أعلن الاتحاد الأوروبي طويلا التزامه الثابت بمكافحة الإفلات من العقاب والسعي إلى العدالة الدولية. وقد دعم هذا الزعم من خلال تصوير نفسه على أنه أقوى مؤيد للمحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، وفي ما يتعلق بسوريا، فإن الاتحاد الأوروبي فشل في كلتا الحالتين في ممارسة ما يدعو إليه، إذ ثبت أن التزام أوروبا بالعدالة، وفي ظل اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في سوريا التي لم تُظهر أي مؤشرات على انحسارها، كان في أحسن الأحوال فاتراً وغير متسق.

هناك ما لا يقل عن عشرة أعضاء في الاتحاد الأوروبي مؤيدون لإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية من قبل مجلس الأمن. إنه الطريق الواقعي الوحيد للمحكمة للحصول على ولايتها على الجرائم التي تُرتكب في سوريا. لكن دول الاتحاد الاوروبي لا تقوم سوى بالقليل جدا تحويل مثل هذه الإحالة إلى واقع.

في الواقع، ووراء الكواليس، يقول دبلوماسيون ووزراء أوروبيون إن السعي لتحقيق العدالة سيكون عقبة أمام أي اتفاق سلام؛ وأن إقحام المحكمة الجنائية الدولية سينهي إمكانية طريق للخروج للرئيس السوري بشار الأسد وغيره من كبار المسؤولين السوريين؛ وأن تنفيذ العدالة الجنائية سيعقد أية عملية انتقال سياسي.

نفس الحجج قدمت، وتم الطعن في مصداقيتها، خلال حروب يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي. إن مفهوم تداخل السعي نحو تطبيق العدالة مع تسوية سلمية محتملة قد تم تكراره في الحرب البوسنية 1992-1995 أيضاً؛ على سبيل المثال، عارض واضعو السياسات والمسؤولون لائحة الاتهام من طرف القادة العسكريين والسياسيين من صرب البوسنة، راتكو ملاديتشورادوفان كارادزيتش، على أساس أن هذا من شأنه أن يضر بمفاوضات دايتون التي تهدف إلى إنهاء الحرب. وخلال حرب كوسوفو في عام 1999، عارضوا توجيه الاتهام إلى رئيس صربيا، سلوبودان ميلوسيفيتش، على أساس أنه من شأنه أن يجعل من المستحيل التوصل إلى تسوية.

وفي كلا الحالتين كانوا مخطئين - السلام جاء، لكن العدالة جاءت بدورها. وبدلا من أن ينظر إليهما على أنهما ضروريان ومشاركين في ومساهمين في عملية السلام في البوسنة، أصبح كارادزيتش وملاديتش منبوذين وهاربين. في كوسوفو، تم التوصل إلى اتفاق لانسحاب القوات الصربية من كوسوفو أياما بعد صدور مذكرة اعتقال في حق ميلوسيفيتش.

إن سجل الصراعات الأخرى يؤكد أن لوائح اتهام كبار القادة السياسيين والعسكريين والمتمردين يمكن أن تعزز فعلا جهود السلام من خلال نزع الشرعية عن وتهميش أولئك الذين يقفون في طريق إيجاد حل للنزاع. على سبيل المثال، كان ينظر إلى مذكرة اعتقال الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور المفتوحة في افتتاح محادثات إنهاء الحرب الأهلية الليبيرية على أنها مفيدة في دفع المفاوضات إلى الأمام. وعلى نفس المنوال، في بلدان مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان، فقد ساهم الفشل الكبير في محاسبة المسؤولين عن أخطر الجرائم، في وقوع المزيد من الانتهاكات.

