النازحة عائشة سليمان ابّكر مع طفلتيها فاطمة، عامان، وشادية، 7 أعوام، في كوخهم بمعسكر للنازحين في طويلة، شمالي دافور، بعد فرارهم إليه من قريتهم في سبتمبر/أيلول إثر أعمال العنف. (2010، آلبيرت غونزاليس فاران، أ ف ب).

© 2010 Getty Images

(جوهانسبيرغ، 6 يونيو/حزيران 2011) - جاء في تقرير نشرته هيومن رايتس ووتش اليوم أن إقليم دارفور شهد المزيد من الانتهاكات الخطيرة  خلال فترة الشهور الستة السابقة، في ما تركّز اهتمام المجتمع الدولي على الاستقلال المرتقب لجنوب السودان. وقالت المنظمة إن مجلس الأمن، الذي من المقرر أن يتلقى في 8 يونيو/حزيران الجاري تقريراً حول الوضع في دارفور، والاتحاد الأفريقي، عليهما أن يتخذا المزيد من الخطوات لضمان محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب المستمرة في دارفور والضغط أيضاً، على السودان بغرض حمله على وقف الهجمات على المدنيين في دارفور ووقف الاعتقال التعسفي بحق الناشطين وإصلاح جهاز الأمن والاستخبارات الوطني.    

ويوثّق التقرير الذي جاء بعنوان "دارفور: غياب الاهتمام الدولي ... هجمات الحكومة السودانية المستمرة على المدنيين وحقوق الإنسان"، تفاقم النزاع، المستمر على مدى السنوات الثماني السابقة، خلال الشهور الست الماضية. وجاء في تقرير هيومن رايتس ووتش أن ازدياد الهجمات التي تقودها الحكومة السودانية على المناطق المأهولة في دارفور والقصف الجوي تسبّبا في مقتل عشرات المدنيين وفي تدمير المناطق المستهدفة ونزوح ما يزيد على 70000 شخص، غالبيتهم من المناطق التي يقطنها الزغاوة والفور، الذين تعتقد الحكومة أنهم يرتبطون بالمجموعات المتمردة. 

وقال دانيال بيكيل، مدير قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "دارفور تصدّرت الأنباء في السابق لكنها تواجه في الوقت الراهن خطر النسيان. ثمة حاجة الآن، أكثر من أي وقت مضى، لممارسة ضغوط دولية على السودان لإنهاء الانتهاكات المستمرة التي ترتكبها الحكومة في دارفور وضمان عدم إفلات مرتكبي جرائم الحرب من المحاكمة ، في وقت لم يتبق فيه سوى أقل من شهر فقط على انقسام السودان إلى دولتين".  

وقالت هيومن رايتس ووتش إن إطلاع مجلس الأمن في 8 يونيو/حزيران الجاري على الجرائم الدولية في دارفور، بواسطة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، سيمنح الحكومات سانحة مهمة للإصرار على السودان كي يتعاون مع المحكمة الدولية وزيادة ضغوطها على الخرطوم. إذ لم يمثل أمام العدالة حتى الآن أي من الذين اتهمتهم المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم في دارفور، بمن في ذلك الرئيس عمر البشير.

ويرتكز تقرير هيومن رايتس ووتش على نتائج بحوث اُجريت خلال الفترة من يناير/كانون الثاني حتى مايو/أيار 2011 في كل من شمال وجنوب دارفور والخرطوم. وأجرى باحثو هيومن رايتس ووتش خلال هذه الفترة لقاءات مع ما يزيد على 50 من شهود العيان وضحايا الهجمات وانتهاكات حقوق الإنسان في دارفور، فضلاً على لقاءات مع مسؤولين حكوميين ومحامين وأعضاء في منظمات المجتمع المدني  في المدن والقرى ومعسكرات النازحين.  

وكان القتل في دارفور قد تجدّد في 10 ديسمبر/كانون الأول الماضي إثر هجمات شنّتها قوات الحكومة على خور أبشي وجنوبي دارفور وشنقلي طوباية وشمال دارفور، عقب تدهور العلاقات بين الحكومة وأركو مني مناوي، القائد الرئيسي الوحيد في "جيش تحرير السودان" الذي وقّع على "اتفاق سلام دارفور" عام 2006.

