اتهمت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" المسؤولين في ولاية كوجرات بالتورط المباشر في أعمال القتل التي حصدت أرواح المئات من المسلمين منذ 27 فبراير/شباط؛ وقالت المنظمة، في تقرير جديد أصدرته اليوم، إن المسؤولين يدبرون الآن خطة واسعة النطاق للتستر على دور الولاية في أحداث العنف

ومن المقرر أن يناقش البرلمان الهندي اليوم الأوضاع في ولاية كوجرات، وقد يصوِّت على قرار بتوجيه اللوم إلى الحكومة الهندية بسبب أسلوب معالجتها لأحداث العنف.
وتقول سميتا نارولا، الباحثة الأولى في قسم آسيا بمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" التي كتبت التقرير:
"إن ما حدث في كوجرات لم يكن انتفاضة تلقائية، وإنما هجوم مدبر بعناية ضد المسلمين؛ فقد تم التخطيط للهجمات مسبقاً، وتم تنظيمها بمشاركة واسعة النطاق من جانب مسؤولين في شرطة الولاية وحكومتها"
. وقد تبين أن الشرطة قد تورطت بصورة مباشرة في جميع الهجمات التي وقعت على المسلمين تقريباً، والتي وثقتها المنظمة في تقريرها الذي يقع في 75 صفحة، والصادر تحت عنوان: "'ليست لدينا أوامر بإنقاذكم': مشاركة الحكومة وتواطؤها في العنف الطائفي في كوجرات". وقد اكتفى مسؤولو الشرطة في بعض الحالات بمراقبة الأحداث دون أن يحركوا ساكناً وكأن الأمر لا يعنيهم، ولكنهم في كثير من الأحيان قادوا الهجمات التي شنتها جماعات القتلة من الغوغاء، وراحوا إذذاك يصوبون بنادقهم على كل من يعترض سبيلهم من المسلمين ويطلقون النار عليهم. وتظاهر بعض ضباط الشرطة بتقديم المساعدة للضحايا بينما هم يسوقونهم إلى أيدي قتلتهم مباشرة. أما المكالمات الهاتفية التي أجراها الضحايا المذعورون مع أجهزة الشرطة أو المطافئ، أو حتى الإسعاف، فقد كانت عديمة الجدوى في مجملها؛ وأفاد عدة شهود بأن الشرطة قالت لهم: "ليست لدينا أوامر لإنقاذكم".

وبعد الهجمات الأولية بثلاثة أسابيع، قام مبعوثون من منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" بزيارة مدينة أحمد آباد، التي كانت مسرحاً للدمار الواسع وأعمال القتل والعديد من المجازر، وتحدثوا إلى بعض الناجين من هذه الهجمات، من الهندوس والمسلمين. كما يتضمن التقرير شهادات بشأن الهجمات الانتقامية التي تعرض لها الهندوس، والتي أدانتها منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" بشدة.
لقد قُتل أكثر من ثمانمائة وخمسين شخصاً، أغلبهم من المسلمين، في ولاية كوجرات الغربية خلال الشهرين الماضيين؛ بل ثمة تقديرات غير رسمية تشير إلى أن حصيلة القتلى بلغت 2000. وقد بدأت أحداث العنف في 27 فبراير/شباط بعد أن هاجمت مجموعة من المسلمين في بلدة غودرا قطاراً يقل نشطاء من الهندوس، وأضرموا النيران في اثنتين من عربات القطار، مما أسفر عن مصرع 58 شخصاً.

وبدءاً من 28 فبراير/شباط 2002، وقعت موجة من أعمال القتل الانتقامية على أيدي الهندوس طيلة ثلاثة أيام، مما أدى إلى سقوط المئات من القتلى، وتشريد عشرات الآلاف وتجريدهم من ممتلكاتهم. كما شاعت على نطاق واسع أعمال النهب والحرق التي تعرضت لها منازل المسلمين ومحالهم التجارية ومساجدهم؛ وتعرضت الفتيات والنساء المسلمات للاغتصاب الوحشي. وحفرت قبور جماعية في شتى أنحاء الولاية؛ وقال حفارو القبور لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" إن الجثث مازالت تتوالى عليهم محترقةً وممثلاً بها إلى حد يصعب معه التعرف عليها. وتتناثر محال ومطاعم المسلمين المحترقة على امتداد الشوارع والطرق الرئيسية في مدينة أحمد آباد؛ أما المنشآت الهندوسية المجاورة لها فمن اللافت للنظر أنها بقيت سليمة ولم يمسها أي ضرر.