قضية مسؤولية

إن هذه التجربة التاريخية ذات صلة بسوريا اليوم، على حد سواء في الممارسة العملية ومن حيث المبدأ. يشير كثيرون إلى أن رحيل بشار الأسد من سوريا سيشكل عنصرا أساسيا في حل ممكن، ولكن في هذه الحالة فإن الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية لن تمنع الرئيس (وأي من زملائه من كبار المسؤولين الآخرين) من السعى إلى "خروج آمن"، إذا تم اتهامهم. ومع ذلك، على الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية، تنفيذ أي مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، ولكن الكثيرين أيضا لهم قوانين "عالمية الاختصاص القضائي" تسمح لهم بمتابعة الناس المتورطين في جرائم خطيرة والذين يدخلون بلدانهم. لذلك، فإن أي مسؤول سوري متهم في جرائم موثقة جيدا في سوريا يسعى إلى اللجوء بعيدا عن دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية، يواجه خطر المتابعة القضائية - مع أو بدون وجود إحالة من طرف المحكمة الجنائية الدولية. وعلاوة على ذلك، فإن العروض المتكررة من أجل "خروج آمن" للأسد في حين أن قواته المسلحة والميليشيات تواصل هجومها الدموي، هو أمر لا يفيد كثيراً في ردع الجرائم.

إن الدرس المهم هنا، هو أنه يجب ألا يتم تأجيل العدالة أو سيادة القانون خلال فترة انتقالية من النزاع إلى السلام أو من الديكتاتورية إلى الديمقراطية. بعض أشد الجرائم خطورة تحدث عندما تنهار سيادة القانون خلال التحولات العنيفة. ليس من المرجح أن تكون سوريا، بعد عقود من الدكتاتورية، قادرة بسرعة على إقامة نظام قضائي محلي يمكنه التصدي لهذه الجرائم. في مثل هذه الظروف، يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تلعب دورا مهما بوصفها الهيئة القضائية المستقلة الوحيدة التي يمكنها أن تحقق، وربما إلى حد بعيد، أن تمنع المزيد من الجرائم الخطيرة - وتحديد وتوجيه الاتهام إلى المسؤولين الرئيسيين، بغض النظر عن الجهة السياسية التي يقفون إلى جانبها.

خلال ثمانية عشر شهرامن أعمال العنف في سوريا، أفادت جماعات معارضة أنه تم قتل أكثر من 17700 شخص مع تشرد مئات الآلاف، في حين أن عدداً أكبر من ذلك يعاني العواقب الخيمة للنزاع المسلح. المخاطر الآن مرتفعة للغاية - سواء بالنسبة لضحايا الفظائع التي ارتكبت في سوريا أو بالنسبة للجهود الدولية للحد من الإفلات من العقاب على الجرائم الخطيرة. في مثل هذه اللحظة، فالعمل الدولي الفعال - بدلا من الالتزامات والإعلانات الخطابية النبيلة - هو أمر حيوي وضروري.

يمكن تحديداً لدول الاتحاد الأوروبي الـ 27 أن تعلن معا على دعمها إحالة سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية. سيكون الاتحاد الأوروبي فقط قادرا على حشد الآخرين إن استطاع التوصل إلى موقف جماعي. وفي المقابل، فإن تشكيل ائتلاف شامل وعالمي من الدول مسألة ضرورية للضغط على روسيا والصين، بما أنهما عضوين دائمين في مجلس الأمن الدوليفي حال قرر المجلس التحرك أو حتى إذا قرر البحث في التوصل إلى رد فعل.

إذا استطاع الاتحاد الأوروبي (بما في ذلك المملكة المتحدة) أن يقدم حججاً مقنعة بأن المحكمة الجنائية الدولية - بوصفها مؤسسة قضائية مستقلة ونزيهة - ستبحث أفعال كل أطراف الصراع السوري، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى قطع شوط طويل في اتجاه التصدي لاعتراضات روسيا والصين بأن إجراءات مجلس الأمن بخصوص سوريا من شأنها أن تكون متحيزة. لقد تأخرت كثيراً أية محاولات شاملة لتحقيق العدالة والمساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في سوريا، والمحكمة الجنائية الدولية يمكنها أن تلعب دورا محوريا، ولكن فقط إذا ما سُمح لها بذلك.

* كلايف بالدوين هو مستشار قانوني أول في هيومن رايتس ووتش. لوت ليخت هي مديرة الدعوة لحقوق الإنسان لدى  الاتحاد الأوروبي ومديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في بروكسل.