ذكرت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" في تقرير أصدرته اليوم، في أعقاب تحقيقات استغرقت أسبوعاً، أن ثمة دلائل توحي بأن قوات الجيش الإسرائيلي ارتكبت جرائم حرب في العملية العسكرية التي قامت بها في مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين. لكن المنظمة لم تتوصل إلى أي دليل يدعم الادعاءات القائلة بأن القوات الإسرائيلية ارتكبت مجازر راح ضحيتها مئات الفلسطينيين في هذا المخيم.

وحددت المنظمة في تقريرها، الذي يقع في ثمانٍ وأربعين صفحة، هوية اثنين وخمسين فلسطينياً قتلوا في أثناء العملية، منهم اثنان وعشرون مدنياً قتل الكثيرون منهم عن عمد أو دون وجه حق. كما وجدت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" أن القوات الإسرائيلية استخدمت المدنيين الفلسطينيين "دروعاً بشرية" واستخدمت القوة المفرطة والعشوائية أثناء العملية.
وقال بيتر بوكارت، وهو أحد كبار الباحثين بمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" وعضو فريق التحقيق:
"إن الانتهاكات التي وثقناها في جنين بالغة الخطورة، ويبدو أنها تصل في بعض الحالات إلى حد جرائم الحرب؛ ومن الضروري إجراء تحقيقات جنائية لتحديد المسؤولية الفردية عن أخطر الانتهاكات. وهذه التحقيقات هي أولاً وأخيراً مسؤولية الحكومة الإسرائيلية، ولكن على المجتمع الدولي أن يضمن توافر القدر المعقول من المحاسبة في هذا الصدد".

وكان فريق من منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" مكون من ثلاثة من المحققين ذوي الخبرة في هذا الصدد قد قضى سبعة أيام في مخيم جنين للاجئين، حيث استمع إلى روايات تفصيلية من الضحايا والشهود، وحرص على التثبت منها بدقة ومضاهاتها بروايات آخرين بصورة مستقلة لإعادة بناء صورة تفصيلية للأحداث التي وقعت في المخيم في أبريل/نيسان 2002. غير أن الجيش الإسرائيلي لم يوافق على طلب منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" الذي قدمته مراراً للحصول على معلومات بخصوص عمليات التوغل العسكري التي قام بها في الضفة الغربية وغزة. وقال بوكارت، الذي سبق أن رأس تحقيقات منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" في الانتهاكات التي وقعت في وقت الحرب في الشيشان وكوسوفا وأفغانستان، إن من الواضح أن أحداث جنين تستدعي إجراء المزيد من التحقيقات، مشيراً إلى أن من شيم الجيوش المحترفة أن تولي اهتماماً جاداً لضرورة تحديد المسؤولين عن الانتهاكات الخطيرة لقوانين الحرب.

وقال بوكارت:
"يجب على إسرائيل أن تتعاون بصورة كاملة مع بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، ويجب ألا يفلت من العقوبة أي شخص يثبت ضلوعه في الانتهاكات السافرة لقوانين الحرب. وحيث أن هناك روايات شديدة التباين عما حدث في جنين، فإن بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة يمكن أن تسهم إسهاماً كبيراً في البحث عن الحقيقة هناك"
.
وكانت القوات الإسرائيلية قد شنت عملية عسكرية كبرى في الثالث من أبريل/نيسان 2002 على مخيم جنين للاجئين، الذي يقيم فيه حوالي أربعة عشر ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين. واشترك ما يتراوح بين ثمانين ومائة فلسطيني مسلح في القتال ضدها. وتزعم إسرائيل أن المخيم كان نقطة انطلاق للكثير من عمليات التفجير الانتحارية التي أدت إلى قتل وتشويه أكثر من مائة مدني إسرائيلي في الأشهر الأخيرة. وقد أدانت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" مراراً هذا القتل المتعمد للمدنيين. كما قام الفلسطينيون المتشددون المسلحون بزرع العديد من العبوات الناسفة في المخيم قبل الاجتياح الإسرائيلي وفي أثنائه.