وفيما بين 28 فبراير/شباط و2 مارس/آذار، انقض الآلاف من المهاجمين على أحياء المسلمين، وكانوا يشدون رؤوسهم بالعصابات ذات اللون الزعفراني ويرتدون سراويل الكاكي القصيرة، وهو الزي المميز للجماعات القومية الهندوسية، ويحملون السيوف والمتفجرات المعقدة التركيب وإسطوانات الغاز. وقد استدلوا على المنازل والمنشآت المملوكة للمسلمين عن طريق قوائم الناخبين وعناوينهم المطبوعة التي حصلوا عليها من المجلس البلدي المحلي.

وفي الأسابيع التالية لهذه الهجمات، دمرت أيضاً منازل ومحلات الهندوس في هجمات انتقامية قام بها المسلمون. أما أبرز الجماعات المتورطة تورطاً مباشراً في أحداث العنف ضد المسلمين فهي "المجلس الهندوسي العالمي"، ومنظمة "باجرانغ دال"، ومنظمة "راشتريا سويامسيفاك سنغ"، و"حزب بهاراتيا جاناتا" الذي يرأس حكومة ولاية كوجرات؛ وتعرف هذه المنظمات مجتمعة باسم "سنغ باريفار" أي "أسرة المنظمات القومية الهندوسية".
وتبذل إدارة ولاية كوجرات محاولات واسعة النطاق للتستر على دور الولاية في المجازر، ودور منظمات "سنغ باريفار"؛ فالعديد من البلاغات التي قدمها شهود عيان للشرطة في أعقاب الهجمات ذكرت بالتحديد أسماء زعماء محليين في "المجلس الهندوسي العالمي" و"حزب بهاراتيا جاناتا" وتنظيم "باجرانغ دال"، باعتبارهم من المحرضين أو المشاركين في أحداث العنف. وتواجه الشرطة - التي تتلقى تعليمات من إدارة الولاية حسبما ورد- ضغوطاً مستمرة لثنيها عن اعتقال هؤلاء أو لحملها على تخفيف التهم الموجهة إليهم. كما أقيل من مناصب القيادة كبار ضباط الشرطة الذين حاولوا حماية المسلمين.
وقالت نارولا: "إن هذه أزمة تتعلق بإفلات الجناة من العقاب؛ إذ ما لم يتم التحقيق في التهم الموجهة إلى أعضاء هذه الجماعات وتقديمهم إلى القضاء بناءً على هذا التحقيق، فقد يستمر طوفان العنف في اجتياح الولاية، بل قد ينتشر إلى سائر أنحاء البلاد".
وقد أثارت أحداث العنف التي شهدتها ولاية كوجرات موجة من الغضب والاستنكار على الصعيد الوطني، وأدانتها بشدة الأحزاب السياسية، واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، ورئيس الوزراء الهندي، والمجتمع المدني بوجه عام. وقامت المنظمات الهندية المدافعة عن حقوق الإنسان والحريات المدنية والصحافة الهندية بالتوثيق الدقيق لمجزرة غودرا وما أعقبها من هجمات.
وقالت نارولا: "بعد شهرين من أحداث العنف، بدأ المجتمع الدولي يستيقظ من غفلته، وبات لزاماً عليه الآن أن يستجيب لهذه الأحداث".
وتشير إحصائيات الحكومة إلى أن أكثر من 98000 شخص، أغلبيتهم الساحقة من المسلمين، صاروا يقيمون فيما يربو على 100 من مخيمات الإغاثة في شتى أنحاء الولاية. وقد تقاعست حكومة الولاية عن تقديم المعونات الإنسانية الكافية في إبانها للمواطنين الذين شُرِّدوا من ديارهم في ولاية كوجرات؛ وبدت مخيمات الإغاثة التي زارها مبعوثو منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" في أمسِّ الحاجة للمزيد من المعونات الحكومية الدولية. ويقع أحد هذه المخيمات في مقبرة للمسلمين، حيث يؤوي 6000 شخص ينامون في العراء بين القبور.
وقالت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" إنه ينبغي على المنظمات الإنسانية الدولية ووكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة تقديم معونات عاجلة إلى الهندوس والمسلمين في مخيمات الإغاثة؛ كما حثت المنظمة الحكومة الهندية على أن تنشط في التماس العون من الوكالات الدولية، وتدعو خبراء حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة للتحقيق في تورط المسؤولين في حكومة الولاية وشرطتها في أحداث العنف الجارية في كوجرات.