لا تزال القوات الحكومية مستمرة في انتهاكاتها لقوانين الحرب خلال عملياتها ضد قوات المتمردين في دارفور دون أدنى محاسبة لمرتكبي هذه الانتهاكات. إذ حدثت مواجهات ووقعت هجمات على المدنيين في شمال وجنوب دارفور، فضلا عن مناطق في شرق جبل مَرّة، حيث أسفر القتال المستمر منذ مطلع عام 2010 عن نزوح عشرات الآلاف من المدنيين باتجاه الجبال.. فخلال منتصف شهر مايو/أيار فقط أسفرت الغارات الجوية للقوات الحكومية على مناطق في شمال وجنوب دارفور عن مقتل ما يزيد على 20 مدنياً.

وقال بيكيل: "إن أنماط انتهاكات واضحة، تعتمد في الغالب على الخلفية العرقية، قد صاحبت تجدد القتال في دارفور"، وأضاف قائلا: "فشل الحكومة المستمر على مدى فترة طويلة في محاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات أدى فيما يبدو إلى تأجيج الانتهاكات".

ففي واحدة من الحالات التي وثّقتها هيومن رايتس ووتش ضِمن هجمات الحكومة على منطقة شنقلي طوباية في 21 /ديسمبر/كانون الأول الماضي، حاصرت مجموعة من 20 جندياً حكومياً منزل زعيم محلي ونهبته. وطلب الجنود من الزعيم المحلي معرفة اسم قبيلته، وهدّدت بـ"قتل كل الزغاوة واغتصاب جميع نسائهم". سرقت مجموعة الجنود معدات زراعية يملكها هذا الزعيم المحلي واختطفت قريب له، يبلغ من العمر 22 عاماً، واتهمته بالانتماء لمجموعة "جيش تحرير السودان" المتمردة.    

توصلت هيومن رايتس ووتش إلى أن انتهاكات الحكومة لحقوق الإنسان ازدادت أيضاً. ففي 6 مايو/أيار الماضي اعتقل مسؤولو جهاز الأمن والاستخبارات الوطني الناشطة الاجتماعية حواء عبد الله من معسكر أبو شوك للنازحين في الفاشر، واعتقلت أيضاً موظفاً يعمل في بعثة حفظ السلام المشتركة للأمم المتحدة/الاتحاد الأفريقي في دارفور (يوناميد) [رابط للبيان الصحفي حول اعتقال حواء عبد الله]. وفي 8 آيار/مايو الماضي نشرت وسائل إعلام حكومية مقالات اتهمت فيها حواء عبد الله بـ"تنصير" الأطفال في معسكرات النازحين، واتهمتها أيضاً بالارتباط بجماعة متمردة - وهي جريمة يُعاقَب عليها بالإعدام في القانون السوداني. كما نُشرت مع المقالات صورة لحواء عبد الله وهي تمسك بنسخة من الإنجيل وقدت بدت عليها علامات إنهاك واضحة وكدمات على وجهها.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن العشرات من ناشطي ونازحي دارفور تعرضوا للاعتقال في كل من الخرطوم ودارفور لفترات تجاوزت الحد الأقصى المنصوص عليه في القانون السوداني للاعتقال من دون تهمة أو محاكمة. واعتقل جهاز الأمن والاستخبارات الوطني منذ 24 أبريل/نيسان الماضي ناشطاً سودانياً آخر يعمل موظفاً في بعثة حفظ السلام دون أن توجه له تهمة. كما لا يزال قيد الاعتقال حتى الآن في الفاشر شخصان من معسكر أبو شوك للنازحين في الفاشر اُلقي القبض عليهما غداة زيارة لمجلس الأمن في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وهناك قيد الاعتقال أيضاً، منذ ما يقارب العامين، أربعة من قادة مجموعة للنازحين لا يزالا قيد الحبس حتى الآن بموجب قانون الطوارئ.    

وثّقت هيومن رايتس ووتش أيضاً حالات اعتداء ارتكبها أفراد تابعون لقوات الأمن بحق نازحين داخل المعسكرات، كما وثّقت أيضاً عمليات قمع لمظاهرات طلابية سلميّة وعمليات عنف جنسي ارتكبها أفراد هذه القوات. وفي ظل القيود التي تفرضها الحكومة السودانية على الدخول إلى معظم مناطق دارفور، سواء على قوات حفظ السلام أو على منظمات العون الإنساني، لا يزال مدى المعاناة الانسانية ومدى انتهاكات لحقوق الإنسان هناك غير معروف. 

