اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش الحكومة السودانية اليوم بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية اقترفتها الميليشيا التي تساندها الحكومة في دارفور؛ وقالت المنظمة المدافعة عن حقوق الإنسان، في تقرير جديد لها صدر اليوم، إن القوات الحكومية والميليشيات العربية الموالية لها تقوم بأعمال القتل والاغتصاب والسلب والنهب ضد المدنيين الأفارقة الذين ينتمون لنفس الطوائف العراقية التي تنتمي إليها قوات المتمردين في هذه المنطقة الغربية من السودان، وذلك في إطار حملة لحرق وتدمير المزارع.

وفي تقريرها الجديد الصادر تحت عنوان: "النيران تشتعل في دارفور: الفظائع المرتكبة في غربي السودان"، تصف هيومن رايتس ووتش استراتيجية التهجير القسري التي تنتهجها الحكومة ضد المدنيين من أبناء الطوائف العرقية غير العربية، التي ينتمي إليها أغلب أعضاء الجماعتين الرئيسيتين من المتمردين، وهما "حركة/جيش تحرير السودان" و"حركة العدالة والمساواة". فقد تبين لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن قوات الجيش تقصف المدنيين عشوائياً، في حين تعمد كل من القوات الحكومية والميليشيات إلى تدمير القرى بصورة منهجية، وشن غارات وحشية على ثلاث جماعات عرقية، هي الفور والمساليت وزغاوة.
وقالت جورجيت غاغنون، نائبة مدير قسم إفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش

"إن حملة الإرهاب الحكومية قد أفضت إلى النزوح القسري لمليون من المدنيين الأبرياء حتى الآن، وما فتئت أعداد النازحين تتزايد يوماً بعد يوم".

هذا، وقد دعت هيومن رايتس ووتش الحكومة السودانية إلى نزع أسلحة الميليشيات وحلها على الفور، وتيسير السبل أمام المنظمات الإنسانية الدولية كي يتسنى لها تقديم معونات الإغاثة للنازحين.

وقد قامت الحكومة بتجنيد وتسليح ما يربو على 20 ألفاً من أعضاء الميليشيات الذين ينحدرون من أصل عربي، وتشترك مع هذه الميليشيات المعروفة باسم "الجنجويد" في شن هجمات على المدنيين من أبناء طوائف الفور والمساليت وزغاوة العرقية. وخلال العام المنصرم، فر زهاء مليون من المدنيين من قراهم، ونزح معظمهم إلى مدن ومخيمات لا يزالون يتعرضون فيها للقتل والاغتصاب والسلب والنهب على أيدي الميليشيات.

ولئن كانت الاشتباكات تقع من حين لآخر بين الطوائف العربية والإفريقية في دارفور منذ عشرات السنين، بسبب التناحر على الأرض والموارد الشحيحة، فإن الصراع الحالي بدأ قبل 14 شهراً، عندما ظهرت على الساحة جماعتان متمردتان جديدتان، هما "حركة/جيش تحرير السودان" و"حركة العدالة والمساواة"، وطالبتا الحكومة السودانية بالكف عن تسليح الجماعات العربية في دارفور، ومعالجة المظالم الطويلة الأمد المتعلقة بتخلف الإقليم.

ونتيجة لذلك، شنت الحكومة حملة شعواء من القصف والتدمير، مصحوبة بالغارات التي تشنها الميليشيات ابتغاء السلب والنهب، مما أجبر أكثر من 800 ألف شخص على النزوح من ديارهم، واضطر 110 آلاف آخرين للجوء إلى تشاد المجاورة.

وفي إطار حملة من حرق وتدمير المزارع والأراضي، قتلت القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها بضعة آلاف من المدنيين من أبناء جماعات الفور، وزغاوة، والمساليت، ودرجت على اغتصاب النساء والفتيات، واختطاف الأطفال، ونهب عشرات الآلاف من رؤوس الماشية، وغيرها من الممتلكات. وفي العديد من أنحاء دارفور، تعمدت هذه القوات والميليشيات حرق المئات من القرى، وتدمير موارد المياه، وغيرها من منشآت البنية التحتية، مما يزيد من صعوبة عودة السكان السابقين.
وقالت غاغنون "إن الميليشيات لا تزهق أرواح الأفراد فحسب، بل تدمر سبل رزق عشرات الآلاف من العائلات؛ والمستهدفون من هذا هم المزارعون في المنطقة، وما لم تتوقف هذه الانتهاكات، ويتلقَّ السكان معونات الإغاثة الإنسانية، فقد يقع الإقليم في براثن المجاعة في غضون أشهر قليلة".

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي على الأمين العام للأمم المتحدة أن يطلب من مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إرسال بعثة تحقيق إلى دارفور على الفور، لتقصي الحقائق بشأن الأوضاع في الإقليم، ثم رفع تقرير بشأنها إلى لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، المجتمعة حالياً في جنيف، قبل انتهاء دورتها الحالية في 23 أبريل/نيسان. وحثت هيومن رايتس ووتش لجنة حقوق الإنسان على اعتماد قرار - بموجب البند التاسع - يقضي بتعيين مقرر خاص معني بحقوق الإنسان في السودان. ويصف التقرير كيف تسمح القوات الحكومية لميليشيات "الجنجويد" بأن تقترف ما تقترفه من الأفعال وهي بمأمن من أي مساءلة أو عقاب. وقد تقاعست القوات الحكومية عن حماية المدنيين حتى عندما ناشد هؤلاء الأشخاص العزل قوات الجيش والشرطة حمايتهم، محذرين من أن قراهم توشك أن تتعرض للهجوم. كما اعترضت القوات الحكومية وميليشيات "الجنجويد" سبيل المدنيين الفارين إلى تشاد.

وأضافت غاغنون قائلةً
"لقد حاولت حكومة الخرطوم قمع هذا التمرد بسرعة خاطفة أملاً منها ألا يتسنى للمجتمع الدولي حشد مساعيه والضغط على الحكومة لحملها على وقف تدميرها لدارفور؛ غير أن الحكومة السودانية لن تُعفى من المساءلة عما وقع من جرائم ضد الإنسانية ليس بالإمكان تجاهلها".

وجدير بالذكر أن محادثات السلام السودانية التي تجري في كينيا برعاية "الهيئة الحكومية الدولية للتنمية" (الإيغاد) - وهي هيئة حكومية دولية تضم دول شرقي إفريقيا - تقتصر على الطرفين الرئيسيين في الصراع الدائر منذ 20 عاماً في السودان الجنوبي؛ ولا تشمل هذه المحادثات إقليم ولا المتمردين في هذا الإقليم. وقد استغلت الحكومة السودانية الهدنة الخاضعة لإشراف دولي في جنوب السودان، فحولت مروحياتها الهجومية وغيرها من الأسلحة الثقيلة، التي اشترتها بعائدات نفط الجنوب، إلى منطقة دارفور الغربية. ويعكس القصف العشوائي الذي تقوم به الحكومة، وحملتها العسكرية الرامية لحرق وتدمير المزروعات والممتلكات، ومنع وصول المعونات الإنسانية إلى دارفور - يعكس كل هذا نفس الاستراتيجية الفتاكة التي انتهجتها الحكومة في الجنوب، ولو أن ما خلفته من نزوح وتشريد ودمار في دارفور جاء بوتيرة أسرع مما شهده أو كابده سكان الجنوب.