ومن بين المدنيين الاثنين والعشرين الذين وثق هذا التحقيق مقتلهم الأشخاص التالية أسماؤهم:
كمال زغير (57 عاماً) وهو رجل مقعد قتل رمياً بالرصاص ثم دهسته الدبابات الإسرائيلية يوم 10 أبريل/نيسان بينما كان ينتقل على كرسيه المتحرك حاملاً علماً أبيض عبر طريق رئيسي في جنين.
جمال فايد (37 عاماً) وهو رجل مشلول سُحق تحت أنقاض بيته يوم 7 أبريل/نيسان بعد أن رفضت القوات الإسرائيلية إمهال أسرته ريثما تقوم بإخراجه من المنزل قبل أن تهدمه إحدى الجرافات.
فارس زيبان (14 عاماً) الذي قتل بإطلاق النار عليه من عربة مصفحة تابعة للقوات الإسرائيلية وهو في طريقه لشراء بعض الحوائج من البقالة بعد رفع الحصار المفروض من جانب القوات الإسرائيلية أخيراً في الحادي عشر من أبريل/نيسان.

عفاف دسوقي (52 عاماً) التي قتلت في الخامس من أبريل/نيسان في انفجار عبوة ناسفة زرعها جنود القوات الإسرائيلية أمام مدخل بيتها بينما كانت تفتح الباب للجنود.
وفي إحدى الحالات التي أصيب فيها أحد المتشددين الفلسطينيين، منع الجنود الإسرائيليون وصول المساعدات الطبية إليه لعدة ساعات ثم قتلوه، وكان الرجل ملقىً على مقربة من إحدى المستشفيات قرب المخيم، ولم يكن عندئذ مسلحاً أو مشاركاً بدور فعال في القتال.
كما توصلت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" إلى دلائل تشير إلى أن القوات الإسرائيلية عمدت لاستخدام القوة بصورة عشوائية لا تتناسب مع هدف الحملة؛ فقد أطلقت المروحيات التي زودت بها الولايات المتحدة إسرائيل صواريخ مضادة للدبابات وأنواعاً أخرى من المقذوفات على المخيم، وكان ذلك في بعض الحالات يحدث دون بذل الجهد الكافي لتحديد الأهداف العسكرية المشروعة وتجنب إصابة بيوت المدنيين. وقصفت المروحيات العديد من المنازل في مخيم جنين التي يسكنها المدنيون فقط، والتي لم يكن بها أي مقاتلين فلسطينيين. وفي واحدة من هذه الحالات العديدة أصابت قذيفة أطلقتها دبابة وصاروخان مضادان للدبابات من طراز "تاو" أطلقتهما إحدى المروحيات منزل كامل طوالبة، وهو أب لأربعة عشر طفلاً في السادس من أبريل/نيسان. ولم يكن في منزل طوالبة أي مقاتلين؛ وعندما حاول هو وأسرته مغادرة المنزل المحترق أطلق الجنود الإسرائيليون الموجودون في المنطقة النار عليهم. وفي حالة أخرى قتلت امرأة تبلغ من العمر ستين عاماً عندما أطلقت مروحية صاروخاً على شقتها الواقعة بالطابق العلوي بإحدى البنايات على الرغم من عدم وجود أي فلسطينيين مسلحين في البناية أو في المنطقة المجاورة لها مباشرة.
وقد أدت حملة الجيش الإسرائيلي إلى دمار واسع النطاق للبنية الأساسية في المخيم على نحو لا يتناسب مع دوافع الحملة، وخصوصاً في حي الحواشين في أعقاب كمين نصب فيه لجنود إسرائيليين في التاسع من أبريل/نيسان. وعلى العكس مما حدث في أماكن أخرى من المخيم، حيث استخدمت الجرافات المصفحة أساساً لتوسيع الشوارع، قامت الجرافات في حي الحواشين بتسوية المنطقة بأكملها بالأرض. وفي شتى أنحاء المخيم هدمت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 140 مبنى حتى سوتها بالأرض؛ وكثير من هذه المباني كانت تقيم فيها العديد من الأسر، كما تعرض أكثر من 200 مبنى آخر للتدمير الشديد، مما أدى لتشريد ما يقدر بأربعة آلاف شخص، أي أكثر من ربع سكان المخيم. ويقع أكثر من مائة من هذه المباني في حي الحواشين.

