في الوقت الذي تستمر فيه عمليات عسكرية كبرى في مدينة الفلوجة العراقية، حثت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطات الأمريكية على إجراء تحقيق بشأن استخدام القوات الأمريكية للقوة المفرطة ضد المتظاهرين العراقيين هناك - فيما يبدو - خلال يومي 28 و30 أبريل/نيسان؛ جاء هذا في تقرير جديد أصدرته المنظمة المدافعة عن حقوق الإنسان اليوم.

وفي تقريرها الذي يقع في 18 صفحة، والصادر تحت عنوان: "الاستجابة العنيفة: الجيش الأمريكي في الفلوجة"، تشكك هيومن رايتس ووتش في صحة ما زعمته السلطات العسكرية الأمريكية من أن قواتها تعرضت لنيران مباشرة أطلقها عليها أفراد كانوا وسط جموع المتظاهرين يوم 28 أبريل/نيسان؛ إذ لم تعثر المنظمة على أي دليل قاطع على حدوث أضرار ناجمة عن أعيرة نارية في المدرسة التي كان الجنود يتخذونها مقراً لهم. وعلى النقيض من ذلك، بدت على المباني المواجهة للمدرسة آثار واسعة النطاق لطلقات نارية متعددة الأعيرة، مما يناقض المزاعم الأمريكية بأن الجنود ردوا بـ"رمي دقيق بالنيران".

ويؤكد تقرير هيومن رايتس ووتش أيضاً أن السلطات الأمريكية تقاعست عن إعداد قواتها، وبالأخص قوات المظليين من الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جواً، للاضطلاع بالمهام المعقدة لتنفيذ القانون الواقعة على عاتق سلطات الاحتلال العسكري، أو تدريبهم على ذلك بصورة وافية. كما أنحى التقرير باللائمة على السلطات العسكرية والسياسية الأمريكية لأنها وضعت قواتٍ متحفزة للقتال في بيئة سريعة التقلب، مثلما هو الحال في الفلوجة، رغم افتقارها للتدريب الكافي على مهام تنفيذ القانون وأساليب السيطرة على الجماهير؛ بل إن هذه القوات كانت تفتقر أيضاً للمترجمين.

وقال هاني مجلي، المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش:
"لقد بدأ وجود القوات الأمريكية في الفلوجة بهذه الأحداث المأساوية في أواخر أبريل/نيسان الماضي، وظل مضطرباً منذ ذلك الحين؛ لا بد الآن من إجراء تحقيق وافٍ في احتمال وقوع انتهاكات للقانون الإنساني الدولي من جانب القوات الأمريكية"
. وقال مجلي إن القوات الأمريكية استشعرت خطراً يهددها من جانب جمهور المتظاهرين ذلك اليوم، ولكن الأدلة المتوفرة تشير إلى أن ردها اتسم بالشطط في استخدام القوة.

وكانت القوات الأمريكية قد دخلت مدينة الفلوجة، البالغ عدد سكانها 300 ألف نسمة، والواقعة على بعد نحو 60 كيلومتراً غربي بغداد، في 23 أبريل/نيسان؛ وفي 28 أبريل/نيسان، قامت مظاهرة تطالب بجلاء القوات الأمريكية، ولم تلبث أن تحولت إلى مواجهة بين الجانبين؛ وقال شهود عراقيون إن الجنود الأمريكيين أطلقوا نيرانهم دون أي استفزاز من جانب المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل 17 شخصاً، وإصابة أكثر من 70 آخرين بجروح. بيد أن الجنود والقادة العسكريين الأمريكيين في الموقع، والمسؤولين في مقر القيادة الوسطى، أكدوا أن الجنود ردوا بإطلاق النيران بدقة على مسلحين بين جموع المتظاهرين كانوا هم البادئين بإطلاق النار. وبعد ذلك بيومين، أطلقت قافلة عسكرية كانت تسير في الفلوجة نيرانها وسط مظاهرة أخرى، مما أدى إلى مقتل ثلاثة عراقيين وإصابة ما لا يقل عن 16 آخرين.

هذا، وقد أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع عدد من الضحايا، والشهود، والجنود والقادة العسكريين الأمريكيين، وقامت بتحري الأدلة المتعلقة بالقذائف والأسلحة النارية في الموقع.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن الولايات المتحدة، باعتبارها دولة الاحتلال في العراق، ملزمة بموجب القانون الإنساني الدولي بضمان النظام والسلامة العامة؛ وعند قيامها بمهام تنفيذ القانون، من قبيل السيطرة على الجماهير، يجب أن تكون أفعالها خاضعة لمعايير تنفيذ القانون. وجدير بالذكر أن "المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين" تنطبق على جميع من يمارسون سلطات الشرطة، بما في ذلك الجنود حينما يعملون بهذه الصفة. ولا يجوز للموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين استخدام القوة المميتة إلا "عندما يتعذر تماماً تجنبها من أجل حماية الأرواح"؛ ويجب عليهم عندئذٍ ممارسة ضبط النفس والتصرف على نحو يتناسب مع خطورة الجرم، وتقليل الإصابات إلى أدنى الحدود، واحترام وصون حياة الإنسان.

وحثت هيومن رايتس ووتش السلطات الأمريكية على إجراء تحقيق شامل ومستقل ونزيه في أحداث الفلوجة، بغية الوقوف على كامل الملابسات التي أفضت إلى مقتل نحو 20 عراقياً، ومحاسبة أي شخص يثبت انتهاكه للقانون الإنساني الدولي.

ولا تغني النتائج التي خلصت إليها منظمة هيومن رايتس ووتش عن إجراء تحقيق شامل ومستقل ونزيه، يتيسر للقائمين به الاطلاع على أدلة سرية، من قبيل الاتصالات بين القادة العسكريين الأمريكيين، واستجواب الجنود المعنيين، وغير ذلك من المصادر الاستخباراتية؛ كما يجب أن يركز التحقيق على الدور المحتمل لأي محرضين مندسين بين جموع المتظاهرين.
وقال مجلي
إنه إذا أثبت التحقيق أي استخدام غير مشروع للقوة، فسوف يكون لزاماً على الحكومة الأمريكية تقديم تعويضات للضحاي
ا. يمكن الاطلاع على التقرير في الموقع التالي على شبكة الإنترنت:
https://www.hrw.org/reports/2003/iraqfalluja