كما حثت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" المجتمع الدولي على ممارسة ضغوط على الحكومة الهندية لحملها على الالتزام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدستوري الهندي، ووضع حد للحصانة التي يتمتع بها المسؤولون عن ارتكاب أعمال العنف المنظمة ضد الأقليات الهندية، مما يجعلهم في نجوة من أي حساب أو عقاب.

مقتطفات من أقوال الشهود بشأن العنف في كوجرات الواردة في تقرير
"ليست لدينا أوامر بإنقاذكم":
"لقد كانت الشرطة معهم، وراحوا يختارون منازل المسلمين ويضرمون النار فيها. وصوب رجال الشرطة أسلحتهم على الصبية المسلمين وأطلقوا النار عليهم؛ ثم اشتركوا مع الهندوس في إضرام النيران في المنازل ونهبها. كان أفراد الشرطة يحملون زجاجات الكيروسين، ويطلقون النار، ويشعلون الزجاجات؛ أما الآخرون فكانوا يحملون السيوف والتريشول [نوع من السكاكين الكبيرة]؛ وكان بعض المهاجمين يشدون رؤوسهم بالعصابات ذات اللون الزعفراني التي كتبت عليها عبارة "جاي سري رام" [المجد للإله رام]. ويتألف المهاجمون من أشخاص من حيِّنا وآخرين من خارج الحي؛ ولم يقع أي من حالات القتل في منطقتنا على أيدي أعضاء تنظيم "باجرانغ دال"، وإنما وقعت جميعها برصاص الشرطة؛ كما فقد أحد الأشخاص بصره بسبب نيران الشرطة؛ وأُحرقت امرأة وهي على قيد الحياة؛ كانت عجوزاً ولم يكن بمقدورها أن تجري، فمزقوها إلى ثلاث قطع".

-- محمد سليم (22 عاماً) من غومبتيبور، أحمد آباد.
"لقد قُتل 19 من أفراد عائلتي؛ زوجتي، وأمي، وابني، واثنتان من زوجات أبنائي، وزوجة ابن أخي، وغيرهم. عثرنا على أربع عشرة من الجثث، ولا تزال خمسٌ مفقودة. وهذه الجثث الأربع عشرة مدفونة ههنا [في مقبرة جماعية بالقرب من مخيم دارياخان غونمات في شاهيباوغ]. لقد قتل اثنان وستون شخصاً هناك، ولم يُعثر على تسع وعشرين جثة. قاموا أولاً بتقطيع الضحايا كيلا يستطيعوا الفرار، ثم أشعلوا فيهم النار. وانتحوا بامرأة أو اثنتين جانباً ثم اغتصبوهما واحداً تلو الآخر. وبعد خمس ساعات جاء أفراد الشرطة ثم أحضرونا هنا؛ لقد كان الأمر مدبراً تدبيراً محكماً. دفنا أربعة عشر من أفراد عائلتنا هنا يوم 7 مارس/آذار".

-- منصوري عبد الله (53 عاماً)، من سكان حي غولمارغ، الذي كان مسرحاً لواحدة من أبشع المجازر التي شهدتها مدينة أحمد آباد.
"من المناطق التي يمثلها المقيمون في هذا المخيم، أصيب خمسة وعشرون شخصاً برصاص أفراد الشرطة وغيرهم من عامة الناس؛ لقي ستة عشر حتفهم، ولا يزال الباقون في المستشفيات... ولا تزال عمليات الحرق مستمرة... إذا استمروا في تقسيم الناس، فسوف يستمر الناس في فقدان الثقة في الدولة؛ يجب عليهم أن يضعوا حداً لذلك. وإذا لم تكن الدولة راغبة في إيقاف ذلك، فسوف تستمر هذه الحوادث. سوف يقول لك الجميع إن الشرطة جاءت أولاً، ثم تلاها المهاجمون من الأفراد العاديين".
-- أحد المشرفين على مخيم للإغاثة في أحمد آباد
"قمت بغسل جثث السيدات قبل دفنها؛ كانت بعض الجثث بلا رؤوس، وكانت جثث أخرى مبتورة الأيدي، وكان بعضها كالفحم - لا تكاد تلمسها حتى تتفتت. غسلت سبع عشرة جثة يوم 2 مارس/آذار، ولم تكن سوى جثة واحدة سليمة تماماً؛ جميعها أحرقت، وكانت جثث كثيرة منها مشقوقة إلى نصفين من الوسط. وفي 3 مارس/آذار وصلت خمس عشرة جثة أخرى؛ صببت عليها الماء فحسب، إذ لم أعد احتمل البقاء بجوار الجثث". -- سيدة في إحدى المقابر الجماعية في أحمد آباد