ومن الواضح أن تسوية الحي بأكمله بالأرض بصورة موسعة ومنهجية ومتعمدة لا يتناسب مع أي هدف عسكري تسعى إسرائيل إلى تحقيقه. وقال بوكارت إن إثبات أن هذا التدمير تجاوز كثيراً حد الضرورة العسكرية إلى حد التدمير المفرط بلا مبرر - مما يعد جريمة من جرائم الحرب - يجب أن يكون من أهم أولويات لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة.
كما وثقت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" حالات عمدت فيها القوات الإسرائيلية إلى استخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية، وهو أسلوب يحرمه القانون الإنساني الدولي. وفي إحدى الحالات، أرغم الجنود الإسرائيليون ثمانية مدنيين على سترهم بإجبارهم على الوقوف في شرفة بينما كان الجنود يطلقون النار على مسلحين فلسطينيين. وكان من بين هؤلاء المدنيين كامل طوالبة وابنه البالغ من العمر أربعة عشر عاماً؛ ووصف طوالبة كيف أرغمهما الجنود على البقاء لمدة ثلاث ساعات في مرمى النيران، وراحوا يتخذون من كتفيه وكتفي ابنه متكأً لبنادقهم وهم يطلقون النار.
وقال بوكارت:
"وحتى لو سلمنا بصحة الاتهام الإسرائيلي بأن الجماعات الفلسطينية التي تتخذ من مخيم اللاجئين قاعدة لها هي المسؤولة عن مهاجمة المدنيين الإسرائيليين، فإن ذلك لا يبرر انتهاكات الجيش الإسرائيلي الموثقة في هذا التقرير". وأضاف بوكارت أن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان"
لم تعثر على أي أدلة على أن المسلحين الفلسطينيين اتخذوا المدنيين دروعاً بشرية بالإكراه أثناء المعارك التي دارت في المخيم، ولم تجد أي دلائل توحي بأن المسلحين الفلسطينيين منعوا مدنيين فلسطينيين من مغادرة المخيم.
وقال بوكارت: "كما هو الحال في تحقيقاتنا السابقة في عمليات الجيش الإسرائيلي، فقد وجدنا أيضاً حالات كثيرة أجبرت فيها القوات الإسرائيلية مدنيين فلسطينيين على المشاركة في عمليات عسكرية"؛ وأردف بوكارت قائلاً: "لقد أجبر مدنيون فلسطينيون، تحت تهديد السلاح في بعض الأحيان، على مصاحبة قوات الجيش الإسرائيلي أثناء تفتيشها للمنازل، وعلى القيام ببعض المهام الخطيرة أثناء عمليات التفتيش تلك".
وخلال معظم "عملية الدرع الواقي"، منعت قوات الجيش الإسرائيلي فرق الإسعاف والأطباء من دخول مخيم جنين؛ وأطلق الجنود نيرانهم مراراً على طواقم الإسعاف التابعة للهلال الأحمر؛ وفي إحدى الحالات، قتل الجنود بنيرانهم ممرضة ترتدي الزي الرسمي، وهي فروة جمال البالغة من العمر سبعة وعشرين عاماً؛ وكانت قد جاءت إلى المخيم لإسعاف رجل جريح. وفي حالة أخرى، توفيت مريم وشاحي، البالغة من العمر ثمانية وخمسين عاماً، في بيتها بعد ست وثلاثين ساعة من إصابتها بجروح ناجمة عن شظايا؛ فقد منع الجنود الإسرائيليون طواقم الإسعاف المرة تلو الأخرى من الوصول إلى منزلها الواقع على بعد بضع مئات من الأمتار من المستشفى الرئيسي في جنين.
وخلال الفترة التي كان الجيش الإسرائيلي يسيطر فيها على المخيم، كانت السلطات الإسرائيلية هي المسؤولة، بموجب القانون الإنساني الدولي، عن سلامة السكان المدنيين؛ ورغم ذلك فقد منعت السلطات الإسرائيلية المنظمات الإنسانية من دخول المخيم أثناء هجومها عليه، وظلت تحول دون وصول المعونات الإنسانية إلى المخيم لعدة أيام بعد توقف العمليات العسكرية، رغم الحاجة الماسة إليها.

يُذكر أن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" قامت بالتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي التي ارتكبتها الحكومات والجماعات المسلحة في حالات الصراع في شتى أنحاء العالم، وأصدرت التقارير عنها، ومن أحدث هذه الحالات كوسوفو، والبوسنة، والشيشان، وشرقي الكونغو، وإندونيسيا، وأفغانستان، وكولومبيا.
وتُعدُّ منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" حالياً تقريراً منفصلاً عن المسؤولين عن عمليات التفجير الانتحارية ضد المدنيين الإسرائيليين.