجنود عن أية واقعة تحرش محددة. قام الجنود بمضايقة بعض الوافدين السوريين بتوجيه أسئلة سياسية من قبيل "هل أنت مع عرعور [الشيخ السلفي المعروف المقرب من المعارضة السورية]؟" ؛ "هل أنت مع جيش بشار أم الجيش السوري الحر؟" ؛ "ما هي ديانتك؟" كانت أوراق الإقامة مع كافة المستجوبين، ورحل الجنود في نحو الواحدة صباحاً بدون توقيف أحد.

قال الجيران اللبنانيون لـ هيومن رايتس ووتش إنهم حاولوا التدخل لكن الجنود صاحوا فيهم أن يدخلوا إلى بيوتهم.

في نحو منتصف ليل 7 أكتوبر/تشرين الأول، تلقى طاقم هيومن رايتس ووتش معلومات من السكان المحليين تفيد بأن الجيش يقوم بتجميع الوافدين. عند الوصول إلى الجعيتاوي، لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد مكان المنازل التي تم تجميع العمال السوريين فيها، لكنها شاهدت 4 سيارات جيب عسكرية منتشرة [في المنطقة]. حينما قام أحد الباحثين بالاقتراب من الجنود للاستفسار عما يحدث، قالوا له "لا شيء" وطلبوا منه الرحيل. في مساء اليوم التالي تمكنت هيومن رايتس ووتش من إعادة زيارة المنطقة وتحديد الغرف والشقق التي يسكنها الوافدون.