وقالت هيومن رايتس ووتش أيضاً إن الحكومة السودانية تنتهج فيما يبدو "عملية سياسية محلية" داخل دارفور لإشراك أفراد من المجتمع الدارفوري في حوارات حول التوصل لحلول للنزاع في دارفور. إلا ان أثر هذه الحوارات غير واضح على محادثات السلام مع جماعات التمرد في دارفور وعلى الترتيبات الدستورية الجديدة في شمال السودان في أعقاب انفصال الجنوب المرتقب. كما أعلنت الحكومة أيضاً عن إنشاء ولايتين جديدتين غربي وجنوبي دارفور، كما تعتزم كذلك إجراء استفتاء في يوليو/تموز المقبل حول الوضع الإداري لدارفور، وهي خطوة ترى جماعات التمرد ويعتقد المراقبون أنها ستؤدي إلى تعقيد محادثات السلام.

من المقرر أن ينفصل جنوب السودان بصورة رسمية عن حكومة الخرطوم في 9 يوليو/تموز 2011 المقبل بموجب النتائج التي أسفر عنها الاستفتاء الذي أجري في يناير/كانون الثاني الماضي حول استقلال الجنوب، حسب نص "اتفاقية السلام الشامل"، التي وضعت نهاية للحرب الأهلية التي استمرت 22 عاماً.

وأعلن كل من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة دعم العملية السياسية الجديدة في دارفور شريطة أن يعمل السودان على إيجاد "بيئة مواتية" لضمان حقوق وحريات المشاركين. ولكن لم تتضح بعد قائمة هذه المؤشرات على تغير الوضع في دارفور وكيفية قياس هذه المؤشرات. 

وقال بيكيل: "على كل من التتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، كطرفين يلعبان دوراً بالغ الأهمية في دارفور، ضمان توفر مراقبة فاعلة من جانب بعثة حفظ السلام التابعة لهما على أوضاع حقوق الإنسان في دارفور"، وأضاف قائلا: "أي دعم يقدمانه للسودان يجب أن يصب في مصلحة ترقية وحماية الحقوق وليس تقويضها".

ففي مارس/آذار الماضي قالت الحكومة السودانية إنها ستلغي قانون الطوارئ، الذي يخوّل لها سلطات اعتقال الأفراد من دون إجراء قضائي، وهو تنازل واضح جاء نتيجة المناشدات الداعية للإصلاح قبل الشروع في أي عملية سياسية في دارفور. لكن الحكومة لم تتخذ خطوة في هذا الاتجاه بعد. 

وكانت المنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان قد ظلت على مدى فترة طويلة تناشد السودان بإجراء إصلاحات على جهاز الأمن والاستخبارات الوطني، الذي يملك سلطات تخوّل له اعتقال الأفراد لفترات زمنية طويلة من دون إجراء قضائي، كما معروف عن هذا الجهاز تعذيب المعتقلين وإساءة معاملتهم.

جدير بالذكر أن مجلس الأمن أحال عام 2005  الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأصدرت المحكمة فيما بعد مذكرات توقيف بحق ثلاثة متهمين على خلفية تهم تتعلق بارتكاب عمليات إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في دارفور. وتشتمل قائمة المتهمين، بالإضافة إلى الرئيس عمر البشير، أحمد هارون، حاكم ولاية جنوب كردفان، وعلي كوشيب، وهو زعيم لميليشيات "الجنجويد". وأعلنت المحكمة الجنائية الدولية في 2010 عدم تعاون الحكومة السودانية في قضيتي هارون وكوشيب، بناء على العقبات التي وضعها السودان أمام عمل المحكمة وفشله في إلقاء القبض على المتهمين.    

فشل السودان أيضاَ في تطبيق أي من التوصيات الرئيسية المتعلقة بتحقيق العدالة، الواردة في تقرير لجنة الاتحاد الأفريقي حول دارفور، الذي نشر في أكتوبر/تشرين الأول 2009 مسلطاً الضوء على أهمية إجراء محاكمات للنظر في الجرائم الكبرى التي ارتُكبت في دارفور. [.

وقال بيكيل: "أحال مجلس الأمن الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وعليه الآن اتخاذ موقف صارم إزاء تعهداته تجاه الآلاف من الضحايا والضغط على السودان لكي يتعاون مع المحكمة".